islamaumaroc

خطاب مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده الذي وجهه -حفظه الله- إلى الأمة بمناسبة الذكرى 17 لانطلاق المسيرة الخضراء المظفرة.

  الحسن الثاني

العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-دجنبر 1992

بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لانطلاق المسيرة الخضراء المظفرة، وجه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده، خطابا ساميا إلى الأمـة، وذلك مساء يوم الجمعة 10 جمادى الأولى 1413هـ الموافق لـ: 6 نونبر 1992م.
وكان جلالته ـ حفظ الله ـ أثناء توجيهه لهذا الخطاب، محفوفا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد.
وفيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي الذي نقل مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة.

الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
شعبي العزيز..
في مثـل هذا اليوم، السادس من شهر نوفمبر من سنة 1975، كنا أعطينا الأمر بانطلاق المسيرة المباركة الخضراء، تلك المسيرة التي وحدت بلادنـا العزيزة من البوغاز إلى الصحراء.
فعلينا أن نهنئ أنفسنا على هذا الفوز الذي كتبه الله لنا، وهـذا الفتح الذي قدر سبحانه وتعالى أن يأتي على يد جيلنا.
فعلينا كما قلت أن نحمده سبحانـه وتعالى، وأن نستخلص من تلك المسيرة، ومن التفاف الشعب كله حول المسيرة ومنهجيتها.                             
فعلينا أن نتخذ من هـذا كله درسا، ونستخلص منه كذلك عِبَـرا تكون لنا في المستقبل بمثابة معالـم الطريق، التي يجب على هـذا البلد الأمين، أقول: يجب أن يقطعها إذا أراد أن يبقى ويظل في مستوى ماضيه، وحاضره.
شعبي العزيز..
منذ شهـر، انطلقت مسيرة أخرى، مسيرة لا أسميها مسيرة الديمقراطية، لأن الديمقراطية هي قبل كل شيء إحساس واقتناع وإيمان.
فالديمقراطية لها تعريف. وكانت لها تعاريف إلى حدود السنة الماضية بحسب الأنظمة والقارات والبلاد والشعوب.
فلا أقـول إذن: إننا انطلقنــا في طريق الديمقراطية ومسيرتها، بل انطلقنا في مسيرة الأخلاق السياسية، وتوزيع السلط السياسية، واحترام الحقوق السياسية والإنسانية، واحترام كلمة الجماعة، لأن النبي (صلعم) يقول: «مـا اجتمعت أمتي على ضلال».                     
لا أقـول اختيار جماعة القوة ولا الابتزاز ولا أقول العضلات، ولا قـوة الأموال، بـل قوة الإيمان والنور والوطنية الحقة.
شعبي العزيــز..
عليك أن تعلم أن ما ينتظرنــا لا يستوقف الزمان عنده ست سنوات، أو عشر سنوات، بل إن ما ينتظرنا هو تخلق مستمر، وسلوك متجدد نحو الأعلى لا نحو الأسفل. فما ينتظرنــا هو جهاد النفس، وكبت الشهوات، والابتعاد تماما عن كـل ما من شأنه أن تشم فيه رائحة التدليس أو الغش.
إن الحياة البرلمانية، لا أقول الحياة الديمقراطية، فالديمقراطية شيء واسع لا يدركـه لا أنت ولا |أنا ولا الجميع.
فإذا أردنا أن نعطي تعريفـا للديمقراطية فالقامـوس واســع، فالديمقراطيــة يمكن أن يسبح فيها من أراد، ويقبل من أراد، ويسجن من أراد، ويقول: هــذه ديمقراطية.
إن الحياة البرلمانيـة تعني المنهج الدستوري البرلماني الذي يقتضي قبـل كل شيء أن يتحلى الناخب والمنتخب بروح الأمانة، تلك الأمانة التي تنقضـي عند الانتداب، بل تلك الأمانــة التي يسلمها الأول للثاني، ولو لـم يكن من حزبه أو من هيئته المهنية.
إنهـا الأمانة التي يسلمها الأول للثاني، والثاني للثالث، تلك الأمانة التي قال فيهــا النبي (صلعم)، وما أدراك ما قال فيهـا: «إذا أسندت الأمور إلى غير أهلها فانتظر الساعة».
فإذا ضيعت الأمانـة فانتظر الساعة.
ويقول سبحانه وتعالى:
(إن الله يأمـركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).
فماذا تعني تلك الأمانة....
إنها تعني أن كــل واحد منا ـ في أي وقت من أوقات حياته، ناخبا كان أم منتخبا ـ يجب عليه أن يحس بأنه يمارس سياسة دوليـة، إما بكيفية مباشرة أو غير مباشرة.
فإذا كان هــذا الإحساس موجودا، ومنبثقا عن نية وطنيـة، فإنه يجعل صاحبه لا ينام مرتاحــا، ويجعله كادا عاملا مجتهــدا، ناخبا كان أو منتخبا ليله ونهاره.
فهذه هـي ـ شعبي العزيز ـ المسيرة التي أردت أن أفتحها أمامك، مسيرة لا تدوم عشرة أيام أوعشر سنوات، بل سميرة تقتضي أن نفتح أبوابها أمامنا وأن نخطو الخطوات الأولى، وأن نرى أنفسنا لا في هذه السنة، ولا في هذا العقد، ولا في هذا القرن، بل أن نأخــذ بأنفسنا، وأن ندفعها خياليا في قـرن، وفي قرنين، وفي ثلاثـة قـرون، لنربي عليها أنفسنا أولا، ثـم أبناءنا ثانيـا، ليربي أبناؤنا أبنـاءهم وحفدتهم.
وهذا يقتضي ـ شعبي العزيز ـ احترام الدستور، والنظام الدستوري البرلماني.
فإذا نحن نزعنا الهيبة عن مؤسسة البرلمان، ونزعنا الهيبة عن المؤسسـات المنتخبة، واتخذناهـا ـ فقط ـ مطيـة ووسيلـة لست سنـوات، أو إثني عشـرة سنة، سـوف نكـون كالذي يحصـد العاصفة لأنه زرع الرياح.
فإذا نحــن أردنا ـ شعبي العزيز ـ أن نجني من تجربتنا مستقبلا ـ إننا لا نجني النتائج، بل نجني المستقبل ـ فعلينا أن ندخل هــذا العصر، وندخل مسيرة الحياة الدستورية النيابية بنفـس الإيمان والوقار والخشــوع والجدية التي ندخل بها الصلاة بالمساجــد، وبالأخص إلى مساجـد الحرام، وإن كان لا مجـال هنا للمقارنة بين الأمرين، فحاشا ـ معاذ الله ـ أن يكون ذلك.
إنها مسألة مصيرية، لأن العالــم أصبح اليوم ـ أحب أم كره ـ ملزمــا أن يعيش في إطار كهذا.
وأنت ـ شعبي العزيز ـ مؤهل طبيعة وتاريخـا لأن تتخلق بالأخلاق الحسنة، ومؤهل لأن تتعامـل بالتعامل الجدي، فتاريخك يشهد لك بهذا.
شعبي العزيز..
نحن من أقـدم الدول المنظمة الموجودة في العالم، وأقول ذلك بتواضـع، ولكن باعتزاز، لأننا دولة عمرهــا 1200 سنة، وذات شعار، ونظام، وحدود، وقوانين، وهياكل؛ فلو لـم يكـن هذا كله لعصفت بنا العواصف، ولذهبنا أدراج الرياح.
لكننا بقينــا ـ ولله الحمد، رغم جميع الأخطار، وجميع المكاره، وجميع الأطمـاع ـ لا كتلك الشجـرة التي أصلها في الأرض العميقة، وفرعها في السماء، تنتظر كل يوم من الله سبحانه وتعالى أن يسقيهـا مـن رحمته، وحتى لو كـان أن تسقى من دمـاء أبنائنـا الذين استشهدوا في سبيل استمرارهـا ودوامها.                                                                                   
شعبي العزيز..
إنك لم تألف مني مخاطبتك بمثل هـذا الخطاب: نعم، لأنــي يوما بعد يوم أقرأ وأطالـع وأقابل، ويتضح لي، أنه لا مناص من الحياة التمثيلية الدستورية البرلمانية.
لقد أحببنا هــذا ونحبه، لأنه لا يتعامل في إطــار كهذا إلا القوي معنويــا، إلا الشخص، أو الشعب الذي ليس له أدنــى مركب، إلا الوطن، والذي لـه معالـم الطريق، كلما رأى في مرآة الماضي وجد تلك المعالم ترجع به إلى ما يزيد على 1000 سنـة.
لذا ـ شعبي العزيز ـ فإن المسيرة التي أدعوك لخوضها والسير في نهجها، أريد وأرجو من الله سبحانه وتعالـى أن لا تكون لها نهاية، فأبناؤنــا وحفدتنــا و الأجيال التي ستأتي بعدنا لن ترى لها نهاية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأن هــذه المسيرة، عليها أن تستمر إلى أن تنتهي الحياة على الأرض، وأن تسير من كمال إلا أكمل، ومن حسن، إلى أحسن، لنتطور يومــا بعد يوم، لنكون في مقدمــة الركب وليس ملتحقين به.
لهذا ـ شعبي العزيز ـ كن على يقين مـن أن ما قلتــه لك في آخر خطاب ـ عند خوضك الانتخابات البلدية والقرويــة ـ هو الشيء الذي أكـرره؛  وهو أنني مؤمــن بالحياة النيابية  الدستورية، وبالجوار وتآلف الناس بعقولهم لا بعضلاتهــم، ولا بعددهم كيفما كان،  بل بكيفهم.
وإذا أراد الله أن يكون الكيف والكــم معا، فعندئـذ سنحمده سبحانه وتعالى على نعمتين.
فأنا مؤمن بهذا كله، وعليك أن تؤمن به أنت كذلك.
وقد قــال الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله في الحديث القدسي:
«يا عبادي إنَّــي حَرَّمْتُ الظلم على نفسِـي، وجعلته حراما بينكم فلا تظَـالَمُوا».
وقلت لكم ـ اقتداء بهذه الصيغة ـ إنني حرمت الغش على نفسي، وجعلته حراما بينكم.
فحـرام عليكم أن تحاولوا الغش، أو أن يحاول أحد منكم الغش في مسؤولية كمسؤولية الانتخابات، لا من الناخب ولا من المنتخب، لان عاقبـة هــذا الأمر سترجع على الجميع، على جميع الهيئات السياسية والنقابيــة، ولا أريـد أن يكتب عـن المغرب في التاريخ أنه حــاول إدراك شيء كـان بمقدوره أن ينالـه، ولكـن أخطأه، لأنه كـان قليل الجدية،  وقليل الوعي السياسي.               
شعبي العزيز...
إنني في مثل هـذا اليوم من الأسبوع الماضي رجعت من جولة في بعض الدول العربية الشقيقــة: وكما رأيت ـ شعبي العزيز ـ فقد استقبلت من لدنها ـ ملوكا وأمـراء ورؤسـاء وشعـوبا ـ بتقديـر وحرارة وعاطفة.
إنني لست من المغترين، ففي الحقيقـة ليس الحسن الثاني هو الذي اقتبل، بـل أنت شعبي العزيز الذي اقتبلت، أنت الذي عكست دائمـا مطامحي، وأنا الذي حاولت دائمـا أن ألبي مطالبك، فالشعب المغربي ، ـ شعبي العزيز الذي أخاطبه اليوم ـ هـو الذي كان محل تلك  الحفاوة، وهو الذي كان محل ذلك التقدير، وهـو الذي كان محل ذلك التكريم.
فكـن شعبي العزيز جديـرا بهذا كلـه، حتى ينطبق علينــا وعد الله سبحانه وتعالى، وسيكون ذلك ختام خطابي:
(وعــد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحــات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضـى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).
صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمــة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here