islamaumaroc

المغرب في حديث "لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق"

  المهدي السيني

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

من نافلة القول: أن حديث «لا يزال أهل الغرب  ظاهرين على الحق» هو من الأحاديث المشكلة، من حيث تأويله وتفهم دلالاته، وهذه المساهمة لا تعدوا أن تكون محاولة لإزالة بعض الإشكال في مجال الرواية والدراية.
روى الإمام مسلم في صحيحه في كتاب (الإمارة) عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله (صلعم):«لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة».
وهي صيعة من باب الشواهد لدى علماء المصطلح بالنسبة لصيغة حديث أول الباب عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلعم): «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».
وصيغة أو لفظ لا يزال أهل الغرب صيغة تفرد بها مسلم بالنسبة للبخاري، أما الصيغة التي اتفقا على إخراجها معا فيه عن المغيرة بن شعبة. قال ، قال سول الله (صلعم): «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله»، وبصيغ وألفاظ متقاربة روى مسلم عن مجموعـة من الصحـابة وفق منهجه في جمع الشواهـد والمتابعات في كتاب (الإمـارة). وأيضا في كتاب (الإيمان)، لكن بصيغة واحدة.
وفيما يخص المراد بالطائفـة، يرى الإمام البخاري أنهم أهل العلم، حيث صرح بذلك في ترجمته للحـديث في كتاب (الاعتصام) من جامعـة الصحيـح، وروى عـن شيخـه علي بن المديني أنهـم أصحاب الحديث وقال الإمام أحمد:  إن لم يكونوا أهل الحديث فلا ندري من هم.( 1) ولم ترد صيغة «أهل المغرب» لدى مسلم كما توهم السيوطي وغيره، اللهم إلا من باب الرواية بالمعنى، كما ذهب إلى ذلك ابن حجر في الفتح.( 2)
نعم، وردت صيغة «أهل المغرب» بفتح الميم وبعدها غين عند أبي نعيم في الحلية، مسندة عن سعد بن أبي وقاص . ثم علق أبو نعيم قائلا: هذا حديث مشهور رواه الأئمة،  منهم شعبة وابن عيينة وغيرهما.( 3)
ومن الإخباريين الذين رووا صيغة: «لا يزال أهل المغرب ...» مسندة، المراكشي في المعجب، في معرض حديثه عن فضائل المغرب وخصوصياته، وعزاها إلى الإمام مسلم، كما أنه حكى رواية محمد بن تومرت لهذا الحديث، وهو يحرض أتباعه ويحثهم قائــلا:
ما على وجه الأرض من يومن إيمانكم، وأنتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله».( 4)
ونحن نقول: لو كانت صيغة أو رواية لفظ: «لا يزال أهل المغرب» لدى مسلم في صحيحه. لكان القاضي عياض أولى العلماء وأجدرهم بالوقوف عليها، وتوضيح دلالتها، إذ هـو أحد الأعلام الذين شرحوا صحيح مسلم، وتوفر لديهم عدة نسخ وتلقوه عن عدة شيوخ، بالإضافة إلى تخصصه في شرح غريب الحديث، إذ «مشارق الأنوار»، في شرح ألفاظ الصحيحين والموطأ سارت بذكرها الركبان، وسمع بذكرها القاضي والدان، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة لو وزن بالجوهــر أو كتب بالذهب كان قليلا فيه( 5) فمشارق الأنوار و«الشفاء» يؤكدان اطلاع أبي الفضل على رواية: لا يزال أهلا الغرب، لدى الإمام مسلم في الصحيح، وأن رواية أهل المغرب بفتح الميم وبعدها غين، هي خارج الصحيح.
بالنسبة للشفاء ورد ذلك في الفصل الرابع والعشرين من الباب الرابع فيما اطلع عليه من الغيوب وما يكون، مما أذن له فيه الله سبحانه، قال: وقوله: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم  الساعة». يذهب بعضهم إلى أنهم أهل المغرب، وقد ورد «المغرب» كذا في الحديث بمعناه...( 6)
وفي «المشارق» قال أبو الفضل: ولا يزال أهل الغرب، قال معاذ: هم أهـل الشام وما وراءه، فحلمه على أنه غرب الأرض خـلاف الشرق، وقيل: المراد هنا أهل العدة والاستنصار في الجهاد، ونصرة دين الله.( 7).
 ونفس التأويلات أوردها ابن الأثير في (النهاية)، وكذا ابن حجـر في الفتـح بزيادة: ووقع في بعض طـرق الحديث «المغرب» بفتـح الميم وسكـون المعجمة، ويحتمل أن يكون بعض رواته نقله بالمعنى الذي فهمه.(8 )
ومن الأعلام الذين أطالــوا النَّفَسَ في شرح وتأويل حديث: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق» الحافظ ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع، من مجموع الفتاوى، وبالأخص في فضائــل الشام.
قال: وأخبر النبي(صلعم) أن الطائفة المنصورة القائمـة على الحق من أمته بالمغرب، وهو الشام، لأنه غرب المدينة، وكان أهلها يسمون الأوزاغي إمام أهل المغرب، ويسمون الثوري إمـام المشرق...
لكنه ـ رحمه الله ـ، بعد تعداده لفضائـل الشام، ما لبث أن تحرر من طوق الإقليمية، حيث استشهد بحوار ممتع بين الصاحابيين الجليلين: أبي الدرداء، وسلمان الفارسي، رضي الله عنهما، مفاده أن الجهة تفضل بأهلها لا أن الناس يتكلـون لكونهم ينتسبون إلى جهة ما.
قال: وكتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي: هلم إلى الأرض المقدسة، فكتب إليه سلـمان: إن الأرض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس الرجل عمله.
قال ابن تيمية: وهو كمــا قال سلمان فإن مكة حرسها الله أشرف مكان، وقد كانت في غربة الإسلام دار كفر وحرب، يحرم المقام فيها، وبعد الهجـرة صار المهاجرين يقيمون بها، وقد كانت الشام زمن موسى عليه السلام قبل خروجه ببني إسرائيل دار الصائبة والمشركين الجبابرة الفاسقيـن، وفيها قال تعالى: لبني إسرائيل: (سأريكم دار الفاسقين). فإن كون الأرض «دار كفر» أو «دار إيمان» أو«دار طاعة» أوصاف عارضة لا لازمة،  وأما الفصيلة الدائمـة في كل وقت ومكان، ففي العمل الصالح والإيمان الخالص.( 9)
لقد وظف ابن تيمية الحوار الذي دار بين أبي الدرداء وبين سليمان الفارسي في إزالة شبهة تخالف القاعدة الإسلامية الذهبية: من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.( 10)
والحوار يفيد أيضا أن الخيرين من الناس قد تلتبس عليهم الأمور، وأن «العصمة» هي للمصطفين الأخيار، عليهم الصلاة والسلام.
ومن علماء الغرب الإسلامي الذين لا تزكيهم على الله عز وجـل، ولكننا نحسب الحديث النبوي الشريف الذي هـو محور كلمتنا، ينطبق عليهم، أبو الفضل عياض  رحمه الله، حيث صمد وصبر للابتلاء، شأن العلماء العاملين.
ويهمنا هنا، جانب علمي وظفه لكشف زيف دعوى «العصمة» الذي ادعاه مهدي الموحدين، وقد يلتبس الأمر على العامة، وربما على الخاصة، ولكن أبا الفضل كشف القناع، متصديا بصفة غير مباشرة، مصداقا للهدي النبوي الذي صححه الإمـام  أحمد: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»( 11)، فالقاضي عياض أبان مفهوم العصمة «العصمة» لدى علماء الأمة وجمهور أهل السنة خلافا للذين يدعون ما ليس لهم، أو ينتحلون خصائص غيرهم، ومن يرجع إلى آثار مهدي الموحـدين محمد بن تومرت أو إلى آثـار المؤرخين الذين لهـم مصداقية تتضح لـه دعـوى العصمة.
وقد يتساءل المـرء، كيف استساغ غير القاضي عياض أن يجمع الموحدون بين غلو التشيع والتمسك بالكتاب والسنة ونبذ  فقـه الفروع؟.
يقول محمد بن تومرت في كتابه ( الإمامة): لا يكون الإمـام إلا معصوما من الباطـل، ومعصوما من الضـلال، ومعصوما من الفتن، ومعصوما من العمل بالجهل... ولا يقوم بحقوق الله إلا العدل الرضا المعصوم من الفساد.( 12)
ودعوى العصمة لمهدي الموحدين يؤكدهـا المراكشي في (المعجب) في معرض حديثه عن بدء دعوة الموحدين، وتخطيط وتأسيس محمد بن تومرت لها قال: وجعل يذكر المهدي ويشوق إليه، ويجمع الأحاديث التي جاءت فيه من المصنفات، فما قرر في نفوسهم فضيلة المهدي  ونسبه ونعته، ادعـى ذلك لنفسه، وقال: أنا محمد بن عبد الله، ورفع نسبه إلى النبي (صلعم)، وصرح بدعوى العصمة لنفسه، وأنه المهدي المعصوم.(13 )
ونفس الادعاء سجله ابن خلدون في (العبر) قال: ولم يحفظ عنه فلتة في البدعة إلا ما كان من وفاقه الإمامية من الشيعة في القـول بالإمام المعصوم.( 14)
ونرى القاضي عياض فند هذا الادعـاء بصفة غير مباشرة، حيث خصص خمسة عشرة فصلا من كتاب (الشفا) لموضوع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال: فأما ما يتعلق منها بأمر الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عـدم معرفة الأنبياء ببعضها، أو اعتقادها على خلاف ما هي عليه، ولا وصم عليهم فيه، إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها، وأمر الشريعة وقوانينها ؛ وأمور الدنيا تضادها بخلاف غيرهم من أهل الدنيا، الذين يعلمون ظاهــرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخـرة هم غافلون.( 15)
فأبو الفضل ـ رحمه الله ـ كان له من الشجاعة الأدبية، والإيمان القوي، النصيب الأوفر، وإلا لما استطاع تبيان مفهوم العصمة، وهي «العصا السحرية» بالنسبة لموحدين، ولكنها مواقف العلماء العاملين الذين أخبرنا عنهم الصادق الأمين عليه الصلاة والسـلام فقال: لا تزال طائفة من أمتـي ظاهرين على الحق...
إن حديث «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق» يتأول كما يتأول حديث: «إن الله يبعث لهذه الأمـة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» رواه داود في السنن.
فالغرب يصدق على كثير من الجهات إذ كل منطقة من المعمـور لها شرق وغرب والطائفة المتمسكة بالحق يجـوز أن تكون في وقت واحد في العديد من الأمكنة، تظهر دين الله وتدعو إليه، وتعتصم بالحق وأن غفل الناس وتاهوا..
وستظل الطائفة المتمسكة بحبل الله المتين، الذائدة عن صراطـه المستقيم هي الطائفة التي حـدد النبي (صلعم) مواصفاتها، لئلا يدعي مدع أنها طائفته، أو أنه جدير بالانتساب  إليها وهي منه براء.
روى الترمذي في السنن، عن أبي هـريرة، أن رسول الله (صلعم) قال: «تفرقت  اليهود على إحـدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار، إلا واحدة،  قالوا من هي يا رسول الله. قال: ما أنا عليه وأصحابي.(16)
رحم الله القاضي عياض، وكل العلماء العاملين الذين بيضوا وجه الغرب الإسلامي وثبت الأحياء بالقول الثابت في الحيـاة الدنيا وفي الآخــرة آمين، وآخـر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

  1) علوم الحديث: للحاكم، وفتح الباري : لابن حجر، كتاب الاعتصام. 
  2) الدر المنثور، للسيوطي، سورة البقرة:  آية: 251.
  3) الحلية لأبي نعيم، ج:3، ص:96، مرويات داود بن هند.
  4) المعجب: ص: 14/15، ص: 188، ط الاستقامة بالقاهـرة 1949.
  5) الرسالة المستطرفة ص: 118، ط: الكليات الأزهرية.
  6) الشفا، ج:1، ص: 651. ط II دار الفيحاء ـ عمان 1407هـ.
  7) مشارق الأنوار: حرف الغين المعجمة، ط. دار التراث ج2.
  8) النهاية لابن الأثير/ حرف الغين المعجمة ، ج3، والفتح: لابن حجر (كتاب الاعتصام).
  9) مجموع الفتاوى: ج: 27 ، ص: 41، 45/ ط الرباط.
  10) طرف من حديث رواه مسلم في صحيحه كتاب ( فضل الذكر) ، والترمذي في (السنن).
  11) التقييد والإيضاح: للعراقي، والحديث مختلف في تصحيحه.
  12) المهدي بن تومرت: د. عبد المجيد النجار، ص: 249، ط: دار الغرب الإسلامي.
  13) المعجب: ص187، نفس ط.
  14) تاريخ ابن خلدون: ج6، ص: 471، ط دار الكتاب ـ بيروت.
  15) الشفا: ج2، الفصل الثاني من الباب الأول من القسم الثالث ص: 269، نفس ط.
  16) سنن الترمذي (كتاب الإيمان)، وسنن أبي داود (كتاب السنة).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here