islamaumaroc

التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة

  محمد محمد بنيعيش

العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992


* تمهيـد عن مذهب السلف وموقف الخلف:
موضوع التأويل يعد من أصعب وأهم المواضيـع التي خاض فيها العلماء المسلمون على شتى مذاهبهم ومستوياتهــم الفكرية، مما كان لــه تأثير واضح على توجيهاتهم النظرية، وتصوراتهم العقدية أيما تأثير، بل انه قد تعدى إلى حياتهم الاجتماعية والسياسية ، فضلا عن صياغاتهم المعرفية ، كما هو مشهور في كتب التاريخ والفكر الإسلامي بصفة عامة.
ومسألة التأويل تعد أهـم المحددات لمفهـوم السلفية المدعاة أو السرابية المزعومة، إذ أنه يمثل في صوابه الانعكاس المعرفي الصحيح الذي عرفه جيل الصحابة، وهـم بحضرة الرسـول (صلعم).
أما إذا جانـب هذا التأويـل الصواب فإنـه يكون بمثابة تجـن وتطفل على ميدان له فرسانه المؤهلون للخوض فيـه.
وبذلك تكـون دعوى السلفية لتبرير التأويل بوجه من الوجوه، دون مراعاة الوضع المعرفي وواقعه عند السلف الصالح، وخاصة عهد الصحـابة رضوان الله عليهم هي دعوى هشة، وغير ذات مشروعية كاملة، لتصدر الدعوة الإسلامية، وتقلد منصـب الريادة فيهـا.
وإذا كان واقـع المعرفة عند السلف الصـالح قد اتسم بعمـق معرفي لا مثيـل له في تاريخ البشرية، كما دلت عليها القرائن والآثـار،فإن مواقـف الخلف ينبغـي أن  يكون القرب أو البعد من هـذا الواقع، فهما وإدراكا، وخاصـة فيما يتعلق بالنظر في العقيدة، ومسألة الصفات الإلهية، والمتشابهة مـن القرآن...إلخ.
ومن بين هذه المواقف الرئيسية التي يمكن أن تنسحب على أغلبية الخلف من عامة المسلمين نجد ما لخصه أبو حامد الغزالي (505هـ) في هذا النص العلمي بقوله:
«أعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهــل البصائر ومذهب السلف، أعنـي مذهب الصحابة والتابعين، وها أنــا أورد بيانه وأبين برهانه فأقـول:  حقيقة مذهب السلف، وهو الحق عندنا، أن كـل من بلغه حديث من هـذه الأحاديث  من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمـور:  التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجـز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة»( 1) والموقف الرئيسي الذي يهمنا من هـذه السبعة هو «الإمساك عن التصرف في النص».
وعلى رأس هذه التصرفات ذات البعد العقائدي والمذهبي نجد موضوع التأويل كأهم محطة للخلافات المذهبية في الفكـر الإسلامي عبر العصور.
ولاحتواء هــذا الموضوع، والحيلولة دون تشعبه أكثرمن اللازم فسأحــاول أ ن أعرض له من خلال آراء بعض المتخصصين في هـذا الميدان ونوعية التوجهات التي مثلوها عند تطرقهم للموضوع، حتى أصبحت مذاهب رئيسية عند المسلمين، كــل واحد منها يدعي اقتفاءه المنهج السلفي في إجراءاته وتأويلاته.
وأهم هــذه الاتجاهات هي:
- الاتجاه الأول: هو الاتجاه الكلامي والصوفي في التأويل، ويمثله بصورة خاصة أبو حامد الغزالي.
- والاتجاه الثاني: هو الاتجاه الفلسفي والمسمى بالسلفي.

أولا:  التكامل المعرفي بين علم الكلام والتصوف في التأويل:
أ ـ علم الكلام الموضوعي والتأويل الحذر.
يُعَــرف أبو حامد الغزالي التأويل في صورته الاصطلاحية بأنه  «بيان معناه ـ أي اللفظ ـ بعد إزالـة ظاهره، وهذا إما أن يقـع مع العامي نفسه أو من العارف مع العامي، أو من العارف مع نفسـه بينه وبين ربه»( 2)                      
ويشترط الغزالي لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى ثلاثة شروط ينبغي أن يتقيـد بها المؤول، وهــي الوصايا التالية:

* الوصية الأولى:
أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع وليتْلُ قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا).
ولا ينبغي أن يستبعد استتار بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين.
وليعلم أن العالم الذي يدعـي الاطلاع هو مراد النبي (صلعم) في جميع ذلك،  فدعــواه لقصور عقله لا لوفوره.

* الوصية الثانية:
أن لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب،  ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.
وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل لم يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة.

* الوصية الثالثة:
أن يكف من تعيين التأويل عند تعار ض الاحتمالات، فإن الحكم على مـراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله (صلعم) بالظن والتخمين خطــر، فإنما يعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهـر فمن أين تعلم مراده؟ إلا أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين.
ولكن وجود الاحتمالات في كلام العرب وطرق التوسع فيها كثير، فمتى ينحصر ذلك؟  فالتوقف في التأويل أسلم. ( 3)
بعد هــذا الموقف ذي المبرر الموضوعي ـ كما يبدو ـ ولطرح سؤال، وهو:
هل هذه الوصايـا التحذيرية من التأويل الجزافـي، وهذه الإيماءات باستحالة تحقق التأويل دوم الانزلاق في الأخطاء، ومجانبة الصواب، يمثل الموقف الرسمي للغزالي من التأويل والمؤولين، أم أنه يتخطاه إلى مفاهيم أكثر عمقا ، وأعز منالا، بالنسبة إلى كثير من العلماء، وأنه بالإمكان التحصل على تأويل صحيح دون الوقوع في المحاذير والمخاطر؟
إنه بتتبع النصوص المتفرقـة فـي كتب الغزالي، والمتضمنة للموضـوع، يتبين لنـا أن هذه الوصـايا السالفة الذكر قد لا تمثل عنده سوى التفسير في درجتـه العليا والدقيقـة بالمقارنة مع مفهوم التأويـل ذي البعد العميق، وتصور الحقيقة على ما هي عليه!

ب ـ المسلك الصوفي والنموذج السلفي في تحقيق التأويل:
فبالبحـث في كتابات الغزالـي باعتباره صوفيـا سنيا، نجده يقصـد مـن التأويـل فيها شيئا أوسع غوصا، وأعمق، في فهم النصوص، التي قد تعتبر في نظره ونظر بعض العلماء غيره من باب المتشابهـات، أو غيـر المقصودة على ظاهـر، وذلك ليـس من باب ما تؤول إليهـا معانيهـا، ولكن مـن بـاب الكشـف على وجه العلاقة بيت التمثيلات التي تشيـر إلى نـوع من الارتبـاط، أو التشابـه بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
وعن هذا يقول في صيغة حوار مع مستفسر:
«لعلك تقول، فاكشف عـن وجه العلاقة بين العالمين، إن الرؤيا لم كانت بالمثال دون التصريح، وأن رسول الله (صلعم) لم كان يرى جبريل كثيـرا في غير صورته، وما رآه في صورته إلا مرتين، فاعلم أنك إن ظننت أن هذا يلقى إليك دفعة، ومن غير أن تقدم الاستعـداد لقبوله بالرياضة، والاستغراق في محبة الخالق، وطلب الحق، فقد استكبرت وعلوت علوا كبيرا، وعلى مثـلك يبخل بمثله ويقال:
جئتمانـي لتعلمـا ســر سعــــدي * تجــداني بسـر سعـدي شحيحـــا
فاقطع طمعك عن هذا بالمكاتبة والمراسلة، ولا تطلبه إلا من باب المجاهدة والتقوى» ( 4).
وهذا المنحـى الذي سلكه الغزالي ليس سوى مذهب الصوفية في التأويل، والذي يسعى إلى سلخ الامتداد المعرفي عن الامتداد التاريخي، وذلك بمعايشة الوعي والحضور الوجداني الذي كان يعايشه الصحابة رضي الله عنهم، وهم بحضرة الرسول (صلعم)، إذ أنهم كانوا يتحصلون على تأويلات وتفسيرات مؤسسة بالدرجـة الأولى على التقوى والمجاهدة، فكانوا يدركون وجه العلاقة بين التمثيلات وبين ظاهر النص وباطنه.
وكمثال على هذا، ما ورد في قصة عبد الله بن عباس وتفسيره لسورة النصر، كما رواه البخاري في صحيحه:
«عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه ممن قد علمتم.
فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل:                                          
(إذا جاء نصر الله والفتح)، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، سكت بعضهم، فلم يقل شيئا، فقال: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله (صلعم)، أعلمه له، قال: (إذا جاء نصر الله والفتح)، فذلك علامة أجلك، (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا)، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول».
ونظرا لهذه الكشوفات المعرفية التي كان يتميز بها عبد الله بن عباس، من حيث تعامله مع النصوص، سواء سميناها تأويلا أو تفسيرا أو إشاريا.
فقد وصفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله:
«ابن عباس كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق».
وابن عباس هذا بدوره يقول:
«ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب»( 5)
وقد ذهب القرطبي للتدليل على خصوصية المعرفة عند الصحابة، وخاصة عند ابن عباس بقوله:
«إن النبي (صلعم) دعا لابن عباس وقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه في التأويل».
فإذا كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك، وهذا بين لا إشكال فيه؟( 6)
إذن فالمقصود الذي قصده أبو حامد الغزالي، ومن سار على دربه، ليس هو مجرد التفسير اللغوي، والتسليم العقلي بالاقتناع، وإنما هو عملية عقلية وروحية في آن واحد، ذلك أن للعقل يؤول المتشابه إلى المتقبلات العقلية، والتي تأخذ أصولها من المحكمات الشرعية.
وهذا المنهج يستعمل عند علماء الكلام، أما التأويل عن طريق الإدراك الروحي الذوقي فهو عمل بعد علم، وعلم بعد عمل، وعلم بمعنى: أن الطريقة الموصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية للنصوص محل التأويل هو تصحيح التصور، أو المفاهيم العقلية ابتداء فيما يخص العقيدة، ثم العمل على تثبيت هذا الاعتقاد بعد ذلك، سيرتقى الحال إلى درجة مكاشفة، وهذا ما يصطلح عليه بالمعرفة اللدنية، إو العرفان.
ويشير الغزالي إلى هذا متمشيا مع ما أوردته عنه في النص السابق فيقول:
«فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة فلا يحصل من علم الكلام، بل يكاد يكون علم الكلام حجابا عليه، ومانعا عنه، وإنما  الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه تعالى مقدمة للهداية حيث قال تعالى:
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)( 7)

ج ـ السلفية الحقة في التأويل الصوفي:
وعند هذا البعد الذي يمثله التأويل كما كان عليه في عهد السلف الصالح يتدخل الصوفي ليحدد مفهوم السلفية الحقة في قضايا العقيدة، فيقول: بأن التأويل لا يجوز التصريح به، وانه علم خاص يوتيه الله من يشاء من عباده الصالحين.
(وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا).
فالتصديق الجملي هو الأساس، وهذا التصديق نابع عن الترسخ في العلم، وليس أنه تسليم دون وعي، بل يدركون بما أعطاهم الله من إمكانيات معرفية علاقة ما تشابه من القرآن ببعضه إدراكا عميقا.
غير أنهم لا يصرحون به، لأن اللغة غير مستوفية ولا موفية لإبلاغ هذا المعنى على حقيقته إلى الأدهان، وصهره في التصور.
وإنما الواجب التصديق بما ورد، والعمل بمقتضيات التكليف، وملازمة العبادة والمراقبة والتزكية حتى تنجلي التأويلات محصنة بنور الإيمان  والتقوى،(واتقوا الله ويعلمكم الله).
وعلى هذا السبيل، نجد أغلب الصوفية يحذرون من التأويل، وينهون عنه، إذا كانت المسألة مجرد فكر ولغة، وذلك حتى لا يقع المؤول فيما لا تحمد عقابه، من تشبيه وتجسيم وهو لا يدري.
وفي هذا الصدد نجد محيي الدين بن عربي الصوفي يقول:
 «وما ضل من ضل من المشتبهة إلا بالتأويل، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما سبق منها إلى الأفهام من غير نظر فيما يجب لله تعالى من التنزيه، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض، والكفر الصراح، ولم طلبوا السلامة، وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت من غير عدول منهم إلى شيء البتة، ويكلون علم ذلك إلى الله تعالى ولرسوله، ويقولون: لا ندري، وكان يكفيهم قول الله تعالى: (ليس كمثله شيء)، فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه فقد أشبه الله شيئا، وهو قد نفى الشبه عن نفسه سبحانه، فما بقي إلا أن ذلك الخبر، له وجه من وجوه التنزيه يعرفه الله تعالى، وجيء به لفهم العربي الذي نزل القرآن بلسانه، وما تجد لفظة في خير، ولا آية، جملة واحدة تكون نصا في التشبه أبدا، وإنما تجدها عند العرب  تحتمل وجوها منها ما يؤدي إلى الشبيه ومنها ما يؤدي إلى التنزيه فحمل المتأول ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدي إلى التشبيه جور منه على ذلك اللفظ، إذ لم يوف حقه بما يعطي وضعه في اللسان، وتعد على الله تعالى، حيث حمل عليه سبحانه مالا يليق بالله تعالى»( 8)

ثانيا:  سطحية التأويل بين التخمين الفلسفي، وحرفية المسمى بالسفلي:
أمام هذا الموقف من التأويل المشروط وأبعاده عند الصوفية نجد مواقف أخرى ذات قوة تمذهب جماعي نسبيا.
ومن أهمها مواقف أصحاب الاتجاه الفلسفي في الفكر الإسلامي، وأصحاب اتجاه ما يسمى بالسلفي في التاريخ الإسلامي.

أ ـ الاتجاه الفلسفي وتوهم العمقية في التأويل:
ففي ما يخص الاتجاه الفلسفي في التأويل فقد دافع عنه ابن رشد الحفيد أيما دفاع، وخاصة في كتابه: «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال»، إذ ذهب بتعريفه للتأويل بأنه:
«إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء، التي عددت في تعريف  أصناف الكلام المجازي»( 9).
ويرى ابن رشد أن السبب في ورود الظاهر والباطن في الشرع ـ مما كان مدعاة إلى التأويل ـ هو اختلاف فطر الناس واستعداداتهم.
غير أن هذا التعليل سينحو به انجرافا نحو إعطاء الأولوية للفلاسفة باعتبارهم أرسخ الناس علما، وأكثرهم برهانا وتحقيقا.
وهذا التحيز إلى الفلاسفة ليس مجرد ادعاء، وحصر ذاتي لأهل المعرفة، والطالبين لحقائق الأمور إنما الفرق بين الفيلسوف وغيره في إدراك الماورائيات والغيبيات؟
وإذا كان الفيلسوف يشترك مع غيره ـ وهم المتكلمون بصفة خاصة في توظيف العقل لإثبات العقائد، وصياغتها صحيحة لفظا ومعنى ـ فأية ميزة يمتاز بها عنهم؟ مع العلم بأن المتكلم يكون أدق وأسلم منهجا، حينما يتحدث عن قضايا التوحيد،  أنه يرتكز على النصوص القرآنية والحديثية المؤيدة لاستدلالاته وبراهينه، بينما الفيلسوف لا يعتمد إلا على أداتين في صياغة عقيدته، وهما: الحس، والعقل، وكلاهما عرضة للتقصير والخطأ والوهم.
وكما يقول ابن خلدون:
«إن نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق، وما يقتضيه لذاته، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجد.
وبالجملة، فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية»(10 )
وشتان ما بين النظريتين من حيث التوصيل إلى الغاية.
ومن هنا، يبقى التأويل، سواء عند الفلسفي أو الكلامي لا يعني سوى التفسير، إذ أن الأدوات الموظفة لديهما ليست سوى أدوات عادية تستند على استدلالات عقلية ولغوية، وهذه الاستدلالات تبقى في إطار تحليل الظاهر على ما هو عليه، لا أنها تعطي تفسيرا خاصا لباطن النص كما يدعي ابن رشد. لأن إدراك العقل ليس إلا إدراك للظواهر المحللة وتركيبها، أو إدراك للظواهر المركبة وتحليلها، وهذه ليست سوى عمليات بسيطة لا تحتاج سوى إلى تركيز، ومرحلية معرفية تخضع لظواهر الزمان والمكان.
والاختلاف الذي عبر عنه ابن رشد بأنه «اختلاف حول المؤول منها من غير المؤول»( 11)، يعني أن النصوص القرآنية هو في الحقيقة ليس إلا اختلافا في إمكانية تفسير، أو عدم إمكانيته بحسب الأدوات المتوفرة، لأن التأويل الذي سيعطى الأشاعرة لآية الاستواء ليس سوى تفسير لكلمة استوى لا غير، والتوقف الذي وقفه الحنابلة مع اعتبار الظاهر هو توقف عند اللفظ دون تبديله بلفظ آخر يفيد معناه. وهنا سيعود بنا الحديث إلى مسألة التفسير، وإمكانية إيجاد الألفاظ المفيدة لنفس المعنى الوارد في النص، سواء داخل اللغة الأصلية أو خارجها، فإذا وجد وحمل المعنى المناسب للفظ الأصلي الوارد في النص، كان هذا العمل تفسيرا، وإذا لم يوجد، وتجرأ الموؤل على صياغة معنى بلغة غير مناسبة لما هو مقصود به في اللفظ الوارد في النص كان بهذا الإجراء من الذين يفسرون القرآن برأيهم.
ولهذا، كان إجراء الأشاعرة صوابا من جهة، وإجراء الحنابلة ـ وخاصة الإمام حمد بن حنبل ـ صوابا من جهة  أخرى أيضا.
لكن المخالف للصواب هو التأويل بمجرد العقل كأداة مستقلة ومندفعة باسم البرهانية أو بمجرد اللغة القاصرة عن استيعاب المعنى الوارد في النص.

ب ـ الإسقاط اللغوي على التأويل المسمى بالسلفي:
وأما فيما يخص المسمى بالسلفي باعتباره، حركة تاريخية مرحلية، فيمثله ابن تيمية، ومن سار على مذهبه في تفسير النصوص الدينية وتأويلها.
فابن تيمية لا يعترف بالتأويل ذي المفهوم العمقي الذي يختص به البعض دون البعض الآخر، من حيث إدراك المراد من الخطاب الإلهي ويرفض المعنى الذي يميل إليه عند المتكلمين والفلاسفة بأنه، صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك»، فيقول:
«وقد ذكرنا في غير موضع أن لفظ التأويل في القرآن يراد به ما يؤول الأمر إليه، وإن كان موافقا لمدلول اللفظ، ومفهوم في الظاهر، ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وإن كان موافقا له، وهو اصطلاح المفسرين المتقدمين: كمجاهد وغيره، ويراد به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن بذلك.
وتخصيص لفظ التأويل بهذا المعنى إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين، فأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة، فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعنى بل يريدون بالتأويل المعنى الأول أو الثاني»( 12).
وهو يرى أن المؤولين بغير هذا المعنى هم: «أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون ـ في زعمه ـ إن الانبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال إلا ما هو حق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمنا بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طريقتها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات»(13 ).
وعند هذه الكلمة الأخيرة الواردة في هذا النص يبرز الإشكال بين المؤولين وغير المؤولين، وهو: هل الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات يعتبر تحريفا لمدلول النص، خاصة إذا وجد أن هذه الاستعارات والمجازات موافقة للمكم من القرآن لأحكام العقل وبديهياته؟        
إن ابن تيمية يريد أن يحصر حتى اللغة في فهمه المتشدد للمسالة، وذلك لاعتماده على اللغة المتداولة كمصدر وحيد لفهم النصوص، وفي صورتها السطحية ذات المعنى المادي بصفة خاصة، بينما اللغة العلمية الخاصة بعلم التوحيد هي اللغة الأقل تداولا دون سائر اللغات، لأنها تجريدية، وغير ذات توظيف متكرر في المعاملات العادية، والتي يغلب عليها التوظيف المادي للمعاني اللفظية أكثر من أي معنى آخر.
ولهذا، فاختيار اللفظ المتداول العادي لتفسير النص الديني ذي الطبيعة التوحيدية العقدية دون مراعاة مطابقته للمحكم التنزيهي من النصوص، ودون مراعاة للجواز العقلي أو حكمه، فإن هذا سيكون مدعاة للوقوع في شباك الشبه، ومن ثم سيلحق بالسلف الصالح ما لم يقولوا به، أو يقرون، وذلك لأنهم كانوا من الواعين كل الوعي بمعاني الألفاظ الواردة في النصوص لقرائن تقترن بها كما سبق وذكرنا.
فالتأويل إذا عند ابن تيمية، ومن سار في ركبه، لا يعني سوى التفسير، سواء كان عن طريق النص، أو عن طريق اللغة المبينة لمعناه( 14).
وهنا يلتقي أصحاب هذا الاتجاه مع الفلاسفة والمتكلمين، إذ كلهم يحصرون ـ من حيث تأويلاتهم ـ في دائرة التفسير.
إلا أن التفسير المرتكز على الأسس الشرعية بنص القرآن، أو نص الحديث يكون أقوى دلالة ووضوحا من إصدار أحكام عقلية مجردة لا تستند على أي أساس شرعي ثابت.
أما إذا اقترن التفسير بالنص، بالأدلة العقلية فهو تفسير أقوى من الاقتصار على تفسير النص بالأدلة اللغوية المقابلة للغة النص.
ومن هنا كان المتكلمون أسلم منهجا في التعامل مع آيات الصفات، ومحاولتهم تأويلها من المنهج الذي سلكه الفلاسفة بالعقل المجرد، أو أصحاب الاتجاه المسمى بالسلفي باللغة المتداولة المحضة.
- خلاصة الموقف التأويلي:
يبقى المستخلص بعد هذا العرض لأهم الاتجاهات الإسلامية وموقفها من التأويل، أنه في حالة إذا ما تعذر وجود حكم عقلي مضمون، ومستند على ثوابت المحكمات الواردة في القرآن، وتعذر وجود ألفاظ يمكن انتقاؤها من بين الألفاظ المشتركة المعنى، والمفيدة للفظ الوارد في النص مقصود التأويل، وجب حينئذ  التوقف أو التأويل بالمؤهلات المفيدة للرسوخ في العلم، وهي التي قصدها الغزالي في تحديد لمفهوم التأويل وعمقيته، والتي من خلالها أمكن تعبير الرؤى، والكشف عن الموازنة والمناسبة بين عالم الملكوت والشهادة.
ولهذا، فالتأويل يبقى مسألة سرية أو شخصية يحتفظ بها العارف في باطنه، ولا يصرح بها في المخاطبات العامة، مثلما صدر من ابن تيمية وغيره، ممن لا يتحرجون من إثارة قضايا التأويل في المنابر العامة، وخطب الجمعة، وغيرها، وهو الشيء الذي يؤدي إلى البلبلة والاختلاف العقدي بين المسلمين.
وقد حدد الغزالي هذه السرية ومراتبها بقوله:
«تأويل العارف مع نفسه في سر قلبه بينه وبين ربه، وهو على ثلاثة أوجه: فإن الذي انقدح في سره أن المراد به لفظ الاستواء والفوق مثلا، إما أن يكون مقطوعا به، أو مشكوكا فيه، أو مظنونا ضنا غالبا:
* فإن كان قطيعا فليعتقده.
* وإن كان مشكوكا فليجتنبه، ولا يحكم على مراد الله تعالى ومراد رسوله (صلعم) من كلامه باحتمال يعارضه مثله من غير ترجيح، بل الواجب على الشاك التوقف.
*وإن كان مظنونا، فاعلم أن للظن متعلقين:
- أحدهما: أن المعنى الذي انقدح عنده هل هو جائز في حق الله تعالى أم هو محال؟
- والثاني أن يعلم قطعا جوازه، لكن تردد هل هو مراد أم لا؟»(15 ).
فإذا كان العلم بالجواز سهلا نوعا ما لإمكانية إحالته على المحكمات أو العقل، فإن العلم بالمراد هو الصعب، ولو مع وجود اللغة المفيدة للمعنى الجائز في حق الله تعالى، سياقا أو مقابلة لفظية لتفسير وترجمة.
ومن هنا وجب الاحتراس والتحفظ، مع ترصد المعرفة اللدنية والذوقية بالتعبير الصوفي لكشف المراد من الآية.
وبهذا يكون مصدر العلم بالنص الإلهي هو التعليم الإلهي نفسه، وذلك عن طريف الكشف والإلهام الموضح للمعنى الوارد في النص القرآني، أو الحديثي، ومراد الله ورسوله منه:
(واتقوا الله ويعلمكم الله)
(يؤتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا).
صدق الله العظيم.

  1) أبو حامد الغزالي(إلحام العوام عن علم الكلام)، دار الكتاب العربي بيروت، ص: 51, ص: 17.
  2) الغزالي: إلحـام العوام في علم الكلام.
  3) الغزالي : (قانون التأويل) هدية مجلة الأزهر ـ عدد ربيع الآخر 1406هـ: ص 48، 50.
  4) الغزالي: (جواهر القرآن) دار الآفاق الجديدة ـ بيروت ت ص: 12.
  5) القرطبي: (الجامع لأحكام القرآن) دار الكتاب العربي ط 1ـ ج: 1 ـ ص: 35.
  6) نفس المصدر: ج:1 ـ ص:33.
  7) الغزالي: (إحياء علوم الدين) دار المعرفة للطباعة والنشر / ج 1 ـ ص: 23.
8) محي الدين بن عربي (الفتوحات المكية) دار صادر ـ بيروت / ج 1 ـ ص: 95 .
  9) ابن رشد: (فصل بالمقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) منشورات دار الآفاق الجديدة / بيروت: ص: 20.
  10) ابن خلدون: (المقدمة) مطبعة محمد عاطف ـ ص: 389.
  11) ابن رشد: (فصل بالمقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال): ص: 20.
  12) ابن تيمية (درة تعارض العقل والنقل) تحقيق محمد رشاد سالم: ط 1 ـ ج 1 ـ ص: 14.
  13) نفس المصدر ج 1 ، ص: 12.
  14) ابن تيمية: (مجموعة الرسائل الكبرى) دار إحياء التراث العربي ـ ج بيروت / ج: 1ـ ص: 20.
  15) الغزالي: (إلجام العوام عن علم الكلام) / ص: 68.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here