islamaumaroc

من مخطوطات جامعة القرويين بفاس كتاب "رائق التحلية في فائق التورية"

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992

«رائق التحلية في فائق التورية» هو عبارة عن مجموعة أبيات شعرية تتعلق بالتورية، من نظم أبي جعفـر أحمد بن علي بن محمد ابن خاتمة الأنصاري، صاحب كتاب (مزية المرية) واختيار أحـد تلامذته المعجبين به.
وتوجد في خزانة القرويين نسخة داخل مجموع يحمل الرقم 1369، لم ينص فيها على اسم التلميذ الذي اختار تلك الأبيات، كما توجد نسخة تنقصها ورقة من أولها محفوظة بالصندوق الأربعين من خروم القبة السعدية تحت رقم 197، ولم يذكر فيها أيضا اسم الذي اختار تلك الأبيات.
والنسختان معا لم يطلع عليهما الدكتور محمد رضوان الداية، الذي نشر هذا الكتاب، معتمدا في ذلك على نسخة بالأسكوريال، وأخرى بالخزانة العامة بالرباط، وفي كلتاهما ذكر الذي تختار هذه المجموعة من الأبيات، وهو الوزير أبو جعفر أحمد بن زرقالة.
وتمتاز هذه الاختيارات أو المنتخبات بذكر بعض بواعثها، مما يكون نظرة تاريخية تتعلق بحياة بعض الأدباء الأندلسيين، الذين اشتهروا في القرن الثامن الهجري، بحسن أساليبهم وجمال تعابيرهم، وقوة بيانهم، وسعة معرفتهم.
ونذكر منهم على سبيل المثال: لسان الدين ابن الخطيب، وأبا البركات ابن الحاج البلفيقي، وأبا عبد الله بن جزي، وأبا القاسم بن رضوان، والشريف الغرناطي المعروف بأبي القاسم السبتي، وغيرهم من الأدباء، الذين كانت لهم علاقات طيبة   بابن خاتمة، فدون أسماءهم، وسجل بعض أخبارهم ، وجعلهم ضمن إنتاجه الأدبي، الذي اختار منه جامع هذا الكتاب نبذة تتعلق بأسلوب التورية، وما يتناسب معها.
وقال بعد أن انتهى من جمعه:
«وقد صححته على ناظمه أنمى الله بحره، وأسمى فكره، ليكون أوثق في روايته وحمله، وأصح لمبتغي تقييده ونقله، والله سبحانه يوزعنا شكر آلائه، ويلحقنا بعباده الصالحين وأوليائه، وعلى آله وأصحابه وأصفيائه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين»
ويظهر من مقدمته هذه المنتخبات أن جامعها كان معجبا بشعر ابن خاتمة، فهو يعتبره نموذجا مثاليا لجمال الأداء، وصورة حية لموهبة خلاقة حافظت على سنن العرب الأقدمين، وورثت عنهم ما يحلو من الأنغام، وما يعذب من المعاني.
ولعل القارئ الكريم سيشعر بذلك هو نفسه، حينما سنقدم له تلك المقدمة التي مهد بها الجامع لهذا الشعر ومنتخباته، والتي برر بها أسباب اختياراته، فقد قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
الحمد لله الذي خص هذه الأمة باللسان العربي المبين، والبيان المنبلج الغرة الوضاح الجبين، فهصروا من ثمراته الدانية القطوف بفنن مائل، وتفيؤوا ظلاله عن الإيمان والشمائل، وتحلوا من بروده الباهرة بأشـرف الحلي، وكرعوا من موارده العذبة في مشارع العلى فضلا من الله ونعمة، ولطفا منه سبحانه ورحمة، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد رسولـه الكريم، الذي أتـاه جوامع الكلم، وحباه ببدائع الحكم، وجلى بنور بيانه سدمــة كل مشكل حتى وضح وظهــر، وجلى صور المعاني على منصات الألفاظ سافرة الغـرر، ورضي الله عن آله الذين تبعوا سننه القويم، وصراطه المستقيم.
وبعد، فلمــا كان الأدب حلية العرب التي انتهت إليها فصاحتهـا، وبه ظهرت رجاحتها، وكان الشعر منه بمنزلة الروح من الجسـد، والقلب من الكبد، فهو طراز برده، ووسـط عقده، ولم يزل الناس خلفا عن سلف يتوارثونــه، ويتبعون منهج العرب فيه ويقتفونه، هــذا وإن كانوا لا ينتجعون إلا من واديهم، ولا يستمطرون إلا من غواديهم، فلم يخل كل عصر من شاعر يكون شعراء زمانه عيالا عليه، ويرجع كل منهم إليه، تتحلى الأيام من نظمه بأنفس من حلى اللآلي، وتنبته تاجا بارق المعالي، وكان شاعر عصرنا، هذا ببلدنا عصمه الله الذي رفع سماء الأدب وبناها، ومهد أرض الشعر ودحاها،  فتنفس عنه صبح البيان ، وانبجس من سحاب علمه قطره الهتان وسمت له قلوب الأدب بحباتها، وألقت إليه بأظرف أدبها وبناتها، فجرى مع الإحسان في طلق مديد، وكان له في شأو بعيد، شيخنا الأستاذ المتفنن الجليل، المصنف الأعرف المثيل، مشيد بنيان الأدب الذي أسس معالمه، أبو جعفر أحمد ابن خاتمة، أبقى الله بيت معارفه وأوتاده غير معتلة وأسبابه سالمة، وكان لي بمحاسن الأدب شغف، وباقتناء جواهره كلف، اتشبت فيه تشبث الولد بالوالد، والموصول بالصلة والعائد، وأقصد غر عيونه، وأتشوف للاستطلاع منه على ما لم تمزق الأيام بردته، وتخلق الأقلام جدته، والاستمتاع بدره لأول خروجه من أصدافه، وبزهره لأول ظهوره في ألفاظه، وكانت التورية، من محاسن الشعر، وتشهد لصاحبها بجلال القدر، وتحل في النفوس محل النور من الرياض، والسحر من الحدق المراض، وتمتزج بالأرواح امتزاج الماء بالراح، للطف معناها، ورصف مبناها، ودقة إشارتها، ورقة عبارتها، استنشدته ـ أبقاه الله ـ ما وقع له من المنظومات فيها، ورغبت منه أن يسمعني جميعها، ويستوفيها، فأجابني إلى ذلك الدر عملا على شاكلة فضله، وما يليق من التخلق بكريم محله»
وبعد ذكر هذه المقدمة شرع في ذكر الأبيات التي اختارها، وهي متعددة الإحالات، لا تقتصر على التورية التي ذكر وإنما تتعداها إلى غيرها من ألوان البديع كالجناس، والتخيير والتضمين، والاقتباس، إلا أن اللون الغالب عليها هو المتعلق بالتورية التي استخدم فيها كثيرا من المصطلحات العلمية، واستغل فيها كثيرا من أسماء بعض الكتب، أو بعض أسماء أعلام مشهورين في الفقه، والأدب، واللغة، والتفسير، والقراءات، وغيرها.
ومن المعلوم أن، التورية فن أدبي، لا يفهم فهما دقيقا إلا في مجال المثقفين، ولا يثير الإعجاب إلا في محافل العلم والأدب والتاريخ، وقد ازدهرت ازدهارا كبيرا في القرن الثامن الهجري في المغرب والمشرق، وتولى العناية به ـ آنذاك ـ بعض النقاد، نذكر منهم على سبيل المثال صلاح الدين الصفدي، الذي وضع فيه كتابه المسمى (فض الختام عن التورية والاستخدام) ففيه استدلالات متعددة، واختيارات متنوعة، يمكن الاطلاع عليها من خلال ما اختاره ابن حجة الحمودي في كتابه: (خزانة الأدب وغاية الأرب).
ومع ذلك، فإن التورية إذا تجاوزت حد البداهة صارت تكلفا، ولم تبق لها تلك الجمالية التي تحيط بها، ولعل الشعراء المبدعين كانوا يعرفون ذلك، فلم يستعملوها إلا إذا اهتزت نفوسهم لمحاسنها، وطاوعتهم أقلامهم لرسم بدائعها ودقائقها.
ونحن إذا وازنا بين الشعر الذي استعمل فيه ابن خاتمة التورية وبين شعره المطلق فإننا سنرى أن شعره المطلق كان أكثر تأثيرا، وأقوى مفعولا في نفوس سامعيه.
وعلى كل حال فإن ابن خاتمة كان من أشعر أدباء الأندلس في القرن الثامن الهجري شعرا ونثرا، أعجب به جل الذين ترجموا لحياته وأدبه، ونذكر منهم على سبيل المثال: المقرئ في كتابه: «نفح الطيب»، (ج: 8، ص: 114)، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، وفي كتابه: «أزهار الرياض»، وابن الخطيب في كتابه: «الإحاطة» (ج 1، ص: 114)، وفي كتابه: «الكتيبة الكامنة فيمن لقيناه بالأندلس من شعراء المائة الثامنة» (تحقيق إحسان عباس ص: 235)، وأحمد بابا السوداني في كتابه: «نيل الابتهاج» (ص: 51).
وسنقدم قبل انتقاء بعض أشعار هذه المجموعة ترجمة موجزة لابن خاتمة، المتوفى عام (سبعين وسبعمائة) عن نحو (60 سنة) وسنستعين فيها بنقل بعض ما سجله هؤلاء المعجبون به إن شاء الله.
فهو أحمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري من أهل المرية، ويكنى بأبي جعفر، ويعرف بابن خاتمة.
كان من أشهر الكتاب الأندلسيين الذين لهم اهتمام بتاريخ هاته البلاد، وقد ألف كتابه: «المزية في تاريخ المرية»، فكان من أشهر الكتب التي اعتمدها المؤرخون، والتي نقلوا عنها نصوصا كثيرة متعلقة بهذه البلاد وأعلامها .
هذا، وإنه كان مولعا بالسفر، فذهب إلى غرناطة مرارا، وفيها التقى بابن الخطيب، وببعض الأدباء المرموقين الذين كان لديهم محبوبا، فاستحلوا مجالسه، وتذوقوا أدبه، وساجلوه في كثير من أشعاره ، وبادلوه كثيرا من عواطفه، وشعروا بما كان يشعر به خصوصا فيما يتعلق بالحياة وتقلباتها.
إنه كان يعلم أن الحياة لا تدوم على حال، وأن الناس لا يستقرون على وفاء، فهم يتقلبون مع الزمان كالحرباء، يقبلون على من ابتسمت له الحياة، ويعرضون عمن تجهمت له، دون أن يراعوا عهدا قديما، أو إحسانا سابقا، وحاول أن يبرز موقفهم هذا تبريرا أدبيا، فالدنيا أم، والناس أبناؤها، فهم أتباع لها يضحكون لمن ضحكت له، ويعبسون في وجه منت أذاقته ويلاتها، ولسعته بآلامها ومصائبها، فهو الذي يقول في هذا المعنى «نفح الطيب» (ج 6، ص: 79).                       
إن أعـرضت دنياك عنــك بوجههـا * وغــدت ومنها في رضــاك نـزاع
فاحــذر بنيها واحتفظ مــن شـرهم * إن البنيــن لأمهــم أتبــــــاع
ولم يجد حلا سليما من مصائب الحياة إلا الرضا بقضاء الله، والركون إلى حكمه والاستسلام إلى تدبيره، وفي هذا الصدد قال (نفس المصدر).
إذا مــا الدهــر نابك مـنه  خطـب * وشـد عليك مــن حنــق عقالــه
فوكـل لله أمــرك لا تفكــــــر  * ففكــرك فيـــه خيط مـن حبالـه
وفيه قال أيضا:
إذا كنـت تعلــــــم أن الأمــور  * لحكـــم الإلــه كمــا قـد  قضى
ففيـم التفكــر والحكــم مـــاض * ولا رد للحكـــم مهــما  مضــى
فخـــل الوجـــوه كما شـــاءه * مدبـــره وابــغ منـــه الرضى
ويذكر المهتمون بتاريخ حياته أنه كان حريصا على المعرفة، وقد أجازه من أجل ذلك عدد من علماء زمانه، منهم: أبو البركات ابن الحاج، ومنهم المحدث أبو جابر الوادي آشي، ومنهم: القاضي ابن فرتون.
وكان يملك سعة في صدره، وسلامة في طويته، وصدقا في أقواله، لذلك أحبه الناس، وأثنوا على سلوكه وأخلاقه، ويكفيه فضلا قول ابن الخطيب فيه:
إنمـــا الفضـــل ملـــة            ختمـــت بابـــن خاتمــــة
وقد لاحظ أحد الباحثين المعاصرين، وهو السيد عبد السلام العلوي، في مقال له نشره بالعدد الخامس والعشرين من مجلة المناهل، بعد اطلاعه على ديوان ابن خاتمة، أن هذا الشاعر كان في بعض أشعاره يسير وفق اتجاه أهل التصوف، الذين كانوا يستلذون العذاب منة أجل المحبوب، ويستهينون بكل المصاعب من أجل ذلك، ومن هذا النوع قوله:
في راحتـيك حـياة الـــروح والبدن * وفي رضــاك مجــال السـر والعلن
وفي ضمـيري لكـم مكنون سـر هوى * لــو رام ذهني عنــه الكشف لم يبن
هـوى تردد في مثــل الهـواء  ضني * ما زلت أكتمـه صــونا فيكتمنـــي
خفيــت عن كـل شيء غير عشقكـم * مـن السقـام ولولا الطبـع لــم يرني
بيني وبين الهـوى أجــل مناسبـــة * فـذاك أعـرفه حقــا ويعرفنــــي
يا حافظــا بين قلبي والأســى ذممـا * وناقـض العهـد بين العيـن  والوسـن
عــذب بتيهك نفسـي يكتمل  ولهــي * ورع بهجــرك  قلبي يتصــل شجني
فمــا أمانــي إلا أن تروعنــــي * ولا نعيمـــي إلا أن تعذبنـــــي
وهو القائل:                          
يا نازحيـن وهـم في القلـب سكــان * وراحلين ومــا سـاروا ولا بانـــوا
ذواتكـم بـين أحنــاء الضلوع ثـوت * فكـيف لي منكــم صـد وهجــران
عجبــت تشتاقكـم نفسي وناظــرها * وأنتـم فيهــما روح وإنســـــان
أنتـم أنا وأنا أنتــم مطابقــــــة * لــو افترقنا لغــال الحــب  نسيان
وعلى كل حال فإن هذا الأديب الشاعر نال إعجاب الذين تحدثوا عنه ولعل أقرب الأوصاف إلى حقيقته، هو ما كتبه ابن الخطيب عنه، فقد قال في «الإحاطة» (ج 1، ص: 239) ما يأتي:
«هذا الرجل صدر يشار إليه، طالب متفنن، مشارك قوي الإدراك، مديد النظر، قوي الذهن، موفور الأدوات، كثير الاجتهاد، معين الطبع، جيد القريحة، بارع الخط، ممتع المجالسة، حسن الخلق، جميل العشرة، حسنة من حسنات الأندلس، وطبقة في النظم والنثر، بعيد المرقى في درجة الاجتهاد، وأخذه بطرق الإحسان، عقد الشروط، وكتب عن الولاة ببلده، وقعد للإقراء ببلده، مشكور السيرة، حميد الطريقة في ذلك كله».
وقال عنه في كتابه: «الكتيبة الكامنة»، (ص: 235):
«ناظم درر الألفاظ، ومقلد جواهر الكلام، نحور الرواة ولباب الحفاظ والآداب التي أضحت شواردها حلم النيام، وسمر الأيقاظ، وكمن في بياض طرسها وسواد نفسها سحر اللحاظ، اشتهر اشتهار البدر ليلة الصحو، وعمرو بن قنبر في صناعة النحو، وأمن ثبت فضله من المحو، وكان العلم الذي إليه يشار، وتحدى العشار، لا يساجل بحره بالبدلاء ولا يسد مسده بالبدلاء، مجموع فنون، وخوان ضب منها ونون، قل أن يذكر ضرب من المعارف إلا عرفه من، أنهارها إلا شرب من مائه واغترفه، و أما الأدب، فهو فيه الحجة التي لا تجهل، والمحجة التي قصدها هو الأسهل، مطولاته بحور زاخرة ، ومقطوعاته درر فاخرة، ورسائله بالرياض ساخرة، وللنجوم الزهر مفاخرة، إلى الظرف وطيب العرف، خبا بوفاته الكوكب الوقاد، وألقى إلى الضالة المهملة المقاد، واستولى من بعد اليقظة الرقاد، واستعجل النقاد».
تلك جملة من سمات الفضل والعلم والأخلاق والأدب عرف بها ابن خاتمة في حياته، وبعد وفاته، فأجدر بنا بعد اطلاعنا على هذه المنتقيات أن نقدم بعضا من مضمونها الأدبي، خصوصا بعد أن علمنا أن جامعها قد عرضها عليه بعد ضم بعضها إلى بعض، فوافقه على محتواها، فهي إذن أشعار صحيحة النسبة لناظمها تتصل بالتورية، التي هي عبارة عن  استعمال لفظ له مدلولان: قريب، وبعيد، فيتوهم السامع منه المعنى القريب، مع أن المراد منه عند الاستعمال المعنى البعيد، ولا فرق في الاعتبار المعنوي بين الحقيقة والمجاز، لأن مدار الأمر على اعتبار الأولوية من حيث القصد، لا على اعتبارها من حيث الفهم السريع.
ولهذا يرجع القارئ المتأمل بعد استيعاب الكلام إلى المقصود منه لا إلى ما يوهمه لاستعمال الشائع، وتتنوع أساليب التورية بتنوع المصطلحات الأدبية العلمية والتاريخية وغيرها، ولذلك كان حصول التواصل العلمي والأدبي ضروريا بين المتكلم والمخاطب، وإلا ضاعت قيمة هذا الأسلوب في ميدان الصناعة البديعة.
ويمكن تتبع استعمالات التورية في مجالات مختلفة، يتجلى بعضها فيما يأتي:

أولا: عناوين الكتب
إن الاهتمام العلمي دفع المثقفين إلى تتبع ما أنتجه السابقون، وإلى التأمل فيما كتبوه، وإلى الاستفادة مما ألفوه، ودفعتهم الضرورة العلمية إلى قراءة الكتب المشهورة ومطالعتها و الاستفادة منها، وإلى ذكرها كلما احتاجوا إلى ذلك.
وبمقدار ما كان المثقف يستدل بالمصادر المتداولة، كانت قيمته تزداد رسوخا عند ذوي العلم وأهل الأدب، بل إنه كان أحيانا يذكر أسماء تلك الكتب، إيهاما للسامع بأنها مقصودة، في حين نجده إنما يقصد بذكرها معنى آخر يدل عليه سياق الكلام.
ومن ذلك مثلا، ما نجده في هذه المنتخبات من أشعار، استعمل فيها ابن خاتمة بعض هذه الأسماء دون أن تكون مقصودة بالذات، فهو القاتل:
ومعطــر الأنفـــاس يبسم دائمــا * عــن در ثغــر زانـــه ترتيـب
مــن لم يشاهــد منـه عقد جـواهر * لم يــدر ما التنقيــح والتهـــذيب
فالمراد بذكر التنقيح والتهذيب نظافة الأسنان، وبياضها، وحسن ترتيبها، وجمال منظرها، وجلب الأنظار إليها، فهي تجمع بين طيب الرائحة وحسن التنضيد.
لكـن المتبادر من لـدن المثقفين عنـد سماع التنقيـح والتهذيب إنما هو كتاب «التنقيــح» للقرافي وكتاب«التهذيب» للبرادعي، فهذان الكتابان تدل عليهما الكلمتان دلالة قريبة، ولكنها غير مقصودة، ودلالة بعيدة، وهي المتعلقة بجمال الأسنان، وهي المرادة هنا.
ولا بأس أن نورد بعض المعلومات عن هذين الكتابين في ميدانهما العلمي.
فكتاب «التنقيح» هو «تنقيح الفصول في اختصار المحصول» للقرافي المتوفى سنة 684 هجرية، وقد جعله المؤلف مقدمة أول كتاب «الذخيرة» في الفقه، ثم رأى جماعة  رغبوا في إفراده عنها، واشتغلوا به، فوضع لهم شرحا لهذه المقدمة، هو هذا الكتاب الذي كان متداولا بين علماء الفقه المالكي.
وقد كان القرافي واسع الإدراك، كبير المعرفة، يحسن الربط بين الجزيئات، والجمع بين النظائر، وأصلـه مـن صنهاجة، إلا أنـه ولد ونشـأ وتوفي بمصـر، وما زالت كتبـه إلى الآن معتمـدة في الفقـه المالكي.
وأما كتاب «التهذيب» فالمراد به «تهذيب مسائل المدونة» للإمام خلف بن أبي القاسم البرادعي القيرواني، ويعتبر هذا الكتاب من أشهر الكتب التي ألفها البرادعي، وقد ظهرت فيه نجابته، وتجلت فيه اهتماماته الفقهية الدالة على استيعابه لاختصاصه، فقد كان هذا الفقيه من أشهر أصحاب ابن أبي زيد القيرواني، وأبي الحسن القابسي، وقد ولد وتعلم بالقيروان، وانتقل إلى صقلية، وفيها ألف هذا الكتاب، ثم رحل بعد ذلك إلى اصبهان، فكان يدرس بها الأدب إلى أن توفي، وتوجد بخزانة القرويين نسخة منه جيدة مسجلة تحت رقم 320، كتبت بخط أندلسي على رق الغزال، وذلك سنة (خمس وثلاثين وخمسمائة) هجرية، وفي واجهتها ترجمة لخلف كتبها أحد المطالعين لهذا الكتاب، وهي تذكر أن وفاته بالقيروان لا بأصبهان.
يقول فيها كاتبها:
«مؤلف هذا الكتاب خلف بن أبي القاسم سعيد القيرواني، تفقه على الإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد، وكان رحمه الله يحفظ المدونة، وإليه انتهت رياسة الفقه، وكان صالحا زاهدا ورعا، ومات بالقيروان سنة (ثمان وثلاثين وأربعمائة) بعد موت أبي محمد بن أبي زيد باثنين وخمسين عاما رحمهما الله أجمعين».
وإذا كان ابن خاتمة قد روى في البيتين السابقين بكتابين في الدراسة الفقهية والأصولية، فهو قد ورى بكتابين لغويين فيما يأتي حيث يقول:
ولقـــد أقـــول لصاحبي ولحاظـه * في ثغــر مــن أهــواه ذات تحير
يا مــن يقابـــل نظمــه ماذا دعا  * عين الخليــل إلى صحــاح الجوهر
فأول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر عين الخليل، وصحاح الجوهري، الكتابان اللغويان الشهيران بذلك، مع أن المراد من البيتين تساؤل الشاعر عن البواعث التي دعت الناظر إلى التأمل في ثغر الحبيب وإلى التمتع برؤية جواهره الحسان، ودرره اللامعة البياض.
وإنما كان مرجع الدلالة القريبة إلى الكتابين، لأنهما كثر تداولهما، وعمت فوائدهما بين الناس.
ومن المعلوم أن كتاب «العين» يعد من المعاجم اللغوية الأولى التي نظمت تنظيما، استقرأ فيه واضعه مختلف الأصوات التي يمكن النطق بها، وميز فيها المستعمل من المهمل، ووصفه على أساس مراتب الحروف مبتدئا بحرف العين من حروف الحلق، متوجها بعـد ذلك إلى حروف الحنك واللسان، منتهيا  بالحروف الشفوية.
ويعد الخليل ابن أحمد من رواد الدراسة اللغوية، ومن أشهــر المنظمين لقواعدها، وكانت طبيعته تقتضي التنظيم والترتيب، ويكفيه فخـرا أنه هو واضع علم العروض، وقد توفى عام (سبعين ومائة) هجرية.
وأمــا الجوهري ، فهو إسماعيل بن حماد، ويعتبر من أشهـر علماء اللغة والأدب في القرن الرابع الهجري، وهــو واضع كتاب «الصحاح» الذي وصفه ياقوت الحموي بقوله: (ج6، ص: 135):
هذا الكتاب هـو الذي بأيدي الناس اليوم، وعليه اعتمادهم، أحسن تصنيفه، وجــود تأليفه، وقرب متناوله، وآثـر من ترتيبه على من تقدمه، ويدل وصفه على قريحة سالمة، ونفس عالمة، فهــو أحسن من الجمهرة، وأوقع من تهذيب اللغة، وأقرب متناولا من مجمل اللغة.
فيه يقول الشيخ أبو إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوري:
هــذا كتـــاب الصحـاح أحسن ما * صنـــف قـبل الصـحاح في الأدب
تشمــل أبوابـــه وتجمــع مــا  * فـــرق في غيــره مــن الكتـب
هذا، وإن شهرة «عيـــن» الخليل و «صحــاح» الجوهري جعلت الشعراء يكثرون من التورية بهمــا من أجل أغراض أدبية مختلفة، وقد لاحظنــا ذلك في البيتين اللذين اخترناهما من شعر ابن خاتمة.
وقد كان الشعراء والكتاب يتبارون في  التورية بالكتب، ويبرزون من خلال ذلك قدرتهم وكفاءتهم، ومدى اطلاعهم على ما أنتجته الأقلام في شتى مجالات المغرفة.
ونظرة عابرة في الإنتاج الأدبي العربي كافية في التحقيق من ذلك.

ثانيـا:  التورية بذكـر الأعلام من الفقهاء والقراء والأدباء:
من أمثلة هذا القسم قوله:
مــن شافعـي لي عند مالك  مهجتـي * مالي ســوى حبي وليــس بنافــع
فمــن المحقـق أن مذهـــب  مالك * لا تستقيــم لديــه حجــة شـافعي
إن البيتين حسب ما يظهر من سياق وضعهمــا يعبران عـن لوعة الشاعر، وعن حرمانه، وعن هجران حبيبه، فهــو يتمنى لو زالت الحواجـز بينه وبين من يحب،  ويرجو أن تصفوا علاقته به، وأن يجــد شفيعــا لديه يزيل عنه أسباب الصدود، ويمحو عنه شقاء الفـراق، ولكنه لا شفيع له إلا حبه، وهذا الحبيب لا يقبل شفيعا كيفما كانت حجته، ولا يستجيب لتضرع راغب مهما حصل، فهو مالك لمهجته، ومــن المحقق أن مذهب مالك لا تستقيم لديه حجة شافعي.
إن المعنى واضح بين، ولكن الشاعــر أراد أن يستعمل أسلوب التورية، وذلك باستخدام عناصر أصولية بنيت عليها بعض الأحكام عند مالك والشافعي رضي الله عنهمـا، فلكل منهما منحى اجتهاد تقرر القواعــد على أساسه، وتتخذ الأحكام وفق منهجه.
ومن ذلك مثلا، اعتبار الإمام مالك لعمل أهـل المدينة، واعتداده به، فهو عنده مقدم على القياس وعلى خبر الأحــاد، بل وعلى الحديث الصحيح، لأن العمل عنده يشعر بمواصلة النقل جيلا عن آخــر، ويعد كأنته ناسخ لغيره، فإذا عارضه حديث صحيح، فإن ذلك الحديث يعتبر منسوخا، ولا يقول الشافعي بحجية هذا العمل، فهــو يرى أن الحديث إذا ثبت عن رسول الله لا يترك لأي  قياس، ولا لأي رأي، ولا لأي أثـر يروى عن صحابي، كائنا نم كان، أو تابعـي كائنا من كان.
ومن الأمور التي يقررها الإمام مالك أو مصادر التشريع الاعتداد بالمصالح المرسلــة، فالمجتهد قد يصادف فعــلا لم يرد عن الشارع حكم فيه، وليس له نظير يمكن إلحاقه به، ولكنه يجــد فيه وصفا يناسب حكما، فللمجتهد أن يعطي هذا الفعل، هـذا الحكم، مراعاة لهذا الوصف.
وقد مثل الغزالي لذلك بكفار تترسـوا بجماعة من المسلمين، فإذا كان في مواجهتهم وقتلهم مــع ما تترسوا به مصلحة عامــة للمسلمين فلا ضير على مسيري الجيش أن يقتلوا الجميع، احتفاظا بالمصلحة العامـة على  المصلحة الخاصة، إذ الهدف من هـذا التشريع هو الاستجابة لما انقدح في نفس المجتهد من الربـط بين وصف وفعل لم يرد فيه نـص ، وبين حكم ورد في فعل يحمل نفس الوصف الذي تحمله الحادثة الطارئة، على أساس حفظ نفس ، أو عقل ، أو دين، أو مــال، أو عرض.
وحجية المصالح المرسلة لم تتضح عند الإمام الشافعي، كما أن حجية بعض الأصول التي بني عليها الشافعي مذهبه والتي عارض فيهــا الإمام مالك لم تتضح عند المالكية.
ولهذا استغل الأدباء هــذه المعارضات وأخضعوهـا لخيالهم، وجعلوها ميدانا لأدبهم، ومحسنا لأسلوبهــم، وقد اتضح ذلك في البيتين السابقين اللذين أظهــر فيهما  ابن خاتمة براعته في باب التوريـة، وقد استعمل نفـس الأسلوب في أبيات أخرى حيث قال:
دارســت قلبي الصـب اعتــــده * عـن عاصــم لي منــك أو نافــع
فلـم يكــن يرفع ما حــل بـــي * ورب فعــل ليــس بالرافـــــع
ضــل بي المــذهب يا مــالكــي * فهـل لذاك الوجــه مــــن شافعي
فهو هنــا يبحث عن بعض الحلول التي يعجز بعض الناس عن الوصول إليها وفق مذهبهم، فيلتجئون إلى مذهب آخـر عساهم أن يجدوا وجها يبرر لهم ما يريدون الوصول إليه.
وهذه مسألة فيها خلاف بين الفقهاء، بحيث هناك من لا يجيــز الخروج عن مذهبه ليـلا تقـع الفوضى، وهناك من يجـيز ذلك في العبادات، ولا يجيزه في المعاملات، ليــلا تضطرب الأحكام، فتستعمل الفتاوى لظلم النـاس، وهضم الحقوق، والشاعر هنا خاطب من أسر قلبه وملك كيانه بقوله:
ضــل بي المــــذهب المالكــي * فهــل لذاك الوجـه مــن شافعــي
ولا ريب أن التورية واضحة، ولا يفرق مستعملوا التورية في آخــر كل مصراع بين ياء النسبة وياء المتكلم ما دام النطق بهما شعرا لا يتغير.
ولم يقتصر في هـذه الأبيات عن التورية بالنسبة لمالك والشافعـي، وإنما أضاف إلى ذلك تورية أخــرى بعاصم ونافع، وهما من أئمة القراءات السبع.
ولم يكتف في التورية بهؤلاء الأعــلام ذلك أنه كان كثير التنويع على حسب الاختصاصات المختلفة.
فمن تورياته قوله:
كتب إلى الفقيه الأجل رئيس  الكتاب صاحب القلم بالديوان السلطاني بالمغرب أبو القاسم عبد الله بن رضوان، وهو يومئـذ بالمرية، يستدعي مني ديوان نظمي، ووجه بهما مع رجـل ممن تقلد حفاظه الديوان الاشتغالي موريا بذلك.
ديــوان نظمك مطلبي فاسمــح بـه * لأرى انتظــام الحســن بالإحـسان
ولقــد علمــت بأن قصتتدك حفظـه * فبعـث نحــوك حافــظ الديــوان
 فكتب مجيبا له على البديهة، ووجهت بها مع ديوان نظمي صحبة رسوله:
يا مهديــا ريحانتيــن أنالتـــــا * بصـري وسمعتي بهجــة ولسانــي
مستدعيـا نظمــي وما نظمــي بمـا * يهـدى ولو أتــى بديـع زمانـــي
إن كنــت قـد أهديتها روضـــا فلا * عجــب  جنان جاء مـن رضــوان
فهو هنا يروي ببديع الزمــان الهمداني، ولكنه يستعمل هــذا الوصف لنفسه، ويرى أنه وإن كان بديع زمانه، فإن استحسان ابن رضوان لشعره إنمــا هو من باب التقدير الشخصي لا من باب كون هـذا الشعر يستحق أن يهدى.
ومن التورية المتعلقة بالأعـلام قوله:
والثــغ في الطـاء هــاج الهــوى * فهـو حبــيب ليـــس بالطائــي
لا تعجبـــوا إن مــال قلبي لـــه * فشأنـــه إمالــــة الرائــــي
فهو هنا يستحسن لثغة في نطق من يهــواه ويستلذها، كما يستحسن منه إمالة الراء، وهاتان الصفتان تتعلق بالأصوات، لكن الشاعــر استغلهما استغلالا أدبيا، حيث استحضـر أبي تمام، وهو حبيب الطائي المنسوب إلى قبيلة طيء على غير قياس إيهــاما بأنه عند ذكـر حبيبه غير الطائي ينصرف المعنى إلى القبلية، في حين أنه يقصـد كونه لا يحسن النطق بالطاء،  وكذلك الأمر يتعلق بإمالة الراء، فإن الإمــالة تتصرف إلى هذا الحرف الذي يميله حبيبه، لكنــه لا يقصد ذلك، وإنمــا يقصد إمالة الناظرين إليه، نظرا لما فيه من جاذبية الحسن والجمال.

ثالثـا: التورية ببعـض المصطلحات العلمية والأدبية:
فمن ذلك مثــلا، ما ورى به من مصطلحات علم العروض وهو قوله:
محيــاك عنــدي هــلال سعيــد * فكـل زمــان تــــرى فيـه عيد
وخــدك روض بديــع الجمـــال * بــه كـــل فصل ربــيع جديــد
وقــدك للقلــــــب ريحانـــه     * يميــد إليهــــا إذا مـا  ميـــد
فـزد كــل يــوم جمـالا وحسنــا * ولي كــل يــوم غـرام يزيــــد
خضــوع طــويل ودمــع سريـع * وخــد بسيـط وشجـــو مديـــد
فهو هنـا روى بأسماء الأبحــر، وأخضعها لحالات ذاتية لا يحسن بها إلا ذوو الهوى، ولا يعرف أسبابها وبواعثها، إلا من أسرهم العشق، وملكهم سلطان الغرام.
ولقد وفق الشاعــر في الربط بين هذه الأوزان وبين المعاني التي يقصدها، فكان شعره هـذا مبينا لهيامه، ومبرزا لآلامه، فهــو عاشق محروم، لا يجد سبيلا إلى إطفــاء لوعة حبه إلا بالخضوع الطويل، والبكاء السريع، والخد البسيط، والشجو المديد، ولولا جمعه لهذه الصفات في نسق واحد لما كانت التورية واضحة.
ويعرف هــذا النوع بالتورية المهيأة، بحيث لو اقتصر على وصف واحــد من هذه الأوصاف لما اتضح بأن الشاعر يهدف إلى استعمال التورية في كلامه.                
ومن ذلك ما ورى به من مصطلحات علم القوافي وهو قوله:
له جيـش نصر قــد نضا السعد دونه * صــوارم روع لا تقيهــا الفـوارس
إذا ما قـوافـي الخيـل فيه تداركــت  * فأبشـر بنصر بحــره  متكـــاوس
فالتورية هنا بالمتدارك، وهـو كضرب من القافية، يجتمع منهــا متحركان بعدهما ساكن، والمتكاوس هو ضرب تجتمع فيه أربع حركــات بعدهما ساكن، ولم يقصدها الشاعر، وإنما قصد معناهما اللغوي، ويريد بذلك، أن جيوشه مهما تعــدد توجيهها للأعــداء فإن النصر حليف لها في كل حين.
ومن ذلك ما ورى به من مصطلحات علوم الحديث والفقه وهو قوله:
ألا أن حـالة في هـــواك خفيـــة * ولكـن لعينــي بالصبابــة تبريــح
عجبـت لدمعـي لا يــزال مرويــا * فيقبــل آثــاره وهـو مطـــروح
واعجـب من ذا أن خــدي شاهـــد * يصـدق في أقوالــه وهــو مجروح
فهو قد استعمل لفظة مطروح ولفظة مجروح استعمالا يؤدي معنــى واضحا يتعلق بوصف هيامه، وبتحديد أسباب تعلقه بمحبوبه، لكن اجتماعهمــا معا دل على أنه يريد التورية بهذين اللفظين، زيادة على ترشيح التورية الثانية بذكـر الشاهــد.
ويتعلق الأمــر هنا بمقصدين:

المقصد الأول:
يرتبط بعلماء الحديث ، فهم يرون أن الشخص الذي لا يكون ثقة في رواية الحديث تطرح روايته، ولا تقبل، ويدخلون ذلك في باب التجريح والتعديـل ويربطون التجريح الذي يطرح معه الشخص بأمــور عشرة،  خمسة تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط، فالتي ترتبط بالعدالة فهي الكــذب والتهمة والفسق البدعة والجهالة، والتي تتعلق بالضبط، هي:  فحش الغلط والغفلة والوهــم والمخالفة للثقات وسوء الحفظ.
فالمطروح إذن لا تقبل أخباره، ولا يقبل في آثاره، ولكن الذي يثير العجـب عند الشاعر أنه رغم كونه كان يريد إخفاء عشقه حتى لا يفتضح،  فإن بكاءه دل على حقيقة أمره، ودمعه أبان عن خبايا جوارحــه، وقد قبل الناس آثـار هذا الدمع  مع أنه مطروح.

المقصـد الثاني:
يتعلق بمصطلحات الفقهاء في باب الشهادة والقضاء، ذلك أن الشاهــد الذي يجرح لسبب من الأسباب المقبولة في التجريح لا تقبل  شهادته،  وهو واضح في التورية الثانية التي أبان الشاعــر فيها بأن خده يشهـد على عشقه، ولعل هذه الشهــادة تظهر في شحوب لونه، واصفرار بشرته، وتأثـر ذلك الخد بالدمع السائل عليه حتى أصبح مجروحا. ولهـذا فهو يرى أنه من أعجب العجب أن تقبل شهــادة خده مع أنه مجروح.
ومـن أنواع التـورية بالعلوم استخدامه لبعـض مصطلحات علـم النحو في قصيدتـه البائية المسماة (بالوسيلة)، التي توسل بها للجانب النبوي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكـى التسليم.
فقد جـاء فيها:
ويــل الصليـب لقــد أمسوا به سلبا * وويـل مــا نصبوا للشرك من نصب
قـد عمها الخفض طــرا عـن عوامله * ما بين مرتـفـع منهــــا ومنتصب
فالمــراد خفض ما رفع الأعــداء من نصب، وما نصبوه منها لمحاربـة الإسلام، فالتورية هنــا ببعض علامات الإعراب كما هو واضح:
هذا، وأن ابن خاتمة فم يقتصـر على هذه الجوانب التي ذكرنا، فهـو قد يربط بينها وبين مصطلحات أخرى، أو بينها وبين أحوال طبيعية أو حالات أدبية، يجـد القارئ فيها متعة ولذة، مثــل قوله:
غمــز لحــظ وكســرة في اللسان * البسانــي للسقـم مــا البســـاني
نظرتنــي فأنذرتنـي بحينـــــي     * وعنتنــي وأودعتنــي لشأنــــي
كيف يرجــو المشوق جبـــر فـؤاد * بيــن كسـتر اللســان والأجفــان
وقوله:
هبــت مع الفجــر لميعادهـــــا * فافتضــــح الشـــارق والغـارب
فجـــران ذاك الوجــه أسناهمــا * هــل يستــوي الصادق والكــاذب
وقولــه:
ومحكـم اللحظات في مهــج  الهـوى * تحكيــم نار هــواه بين جوانحــي
جــرح الفـؤاد فطـار من ولع بــه * كيف الخـلاص لطائــر من جــارح
 وعلى كل حال، فإن هــذه المنتخبات الشعرية يعد أكثرها من روائع الشعر العربي، إلا أن أيحاءاتها تتوقف على الإلمام بالثقافــة الأدبية والعلمية، وإلا فقدت تأثيرها المراد منها، وهـذا هو السبب في كون التورية، إذا تكلفها الشعراء أو استعملوها في غير إطارهــا المناسب لها، فإنها لا تبقى داخلـة في مجال المحسنات، وإنمــا تصير عنصرا ينبغي تجنبه من عناصـر الإبهام والإيهام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here