islamaumaroc

[كتاب] ذاكرة ملك، للحسن الثاني معطيات تاريخية هامة

  إدريس العلوي البلغيثي

298 العدد

يشكل التاريخ مع الدين واللغة أهم المقومات الفكرية والحضارية للأمة، المحددة لهويتها، والممثلة لأصالتها، والمحافظة على وجودها ضد التيارات الخارجية الهادفة إلى السلب والمسخ والنيل من كرامتها وسيادتها.
وقد حافظ المغاربة – منذ أن هداهم الله إلى دينه القيم الإسلام الحنيف – على هذا البناء الحضاري الخالد، وحرصوا عليه أشد الحرص، وأفادوا من معطياته أيما إفادة في مسيرتهم الحضارية الموفقة عبر الأحقاب والعصور، وأولوا التاريخ أهمية قصوى، وصرفوا جهودهم إلى الاشتغال به، والاجتهاد في وضع أسسه الموضوعية، وتطوير منهجيته، حتى أضحى علما أصيلا، يقبل بشغف على دراسته، واستيعاب مادته الخاصة والعامة.
وحسبي دليلا على ذلك العلامة المؤرخ عبد الرحمن ابن خلدون الذي ألف موسوعته الشهيرة: «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر». وأبدع فيها أيما إبداع حيث حدد في ديباجتها المفهوم الموضوعي للتاريخ بقوله: «علم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق»(1)
وبلغت عناية ملوك المغرب الأماجد بالتاريخ جمعا وتدوينا إلى حد إحداث منصب المؤرخ الرسمي للمملكة، تنحصر مهمته في تسجيل جميع الأحداث الوطنية وعلاقتها بالوقائع العربية والإسلامية والأجنبية.
ويعد جلالة الملك مولاي الحسن الثاني – حفظه الله – من أكثر ملوك المغرب عناية بالتاريخ الوطني والقومي خاصة، والعالمي عامة. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل ذاتية وموضوعية، تتجلى الأولى في الميل إلى دراسته، والتخصص فيه بجانب العلوم الأخرى، وإيثار البحث الأكاديمي في مجاله الفسيح، وقد أكد – نصره الله – ذلك بقوله:
«فحينما أحرزت شهادة الباكالوريا ذهبت عند والدي لأفسر له أنني تحدوني الرغبة في دراسة التاريخ».(2)
وكان والده جلالة الملك سيدي محمد الخامس – طيب الله ثراه – خير مشجع له على الاهتمام بالتاريخ، وتعميق الدراسة فيه:
«والحمد لله على أن أبي كان شيدي الحرص على أن أتابع دراسات معمقة في الأدب، وفي التاريخ خاصة».(3)
وتنحصر العوامل الموضوعية لهذه العناية في إدراك جلالته – حفظه الله – لأهمية التاريخ في حياة الأمة، حاضرها ومستقبلها، فهو الذي يثبت هويتها، ويوحد كلمتها، ويخلد مآثرها وأمجادها، ويرقى بها إلى مدارج العلا والسناء.
ويشهد كتاب جلالته القيم: «ذاكرة ملك» على هذا الاهتمام، ويعكس بكل جلاء تأصل التاريخ في شخصيته الموسوعية التي جمعت فأوعت: فالكتاب ينضج بمعطيات تاريخية هامة، تعرفنا بأصالة الأمة المغربية وبوحدتها الروحية بعد انصهارا في بوتقة الإسلام، يقول جلالته:
«تم التمازج العرقي بشكل عام بين البرابرة المنحدرين من اليمن، وعرب قريش الوافدين من سوريا ومصر وليبيا، فهؤلاء الأشخاص تزاوجوا وكونوا مجتمعا واحدا».(4)
كما تعرفنا على دواعي قدوم جد الأشراف العلويين وملوكهم الأماجد من ينبوع النخل بمكة المكرمة إلى بلاد المغرب الكريمة بكل أمانة وموضوعية:
«إننا لم نأت إلى هذا البلد لنستولي على الحكم، وإنما أتيتا لأنه طلب منا ذلك. ولما كانت واحات النخيل في صحرائنا تافيلالت تتعرض للإبادة من لدن حشرة «الفطر» التي كانت تنخرها، فقد ظن الناس أن وجود واحد من آل الرسول سيقيهم سوء هذا البلاء. وشاءت معجزة التاريخ أن يصادف وصول جدي الحسن إلى المغرب السنة التي نجت فيها تلك الواحات من الهلاك فمكثنا هنا».(5)
واندمج أجدادا الأشراف العلويين الأكارم في صلب المجتمع المغربي الأصيل بالتزواج والمصاهرة وصاروا عضوا نشطا في كيانه المتعاضد: أوفياء لملوكه، مخلصين لعرشه المجيد، ذائدين عن حياضه بالنفس والنفيس:
«لقد عاش أجدادي أربعة قرون في المغرب، كرعايا لمختلف الأسر الملكية، لقد ولدوا هنا، وأدوا الضرائب، وحاربوا حين كان لا مناص من الحرب خصوصا في الأندلس، بل في عهد بني الأحمر التمس أهل الأندلس من جدي مولاي علي الشريف أن يتولى قيادة جيشهم، فكان جوابه، وهو محفوظ عندنا:
«دعوني وشأني، لقد جئت للجهاد ضد الكفار تلبية لنداء السلطان أمير المؤمنين، ولقد أديت الرسالة، والآن سأعود لدياري»
ولم يتقلد الأشراف العلويون زمام أمر هذه البلاد السعيدة الآمنة إلا بعد أن دب الضعف في دولة السعديين، وأصبحت قاب قوسين أو أدنى، بحيث لم تعد تقوى على مواجهة الأعداء الألداء، ورد اعتداءاتهم الغاشمة على سواحله الشاسعة الأطراف، فكان استبدال هؤلاء الأشراف العلويين الأشاوس بملوك هذه الدولة المنهارة والمغلوبة على أمرها قدرا مقدورا، لتعود للدولة المغربية هيبتها ومناعتها، وترجع كسالف عهدها الحصن الذي تتكسر على عتباته أطماع العداة، وتتلاشى أحلامهم الواهية، ويحلل جلالته – أيده الله – ذلك بفكرة الثاقب قائلا:
«وقد كانت تنحية الملوك السعديين من لدن طائفة من العلماء والأعيان الذين توجهوا إلى تافيلالت باحثين عن جدي وقالوا له: (إن الملوك السعديين تخلوا عن الدفاع عن التراب الوطني وإن لأجانب استقروا على طول الساحل الأطلسي، والآن عليكم أن تهبوا للدفاع عن حوزة البلاد)».(7)
وقد كانت الاستجابة لنداء الواجب بداية انبلاج فجر الدولة العلوية الشريفة التي واصلت مسيرة المجد الأثيل، والإشعاع الحضاري، ووطدت علاقات المغرب بدول العالم سياسيا واقتصاديا كفرنسا التي قال عنها جلالته:
«فغالبا ما يوجد في تاريخ المغرب وفرنسا نقط التقاء، ولاسيما على عهد الدولة العلوية، أي من بداية عهد لويس الثالث عشر حسب التاريخ الفرنسي».(8)
وحرص الملوك العلويون على تنمية هذه العلاقات وتطويرها، حيث بلغت في عهد السلطان المعظم مولاي إسماعيل – طيب الله ثراه – أوجها، وهو ما يبينه جلالته بقوله:
«وكان لجدي مولاي إسماعيل الذي كان معاصرا لـ: (لويس الرابع عشر)، لقد كانا يتوليان السلطة في نفس الحقبة تقريبا، ودام عهد حكميهما نفس المدة، لقد قال مولاي إسماعيل ذات يوم مخاطبا جلساءه: «يتعين على أن أجد حليفا لي في أوربا». وأخذ يستعرض مختلف الأنظمة الأوربية القائمة، وكانت البداية من انجلترا حيث قال: «إن بلدا لا يحكم فيه ملك ويمكن أن يعتلي فيه امرأة العرش لا يهمني في شيء». كما استبعد أيضا إسبانيا وكنا مع ذلك على اتصال معها، ودي أحيانا، ومطبوع بالنزاعات أحيانا أخرى، لقد استبعدها لأنه كان يرى ملكية خاضعة لسلطة الكنيسة لا تترك للملك حرية ممارسة الحكم، وتوقف في الختام عند فرنسا فقال عنها: «إني أود أن أربط علاقات مع لويس الرابع عشر، لأنه يحكم بلاده فعلا». وأخذ يعدد الأسباب الموضوعية التي جعلته يختار ويفضل إقامة حلف فرنسي مغربي إلى حد أنه طلب يد الأميرة (دوكونتي).
ولم تسفر خطبة المولى إسماعيل للأميرة الفرنسية عن نيل المراد، وتحقيق البغية، برغم المساعي التي قام بها السفير المغربي لدى والدها الملك لويس الرابع عشر ويوضح جلالته –نصره الله – ذلك بقوله:
«لقد رد الفرنسيون بقولهم: «طلبكم هذا غير ممكن تلبيته، فأنتم تأخذون بنظام تعدد الزوجات، وستضيع الأميرة المسكينة وسط مجموعة النساء». وأمام هذه البراهين قال سفير المغرب في فرنسا ابن عائشة لـ: (لويس الرابع عشر) تحديدا: (يا جلالة الملك لقد جئنا نطلب من جلالتكم يد الأميرة لأنها تتوفر فيها الخصال والصفات التي تفتقدها النساء الأخريات)». (10)
إلى هذا المستوى بلغت علاقات المغرب الديبلوماسية بفرنسا في عهد هذا السلطان الهمام، وهو ما يدل على تفتحه على العالم الخارجي، وتسامحه الديني مع الدولة الأجنبية عملا بقول الله تعالى في محكم كتابه:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).(11)
ووقف الملوك العلويين من قضايا الحرية والاستقلال موقف التأييد والمناصرة، ومن الطريف في هذا الصدد ذكر ما نبه عليه جلالته بقوله:
«ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أننا أول بلد في العالم اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية وذلك قبل مائتي عام».(12)
ويردف ذلك بقوله:
«وإن أول نزاع في حياتها الدولية كان مع ليبيا، في ذلك الوقت طلبت الولايات المتحدة من جدي محمد الثالث التدخل لدى المسؤولين الليبيين».(13)
وهكذا كان المغرب في هذا العهد المجيد يضطلع بمهمة رسول السلام في العالم، ممثلا بذلك الريادة في الصلاح والإصلاح.
وكانت علاقات المغرب الاقتصادية بالعالم الخارجي متميزة في كثير من العهود، حيث ازدهرت المبادلات التجارية وبلغت ذروتها مع بعض دوله كإيطاليا في عهد الدولة السعدية التي قال جلالته – نصره الله – عن أحد سلاطينها:
وتطلع المغاربة في عهد الدولة العلوية الشريفة إلى الحياة الدستورية، رغبة في إرساء دعائم القانون، ومسايرة روح العصر، حيث:
«تم التفكير منذ عهد المولى عبد العزيز وإبان الحماية في إعداد الدستور، لقد كانت هناك عدة مشاريع ما بين 1908 و1812، ولم يكن ذلك متناقضا مع القرآن الذي يأمر بالشورى، أي الاستشارة مع الآخرين». (16)
وتشع من «ذاكرة الملك» لجلالته – أيده الله – أنوار وهاجة تكشف عن تباشير الحركة الوطنية المباركة في مغرب الحرية:
«في سنة 1944 تم التعبير لأول مرة بواسطة عريضة عن المطالبة بالاستقلال، وقد أعقب ذلك قمع دموي قادة السفير (بيو) الذي كان آنذاك مقيما عاما بالمغرب، بينما كان الجنرال (لوكلير) والفرقة المصفحة الثانية مرابطين في تمارة بضواحي الرباط».(17)
وكانت مشاركة جلالته في هذه الحركة فعالة برغم حداثة سنه، معبرا بذلك عن إرادة الحرية، التي هي إرادة الشعب المغربي الشهم الباسل، وقد احتفظت دارته – حفظه الله – بذلك: «هناك تاريخ مضبوط ظل عالقا بذاكرتي، هو 29 يناير 1944، ففي ذلك اليوم اكتسح جمهور من المتظاهرين شوارع الرباط مرددين شعارات المطالبة بالاستقلال، وبلغني صدى هذه المظاهرات وأنا داخل المعهد المولوي، فتخطيت سوره، والتحقت بالمتظاهرين».(18)
وتمخضت هذه الحركة عن ضحايا في صفوف المناضلين، ومحاسبة عسيرة للأمير المولى الحسن – أيده الله – من طرف الإقامة العامة الفرنسية:
«وتطورت الأحداث إلى وضع مأساوي حيث قتل من قتل، أما بالنسبة لي فقد أحرج سلوكي هذا والدي، وذلك حين استنكرت الإقامة العامة الفرنسية ما قمت به، وأوفدت سلطات باريس «عقيدا» من أعضاء المكتب الثاني حيث أقام بالمغرب ثلاثة أسابيع للتحقيق في أنشطة الأمير مولاي الحسن ومشاعره المعادية لفرنسا».(19)
هذه شذارت ذهبية من تاريخ المغرب المجيد، جادت بها ذاكرة ملك المؤرخ مولاي الحسن الثاني – أبقاه الله ذخرا للبلاد والعباد – لتكون لجيلنا الصاعد نبراسا يستنير به في مسيرته العلمية والحضارية، وليعلم علم اليقين أن وطنه العزيز كان عبر عهوده الزاهرة دولة التاريخ المجيد والخالد.
وستظل «ذاكرة ملك» المأثرة الفكرية الحضارية مفخرة لأمتنا، تعتز بها في مثل هذه المناسبة الغالية التي تطالعنا فيها ذكرى ميلاد جلالته – حفظه الله بالسبع المثاني – والتي نخلد بها عيد الشباب، رمز الأمل الباسم لأمة المكارم والأمجاد.


1) المجلد: 1 ص: 2-3.
2) «ذاكرة ملك» ص: 177.
3) نفس المرجع، ص: 12.
4) نفس المرجع، ص: 148.
5) «ذاكرة ملك»، ص: 35.
6) نفس المرجع، ص: 35.
7) نفس المرجع، ص: 55 – 56.
8) «ذاكرة ملك»، ص: 177.
9) نفس المرجع، ص: 177.
10) نفس المرجع، ص: 178.
11) سورة الحجرات – الآية: 13.
12) «ذاكرة ملك»، ص: 6.
13) نفس المرجع، ص: 6.
14) نفس المرجع، ص: 55.
15) نفس المرجع، ص: 148.
16) «ذاكرة ملك»، ص: 57.
17) نفس المرجع، ص: 4.
18) نفس المرجع.
19) نفس المرجع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here