islamaumaroc

سيدي محمد بن عبد الله العالم المجدد

  يوسف الكتاني

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

يزخر التاريخ المغربي بقمم عالية شامخة، وعبقريات فذة نادرة، قامت بأدوار ممتازة، وسجلت صفحات مشرقة، في ميادين السياسة والحكم والبطولـة والجهاد والعلم والمعرفة، إذ لم يَخْلُ عصـر من العصور أو جيل من الأجيال منذ القديم، من ظهور ملك عظيم، أو زعيم خالد، أو قائـد عبقري ، أو عالم مبرز، وأكثر من ذلك كله نجد بعض الملوك والقادة، تفردوا في تاريخنا بعبقرياتهم النادرة، وتفوقهـم الممتاز، فكانوا حكاما بارزين، وقادة مصلحين، وعلماء عاملين، منهم: إدريس الثاني، وعبد الله بن ياسين، ويوسـف بن تاشفين، والمهدي بن تومرت، والمنصور الموحدي، وأحمد المنصور الذهبي، ومحمد بن عبـد الله، وهو في رأيي من أعظم ملوكنا عبقرية، وأكثرهم أثرا وأبقاهـم ذكرا، وأروعهـم سيرة، إذ يكاد ينفرد بعبقريته الفذة على جميع المستويات في تاريخنا، ولذلك آثرت وفضلت في هذه المناسبة الخالدة والأيام المجيدة، أن أعطر هذه الذكـرى بترجمة موجزة عن حياة وسيرة هذا الملك العظيم.

مولـده ونشـأته:
ولد سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل بمدنية مكناس سنة 1134هـ، أو آخـر عهـد جده السلطان مولاي إسماعيل، وتربى بالقصر الملكي في أحضان والده السلطان مولاي عبد الله، ورعاية والدته وجدتــه العظيمة، العالمة خناثة بنت الشيخ بكار المغفرية، ونشأ نشأة أصيلة على يـد صفوة من خيرة العلماء والأدباء، اختارهم والده لهذا الغرض، فحفظ القرآن وبعض أمهات الكتب المقروءة في وقته، حيث اتجهت ميوله الأولى إلى كتب الأدب والتاريخ ودواوين الشعر، ولم يكـد يشب حتى أرسله والده إلى الحج وهو دون البلوغ، صحبة جدته الأميرة خناثة في وفد عظيـم، وركب كريم، يضم صفوة من علماء المملكة وأدبائها، فهم القاضي أبو القاسم العميري، والوزير الإسحاقي وغيرهما، وقد مروا في طريقهم إلى الحج بطرابلس، ونزلوا بها، حيث استقبلهـم حاكمها، وأكرم وفادتهـم، ثم اتجهوا نحو مكة فدخلوهـا دخولا عظيما، وجدوا حجهــم، وعادوا سالمين، وكان ذلك سنة 1143هـ.
لقد كانت هذه الرحلة أول اتصال الأمير الشاب بالعالم الخارجـي، واتصاله بالأمراء والملوك، وتعرفه على بقعــة هي أحب البقاع إلى كل المسلمين، فرجع وفي ذهنه ونفسه صورة عن الشـرق وأحواله، ملأت قلبه إيمانـا وإشراقا، ويقينا وعزما.

بدايـة وخلافـة:
أخذ والده يحضره معه، ويطلعه على بعض شؤون المملكة، لما أَنِسَ فيها من النباهة والحذاقة، ولِمَـا أظهره من تفهم للأوضاع وخاصة السياسية، لذلك أخذ يسند إليه المهمات، ويرسله مع الوفود إلى الجهات، فبعثه صحبة الجيش عندمـا خرج لصد الباشا الريفي، وكان ذلك سنة1156هـ، حتى إذا اشتد عـوده وتمرس بالشؤون، وآنـس منه الكفاءة والمقـدرة، عينه خليفة له بمراكش، فأقبل على مسؤوليتــه الجديدة بهمة وعـزم وحزم، واتجه نحو القبائـل وخاصة الحوز والسوس، فأخـذ يجمع شتاتها، ويلُمُّ شملهـا، ثم اهتم بقصبة مراكـش، فعمر خرابها، وجـدد بنيانها، وأقبل على الرعية يسوسها بدهاء كبير، وحنكة رائعـة، حتى إذا عرف الناس فيه قوة الإرادة، وشـدة الشكيمة، والعمـل الدؤوب المخلص، التفوا حوله، وأقبلوا عليه طائعيـن راضين، يمحضونه النصح، ويخلصون في خدمته، وتنفيذ أوامـره، وقد بلغ من شدة محبته والتعلق به أن أعلن البربـر والعبيد بيعته في مكناس وزرهون، وخطبوا باسمه، وكـان هذا أول امتحان يتعرض له الخليفة الشاب،  فغلب الوفاء والإخــلاص لوالده وملكه، وعالج الأمر بحكمة ورَوِيَّة، فرفض بيعتهم وسعى لإصلاحهــم، وقدم بنفسه إلى مكناس واتصل بالمنشقين، وما زال يقنعهم حتـى حملهم على طاعة والده، وردهم إلى بيعته، وتوسط بينه وبينهم لمسامحتهم.
على أن أعماله وأمجـاده في أثناء خلافته لم تقتصر على مراكش ونواحيها، بل امتدت رحلاته وإصلاحاته إلى كل من أكادير، والعدوتين، والقصر، وأغلب مدن الشمال متنقلا من بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، متفقدا متعهدا، يجمع الشتات، ويرعى الشؤون، حتى بلغ صيته الآفاق ، وأجمع على حبه الخاص والعام.

محمد الثالث الملـك:
في جـو مليء بالفوضـى والاضطراب، حيث أخذت رؤوس الفتنة تظهـر هنا وهناك، واضطرب أمر الأمن بالبلاد، وانتشر التذمر في الصفوف، وسئم الناس الحرب والتطاحن، واشتاقت نفوسهم إلى الاستقرار والطمأنينة، في هذا الجـو، التحق المولى عبد الله بالرفيق الأعلى، وبويع سيدي محمد بن عبد الله ملكا للمغرب، وقد أقبلت عليه الأقاليم والقبائـل قاطبة، مبايعة راضية طائعــة، لكونها رأت فيه الرجل القوي، الذي يستطيع قيادة سفينتها إلى شاطئ النجـاة، ويخلصها من الفرقة، وينقذهــا من الفتنة، ويوفر لها الرخـاء المقصود، والأمـن المنشود.
ولم يكد ينتهي من بيعته بمراكش، ومأتم والده بهـا، وتقبل الولاء من الوفود والقبائل الوافدة، حتى حــزم أمره، واتجه إلى مكناس، فدخلها دخول  الفاتحين، وأصلح أمر العبيد، وجمــع شملهم، ووحد كلمتهم، وأرضى مطالبهم من المـال والخيل والسلاح، ثم اتجه صوب فاس فدخلهـا وتقبل ولاءها وهداياها، وبدأ مـن حينه في إصــلاح أمورها، وتفقد شؤونها، وجمـع شمل قبائل أحوازهـا، واغتنم زيارة الوفود والقبائـل لتقديم الولاء والبيعة، فتعـرف على زعمائها ورؤسائها ، واطلع على مشاكلها وأحوالها ومطالبهـا.
وهكذا تتابع اهتمامـه بشؤون رعيته وسعيه الحثيث لحل مشاكلها طوال مدة ملكه، مما حببه إلى الناس، وزادهم تعلقا به، وتقربا منه، وطاعـة له، حتى إذا استقرت الأمور بفاس وغيرها، أخذ ينتقل بين الأقاليم والأصقاع متفقدا مصلحا،  حتى شملت رحلاته الثغور والجهات، وتغلغل في أحشاء البلاد.
ولقد ظهرت همة محمـد الثالث، وعزمه وحدبه وحبه لرعيته، عندمـا تعرض المغرب للمجاعة والقحط سنة 1190 للهجـرة، فعالج الأزمة بحكمة بالغة، وصبـر وثبات، وأمـر بجلب الأقوات من الخارج، وبيعها بأثمانها،  وأعد المطاعم للأرامل والمساكيـن واليتامـى، ورتب لكل حومة بل لكل دار خبزا يوميا، حتى عمت الأرزاق الخاص والعام ، وجعل بطائق لذوي الحاجـات ليأخذوا معاشات ومرتبات، وأسقط الوظائف والخراج على الناس حتى زالت الأزمة، وارتفع الجدب، وجاء الخير.
واتجه محمد الثالث إلى العالم الخارجي، فجدد علاقته مع الدول  الأجنبية، وعقد المعاهـدات والمواثيق وبعث إليها السفراء، واختص الدول الإسلامية بعلاقته الوطيدة، وخاصة دولة الخلافة العثمانية، فقد كان له معهـا مكين الصلات، وعظيم الروابط والعلاقات وخص الحرمين الشريفين بهداياه وعطاياه، لما لهما في نفسه من المكانة الرفيعة، والمحبة العظيمة.

محمد الثالث العالـم:
إن أول ما يثير انتباه الدارس لحياة هذا الملك العظيم، هــو حبه للعلم وإقباله عليه منذ نعومــة أظفاره، وتكريمه للعلماء ومحبتهم ورعايتهم، يؤيـد ذلك ويؤكده أنه بمجرد بيعته ودخوله إلى فاس، كان أول ما فعل هو اتصاله بالعلماء والفقهـاء، والتعرف عليهم واحدا واحدا.
لقد ابتدأ محمد الثالث حياته بالإقبال على كتب الآداب، والتاريخ، ودواوين الشعر، حتى اشتهر شغفه بكتاب: «الأغاني»، فكان يحفظه ويستظهـره، ويستشهد في مجالسه بنوادره، وأمثاله وأشعاره.
غير أن هذا الاتجاه إلى الأدب والتاريخ، تحـول منذ أصبح ملكا، إذ أقبل على كتب الحديث والسيرة، فأخـذ يدرسها ويدارسها العلماء، ولم يقتصر على الموجود منها بالمغرب، فاستجلب من المشرق المسانيد، واستقدم العلماء لحضرته، وانتقى منهم الكبـراء لمجـالسته ومذاكراته، واتخذ لهم مجلسا حديثيا رسميا، فكـان يجلس إليهم بعد صلاة الجمعة بمقصورة الجامع بمراكـش، يذاكرهم الحديث ويشرحه، وهم يدونون ويكتبون، وممن كان يضمهم مجلسه الحـديثي العظيم الشيخ حمدون بلحاج، وأبو عبد الله محمد المير السلوي، وأبو عبد الله محمد الكامــل الرشيدي، وأبو زيد عبد الرحمان بوخريص، وغيرهم كثير.
وقد رتب لمجالسه العلمية أوقاتـا مضبوطـة لا تتقدم ولا تتأخر، حضرا وسفـرا، سلما وحربا، وكان يحذو في ذلك حذو أستـاذه، وقدوتـه، أحمد المنصور الذهبي، ويجد فيها من اللذة والمتعة ما يثلج صدره، ويملأ عقله، حتى كان يقـول: «لقد ضيعنا عمرنا في البطالـة» وتحسر على ما فاتـه مـن لـذة العلم أيام الشباب.
كما قام بنقل العلمـاء إلى مراكش، من فاس ومكناس وسلا وغيرهـا،  وفرقهم على المساجد، فكانوا يدرسون بها، ويعلمون الناس، ثم يحضرون مجلسه الحديثي يوم الجمعة، كما أن تلك المجالس  لم تقتصر على الحديث والسيرة، بل كـان يجالس الشعراء والكتاب والأدباء، ويقربهم ويذاكرهم ويناقشهـم. ومن الأدباء المرموقين بحضرته: أحمد بن الوَنَّــان، صاحب «الشمقمقية» الشهيرة التي شاعت وذاعت، ومحمد بن الطيب سكيرج، وأحمد العزال والكاتب الأسعاقي، وأحمد بن عثمان، وغيرهم.
ومن طرائف مجالسه العلمية، أنه كان ذات يوم في مجلسه الحديثي مع جماعة من العلماء، وفيهم الشيخ حمدون بلحاج، فناوله وصيفه ميمون كأس الشاي وكان جالسا على اليسار، فابتدره قائلا: إذ يقول الشيخ حمدون:
صـددت الكـأس يا ميمون عنــا * وكـان الكأس مجراهــا اليمينــا
فقال الشيـخ حمدون: نعم وأزيد:

ولم تعمل بحكـم الشــرع فينــا * كمـا جـلاه هخير المرسلينــــا
رسول اللـه  فيمـا صـح عنــه * مـن أنه  قـال: ناولهـا يمينـــا

ولم تقف همته عند هـذا الحد، بل كان يأمر العلماء بالتأليف في التفسير والحديث  وغيرهما، ويرغبهم في ذلك ويشجعهم عليه، فقد كلف ثلاثة من العلماء بشرح «مشارق الصغاني» حيث شرح الشيخ التاودي بنسودة ثلثه الأول، والشيخ عبد القـادر بوخريص الثلث الثاني، والحافظ إدريس العراقي الثلث الأخير، إلا أن الموت تخطفه ولم يمهله لإتمام عمله، فقام ولده عبد الله بإتمـام شرح والده حتى جاء الشرح في عــدة أسفـار.
كما كلف الشيخ التهامي بن عمرو بشرح الأربعيـن النووية، والأديب الغـزال بتدوين رحلته إلى الأندلس، فكتبها وسماهـا «نتيجة الاجتهاد»، وأمـر ابن عثمان بكتابة رحلته الحجازية فكتبها وسماها «إحـراز المعلى والرقيب».
ولم تقف همته العالية ونفسه الأبية عند هذا الحد، بل ربط الصلات مع علماء المشرق وكتابه، وخاصة علماء مصر وكتابها، وعلماء آل عثمان، وكان يكاتبهـم ويراسلهم، حتى امتدت إليهم كتبه ورسائله وهداياه.
ومن أعظم ما يذكر في هذا الباب، الهدية التي تلقاها من السلطان عبد المجيد، وهي عبارة عن سفـر واحد، يشتمل على صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، والمسانيد الستة، والشمائل، وعمل اليوم والليلة، وقد جمعت هذه الكتب كلها، في سفر واحد فرح السلطان به كثيرا.
على أن الملك محمد الثالث لم يقتصر على محبة العلم، وتكريم العلماء، وجمعهم ومناقشتهــم، وتشجيعهم على التآليف، وترغيبهم فيه، بل قام هـو نفسه، بتأليف  كثير مـن الكتب بمساعدة علماء حضرته، حيث خلد بالخزانة العلمية المغربية مؤلفات تشهد بطول باعه، وعمق معرفته.        

من هـذه المؤلفات:
* الجامع الصحيح الأسانيد، المستخرج من ستة مسانيد.
* مواهب المنان: مما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان.
* الفتوحات الإلهية الصغرى.
*الفتوحات الإلهية الكبرى.
طبق الأرطاب فيما اقتطفناه من مسانيد الإئمة وكتب مشاهير المالكية والإمام الحطاب.
وأحسن قول في هذا الباب، قول الحافظ محمد بن جعفر الكتاني في سلوة الأنفاس «لقد كان سيدي محمد بن عبد الله، علامة، دراكة، فاضلا، محدثا، تاريخيـا، كاملا، محبا للعلماء، مجالسا للفقهاء».

محمد الثالث المجدد:
لقد صدق أبو محمد عبد السلام القادري عندما وصف محمد الثالث بكونه: «الإمام الموهوب لهذه الأمة على رأس المائة مجـددا لها دينها»، واعتبره «إمامـا من علماء الإسلام، وأنه نظرا إلى المصالح وقام بها قياما، لم يقـم به أحد من أهـل عصره من ملوك الإسلام، ولم يسبق إليه سواه غير الخلفاء الراشديـن في السياسة والحكم والعلم، ولأنه يتخلق بأخلاق أحمد المنصور الذهبي ويعتبره أستاذه وقدرته، ويتأسى به في أموره كلها ولا يحيد عنها أبدا».
ولم يكد محمد الثالث يجمع أطراف مملكته، ويقضي على الفتنة، وينشر لواء الأمن والعـدل، حتى استقرت الأمور واطمأن الناس، فأخذ في إصلاح أحوال الرعية جميعا، وشمل نشاطه وإصلاحـه وتجديده مرافق  الدولة كلها، قضاء وعـدلا، ومالية، وجيشا، وتعليمـا، وكانت وسيلته إلى كل إصلاح، إصداره منشـورات دورية، تتضمن توجيهاته وإرشاداته إلى الولاة والرعية.
ففي ميدان التعليم، انصب اهتمامه عليه، لأنه أصل لكل إصـلاح، ورأس كل صلاح، فقد عنى بنشره في سائر المـدن والقرى، وذلل لطلابه سبله ومناهجه ومنحهم العطايا والصلات وبنى المدارس لسكناهـم، وقام بتقريب العلم من الناس، فوزع العلماء على أرجاء المملكة وأنحائها، وخاصة الجهات المفتقرة إليهم وكـان يغريهم بذلك، فيوسع لهم في العطاء، ويجـزل لهم الصلات، حتى أصبح التعليم في أيامــه وعهده في متناول رعيته بدون استثناء، وشاع في كل الأرجاء.
من ذلك أنه عهد إلى خزانة جده العظيم المولى إسماعيل بمكناس، وكانت تضم اثنى عشر ألف مجلد، ووزعها على جميع مساجد المملكة، وحبسها عليها، ليعم نفعها، وينتشر خيرها، حتى أصبحت الكتب مشاعة بين الخاص والعام.                                     
وامتدت عنايته إلى خزانة القرويين، فأصلحها ورممها، وجـدد بنيانها، وصان نفائسهـا، وجعل لها نظاما خاصا، حيث لا تفتح إلا بحضور عدلين رتبهما لهذا الغرض، بحضور القاضي والإمــام.
وفيما يتعلق بمناهج الدراسة والتعليم، أصدر منشورا بين فيه للعلماء، أن أول  ما ينبغي دراسته هو كتاب الله، وأن المقصود من ذلك هو تعلم أحكام الدين، ثم تعلم سنة رسول الله، ودعـا العلماء إلى أن يتجنبوا المختصرات ويبتعدوا عن التفريعات والتعقيدات.
كما نبه إلى عدم الغلـو في شروح مختصر خليل، وعدم قصر الهمة والـوقف عليه وحده، ولذلك وجههم إلى دراسته بشرح معين وهو «الخرشي» و «بهرام» ، بل ذهب أبعد من ذلك، فسمى الكتب التي ينبغي أن تدرس في كل علم، وأنقذ التعليم من الفوضى التي كانت سائدة فيه.
أما في ميدان العدل والقضـاء، فقد صرف همته إلى تبسيط القضاء، وتعميم العـدل بين رعيته، لأنه أسـاس الملك، وبه صلاح السلطان والمتقاضين، واستعمل نفس الوسيلة في إصلاحه، فأخـذ يوجه القضاء والمتقاضين إلى ما ينبغي لهم عمله واتباعه، فكـان يصدر الظهائـر والمنشورات في كل المناسبات، يضمنها توجيهاته وتجديداته منها:
إصدار الأمر إلى القضاة  وإلزامهم بكتابة جميع الأحكام، والإشهاد عليها، وتسليم نسخ منها إلى الأطراف، والالتزام في الأحكام بالمشهور، وتهديد المخالفين بالعزل.
ومنع توكيل المرأة لزوجهـا لاستخراج حقوقها حماية لها، إلا أن يكون ابن عمها وبرضاها.
ومنع البيع على الغائب والمحجوز، إلا أن يكون المشتري هو بيت المال أو الأحباس، حتى يمكن المبيع عليه استرداده.
وجعل الصداق كلها ناجـزا، وحصره في أربعين مثقالا، وبذلك كفكف من غلواء الناس، وبعدهم عن السنة، وأمر ألا يسجن الزوج إذا خاصم زوجته، إلا إذا أضر بها بالضرب والجرح، لما في ذلك من المصلحة للزوجة نفسها وللأولاد.
وألزم القاضي بالبحث بنفسه على الملك المراد شراؤه، وتسليمه لملكيته، وسلامته من كل نزاع في أداء الثمن بمحضره.
ومنع الناس من التعامل مع المفلسين والمشبوهين، كمـا منـع القضاة والعلماء من الحكم والإفتاء بشرح مختصر خليل للمتأخرين، والاعتماد على كتب المتقدمين تسهيلا واختصارا.
وهكذا كان شأنه ودأبه في كل مرافق الدولة وميادين العمل، حيث امتدت إصلاحاته، وكثرت تجديداته، حتى شملت سائر المياديـن، وخاصة المالية والجيش والبحرية وغيرها.
وينبغي التذكير في هذا الباب، بما كان له من يد وعمل واهتمام بسائر قضايا المسلمين، وأخص بالذكـر، قضية الأسرى التي كانت قضية الساعة آنذاك، فقد  بذل فيها الجهد الكبير، والمال الكثير، وأرسل السفراء، وبذل الهدايا للملوك، وربط الصلات ، فقد أرسل سفيره أحمد الغزال إلى مدريد ليحصي الأسرى، ويتفقد أحوالهـم، ويوزع عليهم الهدايا، ويفك أسرهم، حتى رجع ومعه نحو ثلاثمائة منهم، كما بعثه بعد ذلـك لنفس الغاية إلى الجزائـر وغيرها.
وبعث سفراءه الطاهـر فنيش إلى باريس، وابن عثمان إلى مدريد ومالطا ونابولي، وكل هذه السفارات والرسل لتحرير أسرى المسلمين من الجزائـريين، والتونسيين والليبيين، حتى بلغ ما حرره من أسارى المسلمين  ما يزيد على عشرين ألفا.
وهكذا ظل عهـد هذا الملك العظيم عهدا مزدهرا مشرقا، مليئا بجلائل الأعمال، وعظيم الإصلاحـات، تطبعه سيرته الكريمة، وعزمه القوي، وهمته العالية وطموحه العظيم، فكان بحق بطلا من أبطال تاريخنا، وقائدا محنكا من أعظم قاداتنـا، ومصلحا كبيرا، جدد لأمتنا ودولتنا شبابها ومجدهـا، حتى أصبحت على كل لسان، وصار يخشاها الخاص والعام، وتوطدت علاقاتها وصلاتهـا بالدول والأقطار، وسعت للتقرب منها وكسب ودهـا، حتى بذلت من أجله أقصى الغايات، كل ذلك بفضل هذا القائد العظيم والملك المصلح الكريم الذي سيظل معلما خالدا من معالم تاريخنا، ومثلا حيا رائعا لأجيالنا، وقدوة صالحة رائدة.

أهم المصادر والمراجع:
* اقتطاف الأزهار من حدائق الأفكار: لأبي محمد عبد السلام بن محمد الثالث.
* درة السلوك وريحانة العلماء والملوك: له أيضا.
* الترجمان المعرب للزياني.
* مناهل الصفا: للفشتالي
* الاستقصا (الجزء الثامن): للناصري.
* سلوة الأنفاس: (الجزء الثالث) لمحمد ابن جعفر الكتاني.
* الأعلام: للتعارجي، الجزء الخامس.
* الفكر السامي: للحجوي، الجزء الرابع.
* الفتوحالت الإلهية: محمد الثالث
* نشر المثاني: (الجزء الثاني) لمحمد بن الطيب القادري.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here