islamaumaroc

الأمير مولاي مسلمة

  عبد الوهاب ابن منصور

296 العدد

عرف المغرب فترتين عصيبتين من تاريخه خلال العصر العلوي.
الأولى: طالت اثنتين وثلاثين سنة من وفاة السلطان مولاي إسماعيل بن الشريف عام 1139هـ (1727) من إلى وفاة ابنه السلطان مولاي عبد الله عام 1171هـ (1757م) تجاذب خلالها حبل الملك سبعة من الأمراء أبناء المولى إسماعيل.
والثانية: طالت سبع سنوات من وفاة السلطان سيدي محمد بن عبد الله عام 1204هـ (1790م)، إلى استيلاء ابنه السلطان مولاي سليمان على مدينة مراكش عام 1211هـ (1797م) تجاذب أثناءها حبل الملك ستة من الأمراء أبناء السلطان سيدي محمد بن عبد الله، عدا من كان يحاول لاستيلاء على الحكم، أو يتزعم التمرد على السلطان في المدن والبوادي من أمراء الأسرة الملكية، أو شيوخ القبائل.
وفي كلتا الفترتين ذهبت ريح الدولة، وانعدمت هيبة الحكومة، وخرب العمران، وفشت لأوبئة، وفنيت أقوام.
وسنقصر الكلام في هذا المقال على واحد من الإخوة الستة الذين قاموا في الفترة الثانية لطلب ملك أبيهم – حسب تعبير ذلك الوقت – وهو الأمير مولاي مسلمة المعروف على ألسنة العامة بسلامة بن السلطان سيدي محمد بن عبد الله.
وهذا الأمير هو شقيق الأمير مولاي اليزيد، أمهما علجة أوربية من أصل كرسيكس، تسميها الكتب الأجنبية السلطانة الضاوية(1) وكان يضلع مع شقيقه اليزيد في الفتن والثورات التي قام بها ضد أبيه سيدي محمد في السنوات الأخيرة من حياته، والتي كانت تنتهي بالفشل، ومع أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله عفا عن اليزيد بعدما شفع فيه عنده شرفاء جبل العلم، وأشياخ قبيلة بني عروس، فإنه بقي يحذره ويراقبه عن كثب، ثم ظهر له أن ينفيه من المغربن فأبعده إلى الحرمين الشريفين في صورة حاج، وأرسل معه أخاه الأمير المولى مسلمة وجماعة من المغامرين الذي كان يشك في ولائهم.
ولكن اليزيد عدا بعصابته – وهو في مكة عام 1202هـ - على منزل شيخ ركب الحاج المغربي عبد الكريم بن يحيى الفاسي، واستولى على ما بقي عنده من الصلات والهدايا والصدقات التي وجهه بن عبد الله لتوزع على شرفاء وفقراء الحرمين الشريفين واليمن، وحينئذ قرر الأمير مسلمة مفارقته والعودة إلى المغرب اجتنابا لسخط أبيهما الذي اشتد غضبه عليه وتبرأ منه، وكتب بالبراءة منه والغضب عليه مناشير بعث بها إلى الآفاق، وعلق بعضها بالكعبة والروضة النبوية والمسجد الأقصى ومسجد الحسين بالقاهرة، وبعضها الآخر بأضرحة كبرى بالمغرب.
وفي العام التالي (1203هـ) عاد اليزيد إلى المغرب، واستقر مرة أخرى بجبل العلم، حيث ضريح الشيخ عبد السلام بن مشيش، واعتصم به، ولم يكن ليخفى على السلطان والده ما سينشأ عن رجوعه إلى المغرب من مشاكل للدولة، ومصاعب للرعية، فلجأ أولا إلى الحيلة، وصار يكتب إليه ويستقدمه، واعدا إياه من الشرفاء العلميين يشفعون فيه طلب منهم السلطان أن يأتوا به إليه، مؤكدا لهم أنه لم يناله منه مكروه، ولن يرى منه إلا الجميل.
ولكن اليزيد أبى أن يستجيب لأبيه، والإصغاء إلى نصائح الشافعين، وأعلن الثورة، وكشف النقاب عن وجه العصيان، وصار يكتب لأبيه رسائل تدل على عقوقه وقلة أدبه، واشتغل ببناء دار ومسجد بجوار ضريح الشيخ عبد السلام مازالت أطلالها بادية للعيان حتى اليوم.
وإذ ذاك، قرر السلطان أن يضع بالقوة حدا لتمرده وعصيانه، فأشأ تجريدتين عسكريتين أسند قيادة إحداهما للأمير مسلمة شقيق أخيه الثائر، وأسند قيادة الأخرى لقائد العباس البخاري، وأمرهما رسالة عاهل طنجة الطاهر فنيش إلى الوزير الإسباني فلوريدا بلانكا يخبره بوفاة المولى اليزيد والمولى هشام وولاية المولى مسلمة ملك المغرب
أن يذهبا إلى جبل العلم، ويحاصرا فيه الثائر، ويمنعاه من أي تحرك أو اتصال.
فسارا بجيشيهما حتى بلغا الجبل الذي اعتصم فيه، ونزل كلاهما في مواجهة الآخر جاعلين حلة اليزيد بينهما.
ولعل السلطان سيدي محمد بن عبد الله إنما أسند قيادة أحد الجيشين إلى ابنه الأمير مسلمة ليختبر ولاءه، ويعرف هل تاب توبة نصوحا بعدما كان يضلع مع اليزيد في فتنة وتمرده، لأنهما معا أخوان شقيقان قدا من نبعة واحدة.
ولكن محاصرة اليزيد لم تدم مدة طويلة، إذ سرعان ما توفي السلطان سيدي محمد بن عبد الله بعين عتيق قرب الرباط يوم الأحد 24 رجب عام 1204هـ (9 أبريل سنة 1790م)، فتناوع على خلافته ستة من أبنائه، هم:
1) الأمير مولاي عبد الرحمان.
2) والأمير مولاي اليزيد
3) والأمير مولاي هشام.
4) والأمير مولاي مسلمة.
5) والأمير مولاي الحسين.
6) والأمير مولاي سليمان الذي صفا له الملك الأخير.
أما الأمير مولاي عبد الرحمان فكان مغضوبا عليه، ومطاردا من أبيه السلطان سيدي محمد بن عبد الله في حياته، والتجأ إلى حكام الترك في تلمسان، ثم تحول عنهم إلى سجلماسة، وتردد بعدها على قبائل سوس، ثم أوغل صحراء، شنجيط لما اشتد عليه الطلب من أبيه رغم محاولات عديدة لتأمينه وتطمينه، فلما بلغه خبر موته ترك الصحراء وطلع إلى (ردانة) (تارودانت) فأقام مدة يحاول تأسيس ملك بها، فلم يتم له أمر، ومات بعد سنوات موبوءا بسوس عام 1212هـ.
وأما الأمير اليزيد فإنه بويع بجبل العلم من طرف أخيه مسلمة، والقائد العباس البخاري وجيشيهما اللذين كانا يحاصرانه، وجاءته بيعات المدن والقبائل بتلك الجهة كتطوان وطنجة وأصيلا والعرائش، ووفد عليه لما دخل طنجة وفد فاس يحمل بيعة أهلها، ولما زار ضريح الإمام إدريس الأول بجبل زرهون وفد عليه أخوه الأمير مولاي سليمان ببيعة أهل سجلماسة وقبائل الصحراء من عرب وبربر،ولما حل بمكناس أتته وفود سكان منطقة العرب ببيعاتهم المؤرخة في 18 شعبان عام 1204هـ، ولكن سرعان ما نقض أهل الحوز بيعته لما رأوا من تجافيه عنهم لما وفدوا غليه بمكناس، وبايعوا أخاه المولى هشام، فنهض لحربهم، ودخل مراكش، فاستباحها، وفعل فيها جيشه كل فعل شائن، فاستجاش عليه المولى هشام قبائل دكالة وعبدة، وقصده بمراكش، فخرج    رسالة الأمير المولاى مسلمة إلى النصارى سكان سبتة يخبرهم بانعقاد الصلح مع ملكهم برا وبحرا ويطلب منهم أن لا يتعدوا حدهم...
اليزيد للقائه، وجرت بين الأخوين معركة بالمكان المسمى زكورة (تازكورت) الواقع على حاشية وادي نسيفة (تانسيفت)، انهزم فيها المولى هشام، فطاردهم المولى اليزيد مطاردة، أصيب خلالها برصاصة اخترقت خده، وكان فيها حتفه يوم الخميس 23 جمادى الثانية عام 1206هـ (16 يبراير سنة 1792م)، فنقل شلوه إلى مراكش، حيث دفن بمقابر الملوك السعديين.
أما الأمير مولاي مسلمة – الأخ الثالث – المعنون به هذا المقال، والذي خليفة لأخيه ليزيد بمنطقة جبالة والهبط، فإنه أهلن نفسه سلطانا بمجرد ما بلغه خبر ما جرى لأخيه بمراكش، وكانت الرسائل الأولى التي بلغته تخبر بوفاة أخويه اليزيد وهشام معا في معركة زاكورة، فبعث والديه رشيدا وجعفرا إلى المدن القريبة من جبل العلم، لأخذ البيعة له من أهلها، وأمر ولده المولى جعفر أن يصل إلى طنجة لإخبار ممثلي الدول الأجنبية بوفاة أخويه، ومبايعة الأمة له، وطلب الاعتراف به سلطانا على المغرب.
وكان عامل طنجة الطاهر بن عبد الكريم فنيش قد سبقه إلى إخبارهم بكل ذلك، ولما وصل المولى جعفر إلى طنجة ذهب قناصل الدول الأجنبية إلى لقائه بالمحل الذي نزل فيه، فقدموا إليه هداياهم، وطابوا منه أن يرفع إلى والده تهنئتهم بتولية الملك، فأكد لهم هو من جهته أن أباه، يعترف بجميع المعاهدات والاتفاقيات التي عقدها جده السلطان سيدي محمد بن عبد الله مع دولهم، وأنه سيحافظ على ما بين المغرب وبينها من صداقة وصلم، وأنه يرخص للسفن الإسبانية أن ترسوا بالموانئ المغربية، وتشحن منها من البضائع ما تشاء، وبعد أيام جاءتهم من المولى مسلمة دعوة لمقابلته، ولكنهم اعتذروا عن تلبيتها بصعوبة الطريق، وقرروا أن يتريثوا حتى تصلهم أخبار صحيحة عما جرى بمراكش، ويتضح الوضع بالمغرب.
ولم تمر إلا أيام، وإذا بالأنباء الصحيحة ترد عليهم من قناصلهم وتجارهم وجواسيسهم بآسفي والصويرة وغيرهما، مؤكدة أن السلطان المولى اليزيد هو الذي توفي في المعركة وحده، وأن المولى هشام حي يرزق لم يمت، وأن أهل فاس بايعوا أخاهما المولى سليمان لما بلغهم خبر موت اليزيد، فلم تشأ إسبانبا حينئذ أن توثق علاقاتها مع المولى مسلمة، لأنها كانت تعين المولى هشاما بالمال والسلاح على حرب أخيه اليزيد، الذي كان تضمر له العداء منذ حاصر حاميتها بسبتة حصاره المشهور، ولما أحس مسلمة بما يراود إسبانيا من شك في مستقبل ملكه رسالة الأمير المولى مسلمة إلى حاكم سبتة يخبره فيها بإرسال سفير له إلى ملك إسبانيا (صورة) الأمير مولاي هشام رسالة عامل طنجة الطاهر فنيش إلى حاكم سبتة الإسباني يخبره أن المولى مسلمة عينه بدون واسطة بينهما وأمور أخرى  رسالة من الأمير المولى مسلمة يفوض بها للسيد محمد بن الصادق ابن ريسون في التفاوض مع أهل فاس وأهل مكناس سعى جاهدا لاكتساب عطف انجلترا لتي كانت تحتل جبل طارق منذ عهد جده السلطان مولاي إسماعيل.
وحاول المولى مسلمة أن يزاحم أخاه المولى سليمان المبايع بفاس، فكتب رسالة تفويض منه للفقيه محمد بن الصادق ابن ريسون تاريخها 21 رجب عام 1206هـ، وأمره أن يذهب بها إلى فاس ومكناس ليدعو أهلهما لمبايعتهـ، وكانت طائفة من أهل الرباط قد بايعته فعلا، كما أرسل سراياه إلى جهات عديدة وسط المغرب وغربه وبلغ بعضها إلى قبيلة زرهون وقبيلة الحياينة المجاورتين لمكناس وفاس ولكن قوات المولى سليمان أوقعت بها، واستولت على حلل القبائل التي شايعته، ونبهت ماشيتها وأمتعتها، فانفض من حول المولى مسلمة كل من كان معه من عرب الخلط وقبائل جبالة، فسار بهم إلى جبل الزبيب (تيزيرين) المعترض على سيف البحر بين شفشاون والحسيمة، فأعرض عنه أهل، فانتقل إلى الريف، فلم يقبله سكانه، ولما صعد إلى جبال بني يزناسن طرده منه حماته، فسار إلى ندرومة – وهي مدينة مغربية كان يحكمها يومئذ قائد تركي مثل وجدة – فمنعه حاكمها من الوصل إلى الباي بالجزائر، وكان قد تلقى منه أمرا بذلك، فتوجه حينئذ إلى تلمسان وأقام بها، واجتمع فيها بالمؤرخ الشهير أبي القاسم الزياني بضريح الشيخ أبي مدين الغوث الكائن بقرية العباد من ظاهرها، وأثناء مقامه هناك كتب إلى حاكم الجزائر التركي يستأذنه في المرور بإيالته للحاق بالمشرق، فرفضه طلبه، وأرسل من أخرجه من تلمسان، فرحل إلى سجلماسة.
أما الأمير مولاي هشام – رابع الأمراء الستة – فإنه استوثق له ملك مراكش وناحيتها بعد مقتل أخيه اليزيد، وكان عضده مشتدا بوزيريه القائمين بأمره، عبد الرحمان بن ناصر العبدي الذي كان يلقب نفسه في رسائله بالمخيزني عامل آسفي، ومحمد الهاشمي ابن العروسي قائد دكالة والحوز، واستمر ملكه بها إلى انحرفت عنه قبائل الرحامنة عام 1209هـ، متهمة إياه بقتل قائدها عبد الله بن محمد الرحماني غيلة، فخلعت طاعته وبايعت أخاه المولى – حسين خامس الأمراء استة – وهجم عليه بالقصبة فرسانها ومشاتها، وأعجلوه عن ركوب فرسه، فمشى راجلا حتى أتى ضريح الشيخ أبي العباس السبتي، فاستحرم به، وثابت إليه نفسه، ودخل الأمير حسين إلى القصر السلطاني، واستولى على ما فيه من مال ومتاع، وقدم إليه أهل مراكش بيعتهم، وخطبوا باسمه من فوق منابر مساجدهم.
وبعد أيام، تسلل المولى هشام من الضريح العباسي، وسار خفية مع قلة من أتباعه إلى مدينة أسفي، وتزل عاملها عبد الرحان بن ناصر العبدي (المخيزني)، فأكرم نزله، وأحسن مثواه، وبقي أهل المناطق الواقعة جنوبي نهر أم الربيع ما بين مقيم على بيعة الأمير هشام ومتمسك ببيعة أخيه الأمير حسين، حتى زحف السلطان مولاي سليمان – سادس الإخوة الستة – على مراكش، ففر سلطانها الأمير حسين إلى زاوية مولاي إبراهيم بن أحمد المغاري بالجبل المعروف باسمه، والتجأ المولى هشام إلى زاوية الشرادي، فبعث إليه المولى سليمان من أمنه، وأتى به إليه، ولما ضرب الوباء ضرباته بمراكش عام 1212هـ كان الأميران هشام والحسين من عداد ضحاياه، فلم يبق للسلطان مولاي سليمان من ينازعه في ملك المغرب.
ونعود بعد هذا إلى الأمير مولاي مسلمة، فإن السلطان المولى سليمان لما بلغه خبر مجيئه إلى سجلماسة أرسل إليه ملابس ومالا استئلافا له، وعين له راتبا يؤمن له عيشه وعيش أبنائه، وأعطاه قصبة يقيم فيها مع أهله، ولكنه استقل ذلك ولم تطب له لبسجلماسة حياة، فخرج منها في نفس السنة التي تم فيها خلعه، وتوجه إلى المشرق بقصد الحج.
ولما مر بتونس في طريقه إليه سمع به الباي حمودة باشا، فاهتز لمقدمه، وأنزله في قصره بمنوبة، وبالغ في إكرامه، وأجرى عليه جرايات مناسبة لمقامه.
ولما ذهب الأمير للسلام عليه طلب من الباي أن يزور قصره ببارد لأذن له، وبقي أياما يتردد بين مقر إقامته بمنوبة وبين العاصمة تونس إلى أن واصل سيره إلى المشرق.
ومما يذكر عن إقامته هذه بتونس أنه مر ذات يوم بجنود المدفعية وإطلاق القنابل بباردو، فأوقف فرسه، وبقي يتأمل عمل أولئك الجنود، ثم أمر أحدهم باستعمال مدفع حسب طريقة ارتآها، ثم أمره بإطلاق القنبلة وتابع مسيرتها في الجو بعينيه، ولما أصابت هدفها بدقة – وكان الهدف خباء – واصل سيره والجنود يتعجبون من مهارته في استعمال الأسلحة استعمالا جيدا.
ولما وصل الأمير مسلمة مصر أقام بها مدة دخل بعدها الحجاز، ونزل بمكة، ضيفا على صهره أميرها الشريف سرور زوج أخته، الذي أكرمه، ورتب له جراية.
ولكن الأمير مل الإقامة بمكة، فارتحل عنها وصار يجوب الآفاق.
ومما يذكر من أخباره خلال المدة التي كان يتجول فيها أنه دخل مصر يوم كانت   (صورة) جلالة السلطان مولاي سليمان تحت الاحتلال الفرنسي (1798 – 1801)، واجتمع فيها بالجنرال نابليون قائد الحملة الفرنسية، وأهدى أحدهما للآخر، وتحادث كل منهما إلى صاحبه، وكان الأمير مسلمة فيما بعد شديد الإعجاب بنابليون، وإذا تحدث عنه تحدث بمنتهى التقدير والإنصاف له، ويذكر ما شاهد من حزمه وضبطه وشجاعته وثقوب ذهنه، ويتقل ما سمعه منه عما آلت إليه حالة المسلمين بسبب انغماسهم في الملذات والشهوات، وإسرافهم في الترف والنعيم.
وإذا وصف محل إقامته بمصر يقول عنه: إنه لا يشتمل إلا على فراش نومه، وغرفه استقباله، ومكتب بسيط يضع فوقه أقلاما وأوراقا، ثم يقارن بين ذلك بأثقال قواد الجيوش الإسلامية التي توازي أثقال الجيش كله أو معظمه!          
ولما طال حله وترحاله في منفاه الاختياري ساء حاله ونضب ماله، وتخلى عنه الأتباع وجفاه الأصدقاء، واشتد حنينه إلى وطنه، وصار لا يفكر إلا في الرجوع إليه لقضاء بقية أيامه فيه، فذهب بحرا إلى تونس سنة 1126هـ بعد اثنين وعشرين عاما من خروجه منها، ولما أرست السفينة التي سافر على متنها (بحلق الوادي) أرسلت الزوارق لإنزاله منها فورا بإشارة من الشيخ على الباهي، وفرح الباي حمودة باشا بمقدمة، وأعطاه منزلا يسكن فيه، وعين له راتبا يتعيش منه.
ولكن الأمير شكر الباي، وعبر له عن رغبته في العودة إلى المغرب، وطلب منه أن يكتب لأخيه السلطان مولاي سليمان رسالة شفاعة فيه، فاستجاب له الباي، وكتب له الرسالة، فسار الأمير إلىوهران، وطاب من حاكمها التركي أن يكتب له رسالة شفاعة شبيهة بالرسالة التي كتبها له باي تونس ففعل.
ةلما وصلت الرسالتان السلطان مولاي سليمان قبل شفاعتهما، وكتب لأخيه المولى مسلمة أن يسير إلى سجلماسة، ويستقر بها، وعين لسكناه بها دار والده السلطان سيدي محمد بن عبد الله، ورتب له ما يكفيه من مؤونة وكساء، ووعده بمقاسمته نعمته.
وكان اختيار مولاي سليمان سجلماسة لإقامته سياسة حكيمة قصد بها إبعاد أخيه عن سماسرة الفتن، ومؤججي نيران الثورات.
أما الأمير مسلمة الذي كان طموح ونفس أبية، فكان يطمح في أن يقيم بمكان آخر يرضاه، ويعامل معاملة أحسن مما اقترح عليه، أخوه السلطان، لذلك رفض عرض أخيه، وعاد إلى تونس ليستقر فيها بقية حياته، وتزوج سيدة من بيت الشيخ القصري أنجب منها ولدا وتوفي صغيرا.
ذكر أحمد ابن أبي الضياف في كتابه «إتحاف أهل الزمان» أن المولى مسلمة كان آية في الكرم، وأن له أخبارا في السماحة والإيثار، أورد منها الحكاية التالية:
زاره شيخنا العلامة إبراهيم الرياحي، ولما أراد الخروج قال له: «لا أسرحك في حر الشمس، وألزمه أن يتغذى عنه ويقيل، ولما أراد الرجوع عشية أنشده:
ولما أنزلنا في ظـلال بيوتكـم
أمنا ونلنا الخصب في زمن المحل
ولو لم يرد يزد إحسانكم وجميلكم
على البر من أهلي حسبتكم أهلي
فقال له الشريف: إنك أتيت أخي ومدحته وأحازك وهو سلطان وأنا غريب. وقد كان بأصبعه خاتم ثمين نزعه من خنصره، وناوله الشيخ، فأخذه الشيخ وضمه إلى صدره وأنشد:
نظـرت لخاتـم قد جـل قـدرا
   تحف له الجلالـة والكرامـة
فقلت له شرفـت، وأي فضـل
حويت بلبس مولانـا سلامـه
وقال له: إن خاتمك شريف، والشريف لا يستعمل، وقد أجازني أخوك في الدنيا، وجائزتي منك في الآخرة، ووضعه بين يديه، فامتنع الشريف من قبوله.
فقال له الشيخ: لا تحرمني من جائزة الآخرة فهي خير وأبقى، والأعمال بالنية.
فتركه الشيخ بين يده وحرج.
وعاش الأمير مسلمة طويلا، وعراه في آخر عمره حذب خلع به حلة الإمارة، وتجرد من أبهة السلطان، واحتقر الدنيا ومتاعها، وصار يسأل الأغنياء، ويرد ما يأخذ منهم على الفقراء، واستمر على هذا الحال حتى توفي بتونس يوم الأحد 15 جمادى الثانية علم 1250هـ (19 أكتوبر سنة 1834م)، ودفن بزاوية سيدي عزوز، وشهد جنازته الأعيان وكبار موظفي الديوان.
وبموته ختمت حياة اتسمت بدايتها بالمغامرة والطموح، واتسمت نهايتها بالخيبة والحرمان، ولله في خلقه شؤون.
 
 
1) انظر عن هذه المرأة كتاب (جاك كايي) المسمى: Une corse sulatane du Maroc : Davia Franceshini et sa famille. المطبوع بباريس سنة 1968.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here