islamaumaroc

وذكرهم بأيام الله

  دعوة الحق

العدد 292 صفر 1413/ غشت 1992

إن الحديث عن أيام الله في تاريخ الإسلام وحياة المسلمين حديث شيق ومديد، ذلك أنه يتصل بتاريخ الأمـة الإسلامية وشعوبهـا المؤمنة، ويرتبط بحضارتها الدينية والاجتماعية، وصبرها وجهادهــا المتواصل منذ بعث الله نبيه محمد (صلعم) بدين الإسلام، وأرسله هدى للناس ورحمة للعالمين.
فالناظـر المتأمل في هذا التاريخ وحياة أمته العزيزة، وكفاحهــا في مختلف الواجهات والأصعدة يجده حافلا بأيام مشهودة، زاخـرا بذكريات وأعمال مجيدة، دونها التاريخ وسجلها لهم بمداد الفخـر والاعتزاز، وبقيت بارزة بين الأيـام محتفظة بجلال قدرها وعلو شأنها، لما تميزت به عبـر سائر العهود من حياة الأمة المحمدية، وحفلت به من أمـور وأحداث عظام، وتحقق فيها من فتح ونصر باستمـرار، وأظهـر الله فيها من آلائه ونعمه على عباده المؤمنين الصابريـن، الصالحين الشاكرين، مما جعـل تلك الأيـام خالدة  في قلوب وذاكـرة المسلمين ، وفي نفس وشعـور كل شعب من شعوبه المؤمنة، حيثمـا كان وأينما كان من بلاد الله وأرضه الواسعة.
وإن من بين تلك الأيــام الخالدة التي تستحضرها الأمة الإسلامية في مناسبتها الغاليـة، وترى أنها مـن أيام الله ونعمـه التي ينبغي التذكيـر بها، وفي مقدمتها وعلـى رأسهـا، يـوم فاتـح المحـرم الحـرام، الذي يخلد فيه العالم الإسلامي مطلع العـام الهجري الجديد، ويخلد معه أبرز حدث في عصـر النبوة والرسالة، عصر البعثة النبوية المحمدية، إنه أمر هجـرة النبي (صلعم) إلى المدينة المنـورة بعدما قضى في مكـة ثلاثة عشر يوما يدعو الناس فيها إلى دين الله وتوحيده، ويبلغهـم رسالة ربه ويصبر على ما يلقاه في سبيلهـا من مضايقة وإذاية من المشركين، حتى أذن الله له بالهجـرة، وحقق له بها العزة والنصرة والفتح والتمكين في الدين.
فقد كانت الهجـرة النبوية إلى المدينة، وهجرة الصحابة المجاهدين الأبرار، مرحلة ثانية من مراحـل الدعوة الإسلامية اقتضتهـا مشيئة الله وحكمته البالغة لتتابـع هذه الدعـوة رسالتها الخالدة، وتواصل مسيرتهـا المظفرة في طريق معبدة آمنـة، وفي بيئة وظروف صالحة ملائمـة، وأكثر استعدادا وقابلية لغرس بذرة العقيـدة الإسلامية، وترسيخ شريعتهـا الغراء السمحة ، وكانت الهجـرة إلى جانب ذلك منطلقا لوضع الأسس القوية والدعائـم المتينة لأمـة الإسلام ودولة الإيمـان، فأسست المساجـد الأولى في العهـد النبوي بالمدينة المنورة، وبنيت على تقوى من الله ورضوان، مثل مسجد قباء، ومسجد الرسول (صلعم) وغيرهمـا، وتحققت المؤاخـاة بين الأنصار والمهاجريـن بصورة لم يوجد لها في حياة المسلمين مثيل، ووضع ميثاق لتنظيم العلاقات المتنوعة بين المسلمين مع بعضهـم، وبينهم وبين غيرهـم من أهل الكتاب.
وكانت مشروعية الجهـاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولحماية الإسلام والمسلمين والدفاع عن حوزتـه وحرماته ومقدساتـه، حتى يبقى الإسلام عزيزا كريمـا والمسلمون أعـزة كرماء، ولتظل رايته رفرافة، خفاقة عالية، حصينة منيعة، عزيـزة بعزة الإسلام وأمته، ولتكون كلمة الله هي العليــا، والله عزيز حكيم.
لقد كان يوم الهجـرة النبوية من مكة المكرمة، ويوم وصول النبي(صلعم) إلى المدينة المنورة، واستقباله فيها بمنتهى الفرح والاستبشار، وبكامل الترحاب به من طرف المهاجرين والأنصـار، وما لابسهـا من ظروف وأسباب ظاهـرة، وما صاحبها وواكبهـا من عناية ربانية وتجلى فيهـا من معجزات خارقة، وما أعقب تلك الهجـرة المباركة وتلاهـا من نشر الدعوة الإسلامية، في آفـاق واسعة ممتدة، وتحـقق فيها من فتوحـات وانتصارات جليلة، كانت كلها من أيام تالله الخالـدة التي يجب تذكرهـا والتذكير بها، ومن آلائه ونعمه التي يجب التحدث بها، والتي تواصلت بعد الهجـرة حتى أكمل الله دينه وختمه، وأتمه نعمة عظمى على الأمة الإسلامية ورضيه لها دينا.
ومن ثم كان حدث الهجرة المحمدية إلى المدينة بكل ملابساتهـا وظروفهـا، ودواعيها وأبعادهـا، ومعطياتها ونتائجهـا الحميدة، دروسا وعبرا، وإرشادا، وتوجيهات يستخلصهـا المسلمون ويتخذونها نبراسا وهاجا، ومصباحا وضاء يوضح لهم السبيل ، وينير لهم معالـم الطريق في مختلف جوانب الحياة ومرافقها المتعددة، ومسالكها الوعـرة، وتخطي عقباتهـا وتحدي صعابها المتنوعة، وتجاوزها والتغلب عليها بإيمان وثبات، وصبر ويقين، وحـزم وعزم، وحكمة وإرادة ورويـة، وتحقيق تطلعات الأمة الإسلامية وآمالهـا المنشودة ومقاصدهـا الهادفة التي تحقق لها القوة والمناعــة، وتثبت لها العـزة والكرامة، وتضمن لها الوحـدة والنصرة، والاستقرار والطمأنينة، والصلاح والسعادة في أمـر دينها ودنياهـا، مصداقا لقول الله تعالى: (ولله العـزة ولرسوله والمؤمنين).
واستمدادا من سيرة الرسول (صلعم) وهجرته النبوية وما يستخلص منها من دروس وعبر، تواصل الأمـة الإسلامية وشعوبها المؤمنة رسالتها الخالـدة، ومسيرتها المستمرة في مختلف الحقب والأزمنة، فكان لكل شعب من شعوب الأمة المحمدية مواقفه المشهودة، وأيامـه المشهورة في الحفاظ على دينه ومقدساتـه، وعلى وحدة بلده ومقوماتـه، والجهاد في سبيل الله نصرة للدين، وإعزازا للوطـن ، عملا بقول الله تعالى: (يا أيهـا الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).
والمغرب أحـد تلك البلاد وشعوبها المؤمنة، ما فتىء ـ منذ أكرمه الله بدين الإسلام، وتكونت فيه دولة الإيمان ـ يحافظ على دينه الإسلامي الحنيف ويوطـد أركانه ودعائمه، ويجاهـد في سبيله ، ويكافح من أجل بلده وصيانه وحدتـه ومقومـاته، ليبقى حصنا منيعا لبلده وشعبه، ودرعا واقيا للإسلام والمسلمين، فكانت له مواقف ومعارك مشهورة، وأيام مشهودة، حق الله له فيهـا النصر على كل دخيل طامع، ومستعمر جائع، يريد أن يمس بالدين ومقدساتـه ، أو ينال من الوطن ووحدته، وحريته وكرامته، فكانت  تلك المواقف والأيام أيضا من أيام الله الخالدة في تاريخ المغرب ووطنـه العزيز والتي يطول استعراضها كلها، واستيعابها جميعا في صفحات هذه المجلة الإسلامية الغراء.
ولعل أقرب تلك الأيـام عهدا، وحضورا في الذهـن ، وأرسخها وأعلقها بالبال، في تاريخه المعاصـر، والمغرب يحتفي بذكـرى هجرة الرسول (صلعم) هو يم ذكرى ثورة الملك والشعب التي يستحضرها المغرب ويحييها في عشري غشت من كل سنة، منذ سنة 1953، والذي يتوافق مع شهـر المحرم الحرام، ويتزامـن معه هذه السنة في  الأيــام.
فقد كان ذلك اليوم جليلا صعبا، شديد الهول والوقع على المغـرب والمغاربة جميعا حين أقدم الاستعمار بمكره وطغيانه على المساس برمز سيادة المغرب آنذاك، وضامــن وحدته واستقراره، جلالة المغفـور له محمد الخامس طيب الله ثراه، فنفاه عن وطنه وأبعده عـن عرشه، وبمعيته وصحبته عائلته وأسرته المالكـة، ورفيقه في الجهاد والتضحية والنضال، ولي عهده المبجل ، جلالــة الملك الحسن الثاني أدام الله له النصـر والتأييد.
فقد ظن الاستعمار أنه بذلك العمل البغيض سيخلو له الجو ويستريح له البـال ويطيب له المقام، ويفعل بالمغرب ما يريد، لكن الشعب المغربي الأبي المؤمن الوفي الغيـور على دينه، المتفاني في حب ملكه وعرشه كان بالمرصاد للاستعمار،  فقام عن بكرة أبيه قومة رجـل واحد، وانتفض انتفاضة شجاعـة مباركة استمرت طيلة سنتين كانت فيها هجـرة محمد الخامس وأسرته الشريفة هجرة إلى الله ورسولـه واحتسابا لله ودينه الحنيف، وكانت تلك الانتفاضة الشعبية والمقاومـة الوطنية بدورهـا هجرة إلى الله ورسوله، واحتسابا لله، وإحقاقـا للحـق وإزهاقـا للباطل، لأنهـا كانت جهـادا في سبيل الله ابتغاء مرضاته ونصرة لدينــه، وإعـزازا للمغـرب  المسلـم العزيـز، وكلل الله تلك الهجـرة والانتفاضة المباركة بالنـصر والعز والفتح المبين، فرجع محمد الخامس مكللا بإكليل العز، ومتوجـا بتاج النصر، حاملا إلى شعبه الوفي المخلص، بشارة الانعتاق والحريـة والاستقلال في يوم أغر أبلج، وفي يوم جليل عظيم، كان بحق من أيـام الله الخالدة، التي هي من نعم الله وآلائه على المغرب وشعبه المسلم، والتي أنجـز الله فيها وعده بالنصر العزيز والفتح المبين لعباده الصالحين، تحقيقا لقوله الكريم: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) .
وها هـو المغرب ـ والحمد لله ـ يواصل مسيرته الإسلامية المؤمنة، ويتابع جهاده الأكبر،  في مختلف الواجهات الإنمائية والاجتماعية والاقتصاديـة والحفاظ على وحدته الترابية، للنهـوض بهذا البلد والوصول به إلى أعلى مدارج الرقي والكمـال، والتقدم والازدهـار، في ظل رائد البلاد الملهم، وقائدهـا الموفق المظفـر، الَخَلَفِ البار لمحمد الخامس ووارث سره المغـوار، موحد البلاد وضامن وحدتهـا واستقرارها، ورمز سيادتهـا واطمئنانها، مبدع المسيرة الخضراء ومحرر الصحراء وأقاليمها المغربية المسترجعـة، أمير المؤمنين وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الحسن الثاني أدام الله له النصر والعـزة والحفظ والتمكين، وأمـد في عمره وبارك في حياته، وأبقاه ذخـرا وملاذا للإسلام والمسلمين، وأقـر الله عين جلالته بولي عهده المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه المجيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here