islamaumaroc

كلمات وإشارات-1- [انظر أيضا: الوجادات ]

  عبد القادر زمامة

العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992


1 ـ بمثابة...!
كان هناك لقاء جامعي مع طلبة الدراسات العليا، انجر فيه الحديث والنقاش والحوار إلى المادتين اللغويتين:«التوبة» و«الثواب».
وبطبيعة الحال، وقع الاستشهاد بعدة نصوص قرآنية وغيرها، وتصنيف المعاني التي تحملها أفعال وصفات المادتين إلى حقيقة ومجاز، مما لا يخلو من طرافة وإفادة... !
وكان من جملة ما وقع النقاش فيه الآية الكريمة الواردة في سورة البقرة: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا...) (الآية: 125).
وكلمة «مثابة» في النص القرآني واضحة الدلالة على المراد، سواء أخذنا برأي المفسرين الذين يجعلون «مثابة» بمعنى المكان الذي يرجع إليه الناس، وهم جماعات يحجون إليه من كل فج عميق... ! أو أخذنا برأي الآخرين الذين يجعلون «مثابة» بمعنى المكان الذي يثاب فيه الحجاج والمعتمرون ... !
لكن الشيء الطريف الذي لفت الأنظار، وأثار النقاش والحوار، ما قدمه أحد الحاضرين في صورة تساؤل:
*هذه الكلمة القرآنية: «مثابة» إذا كانت واضحة الدلالة في أية سورة البقرة فإننا نقف أمامها عند سماعها، وعند  قراءتها في عدة مناسبات هكذا «بمثابة» بإدخال حرف الجر... !
* فهذه رسالة «بمثابة» حجة اعتراف ... !
* وهذا عرف بمثابة «بمثابة» قانون ... !
* وهذا صديق حميم «بمثابة» أخ شقيق ... !
فهذه التعابير المكتوبة والمسموعة تدل على أن كلمة «مثابة» أصبحت تدل على «منزلة»... ! فإذا قلنا أو سمعنا أو قرأنا: هذا عرف «بمثابة» قانون، كان المراد أنه بمنزلة القانون، وهكذا بقية التعابير...
وقد خرجت من هذا اللقاء الجامعي وأنا شبه مطمئن إلى أنني سأجد «بمثابة» بمعنى: بمنزلة في معجم قديم أو حديث من معاجم اللغة...
لكن ـ بعد استقراء وتتبع ـ حسب ما وقع في اليد، ووصل إليه العلم، لم أجد لذلك ظلا ولا أثرا... ! وبقيت علامة استفهام في ذهني لم تستطع الأيام محوها ...
واستمر البحث في الدواوين الشعرية، والمصادر الأدبية، والمعاجم اللغوية، كما استمر الاستفسار والسؤال.
فالكلمة مستعلمة بكثرة عند المؤلفين والباحثين المعاصرين، ويصعب علينا أن نقول إنهم جميعا على خطأ، ولا يستندون إلى سند من نصوص أهل اللغة، أو استعمال استعمله كتاب ذوو معرفة واسعة بالكلمات ومعانيها الحقيقية والمجازية، فاقتدى بهم من جاء بعدهم...!
ثم هداني المطاف الطويل إلى كتاب: (دلائل الإعجاز) للإمام عبد القاهر الجرجاني: (ت: 471هـ/1078م)، وإلى الطبعة التي صحح أصولها، الشيخ محمد عبده (ت: 1323هـ/1905م)، والشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي (ت: 1322هـ/1904م)، وأشرف على طبعها الشيخ محمد رشيد رضا (1354هـ/1935م).
ولي صلة وثيقه بهذا الكتاب منذ أيام الدراسة الأدبية، والبحث في مناهج البلاغة والنقد عند الأقدمين، فوجدت الإمام عبد القادر الجرجاني لا يتحرج في استعمال هذه الكلمة هكذا:
ـ وأن يكون بتلك المثابة(1 )...
ـ أن يكون بمثابة من يفعل( 2)...
ـ إسماعهم بمثابة من يظن( 3)...                               
وواضح أن الجرجاني يستعمل هذه الكلمة استعمالا مشابها تماما لاستعمال الكتاب والباحثين المعاصرين.
فحينما بقولون: «بمثابــة» فهم يقصدون «بمنزلة»، كما كان يقصد الإمام الجرجاني، وهو من رجــال القرن الخامس الهجري، (الحادي عشر الميلادي...!).
والمظنون، أنها استعملت قبله وبعده في عدة أقلام بهذا المعنى، والوقوف على ذلك يستدعي عدة أوقات...! وعدة استقراءات في كتب شتى...!.
والحاجة هذه، أننا عند الكلام على هــذه الكلمة وأخواتها في مقام التنبيه والإشـارة ولفت النظر، لا في مقام الإحصاء، والتتبـع الكامل، والاستقراء الشامل، والحكم الجـازم، فإذا اتفق أن المعاجم اللغويــة أو بعضها لم تقع منها إلى هذه الكلمة «مثابة» إشــارة بالمعنى الذي يقصده المعاصرون، وكذلك الإمام الجرجاني في كتاب: (دلائل الإعجــاز)، وربما آخـرون قبله وبعده، فإن ذلك ضربة لازب في حياة هذه الكلمة الأصيلة، لنفي معنى لهــا استعمل قديما، ويستعمل حديثا.
غاية الأمر في مثل هذه الحالة أن يقال:
إن هذا المعنى لكلمة «مثابة» معنى وارد، إلا أن المعاجم المتداولة التي بين أيدينا لم تنص عليه ـ حسب ما نعلم ـ فهو إذن وارد، ولكنه غير معجمــي والله أعلم ...!

2 ـ العربانــي...!
أفــرزت الصلات المستمرة المتنوعـة بين لغة المسلمين وحضارتهم، ومعارفهم وبين الحضارة الأوربية عدة إفرازات انعكست على عـدة أسماء ومسميات وأساليب، ومنــاهج للبحث والدرس والاستنتاج: فيها شر، وخير، وصواب، وحظ، وذكــاء، وغباء، واعتراف، وإنكــار، وتصريح، ودس... شملت الشكل والمضمون.
وقد انصرفت عدة مدارس في العواصـم الأوربية لدراسة التراث الشرقي بصفة عامة، والإسلامي العربي بصفـة خاصة، منـذ حقب خلت، وصدرت عن هــذه المدارس عدة كتب، ومجلات، وأبحاث، ومعاجــم، ونظريات.
ومن أجــل ذلك ظهرت كلمات:
ـ الاستشراق.
ـ والاستغراب.
ـ والمستشرق.
ـ والمستغرب.
ومــا إلى ذلك من الكلمات المستعملة الآن.
وهذه الكلمات هي في حقيقة الأمــر كلمات مترجمة عن كلمات ترجـع إلى أصــول لاتينية، أو سكسونية معروفة لا غرض لنا بذكرها الآن هنا. لأن هدفنا هنا هـو الوقوف قليلا مع الكلمة الجارية على الألسنة والأقـلام وهي كلمة مستعرب !
بمعنى، الباحث الدارس الذي اقتحم مجالات البحث في التراث المكتوب بلغة الضاد، سواء كان هـذا التراث لغويا، أو أدبيا، أو تاريخيا، أو فلسفيا،  أو عقديا، أو تشريعيا...! فعمل هـذا الباحث... استعراب، وهو مستعرب، وهــو فرد من أفراد مسعتربين.
هكـذا جرى ذلك على الألسنة والأقلام منذ مـدة طويلة.
وواضـح أن هــذا الاستعراب هو أخــص من الاستشراق، وأن المستشرق بحسب المفهوم الاصطلاحي، والمجال الدراسي هـو أعم من المستعرب، ولكن بعض النـاس لا يفرقون في الاستعمال بين هاتين الكلمتين «مستعرب» و «مستشرق» .
فهما في بعض الأقلام سواء...! فيقولون في كل باحث في معارف شرقية: قديمــة وحديثة، عربية وغير عربية، مـع كونــه لا ينتمي لا إلى الشرق، ولا إلى الغرب، هــو عالم أو باحث: «مستشرق» و«مستعرب».
مع أن بينهمــا ـ بحسب المفهوم ـ  عموما وخصوصا، فالأول أعم، والثانـي أخص.
وينبغي أن أشير هنـا إشـارة عابرة إلى أنني وجدت في مذكراتـي: وجـادة كنت قد نقلتها من كتاب قديم هــو ـ ألف باء الذي ألفه عالم أديب لغوي أندلسي هــو أبو الحجاج يوسف البلوي المالقي المتوفـى سنة (604هـ / 1207م)،  حيث سمى هـذا الأندلسي اللغوي في كتابـه المذكور الشخص المتكلم بلغـة الضـاد، العارف بها، وهـو ليـس مـن أبنائها، باسم العربانــي، وذلك في  الجـزء الأول: ص: 72.
فكلمــة العرباني كانت تطلق قديمــا بالتقريب على من يسمى الآن بالمستعـرب...!
ونص البلوي شاهـد على ذلك، وربما كانت نصوص أخرى قبل وبعـد البلوي...!
وهـذه الصيغة: العربانـي، فيها النسبة إلى العرب بالألف والنون، مثل:
* الشعراني... لكثير الشعر.
* اللحياني... أطول اللحية.
* والرقباني... لغليظ الرقبة.
* والصنعاني... المنسوب إلى صنعاء
* والفوقاني... المنسوب إلى فوق
* والروحاني... المنسوب إلى الروح.
وقد ذكـر هذه النسبة بالألف والنون جماعة من اللغويين والنحاة القدمـاء في كتبهم ، وقالـوا إنها سمعت في عـدة كلمات...! مثل الفاكهانــي، والباقلاني، وغيرهما.        
ولا بأس أن أشير هنـا إلى أن مجلة دعوة الحق، سبق لها أن نشرت بحثا لغويـا لصاحب هـذا القلم في العدد الأول من السنة الحادية عشر ص 71 سنة 1967م: كــان عنوانه : «من صيــغ النسبة في النحــو العربي»، تعرض فيه الكاتب إلى مجموعــات في الكلمات العربية التي وقعـت فيها النسبة بهذه الصيغــة...! أعني بالألف والنون.
ونحن مطمئنون ـ نحويـا ولغويا ـ إلى أن النسبة بالألف والنون في بعض الكلمات العربية «سماعية»، وليست «قياسية»، ولكنها على كـل حال موجودة ومعروفة...!.
كما أننا مطمئنون نحويــا ولغويا إلى أن «البلوي» الأندلسي حينما سمى الشخص المتكلم بلغة الضاد، وهو ليس عربيا: «العرباني» إنما كان يعبر عن اصطلاح معروف متداول في عصره، سجله في كتابه اللغوي «ألف باء» وهو اصطلاح جرى على الألسنة والأقلام في الأندلس، وفي غيرها من الأقطار الناطقة بلغة الضاد إذذاك.
 والبلوي: زيادة على علمه وفضله في بلاده كان رحالة، زار عدة أقطار شرقية، وسمع علوما ومعارف من عدة أساتذة هناك، وقد انعكس ذلك على كتابه الذي رتبه ترتيبا لغويا غربيا، وشحنه بالمعلومات والإفادات ولا سيما منها ما يرجع إلى اللغة والأدب.
ولا بأس أن نشير إلى ورود كلمة «العرباني» في معجم عربي حديث وهو «المعجم البسيط» الذي أصدره المجمع اللغوي بالقاهرة، وجاء فيه: «العرباني، من يتكلم بالعربية وليس عربيا...!»
أما معجم «تاج العروس» فإننا نجد فيه هذا النص بعد ذكر كلمة «عرباني»:
«قال الرشاطي: إنه عارف بلسان العرب، وقاله بالألف والنون ليفرق بينه وبين «العربي» النسب...!».

3 ـ تركت صلاة العصر...!
من القضايا والأحكام والأقوال والأفعال ما يوقد في قلوب الناس على اختلاف مستوياتهم: الاجتماعية والفكرية، مصابيح تنبه الغافل، وتذكر الناسي، وتهدي الحيران...!!
وتحضرني الآن وأنا أكتب هذه «الكلمات والإشارات»، «قضية» وجدتها في مذكراتي مأخوذة من مخطوطة جيدة الموضوع، اطلعت عليها مصادفة وهي المسماة: «تحفة الناظر، وغنية الذاكر، في حفظ الشعائر وتغيير المناكر» ، لمؤلفها أبي عبد الله محمد بن محمد بن سعيد العقباني المتوفى سنة 871هـ/1466م.                                             
يقول العقباني:
«أخبرني شيخنا وسيدنا الجد الأدنى، الأقرب عن والده سيدنا الإمام الجد الأعلى، قال: وقد حضر ذات يوم مجلس قضاء القاضي: «الفشتالي». وكان مع غزارة علمه، وحسن سمته، فيه رقة نفس، وفكاهة طبع، فتداعى إليه اثنان، فقال المدعي:
تركت عند المدعي عليه دابة يرقبها لي، ويحفظها من الانفلات والضياع، حتى أقضي أربي من السوق...!
فأهمل النظر في صيانتها وأضاعها بتفريطه... !!
فقال المدعى عليه:
 ـ لم أضيعها... ! ولم أفرق... !
فقال القاضي الفشتالي:
ـ القول قول المدعى عليه الأمين، إنه لم يضيع ولم يفرق، مع يمينه إن كان متهما...! وإلا فلا يمين عليه... !
فقال المدعي صاحب الدابة:
 ـ بل هــو أقوى الناس اتهامـا... ! أيها القاضي !!
إذ ذاك انبرى له المدعى عليه قائـلا:
إنك لحقيق أن تقول في أكثـر من ذلك...!! لأنني تركت صلاة العصر حتى فات وقتها في رقبة دابتك...!
فلما سمع القاضي الفشتالي تحاور الرجلين، وعلم ملابسات القضية، توجه إلى الرجـل المدعى عليه، وقال له:
قم من مجلسـي هذا، وأد حاليا للمدعي قيمة دابته الضائعــة...!
فإنك مضيع لها بما ذكـرت من تضييعك لصلاة العصر في وقتها...!!
وقد قال الخليفة سيدنا عمــر بن الخطاب رضي الله عنته: «من ضيعهـا فهو لما سواها أضيع...!».

  1) ص: 92، طبعة دار المنار القاهرة 1321هـ.
  2) ص: 93، طبعة دار المنار القاهرة 1321هـ.
  3) ص: 94، طبعة دار المنار القاهرة 1321هـ.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here