islamaumaroc

ابن الغازي والروض الهتون.

  عثمان ابن خضراء

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

ابن الغازي عالم كبير فاخر به المغرب والشرق حقبة من الزمان، وقد فاخر به الشرق لأنه قلما يعرف الشرق هذا العمق في الثقافة والتوسع فيها كما نعرف ذلك في ابن الغازي، وكتابه «الروض الهتون» ما يزال لعهدنا هذا يعتبر حجة من علم التأليف الترجمي، وهو فن يكاد المغاربة أن يختصوا، وقلما نجـد عالما أو مؤرخا من المغاربة إلا وكتب معلمة عن أشياخه والعلماء الذيـن اتصل بهم، وعادة يتحدث في ذلك عن كتاب تاريخي يضعه عن مدينته التي ينتهي إليها، وما عسـى أن يكتب ابن غازي عن مكناس من حيث التاريخ والعمران، وإنمـا يتكلم من حيث الرجال والعلماء والصلحاء ، وقد عرف عصره عدة فهــارس لهذه الموضوعات، وابن غازي من هؤلاء.
وهو محمد ابن أحمد بن علي بن غازي مكناسي الأصل، فاسي السكنى، وقد صعـد ابن غازي في سلم الارتقاء حتى أصبح شيخ الجماعة بفاس.
ويتحدث عن نفسه في كتابه القيم «الروض الهتون» بأنه نشأ في مكناسة الزيتون، كمــا نشأ بها أسلافه، وقرأ بها ثم ارتحل إلى مدينة فاس في طلب العلم، وذلك سنة (ثمانمائة وثمانية وخمسين هجرية)، وهناك أقام بها ما شاء الله أن يقيم، ولقي من الشيـوخ والعلماء ذكر جماعة منهم في فهرسته المسماة «التعليل برسوم بعد انتقال أمل المنزل والناد».
ثم رجـع ابن غازي إلى مدينة مكناسة، فأقام بين أهله وعشيرته أزمانـا، ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهنالك استوطنها، وطابت نفسه، وعاش عيشة راضية كما يحب،                    
وقد تمثل بقول الشاعــر:
وكـان مـا كـان مما لست أذكـره    *    فظن خيرا ولا نسأل عـن الخبــر
لقد مهر ابن غازي في القراءات ووجوهها، وبرز في علم العربية واللغة، وتفوق في التفسير والحديث وعلم السير والمغازي والتاريخ، وكان يختم البخاري كل شهـر في رمضان، درس بفاس على العلامة القوري وغيره من علماء العصر، وكانت حياته عبارة عن التعلم والعلم، فقد قضى زهرة شبابه عاكفــا على أبوابه، يتطلب المعرفة أنى وجدها، حتى إذا ملأ وطابه، أخذ بنشره ويذيعه.
وأخذ ابن غازي يؤلف الكتب ويذيعها، فصنف «شفاء الغليل في حل مقفل خليل»، كما ألف: «تكميل التقييد وتحليل التعقيد على المدونة» ـ وألف: «حاشية لطيفة على الخلاصة» ـ وألف: «منية الحساب في علم الحساب» وترك لنا شرحها كذلك ونظم مشكلات الرسالة وذيل الخزرجية.
وقد اشتهــر بتأليفه المشهور: «الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون».
وطبع مطبعة فاسية.
توفي ابن غازي سنـة تسعمائة وتسعـة عشر هجرية، ومدحـه أحد شعراء عصره قائلا:

حبـر تثبت والإنصــاف شيمتـه    *    أكرم به طاب من خلق ومـن خلـق
أتـى به الدهر فـردا لا نظير لـه    *    مثل البخاري لمـا جـاء  بالعتقـى              
هكذا يمـدح هذا الشاعر ابن غازي، فهو عـالم ثبت، وهو منصف في علمه، تلك الخصلة التي قلمـا يتخلق بها حتى العلماء من الناس، وهـو فـرد لا نظير له، جـاء به الدهـر فريدا كما جاء البخاري بالعتقى، فكلاهما فريد في بابـه.
أما كتابه القيم «الروض الهتون في أخبـار مكناسة الزيتون»، فهو كتاب يحتوي على عدة فوائـد تاريخية واجتماعية، يتكلم فيه أولا عن سبب تسميته بمكناسة الزيتون، فيرى بأنه عرف بهذه الإضافة ليمتاز عن مكناسة تازا، وذلك أن من قبائل زناتة  قبيل يقـال له مكناسة، منهـم فخدة بتازة شرقا من مدينة فـاس سبعة برد، ومنهم فخدتان بهذا الموضوع المراد غربا من مدينة فاس، وبينهما نحو ثلاثة برد ونصف بريد، فتميزت إحداهمـا عن الأخرى بما أضيفت إليه.
ومكناسة الزيتون لها واد يسمى في القديم فلفلا، ويعرف الآن بأبي عمايـر، وفيه يقول الشاعر أبو عبد الله بن جابر الغساني في أرجوزته المسماة بنزهة الناظر:       
فلـن ترى في سائـر العمائـــر    *    مثــل محاسـن أبـي عمائــر
وهذا النهر يمر من قبلة إلى الجـوف تقريبا... وهو يأتي من جبال بني فازازا، ومكناسة التي يتحدث عنها مؤلف الروض الهتون هي بلدة ذات عيون وأنهار وثمار كثيرة وأشجـار، وقد وصفهـا ابن الخطيب بقوله:
حييـت يا مكناســة الزيتـــون      *    قد أصـح عذر الناظـر المفتــون
طيب الهـواء وصحـة الماء الـذي *    يجري بهـا وسلامـة المحــزون
وكفاك شاهد حسنهـا  وجمالهـــا  *   أن أوثرت بالغـرب من زرهــون
جبل تضاحكـت البـروق بجــوه   *   وجرت عـذاب مياـــهـه بعيـــون
فكأنمـا هو بربـري  نافـــــذ       *  في لـوحة والتيــــــن  والزيتـــون
ويذكر ابن غازي من قصيدة ابن جابـر الغساني في يمدح مكناسة الزيتون.
ولا ننكــر الحسن من  مكناســة  *  فالحسـن لـم يبرح بها  معـروفـا
ولئن محت أيـدي الزمان رسومهـا * فلربمـا أبقت هنـاك حروفــــا
إن ابن غازي أديب مؤرخ، وهو أديب خفيف الروح، طلق الأفكــار، لا يتكلف  في التعبير، ولا يتألف في الأسلوب، وعلمه واسع ومفيد جدا، يعطيك من الفوائـد ما يجعلك معجبا بما تملكه تلك الشخصية النادرة من العلم الجم الغزير، أضف إلى علمه مهارته في القراءات ووجوهها، وهو علم أصبـح اليوم في عداد العلوم الضائعـة التي نستحيي من جهلنـا التام. وحسبما أن نعرف أنه شرح «الخزرجية» ، وذيل عليها، وهي كتاب يكـاد اليوم أن يكون مجهولا في علوم العروض.
نعم يحق لنـا أن نفاخـر بابن غازي لعمقه في الثقافة والتوسـع فيها، إذ هـو ـ كما قلنا ـ حجة في علم التأليف الترجمي، الذي نختص به دون غيرنا.
إن مـا قام به أجدادنـا من أعمال جليلة جعلت المغرب موطن الثقافات العربية، ومركز إشعاع الحضارة الإسلامية، وهذا شيء مسلم به إذا علمنا أنه قد تنافـس في العلم دولتان: إحداهمـا بالمشرق، وهي دولة بني العباس، والأخـرى بالمغرب، وهي دولة بني مروان، والتقى من بغداد وقرطبة بحـران فاضا علما وحكمة وأدبـا، والتقت روافدهمـا في مدينة فاس حاضرة شمال المغرب، وبهذا التلاقح اتسع مجال العلوم والفنون، وتكونت أجيال من العلماء ألفوا في مختلف العلوم والفنون لا تزال مصنفاتهم إلى اليوم عمدة لأهل المغرب والمشرق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here