islamaumaroc

جوانب من النشاط العلمي على عهد السلطان المولى سيلمان (1206-1238ه).

  عبد القادر العافية

296 العدد

يتفق المؤرخون على أن المولى سليمان كان أغلق إخوته بقلب أبيه السلطان سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله، ويعللون ذلك بقولهم إن سبب ذلك هو اشتغاله بالعلم، والعكوف على تحصيله ودراسته، وكان والده – رحمه الله – يبعث له بأعيان الفقهاء والأدباء ليدرس ويأخذ عنهم.(1)
ويتفقهون كذلك على أنه كان فقيها نبيلا علامة جليلا، يجالس العلماء والفقهاء، يحوط الشريعة بأحواله، ويشير إلى الوقوف عندها بأفعاله- على حد تعبيرهم – ويقولون عنه: إنه كان نادرة من نوادر البيت العلوي المجيد في الاشتغال بالعلم، وإيثار أله بالاعتبار.
قال القاضي تبن الحاج في الإشراف:
«كان لا يجالس إلا الفقهاء، ولا يبرم أمرا من أمور مملكة إلا بعد مشاورتهم، ولا يقبل منهم إلا الدليل الصريح...»(2) وكان له اشتغال بقراءة التفسير والحديث»(*)
لقد أخد مولاي سليمان – رحمه الله – علومه بسند متصل عن كبار علماء عصره، في طليعتهم والده العلامة الجليل سيدي محمد بن عبد الله، ومنهم شيخ الجماعة العالم الفذ سيدي محمد التاودي بن سودة، وعبد الرحمن الحبيب السجلماسي، وأحمد بن التاودي بن سودة، وعبد القادر بن شقرون، والطيب بن كيران، ومحمد بن الطاهر الهواري، ومحمد الطرنباطي، وحمدون بالحاج، ومحمد بن عبد السلام الفاسي، والعربي بن المعطي بن صالح الشرقاوي، وابن أبي القاسم الرباطي، وأبو القاسم الزياني، وغيرهم...
ولقد أحسن الزياني صنعا عند ألف فهرسة جمع فيها شيوخ السلطان مولاي سليمان سماها: «جمهرة التيجان، وفهرسة اللؤلؤ والياقوت والمرجان، في ذكر الملوك وأشياخ مولانا سليمان».(3)
قال الشيخ العباس بن إبراهيم:
كنى عن الملوك بالتيجان، وعن علماء أهل البيت باليواقيت، وعن أشياخ أمير المؤمنين باللآلئ، وعن تلامذته بالمرجان. ذكر فيها الزياني أربعة وعشرين شيخا من شيوخ المولى سليمان، كلهم ممن عرفوا بالتضلع في العلوم وإتقانها، وذكرهم بأسمائهم، وألقابهم وكناهم، وذكر من المدبجين ثمانية وثلاثين شيخ، والتدبيج في اصطلاح المحدثين، هو رواية المتقاربين في السن والإسناد عن بعضها(4)، ومعناه أن عددا من شيوخ مولاي سليمان أخذوا عنه كما أخذ عنهم، وذكر الزياني في هذه الفهرسة ستة وثلاثين تلميذ من تلاميذة السلطان المولى سليمان كلهم أصبحوا من العلماء المرموقين، ومن المساهمين في النشاط العلمي على عهد السلطان المولى سليمان رحمه الله.
ومن خلال هذه الفهرسة يتجلى مقدار شغف السلطان مولاي سليمان بالعلم والمعرفة، ومقدار حرصه على أخذ علمه عن المختصين فيه، والمهرة به، وهذه الفهرسة تطلع الباحثين عن الحياة الفكرية في عهد السلطان مولاي سليمان، وعلى أسماء مجموعة من العلماء الذين كانت لهم مساهماتهم في ميدان الفكر والمعرفة.
ومن خلال المصادر والمراجع التي تحدثت عن المولى سليمان كالترجمانة والاستقصا، وطلعة المشتري، والإتحاف. والإعلام، والبستان، وغيرها نجد مجموعة أخرى من الشيوخ مثل الشيخ عبد الوهاب أجانا، والشيخ علي بن صائبة المكناسي، والشيخ محمد بن عبد السلام الناصري.(5)
وكان المولى سليمان –رحمه الله- يجمع أعيان العلماء لسرد الحديث الشريف وتفهمه، والمذاكرة فيه على مر الليالي والأيام، ويتأكد ذلك في رمضان، ويشارك بغزارة علمه وحسن ملكته...(6)  وهذا القرب من العلماء جعلهم يقدرون مواهبه وملكاته ونبوغه، وكانوا يرون فيه: الأب، والأخ، والصديق، ويرونه أهلا لإمارة المومنين دون سواه.
يقول الناصري في الاستقصا:
«وكان في طليعة العلماء الذين تحمسوا لبيعته: الشيخ محمد التاودي بن الطالب بن سودة، وأحمد بن سودة، ومحمد بن عبد السلام الفاسي، وعبد القادر بن شقرون، ومحمد بن أحمد بنيس، ومحمد بن عبد المجيد الفاسي، ويحيى بن المهدي الشفاشازني الحسني، وعلي بن إدريس، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن مسعود الطرنباطي، وسليمان بن أحمد الفشتالي.(7)
ولم تصرفه مهام ملكه وأبهة السلطان عن التواضع مع العلماء والعناية بهم، فهو –رحمه الله- زار أبا زكرياء يحيى بن المهدي الشفشاوني(8) في بيته، وزار سيدي محمد ابن سودة شيخ الجماعة بفاس،(9) وعاد الشيخ عبد القادر بن شقرون الفاسي(10) وهو على فراش الموت، حضر جنازته، وساعد على وضعه في قبره، ولم ينصرف إلا بعد الانتهاء من عملية الدفن.(11)
وكان يحضر حفلات ختم الدروس العلمية، فقد حضر ختم الشيخ الطيب بن كيران في تفسير القرآن بزاوية بني حمدن بفاس يوم 27 شعبان 1211هـ(12).
ويعد السلطان المولى سليمان من أهم كبار علماء عصره، ويشيد كل الذين أرخوا له بعلمه، وبتضلعه غي العلوم الإسلامية المختلف أنواعها.
لقد كان متمكنا من علوم القرآن، عارفا بالقراءات والروايات، وبارعا في علم التجويد(13) وعلم الوقف والابتداء.
ذكر الزياني وهو يتحدث عن ابن حزم الظاهري، وعن انتقاده لبعض العلماء، وذكر أن الخلاف كان شديدا بين أصحاب الرأي وأصحاب الظاهر في الوقف على قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران: 7).
وكذلك اختلفوا في الوقف على قوله تعالى: (قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) (فصلت: 21).(14)
قال الزياني:
«وقد رجح الوقف عليه إمام المحدثين والمفسرين في وقته، وأمير المومنين في عصره مولاي سليمان بن مولاي محمد رحمه الله، وكتب في ذلك ما يؤيد عدم الوقف على «شيء» فليطالع تقييده في الآية.(15)
فالسلطان مولاي سليمان يعتبره علماء عصره من كبار المحدثين والمفسرين، ولقد أجاز كبار العلماء وأجازوه.
يقول عنه الشيخ عبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس»: «وقد وقفت على نسخة إجازة مثبوتة من خط السلطان أبي الربيع المذكور كتبها لأبي العباس أحمد بن النادي الحمدوني السرفي العلمي، نصها بعد الحمدلة والصلاة:
«هذا عقد أخوة، وإذن لمحبنا في الله الفقيه المشارك السيد أحمد بن السيد أحمد بن النادي الحمدوني الموسوي السريفي الحسني العلمي في جميع مروياتي وأورادي عن أشياخي كفقيه وقته وعالمه بلا دفاع سيدي عبد الرحمن حفيد الشيخ الحبيب، والشيخ التاودي بن سودة، والفقيه العلامة سيدي محمد أبي القاسم الفلالي، وغيرهم، وقد انخرط في سلك سلسلة هؤلاء الأشياخ في جميع ما أرويه عنهم من كتب حديث ودلائل الخيرات، وورد ابن ناصر وغير ذلك، كما هو في فهرستي، وقد ناولته إياها، بما فيها، إذ لم أكن للإجازة أهلا.
وفقنا الله وإياه وجعلنا من الذين أنعم الله عليهم آمين.
كتبه غرة شوال عام 1233هـ عبد ربه سليمان بن محمد لطف الله به آمين».(16)
ومن خلال نص هذه الإجازة ندرك مقدار تواضعه وتقديره لشيوخه، وهو يؤكد للمجاز أنه بهذه الإجازة قد انخرط في سلك سلسلة شيوخ السلطان المولى سليمان في جميع ما رواه عنهم، ونراه يفتتح الإجازة بقوله:
هذا عقد أخوة وإذن. والأخوة من أخوة العلم، لأن العلم في الإسلام ينبني على السند، والسند يكون بالاتصال بالشيخ، والتحدث إليه، والأخذ عنه، والتعرف على أحواله... وكل هذا يؤدي إلى تمتين الصلة بين الطالب وشيخه، وبذلك تثبت الأخوة في العلم.
وهذه الزمالة في العلم جعلت السلطان يطلب من بعض علماء حضرته أن يقوموا ببعض الأعمال العلمية، ومن ذلك مثلا ما ذكره الضعيف في أحداث: 1210هـ من أن السلطان المولى سليمان: «فريق على علماء أهل فاس الأربعين حديثا يشرحونها، وهي للنووي، فشرح الربع منها: ابن كيران، والربع: القاضي السيد أحمد بن سودة، والربع: لابن شقرون، والربع للفقيه بنيس، وأجلهم عشرة أيام، فشرع في شرحها الطيب بن كيران يوم الأربعاء سادس عشر رجب»، أي من سنة (1210هـ).(17) والملاحظ هنا أن السلطان حدد لإنجاز هذا العمل مدة زمنية معينة وهي عشرة أيام بمعدل شرح حديث واحد في كل يوم، وهي مدة كافية، مع العلم أن بعض الأحاديث يحتاج شرحه إلى مدة أطول.
ومهما يكن من أمر، فإن مدة عشر أيام كافية لإنجاز هذا العمل، ويمكن أن يدخل هذا الأمر السلطاني في إطار تشجيع السلطان للعلماء على الكتابة العلمية والاشتغال بما يفيد، وفيه أيضا بعث للهمم والتنافس في الأعمال النافعة، وفي ذلك كله تشجيع للنشاط الفكري.
وكان السلطان المولى سليمان يعطي المثل من نفسه، حيث كان لا يفتر عن القراءة، ويبحث ويكتب ويحرر الأبحاث العلمية الجادة المفيدة.
ولقد ألف –رحمه الله- مجموعة من الكتب العلمية تناقل ذكرها المؤرخون، وكتاب التراجم، ومؤلفو الفهارس، وغيرهم منها ما جاء ذكره في فهرسه شيوخه: جمهرة التيجان... السالفة الذكر وهي:
1- حاشية على الموطأ، تشتمل على شروحه وتوضيحات، فاتت أكابر العلماء.
2- حاشية على الزرقاني شارح المواهب اللدنية، وفيها إضافات وتحقيقات ومعلومات قيمة.
3- حاشية على الخرشي في جزئين.
4- تفسير الآية الكريمة: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء / 25)
يتحدث فيها عن مسألة الغرانيق بكثير منن التفصيل، والرد على المفسرين الذين أدخلوا كثيرا من الخرافات في تفسير هذه الآية.(18)
5- عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي بن الجد(19)   
6- جواب في مسألة الكسب(20)
7- ما هو متفق على حرمته من العناء وما هو مختلف فيه.
8- تقييد في الوقف علة قوله تعالى: (قالوا أنطلقنا الله الذي أنطق كل شيء) الآية الواحد والعشرون من سورة فصلت.(21)
9-رسالة في إباحة استعمال البخور في نهار رمضان.(22)
10- رسالة عن حال متفقرة الوقت.(23)
11- فهرسة ألفها باسمه أبو القاسم الزياني بعنوان: «جمهرة التيجان وفهرسة اللؤلؤ والياقوت والمرجان في ذكر الملوك وأشياخ مولانا سليمان».
جاء عنها في فهرس الفهارس «جزء صغير» اختصرها تلميذ الزياني المسند بن رحمون في نحو الخمس كراريس، ولعل الاختصار أفيد من الأصل وأجمع...(24)
وللسلطان مولاي سليمان مجموعة من الخطب والرسائل، منها: خطبته التي تصدى فيها للإنكار على المبتدعة، وإظهار ما يأتونه من الشرك الخفي...(25)
ومنها: جواب المولى سليمان إلى سعود بن عبد العزيز.(26)
ومنها: رسالته البليغة إلى الفقيه المرابط السيد العربي بالمعطي، وهي رسالة دالة على غزارة علمه، وسعة إطلاعه، وقوة بيانه...(27)
وقد أورد له الشيخ العباس بن إبراهيم في «الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام» مجموعة من الرسائل التي كان يحبرها بمناسبات مختلفة، أو يجيب فيها عن قضايا دعت الضرورة للإجابة عنها.(28)
ومن خلال كتابات المولى سليمان وخطبه ورسائله... نجد أن أسلوبه يتميز بتضمين آيات قرآنية كريمة، وأحاديث نبوية شريفة، وفقرات من سيرة الرسول " وسيرة أصحابه (ض)، وسيستدل بقواعد فقهية وأصولية، ويشير إلى أحداث تاريخية، يأخذ منها الأمثلة والعبر...
ومعنى ذلك أنه يوظف رصيده العلمي أحسن توظيف، ويتفنن في استعماله ببراعة الأدباء، وتمكن العلماء، وتجربة الحكماء، فصاحة البلغاء، ومهارة كبار الأئمة من المفكرين الأصلاء.
فمولاي سليمان – رحمه الله – كان متمكنا من العلوم الإسلامية، غزير الإطلاع، يستحضر معلوماته المتنوعة، ويتصرف فيها كما يشاء، يستدعيها فتجيبه، ويناديها فتسعفه، مالك لناصيتها، وذلك مما جعل من رسائله ووصايه وخطبه، مقامات أدبية على مستوى عال من الفصاحة والبلاغة.

النشاط الفكري
في عهد مولاي سليمان
يعد هذه النشاط في الحقيقة امتداد لما كان عليه الحال في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله.
ومن المعلوم أن الحياة الفكرية بالمغرب عرفت ازدهارا على عهد الدولة العلوية الشريفة، ابتداء من عهد المولى رشيد – رحمه الله – الذي كان له اهتمام كبير بنشر الثقافة والعلم، والذي كان من عادته أن يعقد مجالس للبحث والدرس، وعمل على تشجيع النشاط العلمي ببناء المدارس كمدرسة الشراطين والصفارين بفاس.
ونشطت الحياة العلمية في عهده نشاطا ملحوظا، وقد أشار (الإفراني) إلى ذلك في كتابه «الظل الوريف» حيث قال:
«حدثنا غير واحد من أشياخنا قال: كنا في زمن الشبيبة نطلب العلم، ونسأل عن مسائله على صورتها، ولا نلفي من تضلع به، بل كانت الأرجوزة المسماة بالسلم لا يعرفها غير رجل أو رجلين، فلما مد الله لهذه الدولة الأكناف، وأسمى قدرها وأناف، تدفقت على الناس العلوم، ودانت صعاب الفنون، حتى عاد صغار الطلبة يعرفون فنون عديدة، ويكون لهم فيها عريضة مديدة، وقد تخرج في هذه الدولة السعيدة جماعة من الأعلام لهم القدم الراسخة في العلم، واليد الطولي في الإتقان، وألفوا تآليف حسنة... ».(29)
واستمر الحال على ذلك في عهد المولى إسماعيل، وبلغ هذا النشاط العلمي أوجه في عهد سيدي محمد بن عبد الله، الذي عمل من جهته على بعث نهضة علمية، ووجه العلماء للبحث والإنتاج، وأحدث تنافسا بينهم في هذا المجال، ونبههم إلى وجوب العناية بالمصادر الأساسية للثقافة الإسلامية، والابتعاد عما يحجر الفكر.
زاوية بن رحمون، وحضر السلطان في الختم.».(31)
ومن قراءة تاريخ (الضعيف) عن الفترة التي عاشها من عهد المولاي سليمان نلاحظ أ (الضعيف) نفسه كان يحضر كثيرا من الدروس العلمية، ويجلس في مجالس كبار العلماء باعتباره طالبا رباطيا يطلب العلم بفاس، فهو ينتقل من درس إلى درس، ومن حلقة إلى حلقة ويتحدث عن النشاط العلمي والطلابي على عهد المولى سليمان، وعن النزه التي كانت تقام على ضفاف وادي الجواهر، أو على ضفاف وادي سبو قرب فاس، أو في الحدائق والمنتزهات...
ويتحدث كذلك عن الحفلات التي كانت تقام بمناسبة اختتام فن من الفنون، أو كتاب من الكتب المدروسة، «كالجامع الصحيح» للإمام البخاري، «وصحيح مسلم»، «والموطأ»، «والشفا» للقاضي عياض، وغيرها.
ومن ذلك قوله:
«وفي الثاني منه – أي من رمضان عام 1211هـ موافق لشهر فبراير 1847م – قرأنا باب: المشرك إذا قال: «لا إله إلا الله» ووقفنا على كتاب «الحجر» من البخاري على ابن شقرون، وهو يقصد العلامة الكبير الشيخ عبد القادر بن شقرون:
وفي يوم الأحد السادس من رمضان ابتداء بن شقرون من كتاب الإجارة، ووقف على باب في رد المظالم، وفي الغد، وقف على حديث الإفك.
وفي يوم الثلاثاء الثمن من رمضان قرأنا حديث الإفك من البخاري»
وفي الغد وقفنا على حديث الإسراء.
وفي الغد على قتل حمزة.
وفي يوم الثلاثاء 15 رمضان وقفنا على الباب الذي بعد غزوة الفتح، وفيه ابتداء السيد عبد الرحمان الفاسي ختم البخاري بجامع الرصيف، وفيه تم تزليج جامع الرصيف.
ويوم17 رمضان قرأ بن شقرون كتاب تفسير القرآن، وقفنا على سورة يونس، والغد إلى حم.(33)
ويوم الاثنين 28 رمضان ختم سيدي عبد الواحد الفاسي البخاري بجامع الرصيف.(34)
ويلاحظ أن ختم البخاري من طرف الشيخ عبد الواحد الفاسي استمر من يوم 15 رمضان إلى 28 منه.
 لسليمان الحوات، وغيرها، أن مولاي سليمان عمل على تشجيع الحرمة العلمية بمختلف الوسائل.
يقول الضعيف:
«وفي يوم الأحد 29 صفر ختم ابن سودة خليل، وفيه عوشرنا على ابن شقرون، وفي متم صفر – أي من سنة 1213هـ - بعث السلطان كتابا للمحتسب الحاج محمد بن زاكور، وأمره أن يعين الطلبة حفاظا مختصر خليل، سواء كانوا من الحضر أو من البدو.
وفي فاتح ربيع الأول – وهو يوم الثلاثاء – بعث الفقيه السيد محمد بن زاكور وراء الطلبة، وعرضهم المختصر،وهم أهل المدارس، وعرض عليه الفقيه السيد محمد الحمياني وغيره ممن يحفظ المختصر، ثم وجههم للسلطان، ورتبهم في زمامه، وأعطى كل طالب مائة ريال، ولما وجد من يحفظ حمزة والمختصر أعطاه مائتي ريال، ومنهم من أعطاه خمسين ريالا، ومنهم من أعطاه المال وقفطانا من (الملف)، وكل من صبيان فاس وطلبتهم الذين يحفظون خليل، كأولاد الفقيه بن سودة وغيرهم، وقبض صلة السلطان، وكان القاضي هو الذي طلع معهم للسلطان، وكذلك المهاجرين في طلب العلم، ومنهم من قبض 18 ريالا.(37)
ثم يقول بعد هذا:
«وفي رابع العيد – وهو يقصد هنا عيد المولد النبوي – اجتمع طلبة المدارس، وطلعوا للسلطان على أن يعطيهم شيئا يتنزهون به.(38)
ويتضح بجلاء من خلال هذا النص أن المولى سليمان كان يشرف بنفسه على توزيع الجوائز، حرصا منه – رحمه الله – على إذكاء روح التنافس بين طلبة العلم، الذين كانت تجري عليهم الامتحانات، وتقدم لهم الجوائز السخية، فمائة ريال في هذا الوقت كانت مبلغا كبيرا، أما مائتا ريال فكانت مبلغا يحبد عليه صاحبه.
وتتجلى العناية بالطلبة كذلك في السماح لهم بإقامة مهرجانات حافلة، يشاركهم فيها الأهالي من سكان مدينة فاس والأقاليم المجاورة.
يقول الضعيف:
«وفي يوم الأحد 25 شوال خرج جميع الطلبة لوادي فاس للنزهة، فخرج طلبة الجبل بسلطانهم من مدرسة الصغارين، وخرج سلطان طلبة البادية من مدرسة الشراطين، بالمظال، وشقوا في وسط المدينة وجميع الطلبة محزمين، حاملين المكاحل (البنادق) متقلدين بالسيوف فخرجت معهم إلى وادي فاس.(39)
فهذا الوصف من مشارك في هذه المهرجانات والاحتفالات الطلابية، وهو يدل على مبلغ ما كان يتمتع به طلبة العلم من مكانة واحترام وأهمية في عهد السلطان المولى سليمان.
وكل هذا يدخل في باب تشجيع طلاب المدارس والترفيه عنهم، وتلبية رغباتهم في التخفيف عن أنفسهم من عناء الدروس، والتحصيل، وكثرة المواد والحصص الدراسية.
ومن خلال تسجيلات (الضعيف) يتبين أن الطلبة كانوا يرهقون أنفسهم بكثرة المواد، وحفظ المتون، والمنظومات التعليمية في مختلف الفنون التي يدرسونها...
وزيادة على المواد الأساسية التي كان يهتم بها المدرسون والطلبة على السواء مثل: النحو، والبلاغة، والفقه، والأصول، والحديث، والتفسير، والتوحيد، واللغة، والأدب، والتي كانت تدرس بمستويات مختلفة، بداية، وتوسط، نهاية، ويختبر فيها الطلبة من طرف مدرسيهم، أو أمام لجن من أجل الحصول على الجوائز والصلات، بالإضافة إلى ذلك، كان الطلبة، يدرسون في أوقات أخرى غير الأوقات المخصصة للدروس الأساسية، يدرسون «الشفا» للقاضي عياض، و«الحكم» لابن عطاء الله و«الإحياء» للغزالي... وغير ذلك من المواد لتكميلية التي تساهم في توسيع الأفق الفكري لدى الطالب.
يقول الضعيف:
«وفي يوم الأحد 27 من شعبان ابتدأ بن شقرون كتاب «الشفا»، وقال:
لم يؤلف أحسن منه في الإسلام، وقال أيضا، «كلهم عالج السقام، وما أوتي بالشفاء إلا عياض، وقال أيضا: كتاب «الشفا» يخلص من الشدائد والكروب والغموم.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء وقف على «البراق لما تفصد عرقا حين أراد أن يركبه "». وفيه ابتدأ الشيخ الطيب بن كيران «الحكم» لابن عطاء الله».(40)
و «الشفا» الذي بدأ الشيخ عبد القادر بن شقرون تدريبه يوم سابع وعشرين من شعبان، يذكر (الضعيف) أنه ختمه في اليوم التاسع والعشرين من رمضان – أي من سنة 1213ه(41) – وهي فترة معقولة لدراسة هذا الكتاب الذي نوه به الشيخ بن شقرون بلغ التنويه حسبما نقله ( الضعيف) عنه.(42)
لقد كان من نتائج النشاط العلمي على عهد المولى سليمان أن عرف المغرب في هذه الفترة عددا هاما من كبار العلماء في مختلف العلوم والفنون، جاء ذكرهم في مؤلفات هذا العصر وما بعده، وقد ذكر جماعة منهم الزياني في «البستان الظريف» و«الترجمانة الكبرى»، وسليمان الحوات في «الروضة المقصودة»، و «عشرة أنسي»، ومحمد بن عبد السلام الناصري في «المزايا»، و«رحلاته»، ومحمد الطالب بن الحاج في «الإشراف»، والضعيف في «مذكراته»، وغيرهم من المعاصرين لهذه الفترة.
واعتنى كتاب التراجم والفهارس بذكرهم، والحديث عنهم، وعن مؤلفاتهم، وفتاويهم، وقد ترجم صاحب «سلوة الأنفاس» لعدد كبير منهم، معرفا بآثارهم وبما كانوا يتقنونه من العلوم والفنون، ومحمد مخلوق في «شجرة النور الزكية»، وأحمد بن خالد الناصري في «الاستقصا»، وطلعة المشتري وبن زيدان في «الإتحاف».
وترجمة (ليفي بروفنسال) في: «مؤرخو الشرفاء» لبعض المشهورين منهم، وعبد الحي الكتاني في «فهرس الفهارس»، وعبد الله كنون في «النبوغ» وغيرهم...
وعدد علماء هذه الفترة يستلفت نظر الباحث، وكذا عدد مؤلفاتهم، وفتاويهم، وفهارسهم... وإلى جانب العلماء الكبار المتخصصين في الفقه، والحديث والأصول، وعلوم القرآن، والتوحيد، والسيرة، والتاريخ، وعلوم اللغة، من نحو وبلاغة، وبيان...
ونجد مجموعة من الشعراء المجيدين مثل: مولاي الحسين أخ السلطان مولاي سليمان، وحمدون بن الحاج، والطيب بن صالح، وابن عمروا الرباطي، ومحمد بن عبد السلام الناصري، والشيخ محمد الحراق، وغيرهم من الشعراء الأفذاذ...
ويأتي في طليعة علماء هذا العصر السلطان مولاي سليمان نفسه بغزارة علمه، وبتآليفه المفيدة، ورسائله البليغة، وأبحاثه، القيمة، وبحرصه الشديد على نشر المعرفة، وتشجيع العلم والعلماء...
وأفرز هذا العصر مجموعة متميزة منكبار شيوخ الطرق الصوفية، مثل: الشيخ سيدي على الجمال، وتلميذه الشيخ العربي الدرقاوي، والشيخ السيد أحمد التيجاني، والشيخ محمد بن الطيب الوزاني، والشيخ البوزيدي، والشيخ أحمد بم عجيبة، والشيخ محمد الحراق...
والحقيقة أن كل جانب من جوانب النشاط الفكري في عصر المولى سليمان يحتاج إلى دراسة مستقلة، فشخصية مولاي سليمان وحدها تحتاج إلى أطروحة جامعية، ودراسة مستوعبة ومتأنية، وكذا الهيئة العلمية في هذه الفترة، ومؤلفات هذا العصر، وشعراؤه ومؤرخوه...


1) الاستقصا: 8: 86 – 87.
2) فهرس الفهارس: 2: 983.
(?) الإشراف على بعض من حل بفاس من مشاهير الأشراف (لمحمد الطالب بلحاج) (ت: 1273هـ).
3) الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: 10: 116 – 117.
4) عن السند المدبج، انظر: التقريب للنووي ت: 676هـ ص: 36 ط: مكتبة الحيلوني، ويدخل في هذا الباب رواية الأكابر عن الأصاغر: سنا أو علما، كالزهري عن مالك، والعبادة عن كعب الأحبار: أي رواية الصحابي عن التابعين، رواية عن تابع التابعين.
5) انظر الإتحاف مثلا: 5: 407 – 408.
6) الاستقصا: 8: 170.
7) المصدر نفسه: 89 – 90 بشيء من التصرف.
8) هو العالم المشارك، تولى الخطابة والإمامة بالضريح الإدريسي مدة ثلاثين سنة، توفي 1229هـ، السلوة: 1: 95.
9) العلامة الكبير شيخ الجماعة في عهد سيدي محمد ابن عبد الله، والفترة الأولى من عهد السلطان مولاي سليمان، توفي سنة 1209هـ.
10) عبد القادر بن شقرون من كبار علماء عصره، ولد بفاس، وهو من تلامذة الشيخ عمر الفاسي وأضرابه، تولى القضاء، وكان مدرسا مشهورا، تتلمذ عليه السلطان مولاي سليمان، وكان يحترمه ويستشريه في المشكلات العلمية ت: 1219هـ.
11) انظر: ( الحياة الأدبية بالمغرب على عهد الدولة العلوية) لمحمد الأخضر غزال: ص: 276.
12) زاوية ابن رحمون توجد بزقاق الحجر بفاس.
13) ذكر الضعيف في تاريخه أن السلطان مولاي سليمان وبخ محمد بن الطيب بوجيدة الذي صلى به الجمعة بمسجد القصبة قرب الرباط، لأنه لا يحسن التجويد: ص: 331.
14) الآية بتمامها: ?وقالوا لجلودهم لم شدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون?.
15) الترجمانة الكبرى: للزياني ص: 316 ط: فضالة: 1967م.
16) فهرس الفهارس: 2: 983 – 984.
17) تاريخ الضعيف: بتحقيق: أحمد العماري / ط: " عن معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط: 1986.
18) لقد ذكر الأستاذ محمد العابد الفاسي مجموعة من مؤلفات المولى سليمان في مقدمة كتاب: عناية أولي المجد.
19) عناية أولي المجد بذكر آل فاسي بن الجد: نسبة بعضهم لسليمان الحوات، ونسبة آخرون لمولاي سليمان، منهم محمد بن جعفر الكتاني في (السلوة)، وعبد السلام بن سودة في (الدليل)، والعباس بن إبراهيم في (الإعلام)، ورجح ليفي بروفنسال في: (مؤرخو الشرفاء) أنه للسلطان مولاي سليمان العلوي، والكتاب طبع بالمطبعة الجديدة بفاس: 1928م، وله مقدمة مفيدة للأستاذ محمد العابد الفاسي.
20) موجود بالخزانة العامة بالرباط: رقم 652 حرف: د.
21) الترجمانة الكبرى: للزياني ص: 360.
22) انظر: الحياة الأدبية: لمحمد الأخضر غزال، ص: 363.
23) المرجع نفسه.
24) فهرس الفهارس: 2: 98.
25) الحياة الأدبية لمحمد الأخضر غزال: ص: 363
26) يوجد بالخزانة الحسنية تحت رقم: 4624.
27) الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: ج: 10: 123.
28) المرجع نفسه ص: 116، ويقول الشيخ عبد الحي الكتاني في (فهرس الفهارس) ج: 2: 983: «وقفت على نسخة إجازة مثبوتة من خط أبي الربيع السلطان مولاي سليمان كتبها لأبي العباس أحمد التاودي الحمدوني السريفي العلمي... ».
29) عبد الرحمن بن زيدان / مجلة المغرب السنة: 5 نوفمبر – دجنبر: 1936.
31) تاريخ الضعيف: ص: 281.
32) تاريخ الضعيف: ص: 282، ويلاحظ أن عملية إتمام البناء لم تعق سير الدراسة.
33) المصدر نفسه.
34) المصدر نفسه.
37) المصدر نفسه ص: 309.
38) المصدر السالف.
42) الهيئة العلمية علة عهد مولاي سليمان كانت تشكل طبقة من العلماء قل نظيرها في تاريخ المغرب. وهذه أسماء بعضهم منهم:
- المولى سليمان نفسه، ت: 1238هـ.
- محمد التاودي بن سودة ت: 1209هـ.
- محمد المنالي الزبادي. ت: 1209هـ.
- أحمد بن محمد الفاسي. ت: 1213هـ.
- عبد الواحد الفاسي. ت: 1213هـ.
- محمد بن عبد السلام الفاسي. ت: 1214هـ.
- زوجة المختار الكنتي. ت: 1224هـ.
- محمد الطيب بن كيران. ت: 1227هـ.
- أحمد بن عجيبة. ت: 1224هـ.
- سليمان الحوات. ت: 1231هـ
- العربي المساري. ت: 1240هـ.
- الشاعر بن عمرو الرباطي. ت: 1243هـ.
- محمد بن عثمان المكناسي. ت:1213هـ.
- حمدون بن الحاج. ت: 1232هـ.
- محمد الرهوني. ت: 1230هـ.
- الضعيف محمد بن عبد السلام الرباطي. ت: 1236هـ.
- عبد القادر بن شقرون. ت: 1219هـ.
وغيرهم، وجميع هؤلاء لهم مؤلفات وإنتاج فكري جدير بالدراسة، وجلهم كان يتعاطى التدريس والإفتاء والخطابة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here