islamaumaroc

عثرات الأقلام والألسنة -3-

  محمد المنتصر الريسوني

العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992


5 ـ أمــر:
في اللغة العربية ضرب من الكلام يسمى تثليـث الكلام، (1 ) ويمكن تعريفه بأنه مجموعـة من ثلاث مفردات، مركبة من الأحرف نفسها، متفقة في الترتيب وتعاقـب الحركة والسكــون عليها،(  2) وقد يكو ن اسما أو فعــلا، ومنه ما قد يتفق في المعنى، ومنه ما قد يختلف.
ومن هـذا الوادي فعل (أمر) الذي إذا تحركت عينه (3 ) بحركة فتح أو ضم أو كسـر دل الفعل على معنى تابع لنوع الحركـة، فتغيير الحركة إذا، يصحبه تغيير في الدلالـة، وهذا يعــد من المثلث المختلف       المعاني، لكن الألسنة تميز بين هـذا وذاك، ولذلك يقــع غبش في التعبير، وتلتبس الدلالات على السامــع، فغلا يدري مقاصد الكلام، ولا سيمــا حين يكون السياق غير مساعد على ذلك، وتضيع ـ بجانب ذلك كله وهذا هــو المقصود ـ الحقائق اللغويــة التي يجب التزامها، لأنها جزء من النظام العــام لقواعــد اللغة.
ولتتضح الفروق في هــذا الفعل المثلث يجب الحديث عنه في حركات عينه الثلاث، وهي التي ستمدنــا بما يحتويه الفعل من  معان:
1) أمر بفتح عينه، من باب نصر يتعدى إلى مفعـول أو مفعولين فيقال: أمره الأمر وبه إذا ألزمــه به، وهو غير أمـر التي تعني كثر، ومن هــذا المعنى استقى علماء أصـول الفقه معلوماتهــم عن دلالات الأمر في الشرع الشريف مما هو مبسوط في كتبهم.( 4)
وقد ورد هــذا الفعل في القرآن الكريم حجــة الله على الخلق أكثر من مــرة متعديا إلى مفعول مذكور أو محذوف يفسـره السياق بكل وضوح ، فمن الصنف الأول قوله تعالى:(أم تامرهـم أحلامهم بهـذا أم هم قوم طاغـون)( 5) .
وقوله سبحانــه: (أتأمرون النــاس بالبر وتنسون أنفسكم)( 6)
وقوله تعالى: (قالوا يا شعيب أصلواتك تامرك أن نترك ما يعبد آباؤنــا)( 7).
ومن الصنف الثاني قوله جـل شأنه:(ويقتلون الذين  يأمرون بالقسط من النــاس)( 8)
وقوله جــل وعلا: (ولتكــن منك أمــة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعرف)(9 )
وقوله عــز من قائل: (إن الله يامـر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربــى)( 10)
فالمفعول في الصنف الأول مذكــور في مثل قوله تعالـى: ( أتامرون الناس)، فالناس مفعول به بفعــل ( تامرون).
وفي الصنف الثاني غير مذكـور في مثل قوله تعالى: (ويأمرون بالمعروف)، لكنه ظاهــر الحذف:  ذلك أن السياق يشعر به بدون أدنى تكلـف، ولا مرية عندي أن وقوع الحــذف جاء لملحظ بلاغــي هو الإرشاد إلى التعميم كما هــو مقرر لدى علماء المعانــي.( 11)
ولا مرية عندي كذلك أن الظاهرة الأسلوبية هذه تترك الفرصة للذهن لأن يروح متصورا حالة التعميم من خلال حذف المفعول، فقوله تعالى: (يأمرون بالمعروف) يقتضي تصور مأمــور عام تقديره (كل أحــد)، أو ما يقوم مقامــه مما يفيد العموم.
وقد ورد كذلك هــذا الفعل في الشعر العربي، فمنى الصنف الأول قول بشر بن سلوة:
ولقــد أمــرت أخـاك عمـرا  أمـره * فعصـى وضيعـــه  بذات العجـــرم
وقول دريد بن الصمة (تـ: عام 8هـ / 630م):
أمرتهمــو أمـري بمنعرج اللـــوى
ومن الصنف الثاني قول الشاعر:
وربـــــرب  خمــــــــاص * يأمـــــــــرون باقتنــــاص
فالمفعــول في الصنف الأول مذكور وهو لا يقتصر على مفعول واحـد، بل يتعدى مفعولين، وهمـا (أخاك وأمره) وفي بيت بشر، وفي الصنف الثاني غير مذكــور، وذلك في قول الشاعـر (يأمرون باقتناص)، لكنه ظاهـر الحذف، ذلك أن السياق يدل عليه بلا تكلف.          
ولا مرية عنــدي أن الحذف جاء لملحظ بلاغــي هو الإرشاد إلى التعميم، وذاك ما سبق أن أشرنا إليه منذ لحظـة، وتقدير المحذوف عند الشاعـر هو (يأمرون كل من رآهن باقتناص).
2) أمـر بضم عينه( 12) إذا صار أميرا، والمصدر الإمــرة أو الإمــارة بكسر الهمزة.
3) أمـر بكسر عينه إذا كثر ونمــا، أو صار كذلك أميرا.
وقد ضمن إمام نحاة عصره محمد بن مالك هذه الفورق  بيتين من منظومته (الإعلام بمثلث الكلام) فقال:
كثـر أو الــزم مفهــوم  أمــره ( 13)  * وأمــر( 14) الشـيء يقــال أي كثــر
وقـل لمن صــار أميرا قـد أمــر( 15) * ولو فتحــت كنـــت ذا صــــواب 
فبعض المتكلمين لا يتحــرون الصواب في النطق بهــذا الفعل في حركــة عينه، ومــا توحــي به هذه الحركــة من دلالة ، ومتى يكــون متعديا، ومتى يكون لازمــا، من أن التعدي إلى المفعول ظاهــر واضح، وذلك حين يكون (أمر) في الماضي مفتوح العين ودل على طلب فعل شيء، وفي غير ذلك يكـون لازمــا، فهؤلاء لا يميزون ـ ومنهم خطباء وعــاظ  ومذيعون وأساتـذة وباحثون ـ بين هذا وذاك، مما ينشأ عنه مــا ينشأ من خلـط تضيع بسببه حقائـق اللغة.

6 ـ  أمــــل:
تنطق الألسـن هذا الفعــل خاصـة في مضارعه بفتح عينه (يأمل)،  كما لو كان ماضيه مكسور العين، يعني: من باب (فهم) الذي يكون مضارعــه مفتوح العين في المضارع كما يؤكـد ذلك ابن مالك في (لامية الأفعال)، والشاهـد في عجز البيت:
فالضم من فعل ألزم في المضارع وأفتــح موضع الكسـر في المبني من فعلا، مع أن (أمل) من (فعل) المفتوح العين في الماضي، المضموم العين في المضارع (يفعل)، فهو إذن، من بــاب (نصر).
ويجب التنبيه في هـذا الصدد على خطأ يقع فيه البعـض وهو استعمالهم (أمل) لازما، فيقولون: فـلان يأمل في الخير في هذا الرجل، مع أنه متعد إلى مفعول بنفسه.
وصواب العبارة هــو: «فلان يأمــل الخير في هـذا الرجل»، إذ الفعل أمل يأمـل الخير إذا ترقبه، ويكون منه المشدد العين( أمل)، والزيادة في المبنى يزيد في المعنى كما هو مقرر لدى علماء اللغة.

7 ـ أمَّــــمَ:
تستعمل كتب الاقتصاد الاشتراكي وكتب الاقتصاد الإسلامي التي تتعرض لها بالنقد والتفنيد فعل (أمَّـمَ)، وتستعمل معه مصدره (التأميم)، بمعنى جعل المرفق أو الشركة أو غيرها ملكا للأمة، من ذلك كما ورد في كتاب (اقتصادنا) للأستاذ محمد باقر الصدر حين يقول:
«وإذا أردنا أن نستعير من الماركسية لغتنا أمكننا القول: بأن التأميم في المجتمع الاشتراكي الماركسي يبرز تناقضا بين الملكية الاشتراكية للمجموع، والجوهر الحقيقي للملكية الذي تتمتع به الطبقة الحاكمة، فإن الملكية ـ بجوهرها الواقعي ـ ليست إلا السلطة على الثروة، والقدرة على التمتع بها بمختلف الأساليب».( 16)
ولست أدري كيف تم اختيار فعل (أمم) بمعنى جعل الأملاك والمرافق ملكا للأمة، على حين فعل (أم) يؤم أما وكذلك (أممه) و(أتمه) و (تأميمه) و (يممه) و (تيممه) يعني قصده.
قال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحــد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)( 17)
وقال رؤ بـة بن العجاج (تـ: عام 145هـ / 762م).
أزهــر لم يولــد بنجم الشـــــح * ميمــم البيت كريـــم السنـــــح بالنظـر إلى ذلك، لا نلحظ  أي مناسبة تربـط العلاقـة بين المعنى القديم والمعنى الجديد إلا إذا كــان واضع هذا المصطلح نظر إلى التأميم بمعنى القصد للاستيلاء على الأملاك، وجعلها ملكا للأمة، بيد أن هــذا بعيد جـدا عن المقصود، ذلك أن العلاقــة بين الحقيقة اللغوية والمصطلح الجديد تكـاد تكـون منعدمـة، فكيف بالله، يمكن إيجــاد علاقة مناسبة بين (أمـم) ـ ومعناه قصـد ـ وجعل الشركات والمرافق ملكا للأمـة، وإن اشتهر المصطلح الجديد اشتهارا ملحوظـا يغري بالإبقاء عليه.
والحق أن ما لم يكن قائما على أسس لغويـة سليمة فلا مسوغ له لأن يبقى فارضا حضوره على اللغـة، وفي اللغة مندوحـة عنه.                     
إن الحقيقة اللغوية للتيمم ـ كما سبق الإلماع ـ هي القصد، والحقيقة الشرعية له هي قصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين مع ما يسبق ذلك من نية وتسمية لله تعالى، وما يعطى إياه من حكم التوضؤ بالماء مما هو معروف في هذا الباب.( 18)
والعلاقة بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية علاقة حميمة جدا، لأن التيمم في الشرع هو قصد الصعيد الطيب وهو ما جاء في الآية السابقة: (فتيمموا صعيدا طيبا)، للتوضؤ به عوض الماء لأعذار لا مجال لذكرها هنا، فغلبت اللفظة على هيئة هذا العمل.
وإذا شئنا أن نتعرف العلاقة المجازية التي تربط المعنى القديم بالمعنى الجديد ربطا محكما بحثنا في هذا الأمر موضوع أنواع المجاز المرسل، وفيه نجد العلاقة الجامعة بين المعنيين علاقة سببية، وإلى هذه العلاقة من أنواع المجاز المرسل يشير الأخضري (تـ: عام 983هـ/ 1575م) في منظومته (الجوهر المكنون):
ظــرف ومظــروف مسبــب سبـب * وصــف لمــاض أو مــآل  مرتقـب
ذلك أن التيمم مجـاز مرسل، علاقته السببية يعني أن القيام بالأمر الشرعي حين يتعذر استعمال الماء لا يتم إلا إذا وقع قصد الصعيد الطيـب والتوجه إليه كما ورد في الخطاب القرآني السابق الذكر، ويستفاد من هذا أن القصد والتوجه للصعيد الطيب سبـب مباشر لحدوث التوضـؤ بغير المـاء، وإذا لم تحدث حركة القصد والتوجه تعذر القيام جزمـا بمضمون الأمر الشـرعي.
وهذا من بـاب قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)(19 )، والشهر لا يشاهد، وإنما الذي يشاهد هو الهلال، والهلال سـبب في وجود الشهر، بلا شك، فإطلاق الشهر عليه مجاز مرسل، علاقته السببية مثل إطلاق التيمم على التوضـؤ بالصعيد الطيـب، لأن تيمم الصعـيد ـ أي قصده ـ سبب في الاضطـلاع بما أمـر به الشـرع.
ونظير ذلك كثير في العربية، منه قول المتنبي (تـ: عام 354هـ/ 965م)، ذاكرا كلمة (أياد) ويقصد بها النعم، لأنها سبب فيها، فالعلاقة إذا سببية:
لـــه أيـــاد إلــــى  سابقـــة * أعــــد منهـــا ولا  أعددهـا( 20) وتختـلف كلمـة (التيمم) في الجذر اللغوي عن كلمة (الحـج)، لكنهما يتفقـان لغويا في الدلالة، فيقال: أمم المكان إذا قصده وحجه، إذا قصده أيضا على حيـن (الحج): في الشرع القيام بمناسك مخصوصة في زمـن معين ومكان معين، ومـا قيـل عن (التيمم) من حيـث علاقة الدلالـة اللغويـة بالشرعيـة يقـال عن (الحج).
والقول الفصل في هذه القضية أن المصطلحات الإسلامية ـ خاصة التي ترتكز على الوحيين: الكتاب والسنة ـ قامت على أسس لغوية سليمة إلى أبعد حد، مما يجعلها تتناغم وقواعد اللغة، وتتناغم والإحساس اللغوي في نفس كل من له حظ من الذوق في مجال استبطان أسرار العربية، وناهيك بمن له تخصص فيها وإحساس مرهف بجمالها.
ويجب ـ بجانب ذلك كله ـ أن نذعن لإطلاقات الشرع الحكيم حتى ولو فرضنا أن هذه المصطلحات لا تقوم على ما هو معروف من قواعد اللغة ذلك أن الشرع (الكتاب والسنة) حجة على اللغة، وليست اللغة حجة على الشرع بأي حال من الأحوال، ومن قال غير ذلك فإنما يفتري على الله بمحاولة التشكيل في عصمة الوحي وحجته في هذا المضمار.
وليس لي ريب أخيرا بعد هذا الحديث الطويل في هذا الموضوع في أن اختيار هذا المصطلح تم في ظل الاهتداء بما تم من اختيار كذلك لهذا المصطلح في اللغة الأجنبية، وآية ذلك أن (أمم) في اللغة الفرنسية والإسبانية اشتق فيهما من الأمة. ففي الفرنسية  (Nation) (الأمة)، والفعل (Nationaliser) (أمم)، والمصدر (Nationalisation) (التأميم)، وفي الإسبانية (Nacion)   (الأمة)، والفعل (Nationalzar) ، والمصدر(Nationalizacion) (التأميم)، على حين أن اللغة العربية لا يمكن بحال إخضاعها لهذا الاشتقاق، لأن فعل (أمم) له مدلول، ولا يصح أن يطلق هذا المدلول نفسه حين اشتقاقه من الأمـة مع العلم أن الجامد في العربية يمكن الاشتقاق منه على ألا يفضي بنا الاشتقاق إلى اشتراك لفظي يوقع في اللبس، ويجني على اللغة، كما وقع في (أمم) التي تدل على القصد، فأصبحت بعد ذلك تدل على معنى آخــر لا صلة له باللغـة قطعا.
وتجدر الإشارة إلى أن العرب اشتقت من أسماء الأجناس التي ليست مصادر أفعالا ـ وهذا يدل على أن العربية اسبق من غيرها في هذا المجال ـ من ذلك قولهم (أمطرت السماء) أخذا من المطــر، و(أغيلت المرأة) أخذا من الغيل، وهو لبن الحامــل، و (تجورب الرجل) أخذا من الجورب، وغير هذا كثير مما لا يتسع له المقام الآن وذلك ما جعل مجمع اللغة العربية بالقاهــرة يبيح عند الضـرورة الاشتقاق من أسماء الأعيان قياسا على ما فعله العرب.( 21)
ويبدو أن مجمع اللغة العربية لم يسلم هـذا المصطلح ـ ولست أدري موقف المجامع الأخرى ـ إذ لو كان قد سلمه لأشار إليه معجمه الوسيط برمزه (مج)، وعكـس ذلك هو الصحيح، يقول عن هــذه المادة: «أممه: قصده، والمرفق والشركة جعلهما ملكا للأمــة (محدثة)».( 22)
ويحاول الأستاذ اللغوي أحمد رضا أن يلقي عنه المسؤولية في هــذا الصدد أيضا فيقول عن هذه المادة: «مولد عصري اصطلح عليه الكتاب والاسم التأميم»( 23)، أما (المنجد) فعلى عادته في الإسهام في نشر الأخطاء، إذ يقرر استعمال (أمم) دون تنبيه، على عكس ما يفعله غيره، قال: «أمم جعل الأملاك الخاصة والشركات وسائــر وسائل الإنتاج ملكا للأمــة»( 24)
فإذا كنا نرفض استعمال هــذا المصطلح فما هو البديل الذي يمكن أن يحل محله؛ إذ لا يسوغ رفض شيء دون تقديم بديل عنه؟.
الجواب: هو أن المسألــة مثل هـذه تتعلق بالمجامع اللغوية التي تملك إصدار القرار في هــذا الشأن، ومع ذلك لا بأس بالإسهام باقتراح هـذا البديل، واللغة العربية ـ والحمد لله ـ رحبة الأفق، تزهو بكثير من وسائل النماء، ولن تضيق بحال من الأحوال عن وصف آلـة أو غيرها كما يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم (تـ: عام 1351هـ / 1932م) في قصيدته على لسان لغتنا الشريفة:
وسعــت كتاب الله لفظا وغايــــة * وما ضـقت عن آي به وعظــــات
فكيف أضيق اليــوم عن وصــف آلة * وتنسيــق أسماء لمخترعـــات ( 25)
ومن وسائل النماء هـذه ما يطلق عليه في فقه اللغة النحت، وهو له أنـواع،  ويمكن أن نقتصر على النوع الذي نحن بصدد الحديث عنه، أو قل بصدد اقتفاء قاعدتة، وهـو نحت كلمة من جملة مركبة كاملة، من ذلك البسملــة؛ وهي مصدر بسمل  المنحوتـة من (بسم الله)، والهيللة: وهي مصدر من هيـلل المنحوتة من (لا إلاه إلا الله) وهكذا( 26)
وقياسا على فعله العرب، يمكن أن ننحت من تعريفهم للتأمين بأنه (جعل الملك للأمـة) الكلمة الجديدة وهي (جعمأة) وفعله (جعمأ) .
وقد يبدو هـذا المصطلح بادئ الأمر غريبا على الأذن، وإن كانت تركيبته غير ثقيلة على اللسان، ولا بنيته بحافزة الإحساس بأن ينفر منه، لكن الاستعمال المستمر كفيل بأن يعود الأذن تقبله بسهولة، فالاستعمال كفيل وكفيل، بذلك بشرط أن تكون الكلمة ليست من وحشي الكلام، ومصطلحنا (جعمأ) ليس من هـذا الصنف قطعا، فتركيبته اللغوية ذات موسيقى لا غبـار عليها، والله أعلم.


  1) اعتنى علماؤنا بفن المثلثات على مر العصور، ولعل أولهــم محمد بن المستنير النحوي المعروف بقطرب (تـ: عام 206هـ / 821م) قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان (ج3، ص: 439) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ـ ط 1 ـ 1367 ـ 1948م) ، وهو أو لمن وضع المثلث في اللغة.
ومع ذلك فلست ممن يطمئنون إلى إطلاق الأحكام المتعلقة بأوليات الأشياء إلا إذا كان هناك ما يوثقهـا على منهج المحدثين الذي هو المنهج العلمي القاطع في التوثيق والتحري والضبط، فمن يدري أن هناك من ألف في هذا الفن قبل قطرب؟
واعتنى بعده بهــذا الفن عبد الله بن السيد البطليوسي (تـ: عام 521هـ / 1127م)، فألف فيه كتابه ( المثلث)، ثم جاء بعده محمد بن مالك صاحب الألفيـة وإمام نحاة عصـره، (تـ: عام 672هـ / 1274م)، فألف فيه ثلاثة كتب ( الأعلام بتثليث الكلام) ( المنثور) و (كتاب الأعلام بمثلث الكلام) و ( المنظومـة) و (إكمال الأعلام بتثليث الكلام).
  2) أنظر هــذا التعريف في الدراسة التي أعدها الدكتور سعد بن حمــدان الغامدي عن كتاب (إكمال الأعلام بتثليث الكلام) لابن مالك، ج:1، ص: 46، وص: 81 ـ ط:1 ـ مكتبة المدني ـ جدة ـ 1404 ـ 1984.
  3) لكل فن من فنون العلم معايير تضبط قوانينها، من ذلك علم الصرف الذي له معيار تعرف به أصالة الكلمة أو زيادتها أو هيئتها وضبطها، وهو ما يسمــى عند الصرفيين بالميزان المؤلف من (فعل) الثلاثي، ويكــون على شكل الموزون من حركة وسكـون أو تقديم أو تأخير، فإذا حصل في الموزون حـذف مثلا لزم حـذف ما يقابله في الميزان الصرفـي وهكذا.
باختصار فإن الحرف المقابل للفاء يسمــى عند الصرفيين فاء الكلمة، والمقابل للعين عين الكلمة والمقابل للام لام الكلمة، ويمكن مراجعـة هذا الموضوع عند الإستراباذي (رضى الدين محمد)، (شرح شافية ابن الحاجب) ج:1، ص: 72 وما بعدها، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد وآخرين ـ دار الكتب العلمية ـ 1395 ـ 1975.
وأحب أن أشير هنــا إلى قضية جديرة بالتنبيه لخفاء سرهـا على كثير من الناس، وهي الفرق بين المعيار الوزني عند الصرفيين والمعيار الوزني عند العروضيين، الصرفيون ينظرون إلى نوع الحركة من فتحة وكسـرة وضمة، أذ فعل (سمع) عندهــم على وزن (فعل) (بكسر العين)، والعروضيون لا يراعون نوع الحركـة على نحو كما يراعيها الصرفيون،  إذ  = = يقابلون الحركة بالحركة مطلقا فصيغـة (جميل وصبور) عندهم تقابلها الوحدة الموسيقية (فعولن)، ورمزهــا العروضي هو ( ـ ـ 0 ـ 0).
  4) أنظر مثلا الغزالي (محمد) ( المستصفى من علم الأصول) ج:1، ص: 411 وما بعدها ـ ط:1 ـ المطبعة الأميرية ـ مصر 1322هـ، وانظر الشوكاني (محمد) (إرشاد الفحول) ص: 90 وما بعدها ـ ط:1 ـ طبعة الحلبي 1356هـ .
  5) سور الطور: 32.
  6) سورة البقرة: 44.
  7) سورة هــود: 87.
  8) سورة آل عمران: 21.
  9) سورة آل عمران: 104.          
  10) سورة النحل: 90.
  11) أنظر القزويني (محمد) ( الإيضاح في علوم البلاغـة) ج: 1، ( علم المعاني) ـ ص: 102 ـ حققه لجنة من علماء الأزهــر، مكتبة المثنى ـ بغداد. وانظر كذلك الأنصاري (زكريا) ( مختصر السعد)، شرح تلخيص السعد، ص: 43 وما بعدها ـ ط:1 ـ مصر 1332 ـ 1914.
وفي حــذف المفعول يقول الأخضري في منظومته:
وبحــذف المفعول للتعميــم *  وهجنـة وفاصلة تفهيــم
  12) وقد تفتح عينه أو تكسـر وتدل على المعنى نفسه إلا أنه يكون لازما.
  13) بفتح العين.
  14) بكسر العين.
  15) بضم العين.
  16) ص: 201 ـ ط: 4 بيروت 1393 ـ 1973.
  17) المائدة: 6.
  18) تبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الخصائص التي خص بها الله تعالى هذه الأمة.
  19) سورة البقرة: 185.
  20) من قصيدة قالها في مدح محمد بن عبيد الله العلوي ومطلعها:
أهـلا بـدار سبـاك أغدهـا     أبعـد مـا بـان عنـك خردهـا
  21)  أنظر: مجلة المجمع ج: 2، ص: 9 ، 10    
  22) ج: 1، ص: 26. 
  23) ج: 1، ص: 205 ـ ط ،  بيروت 1958.
  24) ص: 17.
  25) أنظر ديوانه ص: 1وص: 253 ـ حققه أحمد أمين وآخرون ـ ط: بيروت 1969.
  26) أنظر بتوسع السيوطي (عبد الرحمن) (المزهر في علوم اللغة) ج: 1، ص: 285 وما بعدها ـ طبعة صبيح ـ مصر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here