islamaumaroc

الحق يعلو ولا يعلى عليه [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 286 صفر-ربيع 1-ربيع 2/ شتنبر-أكتوبر-نونبر 1991

من الكلمات المأثورة الشهيرة، والأقوال المعبرة الصادقة والعبارات المشرقة الناصعة، الجارية على الأقلام والألسنة، القول بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه.
إنها – حقا – كلمة ذات دلالة كبيرة، ومغزى دقيق، وبعد عميق، لها ثبات ورسوخ متأصل في قلب كل مسلم ونفسه، وفكره ومشاعره، تتجاوب مع إيمانه ويقينه بربه، وتنسجم مع اعتقاده واطمئنانه لخالقه الذي بيده كل شيء، وله الخلق والأمر.
ذلك أن لكلمة الحق في الإسلام معاني جليلة، ومفاهيم عظيمة، أعطتها قدسية وجلالا، وأكسبتها مهابة وجمالا، ومنحتها احتراما واعتبارات، ومكنت لها حبا راسخا، وتعلقا بها من كل مسلم ومسلمة.
فالحق اسم من أسماء الله الحسنى، وصفة من صفاته العلي، التي وصف بها نفسه، وأثبتها لذاته من آيات كتابه العزيز، فقال تعال: ( فذالكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال)، وقال سبحانه: ( ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق، ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)، وقال: ( فتعالى الله الملك الحق لا إلاه إلا هو رب العرش الكريم).
والحق – أيضا – اسم للقرآن الكريم، ولدين الإسلام الحنيف الذي ارتضاه الله للناس شريعة، ورضيه لهم دينا، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم بشارة وإرهاصا، وإيذانا بأن الأرض ستشرق بنور ربها، ستشرق بنور الإسلام وهداية الإيمان، وشريعة القرآن، بعد أربعين سنة من المولد النبوي الشريف، فكانت رؤيته صلى الله عليه وسلم حقا، وكان دينه الذي جاء به حقا، ورسالته التي بعث لها إلى الناس كافة وللعالمين رحمة – حقا – تكفل الله لها بالنصر والفتح المبين، وأنقذ بها هذا النبي الكريم الإنسانية من ظلمات الجهل وباطل الكفر والضلال، وكان لهم بشيرا ونذيرا وداعية إلى الله فإذنه وسراجا منيرا، فقال تعالى في حق نبيه الكريم:( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وقال سبحانه: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعملهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). وقال: ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)، وقال: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد).
وهذه الدلالة الجليلة والمعاني السامية، لكلمة الحق ومفهومه في الإسلام، جعلت ما سواها من النقائص والأضداد باطلا مدحوضا، وتقليدا محجوجا ومرفوضا، فالكفر والجهل، والكذب والبهتان وخلف الوعد، ونقض العهد، والتنكر لفضائل الدين وقيمه، باطل وضلال، والعقوق للوطن ومقوماته، والخروج عن أمة الإسلام والانشقاق عن حمايته وأهله، وغيرها من ذميم الأقوال والأعمال باطل وضلال لا يلبث أن يندحر ويزول أمام الحق الراسخ، وصموده الثابت، مصداقا لقول الله تعالى: ( ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما تدعون من دونه الباطل، وأن الله هو العلي الكبير)، وقوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق). وقوله تعالى: ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا).
والحق أيضا في معناه الشمولي، وفي المنظور الإسلامي الواضع، يتناول كذلك ما شرعه الله للإنسان وكرمه به من حقوق ومكاسب مادية ومعنوية، وغرس في نفسه وشعوره من حب رعايتها وحمايتها، والعمل على حفظها وصيانتها، بكل ما أوتي المومن من إيمان ويقين، وحول وقوة، سواء على مستوى الفرد أو الأمة، بدءا من الدين والنفس، والنسب والعقل، والشرف، والمال، والأرض والوطن، والحرية والكرامة، والاستماتة في التعلق بها والدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة، لو بلغت درجة التضحية من المسلم في سبيلها استراخاص النفس والحياة، حتى تكتب له الشهادة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد". وأرض المسلم التي يعيش عليها، ووطنه الذي ينتمي وينتسب إليه، جزء من حياته وحريته وكرامته التي ينعم بها، جزء من وجوده وشخصيته، وعزته ومعنويته التي يعتز بها، ويرفع بها رأسه عاليا بين الأمم والشعوب في كافة أنحاء المعمور، ومن ثم كان المسلم لا يسمح بالمساس بدينه ومقداساته، ولا بوطنه ومقوماته، ولا يرضى النيل والانتقاص من أرضه وسيادته، بل يقف في وجه ذلك من أي مستعمر أو مرتزق دخيل كان، وفي أي مكان أو زمان كان، حتى يثبت الحق ويظهر ويصان، ويتحقق له العز والانتصار.
وانطلاقا من تلك المعاني والدلالات الجليلة لكلمة الحق وعلوها حسا ومعنى، ومن الإيمان الراسخ من الشعب المغربي المسلم المجاهد، وتشبثته بدينه القويم ورصيده التاريخي والحضاري الأصيل، واعتزازه بمرتكزاته الأساسية الثابتة، عاش جهادا مستميتا ونضالا طويلا ضد الاستعمار بمختلف أنواعه وأشكاله، وقام بذلك الجهاد في ظل العرش العلوي المجيد، وبقيادة عاهله العظيم الملك المجاهد بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس رحمه الله وطيب الله ثراهن وبمعيته ورفقته وارث سره وولي عهده آنذاك جلالة الحسن الثاني نصره الله وحفظه، فخاض هذا الملك المومن، الشهم الوفي، وشعبه الآبي، المعركة الفاصلة ضد المستعمر، وكتب أروع ملحمة جهادية في تاريخ جهاده الكبير ونضاله الطويل، من أجل الانعتاق من العبودية والاستعمار، والتمتع بنعمة الحرية والاستقلال، تحقق فيها الانتصار للحق والمشروعية، وللكرامة والحرية، التي احتفل الشعب في منتصف نونبر الجاري بأعيادها المجيدة الثلاثة، وبذكراها السادسة والثلاثين للعودة الميمونة المظفرة للأسرة المالكة من المنفى التي حمل فيها جلالة المغفور له محمد الخامس إلى شعبه الكريم بشرى انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الاستقلال والحرية، بفضل التلاحم والتجاوب المتين القائم بين الشعب المغربي العزيز، وعرشه العلوي المجيد، مما استوجب الحمد لله والشكر لله سبحانه على تلك النعمة الكبرى، بقوله سبحانه: (الحمد لله أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور).
وبنفس الإيمان واليقين بالحق ومشروعيته، والإرادة الصامدة والعزيمة القوية لتثبيته وصيانته، نظم المغرب أكبر مسيرة سلمية عرفها العالم ي تاريخه الحديث المعاصر، وأثارت اندهاشه وتقديره وإعجابه، إنها المسيرة الخضراء التي أبدعها وخطط لها وقادها منذ ستة عشرة سنة خلت، رائد الأمة الملهم وقائدها العبقري المظفرـ أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، واستجاب له شعبه المومن الوفي في تلقائية منقطعة النظير، تلك المسيرة التي حققت انطلاقتها الموفقة المباركة استراجاع الأقاليم الصحراوية المغربية من استعمار السلطة الإسبانية، بعدما أكدت محكمة العدل الدولية أن تلك الأقاليم لم تكن أرضا خلاء بدون سلطة شرعية، بل إنها مع سكانها ظلت منذ قرون وأجيال مرتبطة بالمغرب، وبرابطة الولاء والبيعة الشرعية لملوك الدولة العلوية الشريفة وعرشها العلوي المجيد.
إنها المسيرة الخضراء التي سارت بها الركبان، وأصبحت معجزة القرن العشرين، وعلى طرف كل لسان، والتي خلد الشبع المغربي هذه الأيام الذكرى السادسة عشرة لانطلاقتها المباركة، محتفلا ومبتهجا بما أصبحت تنعم به تلك الأقاليم الصحراوية المغربية المندمجة في حظيرة الوطن من نهضة وعمران وتقدم وازدهار في كل ميدان، وبما تحقق لها ولأبنائها من استقرار واطمئنان، وبما سيتحقق لها بحول الله وعونه، بعد الاستفتاء التأكيدي لمغربيتها، من مزيد النهوض والنمو، واطراد الرقي والكمال، وإسعاد أبنائها المغاربة الأصلاء الأحرار، الأوفياء الأبرار، لدينهم ووطنهم المغرب، محافظين على عهدهم بذلك حتى ينالوا به الأجر العظيم، والثواب الجزيل، مصداقا لقول ربنا الكريم: (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما).
إنها ذكرى عظيمة بتهج لها المغرب من أقصاه إلى أقصاه، وفي مدنه وقراه، وهو يرى المنجزات العزيمة تلو المنجزات الكبيرة تحققت لأقاليمنا الصحراوية المسترجعة، وتتحقق بتواصل واستمرار لكافة مدن وأقاليم المملكة، بفضل القيادة المومنة المجاهدة، والريادة الحكيمة الموفقة، لراعي البلاد الأمين، والساهر اليقظ على سيادتها وضامن وحدتها واستقرارها، وعزها ومجدها واطمئنانها، الملك المجاهد الصالح المصلح، أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين، جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وأدام له النصر والفتح والتمكين، وحقق على يده المباركة المزيد من الخير والإسعاد، والرخاء والهناء لشعبه الوفي، ونصره وأمده سبحانه بعونه ومدده وتوفيقه، مصداق قول ربنا الكريم: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here