islamaumaroc

جامعة القرويين ودورها في التواصل بين الشعبين المغربي والمصري

  يوسف الكتاني

العدد 293 ربيع 1-ربيع 2 1413/ شتنبر-أكتوبر 1992

لقد صدق الله الإمــام إدريس بن إدريس الرؤيا، وحقق الرؤية التي رأى عليهـا فاس وهو يؤسسها وينشئهـا، لتكـون عاصمة للدولة المغربية، وقاعدة راسخة لمملكة إسلامية، وحصنا حصينا لدولـة الإسلام، ومركـزا للإشعاع الحضاري والفكـري لبلاد المغرب وإفريقيا وللمسلمين، تهوى إليهــا أفئدة الناس، وتُشَـدُّ إليها الركاب، وتكون ملاذا للمستضعفين في الأرض، وملتقى للكفاءات والحضارات، وموئلا للنبوغ والطموح، فبلغت فاس بفضل الله والآمــال التي عقدها عليها، والمكانة الساميـة التي رسمها لها، والمطامـح والخطط التي خطهـا لها ولمستقبلها، والآفاق البعيدة التي سما إليهـا، وهو مصداق خطبته الشهيرة لما فرغ من بناء فاس، وحضرته الجمعة الأولى صعد المنبر وقال:
«اللهم إنـك تعلم أنــي مات أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخــرة، ولا سمعة ولا مكابرة، وإنمـا أردت أن تعبد فيها، ويتلى كتابك، وتقام حدودك، وشرائع دينك وسنة نبيك محمد (صلعم) ما بقيت الدنيا.
اللهم وفق سكناها وقطانها للخيـر وأعنهـم عليه، وأكفهم مؤونـة أعدائهـم، وأدر عليهم الرزق، وأغمـد عنهم سيف الفتنة والشقاق، إنك على كل شيء قدير».
وهكذا لــم يمر أكثر من نصف قرن من الزمـان على تأسيسها حتى شمخت ببنائها ومؤسساتها، وارتفعت معالمهـا، وعلت مناراتها، وتعددت منابرهـا، وطـار ذكرها وانتشر صيتهـا، وغدت مقصد الوافد  والوارد من كل صوب ومكان، وتأسست فيها أعظــم جامعة في الدنيـا وهي جامعة القرويين التي قامت واستمرت،  وتواصلت مراحل نهضتهـا وأطوار انبعاثهـا وإشعاعهـا، ولعل عظمة هذه الجامعة تتجلى في براعة استهلال إنشائها من لتدن امرأة من صميم الشعب ، وهي أم البنين قاطمة الفهرية، من مالها الذي ورثته عن أبيها وزوجهـا، وظلت صائمة منذ شرع بي بنائها إلى أن تمت وقامت سنة 245/859.
لقد كـان هذا العمل مبادرة سامية، وهمة عالية من امرأة قيروانية سجلت اسمهـا في التاريخ بإنشاء جامع القرويين العتيد، ليكــون شاهد صدق، وبرهانها على نبوءة الإمـام إدريس لمستقبل فاس، ومـا ستحققه للبلاد والعباد، من آفـاق بعيدة، ومرامـي سامية، وتفاعـل وإشعاع تحقق على توالي العصور ، واختلاف العهود، حتى أصبحت فاس « المدينة العظمى»، «وقطب ومدار مدن المغرب الأقصى وحاضرتها الكبرى ومقصدهـا الأشهر» وبأنهـا «بغداد المغرب، وحاضرته، وموضـع العلم منه، اجتمع فيها علم القيروان، وعلم قرطبة» وعلى عهد الموحديـن ، قاعـدة بلاد المغرب وبلد وبلاد المشرق وللأندلس، وغـدت فــي القرن الثامن الهجري «دار علم وفقه وحديث وعربية في القديم والجديد».

* القرويين جامعة عالمية رائدة:
لقد غدت القرويين بعد فترة يسيرة من إنشائها قلب المغرب النابض، وعقلـه المفكر وعينهــا المبصرة كما وصفهـا قاضيها ابن أبي الصبر، ومجمع علمائهـا وفقهائها، ومصدر نبوغها وشهرتها، وموجـة حياتها، ومظهر إشعاعها ونفوذهـا ومصدر خيرها وفضلها، مفخـرة الضاد.
وبأنها أهــم جامعة وأقدمها، كما اعتبرها المرؤرخ (روم لاندو)، وبأنها  أقدم مدرسـة كلية علمية في العالم، كما نعتهـا البرفيسور (كريستوفينش).
وهكذا جمعت القرويين بين مكانتي الجامع والجامعـة وقرنت بين الشريعة والحكمة، وظلت مسجد القانتين، ومثابة العابديـن، ومدرسة العلمـاء والمتعلمين، يعتكف فيه الصالحــون، ويرعاه الولاة والساسة ودعــاة الجهاد والإنقاذ، وزعمـاء السنة الوطنية، ويأوي إليه أئمــة الهدى والإرشاد، ورجـال الثقافة وطلاب المعرفة، ويلتقي في رحابه أعـلام القراءة والتفسير والحديث والتصوف والحكمة.

* دور القرويين في الإشعاع الفكـري:
من هنــا تعتبر جامعة القرويين الجامعة الأولى في تاريخ الفكـر الإنساني بشهادة البعيد قبل القريب، وذلك أن التاريخ الأوربي لا يذكر جامعة ( بولوني)  التي تأسست سنة 1158م أية جامعة قبلها، ثم تلاها إنشاء جامعة (السوربون) سنة 1200م، ثم تلاهـا جامعة (نابولي) سنـة 1224م.
وهذا يؤكـد أن العالم الإسلامي كان له فضل سبق إنشاء الجامعات والمراكز العلمية الكبرى قبل أوربا، بفضل طبيعة المسجد في الإسلام ووظيفته منذ تأسيس المسجد النبوي بالمدينة المنورة.
وهكذا، تم تأسيس جامعة القرويين في القرن التاسع الميلادي، (245هـ/859م)، ثم تلاهـا بأكثر من قرن من الزمان تأسيس جامعة الأزهر(359هـ/973م)، ثم أعقب ذلـك تأسيس جامعة قرطبة، في حين لم تؤسس إلا في القرن الثاني عشر، ومرد ذلك إلى أن هذا العهد كان عصـر النهضة في العالمين العربي والإسلامي، وازدهـار العلوم والمعارف، بينما كانت أوربا آنذاك سادرة في عهد الظلام والانحطاط، كمـا أكد ذلك مؤرخوها وعلماؤهـا أمثال (جوزي)، (روم لاندو)، (ودلفان)، الذي قال في حـق القرويين: «لقد كانت مدينة فاس بحق دار العلم، وكانت جامعتهـا (القرويين) أول جامعة في العالم».
كما قال (روم لاندو) على ريادتها وعالميتها.
«... وبها كان العلماء منذ حوالـي ألف عام يعكفون على البحوث الدينية والمناظرات الفلسفية، التي قـد تتجاوز دقتهـا إدراك فكرنـا الغربي، كمـا كان المثقفون يدرسون بها التاريخ والعلوم والطب  والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من مفكـري الإغريق».
كما أجمعت كتابات المؤرخين والعلماء والمستتشرقين استقطاب جامعة القرويين للطلاب من مختلف الأنحاء والقارات، وخاصة مــن أوربا، ومن غير المسلمين.
ونذكـر هنا واحدا منهم كان له شأن كبير في تاريخ أوربا بلغ أعلى  درجـات الكنيسة، وهو الطالب (جبيربرت دوورياك) القادم من قرطبة، (ولد حوالي سنة 955 م)، والذي ارتقى إلى درجــة البابوية بعد دراسته بالقرويين، وأصبح يسمى البابا (سلفستر الثاني)، وكان له فضل نقل الأرقام العربية وإدخالها إلى أوربا لأول مـرة في التاريخ، وبما حمله من نظريات الفقه الإسلامي أدت إلى تطوير الفقه الروماني، والتأثير في العقلية الأوربية، وفي قوانينها، نظمها، وأعرافها.
لقد امتــد هذا الإشعاع الفكـري لجامعة القرويين وتواصل عبر العالمين العربي والإسلامي، بفضل نظام الحكم المغربي الذي قام على سند هذه الجامعــة العتيدة بعلمائها وشيوخهــا وطلابها، وبما   تحتضنه من قيم كبرى، ومثـل عليها، وبما أنتجوا من تراث وعطاء، وما صنعوا مـن حضارة، جعلت نظامنـا إسلاميا سنيا وحدويا مستقـرا عبر تاريخنا الحافل، والذي جعل من العلماء في مقدمـة أهل الحل والعقد والصدارة في المجتمع كله، ومما جعل ملوكنــا يتنافسون في دعـم هذه الجامعة وتطويرها ورعايتها، بل يسعـون للدارسة فيها، وحضُــور حلقاتها العلمية، ويحيطونها بمختلف مظاهـر العناية والاهتمام، مما حافــظ عليها دوما، وجعلها تقوم بدورها العظيــم باستمرار، والذي كان لقاحا وخميرة للحضارة الغربية التي عرفتها أوربا في عصـر نهضتها.

* عوامـل التوصل الفكـري بين مصر والمغرب:
إذا كان التواصل بين مصر والمغرب امتد واستمر عبر تاريخنـا الطويل، فإنه ابتدأ منذ القرن الهجـري الأول عبر الرحلات السنوية إلى الحج، حيث كانت مصر مدخل الحاج المغربي ومجازه إلى الـديار المقدسـة، كما كانت منطلق كتائب الفتوح الإسلامية الكبرى، التي انطلقت إلى مختلف البلاد وخاصة إفريقيا ، كمــا تم هذا التواصل وتعزز عند فتـح الأندلس بقيادة طــارق بن زياد، حيث اشترك جنود الفتح من المغرب مع إخوانهم المجاهدين من مصر.
ثم تعــزز هذا التواصل وتوثق منذ اتجـه الفاطميون بجيوشهم من المغرب، وفتحوا مصر والشام، فكثرت الرحلة من المغــرب والأندلس إلى مصر وإلى الإسكندرية خاصة، كما أن مقومــات اللغة والدين والتراث المشترك بيننا كانــت في مقدمة العوامل التي جعلت التواصـل بيننا قائمــا مستمرا، في حين نجـد عوامـل أخرى ساعدت على هذا التواصل وغَذَّتــه وقَوَّتــه، كالعادات، والأعراف والتقاليد والسلوك،  والأزياء، والأمثال، والحفلات، والأغاني، وغيرها، مما يجعـل كثيرا من التشابه بين البيئتين  والمجتمعين المغربي والمصـري ملحوظا، كما يتوج كل ذلـك ظاهرتان كبيرتان تجمــع بين شعبينا وهمـا شدة التمسك بالإســلام ، وشدة الغيرة عليه، والمحبة الكبرى للرسول  عليه السلام، وأهـل بيته الطاهرين، مما يعتبر مزية مصريـة مغربية معروفة مشهورة.

* القواسـم المشتركة بين جامعتي الأزهـر والقرويين:
 لعل من أعظــم أسباب التواصل بين مصر والمغرب وأكبرها وجـود جامعتين إسلاميتين عتيدتين في كل من المغرب ومصر، ظلتا منارتــي إشعاع فكـري عربي  إسلامي في كل من القطرين الشقيقين وكانتا، وما زالتـا مصدر وحدة واستقرار، ومظهـر تقدم وأصالة لكل مـن الدولتين والشعبين، وكانت رحـلات كل من الطلبة والأساتذة والشيوخ بين الجامعتين من أهـم وسائل التواصل، ومن دوافـع استمراره ودوامه واتصاله.
ولقد أكــد هذا التواصل وعززه وقرره وجود قــواسم مشتركة بين الجامعتين مـن حيث صفتها ووظيفتها ومركزهما، وتشابه وتماثـل أنظمتهما وأنشطتهما وانفتاحهما،  وانتشار دعاتهما ورسلهما في مختلف الأنحاء والآفـاق.
وهكذا يمكن أن نذكـر من بين تلك القواسم المشتركة.
1) أن كـلا جامعتي القرويين والأزهــر من أقدم جامعات الدنيا كلها، حيث تأسست القرويين في القرن التاسع الميلادي، والأزهر بعدها في القرن العاشر قبل أن نقوم أول جامعة في أوربا بثلاثة قرون.
2) أن كلاهما من القرويين والأزهـر جمع بين المسجد والجامعة، وقد ظــلا كذلك منذ قيامهما إلى الآن مقرا للدراسات الإسلامية الدينية، والتي انتظمت جميع فروع المعرفة المختلفة.
3) أن كلا من الجامعتين ظلتا مفتوحتين لم تغلق أبوابها، ولم يستطع الاستعمار أن يحو بينها وبين أداء رسالتها.
4) أنهما كانتــا دوما ملجأ للعلوم كالفلسفة والرياضيات والطبيعيات، وخاصة جامعة القرويين، بعد انتقال علماء الأندلس إليها، كابن ماجة الفيلسوف وأبي العلاء بن زهـر الطبيب، وأبي الوليد ابن رشد، الذين كانوا بأفكارهم وجهودهم وعلمهم عمـاد النهضة العلمية الأوربية.
5) أنهما ظلتا القيمتين على التراث العربي الإسلامي، واستمرتا في المحافظـة عليه، وعلى إشعاعه إلى اليوم.
6) أن المناهج الدراسية وطريقة الدروس والبحث والمناقشة في كل منهمـا كانت متشابهة متماثلة، وكـأن أسلوب الدراسة أسلوبا لتربية العقل، وتخطيط طريق التفكر للوصول إلى الحق لذاته.
7) أن عطاءهما الغزير، وتراثهما الكبير، الذي أنتجه كل من علمـاء الأزهــر والقرويين طوال تاريخهما المديد ظـل خصبا متنوعـا وكان له تأثيره الكبير، وأثره البالغ، لا في  الفكـر العربي والإسلامي فحسب، بل امتد أثره إلى لفكـر الإنساني، نذكـر منه على سبيل المثال كتاب (الجبر) لابن الياسمين و(حساب الكسور) لابن البناء العدوى، و(علم الهيئة) لابن الربيع، و(ماهية العشب والأزهـار) لابي القاسم الوزير و(الفلك) لابن سليمان الروائي، والمؤقت  الجادري، وابن عبدوس، وابن الحباك وابن بطوطـة، وعبد الرحمان الفاسي، وسواهم. 
إن هذه القواسم المشتركة بين الجامعتين، والعوامـل المؤكدة لكل تواصل بين الشعبين، وحدث مصرينا وهدفنا، وجعلتنــا دوما متضامنين متكاملين طوال تاريخنا، وخاصة في وجـه الاستعمار ومكائده التي تعرضنا لها، ووقفنا صامدين في وجهها منذ الصليبيين وأحفادهم إلى اليـوم، مما يحتم علينا العمـل على تواصل هذا التعــاون والتضامن في سائـر المجالات، حفاظا على ديننا ورسالتنا الإنسانية، ودفاعا عن استقرارنا ووحدتنا، والعودة إلى مكانتها الريادية التي أرادها الله لنا ووضعنا فيها.

* دور القرويين في الوحــدة الفكرية بين الشعبين المصري والمغربي:
وهكذا ظــل التواصل قائما مستمرا بين القرويين وبين أبناء مصر ورجالاتها وأقطابهـا وعلمائها، الذين أخذوا يرحلون إليهـا للأخـذ عن شيوخها، والرواية عنهم، والتلقي منهم، وملازمتهم فترات تطـول أحيانا وتقصر أحيانا أخرى بحسب الحاجة والاستعداد والإمكان، ثم يعودون إلى بلادهم ليعلموا ويفيدوا بعد نهاية دراستهم وتعليمهم، أو يظلون في القرويين إذا اختار البقاء فيهـا ومواصلة الدرس والعطاء فيصبحون ضمن أساتذتها وشيوخهــا، أو يختارون القضاء والفتوى تظلهم رحابها، ويقبل عليهم رجالها وسكانها، كما أكـد الأستاذ (كريستوفتش) بقوله:
«ليست القرويين هي أقدم كليات العالم، بل هي الكلية الوحيـدة التي كان يتلقى فيها الطلبة العلوم السامية في تلك الأزمنـة، وكانوا يتواردون عليها من أنحاء أوربا وإنجلترا فضلا عن بـلاد العرب الواسعـة، للانخـراط في سلك طلابها، وتلقي العلـوم السامية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين والمصريين والأندلسيين وسواهم.
ونذكـر هنا على سبيل المثال بعض الذين وفدوا على القرويين قديما من أهـل مصر وغيرهم، هبة الله المصري، وأبو الوفاء المصري، وابن حمويه الإسكندري، وابن مهذب البغدادي، وابن عبد الوهاب الدمشقي، وابن أبي شاكر الأربلي، وأبو علي البقالي، وخلوف، وابن ميمون، وسواهم كثير ممـن فصل الكلام عن قدومهم المقري.
لقد حفلت صفحـات تاريخنا بمئات، بل بآلاف أولئك الوافدين على القرويين من مختلف البلاد، المقيمين منهم والراحلين عنها، بعد قضاء وَطَرِهــمْ، واستكمال دراستهم وتعليمهم.       
كما يزخــر تاريخنا بمَـئـات الشيوخ والعلماء المغاربة من رجالات القرويين، ممـن تستهويهم الرحلة لطلب العلم والإفادة، والذيـن كانوا يتوجهون باستمرار ويقصدون مصر للأخــذ والرواية تارة، أو للإقامـة والتدريس والتعليم هناك في أنحائها.
وسنقدم أمثلة ونماذج أولئك ممن قصدوها، والذين رحلوا إلى تلك البلاد، تدليلا وتأكيدا على التواصل القائــم والمستمر، والذي لم ينقطع إطلاقـا حتى في فترات الاستعمار المظلمة، مما كان أساسا للتـلاقح الفكري، والإشعاع الثقافي، والترابـط الاجتماعي،  والوحـدة الفكرية بين بلادنـا وبين إخواننا المصريين طـوال تاريخنا وعهودنا، وذلك بفضل جامعة القرويين، وجامعـة الأزهر الشريف.

* نماذج من العلماء والشيوخ الرحلين إلى البلاد المصرية عبر العصور:
وسنقوم بجولة سريعة موجــزة مركزة عبر تاريخنا العريق، نقدم من خلالها نمـاذج حية وأمثلة رائدة من أولئك الشيوخ والعلماء إلى مصـر، والذين صنعوا تاريخنا، وربطـوا بين حلقاتـه وعهوده، وكانوا بناة وحدتنا الفكـرية والثقافية، وبما علموا وتعلموا وألّفـوا وأفـادوا واستفـادوا، عن طريق رحالاتهـم المستمرة والمتوالية بين القرويين والأزهـر الشريف ومختلف المدن المصرية في القاهـرة، والإسكندرية، وطنطا ومدن الصعيــد، وغيرها، والتي وجدوا فيهـا ملاذا ودار إقامـة، وبما سجلوا في تلك الرحلات من صفحــات ذهبية مشرقة، وبما وضعوا من تراجـم ومعاجم عن شيوخهـم وأساتذتهم، وبما ربطوا من سنـد موصول عن طريق الرواة والشيوخ المغاربة لسنة رسول الله (صلعم)، مما يعـتبر سلاسل ذهبية متصلة بشيوخ ثقاة ورواة كبار، وبما جمعوا من دواويـن، وما نظموا من أشعار، خلدت تلك العلاقات التاريخية، والأواصـر العلمية الخالدة.

-  ففي القـرن الرابع الهجري:
نجد ممـن رحل إلى الديار المصرية الحافظ دراس بن إسماعيل الفاسي، ولقي بالإسكندرية علي بن مطـر، وسمع منه كتاب ابن المواز، وكان أول من أدخــل مدونة سحنون إلى المغرب.
ومن رحل أيضا إلى مصر راوية البخاري الإمام أبو محمـد الأصيلي، حيث سمع بها من القاضـي أبي طاهر الذهبي وابن رشيق وحمزة الحافظ، والنيسابوري، كما سمعوا منه وتدبجوا معه.
ومنهم أيضا شيخ القـراءات المقـرئ الرواية أبو عمـران موسى بـن عيسى.     

- وفي القرن الخامـس الهجري:
نجد منـه ممن هاجـر إلى مصر ورحل إليها الفقيه الشيخ أبو بكـر الطرطوشي نزيل الإسكندرية، قصد مصر ونزل الإسكندرية سنة 440هـ، فطاب له المقام بها، وتزوج من سيدة موسـرة من أهلها، أهدته دارا سكـن في الطابق العلوي منها، وأقـام في السفلي مدرسة يعلم فيها مختلـف العلوم، وخاصة الحديث والفقه، فقصده الجلة مـن كـل مكـان للأخـذ عنـه والرواية ، إلـى أن توفي بها سنة 520هـ ولا زال قبره معلما من معالمها.
ومنهم الشيخ أبو محمـد التاهرتي أقام أيضـا بالإسكندرية، فلقي بهـا الحافـظ أبا طاهر السلفي، وأخذ عنه الفقه والنادب، وأبو الوليد القبذانـي الذي استجـاز من السلفي للسلطـان تاشفين بن علي، وقد طال مقامـه بالإسكندرية، واستفاد الكثيرون من علمائها من علمه.

- أمــا في القرن السادس الهجري:
فنجد أشهـر من رحل إلى مصـر، وأخـذ وروى  وعلم بها الشيخ القطب أبو مدين الغوث، والمقـرئ الصالح أحمـد بن الحطيئـة، الذي ظـل بمصر يعمل ويرشد، حتى اشتهـر صيته، وبقي بها إلى أن مات.

- وفي القرن السابع الهجري:
فنجد أشهـر من رحل إلى مصر الحافظ محيي الدين عبد الواحـد المراكشي، الذي كتب بها كتابه الشهير (المعجب)، والشيخ الشهيد أحمد البدوي دفيـن طنطا، الذي استقر بمصر ينشـر علومه ومعارفـه إلى أن توفاه الله بها، بعدمـا ذاع صيته، وانتشر ذكـره.
والشيخ أبو عمرو عثمان الصنهاجـي، الذي رحل إلى مصر صغيرا، فتعلم بها حتى برع في المذهب الشافعي، وأصبـح قاضيا بقـوص، ثم تفـرغ للإقراء بالجامع الأقمـر بالقاهرة إلى أن توفي بها.
والشيخ أبو عبد الله الكركي، الذي صحب العِزّ ابن عبد السلام، ولازمه،إلى أن صـار شيخا للمالكية والشافعية في مصـر والشام يفتي في المذهبين، ويعرف الأصلين، وأقبـل عليه العلماء يأخذون عنه، وفي مقدمتهـم الإمـام القرافي الذي قال  في حقه: «بأنه تفرد بمعرفة ثلاثين علما».
والشيخ أبو الحسن الشاذلي مؤسس مـدرسة الصوفية في العالـم الإسلامي، الذي استقـر بالإسكندرية يعمـل ويرشد، وأخــذ عنـه الجلـة أمثال الشيوخ المـرسي، والقباري وابــن المنير، والبوصيري وسواهم.                            

- في القرن الثامــن الهجري:

وكان ممن رحل إلى مصر الحافظ المحدث الرحالـة ابن رشيد السبتي، الذي كان له اتصال وثيق بالحافظ الدمياطي، وابن عساكـر، والقسطلاني، وكتب عن رحلته المصرية كتابه الشهير (ملء العيبة، بما جمـع في طول الغيبة، في الوجيهة بمصر والشام ومكة وطيبة).
ومنهم الشيخ العبدري الفاسي، الذي أقام بالقاهـرة يعلم ويروي، حتى أصبح شيخ علمائها، وبها وضع كتابه الشهير(المدخل)، وبهـا استقر إلى أن توفي.
والشيخ السطي، الذي أقام بالقاهـرة يحدث ويروي، وأخـذ عنه حفاظه أمثال: ابن حجر، والدماميني، وابن عمار، وسواهـم، وفيلسوف التاريخ ومُؤَلِّف علم الاجتماع عبد الرحمان ابن خلدون، الذي كان أعظم  من رحل إلى مصر، والذي ملأ الدنيا، وشغل الناس، وقد حـل بمصر سنة 784هـ،  وتصدر للإقراء بالأزهـر برغبة من طلبتها، وعلم بمدراس القاهـرة كالقمحية، والصرغمتسية، التي درس بها الموطأ ذاكـرا سنده إليها، وخاصة سند أبي البركات عندما درس عليه بالقرويين.
وقد تولى ابن خلدون بمصر قضاء المالكية، ممن أخـذ عنه العِزَّ  ابن جماعة، والشمس البساطي، والدماميني، وابن حجر، وسواهم.
وقد تميز هذا العصر بهجـرة أسرة مغربية عالمة بأكملها إلى القاهــرة، وهي أسرة النقاش الدكالي، وقد أثنى على علمهـا وعلى علمائهـا ابن حجر في الدرر الكامنة، وكذا في الضوء اللامــع ودورهـم في تأكيد الصلات الثقافية بين المغرب ومصر.

- في القـرن التاسع الهجري:
 نجد الإمام القاسـم العبدوسي، الذي رحل إلى مصر، وتصدر الإقراء بها، وأقبـل عليه شيوخها وطلابها يروون عنه، ويأخذون منه، حتى اشتهر بينهم.
ومنهم الشيخ زروق الفاسي محتسب الأولياء والعلماء، الذي أقام بمصـر يسمع ويروي ويحدث، وكان له اتصال وثيق وصحبة كبيرة مع علمائها، وفي مقدمتهم السخاوي  والديمي، والثعالبـي، والرصاع، وابنة حجـر، واللقاني الحطاب، وساهم.
واشتهرت حاشيته على البخاري التي طبعت بمصر باشرا فشيخ الأزهـر، وكتابه (النصيحة الكافية) التي أنجزها بِرْوَا الريافة بالأزهــر، وشروحه المتعددة على الحكم العطائية.

- في القــرن العاشر الهجري:
نجد على رأس من رحـل إلى مصر الشيخ سقين العـاصمي ، الذي يروي عن أصحاب ابن حجـر وتدبجـوا معـه. 
والإمـام العارف أبو عبد الله الدلائي الذي قصد مصر، واتصل بالشيخ البكري وأخذ عنه.
وننوه في هـذا العصر بالتواصـل الكبير الذي تم بين الملك العظيـم أحمد المنصور الذهـبي وبين شيوخ مصر، ومنهم الإمام القرافي، والشيخ البكري، اللذين وجه استدعاء إليهم لإجازته، ففعلا.

- وفي القـرن الحادي عشر الهجري:
من أشهـر ممن رحل إلى مصر الشيخ المفتي أحمد المقري دفين مصـر، حدث بها وروى وعلم إلى أن مات بها.
والإمــام العارف أبو العباس أحمد بن ناصر، وكان كثيرا الرحلة إلى مصر، واللقاء بالشيوخ، وشراء الكتب منها.

- وفي القرن الثاني عشر الهجري:
الشيخ المحقق محمد بن الحسن البناني، الذي كان له اتصال بشيوخ الأزهـر، ممن أخذوا عنه، وأخـذ عنهم، أمثال: الشمس الحنفي، والشهب الثلاثة: الصبــاغ، والجوهري، والملوي.
والشيخ المحدث محمد التاودي بن الطالب بن سودة، الذي أقـام مدة بمصـر يدرس الموطأ بالأزهـر، وأوائـل الكتب السته والشمائل، والحكم وغيرها، وكان له  اتصال وثيق بشيوخها الذين تدبج معهم، أمثال: العدوي، والدمنهوري، والسمان، والشيخ مرتضى الزبيدي الذي قال عنه:
ومنهـم محمـــد بــن الطالـب  *  التاودي العــدل ذو المواهــــب
أجازنــي بكـل ما يرويـــــه *  من كـل مـا يفيـد أو يمليـــــه

-  في القـرن الثالث عشر الهجـري:
نجد كثير ممن رحلوا إلى مصـر، واتصلوا بعلمائها، وأخذوا عنهم، وتدبجـوا معهم، منهم الإمـام المسند أبو عبد الله محمد بن عبد السلام ناصر، الذي كـان كثير التردد على مصر، حتى أصبح له بشيوخها اتصال وثيق، كالشمس الجوهـري والجمل والجداوي، والسمودي، والزبيدي، وسواهـم.

- في القـرن الرابع عشر الهجري:
منهم والـد جدنـا جبل السنة الشيخ المربي عبد الكبير الكتاني، الذي رحـل إلى مصر، وأقام بها مـدة يروي الحديث  بالأزهـر الشريف، وكـان له اتصال بعلمائه أمثال الشيوخ: السقا، وعليس  والإسكندري، وسواهم.
ومنهم جدنـا الشيخ أبـو الفيض بن عبـد الكبير الكتاني، الذي رحـل إلى  مصر، واتصل بعلمائها وشيـوخها، وبالأزهـر درس صحيح البخاري بمحضـر شيخه وعلمائه، راويـا سنده العالي إليه، فاستجـازه الكثيرون وأخذوا عنه وفي مقدمتهم الشيخ الببلاوي، والشنقيطيـي، ومفتي الديـار المصرية الشيخ الرافعـي الحنفي، والسقا، والمرجـي، وسواهم.
والشيخ أبو شعيب الدكالـي، الذي التحق بالأزهـر الشريف، ودرس به وتعلم، وكانت له صلات قوية مع علمائـه طوال حياتـه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here