islamaumaroc

النثر والقومية العربية

  محمود تيمور

7 العدد

نحن المخضرمين الذين عشنا في جيلين، سابق ولاحق، لا يفوتنا أن فكرة القومية العربية وهي دعوة الساعة، كان لها بالأمس صوت جهير.

بيد أن هذه القومية العربية لم تكن لها دلالة مختمرة في أذهان الكتاب، ولم تكن مستبينة المعالم فيما تجري به الأقلام.

كنا مضطربين في أمرها أشد الاضطراب، مختلفين فيها كل اختلاف، يتعصب لها منا فريق، ويثور عليها فريق آخرون، وكان المتعصبون لها والثائرون عليها سواء في التطرف أو في الشطط والاعتساف، وفقا لمقتضيات وملابسات حاقت بالأمة العربية في تلك الأيام.

المتعصبون للقومية العربية كانوا يتمثلونها لياذا بالماضي، واعتزازا بالسلف، فهم ينشدون للكتاب أن يرجعوا إلى العصور الأولى، ويؤثرون للأدباء أن يحيوا في أجواء العهود الخوالي، ويأبون على المفكرين أن يسلس قيادهم لاتجاهات حديثة أسفرت عنها الحضارة العصرية في ميدانها الثقافي.

والثائرون على القومية العربية كانوا يشبونها حملة على كل قديم في التفكير والتعبير، ويعتدونه عقبة في طريق التطور والتقدم، ولم يسلم من حملتهم تراث العروبة في فنون أدبها وفي ألوان ثقافتها بل في كثير من دعواتها الروحية الموصولة بالعقيدة والدين.

وتنابز الفريقان بالألقاب، فريق المحافظين، وفريق المجددين، لكل منهما زاوية ينظر إليها لا يعدوها، ولكل منهما وجهة هو موليها، فإن قلنا إنهما كانا كلاهما على خطأ فلسنا على خطأ، وان قلنا إنهما كانا كلاهما على صواب فلسنا نجانب الصواب.

أولئك المحافظون آمنوا بالقومية العربية، فأقاموا من أنفسهم سدنة لها، متعلقين بأستارها يتمثل إيمانهم في الاستمساك بالتراث العربي القديم، وفي الاستيحاء لأساليبه ومناهج أدبه، وتأنس نفوسهم بأحلام ماضيه، وبما يزدان به من مفاخر وأمجاد. وعذرهم في ذلك أن المجتمع العربي كانت تغزوه قوى أجنبية في شتى مناجي حياته، ومن ورائها مظاهر حضارة عصرية ولوامع فكر جديد، فأشفق المحافظون على الأمة العربية أن يطوح بها التيار الجارف، حتى لا تتماسك ولا يبقى لها من كيان، ولم يستطيعوا إلا أن يهربوا من واقعهم الذي يحاصرهم من كل صوب، هذا الواقع الملتبس الذي يباعد بينهم وبين عروبة يعتزون بها أكبر اعتزاز.

وهؤلاء المجددون أرادوا للأمم العربية حياة غير حياتها المتخلفة، فانبعثوا يمزقون عنها الفاف ماضيها الذي هو أشبه بأحلام النيام، ويحطمون ما يغل عقولها من قيود مائعة من التحرر والانطلاق، ويفتحون العيون على النور الجديد في آفاق الفكر والمعرفة.

ومن ثم نشأت الدعوات الأدبية في كل أمة عربية على إبراز الشخصية، وتنوير الوعي، وتجديد الروح ولم يكن للمجددين بد من اصطناع خطة الهدم، لكي يقوم على الأنقاض بناء مكين.

لبثت القومية العربية على هذا النحو، بين أشياع المحافظة وأشياع التجديد، مثار تردد ونزاع، بل مدار تشكك وارتياب، وفي أدب الجيل الماضي تعبير صادق عن هذا التردد والنزاع أو التشكك والارتياب، سواء في ذلك المحافظون والكتاب المجددون.
ولعل هذه المرحلة كانت مرحلة طبيعية من مراحل النهوض القومي، وطورا لا غناء عنه من أطوار تبلور الفكر العربي، فقد جاهد المحافظون في سبيل إحياء تراث العروبة وتزكيته وإقرار الإيمان به في النفوس، وعمل المجددون على إنضاج الوعي العربي وتبصيره والنفوذ به إلى فهم موقفه من الحياة التي يحياها، ومن المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.

وفي يومنا الحاضر أتيح للقومية العربية أن تستقبل طورا حاسما من أطوار حياتها، وتجد لها صيغة جديدة لا مجال فيها لتعصب فريق وثورة فريق آخرين.

لم تعد القومية العربية حلم نائم على رمال الصحراء ولا اهتزازا لبكاء الدمن والأطلال، ولا عويلا على مجد كان في غابر الزمان.

القومية العربية اليوم يقظة لعمل، وسعي إلى هدف، هي تفاؤل بغد، وإيمان بمستقبل، وانبعاث إلى أمام، هي نزعة موحدة إلى الحرية والعزة وتقويم الشخصية في هذا المعترك العالمي الذي يحف بنا من كل جانب.

ولعل أدق تعريف لهذه القومية العربية في مضمونها الأصيل أنها -كما قال أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد- (رابطة بين أمم اتسعت بينها دائرة المشابهات، وضاقت دائرة الفروق).

فهذه الرابطة تجمعنا اليوم حول دعوة فكرية عميقة وخطوة تحررية واسعة، وكفاح إنساني صميم.

نريد اليوم أن يكون لنا فكر نابع من عقولنا ومن وجداننا، أن تكون لنا بصيرة خاصة بالحياة من حولنا، فنتحرر في التفكير والتعبير، ولا يكون علينا من سلطان في التأثر والتأثير، نؤمن بأنفسنا، فنفيض عليها عزما وقوة، ونمارس استجابتنا الواعية لكل ما في الآفاق من هواء ونور.

حسبنا من فكرة القومية العربية أنها حرب على الضعف والاستكانة، حرب على التشكيك  في الشخصية الجديرة بالاستقلال والتوثب، وأنها ثورة على العبودية والتطامن لسلطان الأجنبي، ثورة على الوقوف في هذا المعترك العالمي موقف التضاؤل والتخاذل، وأنها رمز في المجتمع العربي للألم الباعث على اليقظة والأمل الدافع إلى الكفاح.

لئن كان لكل عصر نبوته المقدسة، أن القومية العربية لهي نبوة هذا العصر في مجتمعنا العربي، ورسالة النبوة هي تجميع القوة، وتكتيل الجبهة، والانطلاق بالطاقة البشرية في كيان المجتمع العربي نحو كسب الحياة.

وإن كتاب العرب في أعناقهم أمانة، هي أن يكونوا حواريين لتلك النبوة الصادقة، يزكونها بأقلامهم، وينفخون فيها من أرواحهم، ويعملون على أن تكتمل لها أسباب النماء والازهار.

يشهد التاريخ بأن التطورات الكبيرة في الحياة الأدبية رهينة بالتطورات السياسية البعيدة المدى، فالأدب يؤثر في هذه التطورات ويتأثر بها في آن. والمجتمع العربي تحت راية القومية العربية يستشرف لبحث سياسي يستكمل به حرياته ومشخصاته، فلا معدى للأدب عن أن يستجيب لهذا البعث كل استجابة، وأن يواكبه فيما يستهدف إليه من أغراض جسام.

تلك هي الأقلام تصاحبنا وتماسينا بإنتاج أدبي ترتسم فيه وثبة التحرر، فقد أمسكت هذه الأقلام عن التعلق بأذيال الموضوعات التجريدية، والوجدانيات الحالمة، وأقبلت على تصوير الروح الجديدة التي تتمثل فيها اليقظة والعمل والكفاح. وإنما انصرف حملة الأقلام إلى هذا الحد في التصوير الواقعي لأنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع اجتماعي قوي يرج النفوس ويملأ الأذهان، لا كما كان أسلافهم بالأمس يعيشون في واقع هزيل لا يحدوهم إلى التعبير والتصوير.

ومهما يكن من جدال النقاد في أن يكون الأدب هادفا أو غير هادف، ملتزما أو غير ملتزم، مجندا أو غير مجند، فما أحسب الكاتب العربي في هذه الفترة من زمنه يستطيع أن يغفل الأحداث تهز كيان كل عربي، وتتغلغل في صميم كل بيئة عربية، وإن الكاتب ليستهين بأمانة القلم في يده إذا هو لم يتسع لمختلف الهتافات التي تضطرم في ذلك المجتمع العربي، وإذا هو لم يلتقطها ويبث فيها من ذوب نفسه ومن فيض روحه ما يجعلها مددا للفكر الجديد، وكيف يكون الكاتب مخلصا في استيحاء الحياة من حوله إن صمت أذنه دون انبعاث قومي في مجتمع كبير يعيش بين ظهرانيه.

ما أهون أن يكون الأديب معدودا من أهل عصره، بتاريخ ميلاده، لا بما يحمل أدبه من معالم تضعه حيث وضعته الأيام من أحداث وطنه في ذلك التاريخ.

لسنا نبغي أن يفرض الكاتب على نفسه شيئا، ولسنا نعني أن يتخذ الكاتب من قلمه بوقا يعلو به صوت مسوق إليه، محمول عليه، فذلك هو التكلف الذي لا جدوى فيه، وذلك هو الافتعال الذي نأباه. وإنما الذي نبغيه أن يرهف الكاتب حسه، ويفسح من نفسه مجالا تتجاوب فيه أصداء الحركة القومية، فإنه خليق أن ينتفض وأن يستشعر، وأن يتوافر له الانفعال القوي فلا تلبث نفثات فكره وروحه أن تذكي الجمرات التي تومض تحت الرماد.

ربما آثر الأديب ألا يربط بين فنه وبين تيارات تتناوح من حوله، إذ يؤمن بأن العمل الأدبي إذا ارتبط بهذه التيارات نقص حظه من الفن، وقصر عمره في حساب الزمن، وفاته الخلود الذي يتاح للأعمال الفنية الخالصة غير المقترنة بملابسات عابرة في حياة الأمم وكفاح الشعوب.

ولكن الحق أن الأديب إذا عمق حسه، وصدق استلهامه، وآمن بما يجري به قلمه لم يستعص عليه أن يكون فنه قويا خالدا وإن تناول أحداث العصور، وعبر عن ملابسات الجيل، وانصاع للتيارات العارمة التي تمر بالمجتمع.

ومن الحق أيضا أن المجد الأدبي إذ عقد بناصية الأديب الخالص في فنه للحياة الإنسانية المجردة، فإنه يعقد كذلك بناصية أديب يجند أدبه لهدف قومي، ليكسبه به جهارة وقوة وحيوية، فقد لمع في الأداب العالمي أدب الكفاح الشعبي، وبقي على الزمن ما فيه من روائع وعيون، وكتب الخلود لأصحابه بين الأدباء، كما كتب الخلود لهم بين قادة النهضات.

وإني لأذكر هنا أديبا عاش في عصر الثورة العرابية وجند أدبه في معسكر الوطنية المصرية لذلك العصر، هو السيد عبد الله نديم، فقد أجاد قلمه لونا من أدب الكفاح أدى مهمته في حينه أحسن أداء، ولربما عز علينا أن نتلمس فيما انتهى إلينا من آثار ((النديم)) في أدبه الكفاحي ما يصعد به إلى قمة الفن، ولكنه استحق التمجيد والخلود.

وإذا طاب لنا أن نهتف بحرية الأديب العربي فيما يجري به قلمه، وفيما تضطرم به نفسه وأن ننشد طلاقة الطائر في الأفق، فعلينا أن نهتف كذلك بالرسالة الإنسانية الملقاة على عاتق الأديب الحر، رسالة الإحساس بالحياة التي يحياها، وتعمق فيها، وتزكية ما يلتمع في مجتمعه من مثل رفيعة تدعو إلى حرية وحق وخير وسلام، والقومية العربية التي تعمر جوانح المجتمع العربي اليوم، ليست إلا مثلا إنسانيا رفيعا، فهي موجة من موجات التقدم البشري، تدعو إلى الإيمان بالنفس وإلى حرية العمل للخير والحق والسلام.

رفقا بالقوارير
قال  الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: اللهم اغفر لأمي، فقلت: ما لك لا تذكر أباك ؟ فقال: أبي رجل يحتال لنفسه، وإن أمي امرأة ضعيفة.
الطول والعرض
سئل بعض الجند عن نسبه فقال: أنا ابن أخت فلان، فسمعه أعرابي فقال: الناس ينتسبون طولا وهذا الفتى ينتسب عرضا.
أنــا...
سأل عمر بن الخطاب رجلا: من سيد قومك؟ فأجاب الرجل: أنا. فقال عمر: كذبت لو كنت كذلك لم تقله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here