islamaumaroc

في فلسفة الخط العربي: علاقة الخط بعلم النفس

  حسن السائح

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

كان الإنسان البدائي يرى الكلمة أداة من أدوات الخلق، فهو لم يعرف العبث بالكلمـات، كما تعود الإنسان المتطور الذي أثراه العلم والأدب بمختلف الكلمات المعبرة عما يجول في عقله، ومنا يعج به شعوره العميق. ولم يكن الإنسان البدائي تزود بعلم اللغة، وتعود على استشارة المعاجم، فأصبحت الكلمات لعبته السهلة المفضلة.
كما لم تكن الأشياء واضحة في ذهنه، فهي تتشابه في شكلها، لذلك، فقد استعمل الإشارة أكثـر مما استعمل ألفاظ المسميات، علاوة على أنه كان يخاطب شخصا بعيدا عنه. وهذا ما جعل للكلمة مكانة في حياته الاجتماعية لذا. فقد استعملها بندرة كما يستعمل الإنسان اليوم العملة الصعبة.
وارتقى الإنسان إلى مرحلة تسجيل الكلمات وضبطها، بما يعبر عنها من صورة تماثلها، أو ترمز لها، ثم بكتابة الحروف الدالة على الألفاظ نفسها، وهو في كل ذلك يربط بين سر الحـرْف وقداسة الكلمة المعبر عنها، ولهذا، فقد عالج مرضاه بتعاويذ مكتوبة هي في واقعهـا مجموعة من الحروف كـان يرى فيها قوة معنوية قادرة على العـلاج.
فالكلمة قوة، والحرف سر هذه القـوة، ومنشأ ذلك، هو قدسية الحرف.
ومن هنا، ورث فن الخــط علاقته بنفسية الإنسان، وإحاءات عقله، فلم ينفصل تفكيره عن الربـط بين ما تراه العين مكتوبا، وما يؤثـر في عقله ووجدانه من دلالات، يعبر عنها بطريقة تأليف الحروف، وربط بعضها ببعض، فهـو يقرأ بعينيه وشعوره وعقله، ولهذا، فهو يقدس الكلمة والحرف، ولا يفصل بين شعوره وعقله، وما تراه عيناه.
ويفسر لنا هذا، ما عرفه قدماء المصريين والبابليين والأشوريين من (جداول) سحرية يعتقدون تأثيرها في الإنسان، وعلاقاته مع الإنسان والطبيعة، وتعزز ذلك بما عرفه من معلومات عن وجـود «تأثيرات» في الإنسان والكون، ولم يعرف عللها وأسبابها، فنسبها إلى عالم (الجن)، وهم مخلوقات روحية محضة لا تنسجم في ذات ولا في شيء لذلك، فهو يقاوم تأثيرهـا بكلمات وحروف، وأحيانا يعتمد على تأثيراتها بواسطة الحروف والكلمات، فيسخرها لغرضه وأهدافه، فزاد كل ذلك في قداسة الحرف، والكلمة.
وقد تفطن لذلك الزركسي فقال: «إعلم أن الشيء في الوجـود أربع مراتب:
الأولى: حقيقته في نفسه.
والثانية: مثاله في الذهن.
والثالثة: اللفظ الدال على المثال الذهني والخارجي.
والرابعة: الكتابة الدالة على اللفظ.
وهذان قد يختلفان باختلاف الأمم، كاختـلاف اللغة العربية والفارسي، والخط العربي والهندي.( 1) وسمى القدماء من اللغويين العلم الـذي يبحث في ذلك باسم مرسوم الخط، وصنفوا فيه عدة كتب، ومنهم الفارسي مؤلف كتاب الخط والهجـاء، الذي قال في آخر مؤلفه: «من عرف صواب الخط عرف صواب الخطأ».
فالخطأ في كتابة اللفظ ليـس بخطأ، ولكنه تعبير عن معنى آخر يعتلج في العقل، وتحسن به النفس، ويعمل الكاتب عن هذا التعبير العقلي والنفسي في إعطـاء الكلمة المكتوبة معنى آخر غير المعنى المقصود الواضح في كتابتها.
ويقول (ابن سينا) في كتابه (عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل).
«إن كتابـة الأحرف إنمـا اختلف حالها في الخط بحسب اختلاف أحوال معانـي كلماتها».
ويختلف ذلك بالتنبيه على العوالـم الغائب، والشاهد، ومراتب الوجود، والمقامات، والخط يرسم على الأمر الحقيقي لا الوهمـي، وبذلك يقع الاختلاف.
ولنرجع إلى ضرب أمثلة لذلك من «القرآن» باعتباره الكتاب الذي رسم خطه وكتب كلماته متخصصون في الخط العربي من كبار الصحابة، الذين أضافوا إلى معرفتهم بالخط القديـم المعبر عن قداسة الكلمات، وترجمة معانيها في حروف إلى احترام كامل للنص القرآني، وتفانيهم في رسمه، والحفاظ على سر كلماته بعناية فائقة، وزهد وخوف من الوقوع في الخطأ والخلط.
ومن مثال ذلك، زيادة الألف في كلمة (لا أذبحنه) بعد جملة ?لأعذبنـه عذابا شديـدا?.( 2) فهذه الزيادة تنبه القارئ إلى أن المؤخر أشد في الوجود من المقدم عليه لفظا، لأن الذبح أشد من العذاب، أو لأن الذبح تهديد لن يقع، لصدق الهدهد، فما كان لسليمان أن يحكم مقدمـا بذبح لن يكون، لأن الهدهد صادق.
وفي قوله تعالى: (ولأوضعــوا خلالكم).(3 ) لأن الإيضاع أشد فسادا من زيادة الخبال.
وفي قوله تعالى: (لا إلى الجحيـم) ( 4) بدلا من (لإلى الجحيـم) في بعض المصاحف، أو (لا إلى الله تحشرون) بدلا من (لإلى الله تحشــرون)، وذلك لان بعضهم رأى أن مرجعهم إلى الجحيم أشد من أكـل شجرة الزقوم وشرب الحميم، وأن حشرهم إلى الله أشد عليهم من موتهم أو قتلهم في الدنيا، فلذلك أثبت الألف، ومن لم ير ذلك، لأنـه غيب عنا، فلم يستو القسمان في العلم بهما، لم يثبـت الألف.
ومثـال آخـر في الفـــرق في رسم الفعـل في الآية الكريمة (فـإن لــم تفعــلوا) و( لن تفعلوا)      (5 ) بإثبات الألف بعد الواو اعتبارا أن الفعل يستلزم فاعلا، فهـو جملة عكس الإسم الذي هو مفرد، فزيدت الألف تنبيها إلى الفعـل جملة، بينما حذفت الألف في الآية الكريمة: (سعـوا في آياتنــا معاجزين)( 6) لأن السعي باطل لا يصلح له ثبوت في الوجـود، وهو لذلك سعي ناقص لا يؤبه له، كما لم تثبت في الآيــة:(جاءوا بسحر عظيــم)( 7) و(جاءوا ظلمــا وزورا)( 8)، لان السحـر كان باطلا ولأن الظلم والزور لم يكن له حق الانتصار.
هذا، ويصعب تقصي ذلك في الآيات القرآنية الكريمة، وإنمــا أردت بذلك أخذ أمثلة من القرآن الكريم إثباتا لهذه الفلسفة النفسية في الرسم القرآني مما يغفل عن إدراك أسراره كثير من المثقفين   .
والدارسون لمختلف اللغات يرون في اللغة الصينية غرائب من هذا النـوع في اختلاف معاني الكلمات بطريقة كتابتها مما هو مألـوف في (الخطوط) العتيقة كالصينية والسريالية والعبرية.
ومن هذه الأمثلة تظهـر علاقة المعنى الذهنـي بالصورة المرسومة للكلمة في الكتابة، وهذا شيء مألوف في اللغات الأخرى بطريقتها الخاصة في التعبير.
فاللغة الفرنسية تستعمل الأداء الصوتي في اختلاف معانـي الكلمات، وهو ما يسمى في علم الصوتيات(intonation) فيفـرق بين معاني الألفاظ في طريقة الأداء، ولا على سبل إلى معرفة دلالة الكلمات المعبر عنها دون معرفة بطريقة الأداء الصوتي.

  1) البرهان الزركسي: ج1، ص: 277.
  2) سورة النمل.
  3) سورة التوبة.
  4) الصافات.
  5) آل عمران
  6) سورة البقرة.
  7) سورة سبإ.
  8) سورة الاعراف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here