islamaumaroc

خطاب مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده بمناسبة عيد الشباب المجيد والذكرى 63 لميلاد جلالته السعيد.

  الحسن الثاني

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

الحمد لله،
والصلاة والسلام على مولانـا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز:
إن كنا نحتفل في السنين الماضية بعيد الشباب، فإن احتفالنا هذه السنة سوف يكون مطبوعا بطابع جديد، ذلك أنه زيادة على تكريم الشباب، وبعث روح الشباب، وعنفوان الشباب، سننكب في غضون الأسابيع المقبلة على تشبيب أطر الأمة.
وأريد هنا أن يفهم من لفظ الأمة ما يسمى بالفرنسية «ناسيون»، أو الإنجليزية «نايشن»، فهناك دول ليست دولا وهناك أمم ليست أمما.
فلنفتخر إذن بأننا من الـدول العريقة المجيدة المعروفة الأصيلة، فهناك كما قلت لك شعبي  العزيز من الأمم ـ كيفما كان تاريخها وكانت أصالتها وقوتها ـ هناك من الأمم إن لم تكن كلها من يحتاج من حين لآخـر إلى التشبيب وإلى التقوية، والمغرب من تلك الأمم، وقد دل تاريخه العظيم المجيد على أنه كان دائما يجد مناهل الشباب ليجد أمامـه ويخلـق أمامـه منطلقات التاريخ.
إذن، قلت نحن على أبواب أسابيع مهمة جدا إن لم أقل أساسية بالنسبة لمستقبل بلدنـا ذلك أنك كما تعلم ـ شعبي العزيز ـ سوف تدعى في هذه الفترة النقبلة من الزمـن إلى استفتاء على دستور، وانتخابات محلية ومهنية، وانتخابات عامة.
أما الدستور فليس من العادة كما تعلم ـ شعبي العزيز ـ أن نطرحه قبل أوانه، أو أن نعلن عنه تفصيلا قبل أوانه.                            
وعليك ـ شعبي العزيزـ أنت ومن يؤطرك من الأحزاب، سواء كانت في الحكومة أو لم تكن، أن تعلم أننا أخذنا بعين الاعتبار، بعد أن طلبنا نحن تلقائيا من الأحزاب السياسية أن تعطينا وجهات نظرها، وأن تغنينا باقتراحاتها فيما يخـص تعديل الدستور، فهناك مـن الأحزاب من أجابنا كتابة، وهناك مـن أجابنا خطابا، ولم  استشارتنا محصورة على حزب دون حزب، أو هيأة، علما منا بأن الاستفتاء هـو فوق جميــع الاعتبارات الحزبيـة لا يرمي إلا إلى الأخـذ بعين الاعتبار ميزان القيم، وميزان الممارسـة، وميزان الواقعية، وميـزان معـرفة المزاج الوطني والشعبي، فهو لا يأخذ بعين الاعتبار انتماء فلان إلى حزب، أو فلان إلى هيأة، بل يطلب من الشعب أن يقول نعم أولا جملة وتفصيلا.
ونظرا ـ شعبي العزيز ـ لما تعلمه في  شخصيا، تربية وجبلة، من احترام لك، ومن صدق في القول والعمل، وما تكنه من احترام لخديم هذه الأمـة، لم نقم بتعديل دستوري عبثا أو بهلوانية، بل وضعنا دستورا سوف ترى شعبي العزيز أنه سيرضيك، بل سيجعلك تفتخر به، لأن المغرب يعد من الدول التي هـي في طـريق النمو، ولكن فصَّلنـا لأنفسنا لبوسا لا يلبسه إلا المتقدم من الدول، وأوجدت هذا اللبوس لا ديماغوجية، ولا طلبـا للشعبية، ولا سعيـا وراء المدح والاطراء، بـل جعلت هذا اللبوس في هـذا الشكل، إيمانا مني بأنك فكريا وجسديا تستـحق هـذا اللبوس صاحب الأناقة، هـذا اللبوس صاحب التكريم والاحترام.
وحينما يأتي الوقت ـ وما ذلك الوقت ببعيد ـ  سنطرح عليك هذا الدستـور ـ شعبي العزيز ـ وسوف ترى أنك ستصبح به عزيزا مرموقا بين الـدول والشعوب، ثم بعدمـا نكون قد صنعنا الآلة وأوجدنـا الوسائل لممارسة شؤون المسؤولية، سندعوك إلى انتخابات محلية ومهنية لتكــون ثلث البرلمان، أقول: الثلث، لأنه اقترح علي فيما اقترح أن يكون البرلمان كله منبثقا عن الانتخاب الوطني. إلا أنني أعتقد أننا إذا لم نضـع في البرلمان نفسه ممثلين عن اللامركزية التي أصبحت أسسا من أسس حكم هذه البــلاد، وأصبحت مضرب الأمثال، فإن نحن لم نضعها في البرلمان الذي يصوت على القانون الذي هو أسمـى تعبير لإدارة الدولة، والذي يجب على الجميع أن يحترمه، إن لم يشرك أولئك المنتخبون المحليون، والممثلون الحقيقيون للامركـزية مباشرة مع الآخرين في قاعـة واحدة على قدم المساواة في مستوى المسؤوليات المحلية والجهوية والوطنية، سوف نكـون قد ألحقنا ضررا بتلك اللامركزية، أو كأننا بعدمــا نزعنا منها رأس الرمح لغزو مستقبلنا تراجعنا عن  اختياراتنا ووضعناها موضعا لم يراع ما كان لها من تقدير ومكانة.
إذن، أقـول: ستدعى مـن بعد ـ شعبي العزيز ـ للتصـويت على المنتخبين على المستوى الـوطني.                                                        
وهنا أريد شعبي العزيز أن أقول لك ما يلي:
قبل شهرين كنت قد أهبت بك، ودعوتك في خطاب في موضوع اللامركزية للمتشاركة الفعلية في النقاش والحوار الوطني، وقلت انطلاقا من معرفتي بالدستور وفحواه وفلسفته ومنطوقه: عليك شعبي العزيز، وشبابي العزيز، أن تخوض المعركة السياسية لا السياسة السياسية، ولا الاحتراف  السياسي، بل السياسة التي جاءت من فعل ساس يسوس، بمعنى: سير بحكمة ولطف ودفعا بالتي هي أحسن.
لقد دعوتك لخوض غمار السياسة، ونظرا لكون الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية هي التي تؤطـر بمقتضى الدستور المواطنين سياسيا كنت دعوتك للانخراط في الأحزاب السياسية دون تفضيل حزب كما يقال كلاسيكيا ليسار على يمين، أو يمين على يسار، لأني لم أعد أرى أين هو اليمين وأين هو هو اليسارـ فالسياسة اليمينية المطلقة كانت دائما جبروتـا، والسياسة اليسارية المطلقة كانت دائما عطبا وتفويتا، وها هي الظروف التي عشناها ونعيشها تعطي أكبـر دليل على ذلك، فأنـا أومن قبل  كل شيء بما جاء في الكتاب  المنزل على النبي (صلعم) حيث قال الله سبحانه وتعالى:
(وكذلك جعلناكـم أمة وسطا).
فالسياسة اليمينية لا يمكنها أن تقف على رجلها إلا على جثث عدد من الناس. لأن أهل  اليمين عادة يحتقرون طائفة من الطوائـف.
والسياسة اليسارية لا يمكنها أن تعطي إلا نتائـج الإفلاس بعد سياسة السجن والنفي.
فلا هـذه ولا تلك إذن صالحة لنا.
فأنا لا أدعوك ـ شعبي العزيزـ للانضمام إلى هذا الحزب اليميني أو ذاك اليساري، لأنه لم يعد هناك لا يمين ولا يسار بالنسبة لي، وفي العالم بأسره، ولكن كيفما كان الحال، اعقلها وتوكل، واستفت قلبك، واذهب عند من تريد، وعند من تختار.
المهم أنني أريد أن أرى صنفا لم أره قط في برلماناتنا الماضية، فنحن لم نكن نرى في برلماناتنا الماضيـة ولا حتـى في البرلمان الحالي إلا بعض المحامين، وبعض الأساتـذة الجامعيين الذين ـ وأقول هذا بكل احترام لهم، لأنني أنا نفسي تتلمذت عليهم ـ لا يعلمون من شؤون الحياة إلا ما هـو مكتوب في الكتب التي يدرسونها، أو يقومون بتدريسها، فلم أر أبدا لا مستثمرين مهمين، ولا أصحاب أبناك نجحت، ولا أرباب أموال روجت، ولا أصحاب معامل ومصانع رفعت وشيدت، أولئك الذين يمكنهم بتجربتهم أن يعطوا الدليل اللازم، إمـا للسرعة، وإما للتوقف، أو للتفكير في مجال من المجالات، وبالأخص في مجالي الاقتصاد والتشغيل.
أهيب بهؤلاء الناس، وأهيب كذلك بالأطر الشابة التي تشغل مناصب  مهمة في مجتمعنا أن يأتوا كذلك لهذا البرلمان، لا ليحترفوا السياسة، بل ليسوسوا الأمور كما يجب، وعلى أحسن ما يرام، وسيكونون في آن واحد ذلك العنصر الذي ذكرته في أول خطابي ألا وهو: عنصر التشبيب لهذه الأمـة، وعنصر الابتكار، والمجيء بأفكار من صميم الواقع، وجدت حجتها ورسمت سبيلها ومعالمها بنجاحهـا في الميدان.
أنتظر منك شعبي العزيز كذلك شيئا آخر، فأنا أريد أن تكون الحملة الانتخابية حماسية، وأن تكون كما يقولون ـ ولكن فكريا وخطابيا وابتكـارا ـ ذات عضلات حتى يعلم الجميع ممن يعيش حولنا ـ إما جهويا أو في القارة ـ أننا لا نتخذ الانتخابات وسيلة للتهريج، والسب، والنيل  من كرامة الناس، بل  نتخذها وسيلة لنعرب عن عزمنـا وعزيمتنا، وعـن إيماننـا باختياراتنا، تاركين ـ آنذاك ـ الشعب يقول كلمته الأخيــرة.
واعلم شبابي العزيز ممن يؤهلـون أنفسهم ـ وأرجو الله أن يكونوا كثيرين ـ أنك ستكون أمام حَكَـم لا يعرف لا المحاباة ولا التغاضـي فالشعب المغربي شعب ذكـي، وله حساسية خاصة ليحكم على فلان، ويميز بين من يخاطبه حقا وبين من يخاطبه نفاقا.
فأملي إذن ـ شعبي العزيز، وشبابي العزيز ـ أن يكون تاسع يوليوز فاتحـة انطلاق جديد، ستترتب  عليه انطلاقات وانطلاقات، وسنبني على أسسه حقبا غير قصيـرة من الزمان، ترينا أولا أننا ورثة الأولياء، لأن آباءنا وأجدادنـا كانوا أولياء، لأنهم آمنوا بتقدم المغرب رغم أنــه لم يكن لديهم لا طاقة ولا وسائل نقل ولا وسائل اتصال سلكي ولا سلكي، ولكن عندما كان الرقـاص يسير من إشبيلية حتى تمبكتو ، أو من الدار البيضاء حتى القاهرة، لم يكن آنذاك المرسل مومنا أن رسالته ستصل، وحتى إذا وصلت لم يكن متيقنا أنه سيمكن أن يستمتع بجوابها، أو أن يحكم على هذا الجواب، ومع ذلك آمنوا بهـذا البلـد.
وليكن عملنا في هذه الأسابيع المقبلة دلالة على إيماننا ببلدنـا إيمانا لا يقل عن تكريمنا لشعبنا، وعن احترامنا لرأي الجماعة.
فمن ألطاف الله على هـذا البلد، أنه إذا كان دِيناً يعمل بكتاب الله، وبسنة  رسول الله (صلعم)، وبرأي الجماعـة، فإنه (دنيويا وسياسيا) يعمل بمـا تقره الجماعة «وما اجتمعت أمتي على ضلال»
هذه كلمتي ـ شعبي العزيز ـ ربما شعرت في نبرات صوتي، أو قرأت على ملامحي قليلا من البشاشة، وسمعت من كلماتي قليلا من تلك الملاطفة التي هي طعـم حوارنا فعلا،  لأن العتبة تاريخية، والمهم هو الروح والنية التي سنقدم بها على هـذه الأسابيع، فإذا كانت نيتنا غير  صافيـة فالله حسيبنا، وأرجو أن يكون محاسبنا في أقرب وقت ممكن، وإذا كانت نيتنا صالحة ـ وحينما أقول: نيتنـا أعني: الجميع، ولا أقصد نفسي فقط. ـ أرجو الله أن يكافئنـا حينا واستقبالا.
وعلى هذا الدعاء، أكـرر لك ـ شعبي  العزيز ـ عواطف لا أقول محبتي ولكن عواطف وثنيتي واستماتتي في خدمتك وفي حبك ، والله سبحانه وتعالى يجعلنا نلتقي سنين وسنين في أمثال هذه الأيـام  لنحاسب النفس على ما مضى، ويكون الحساب إيجابيـا، ولنوطد العزم على ما سيأتي ليكن ما يأتــي إيجابيا.

والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here