islamaumaroc

عظمة الرجال تعكس شباب الأمة عبر الأجيال

  مصطفى بوذروة

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

إن التقدم الحضاري يفرض إقامة الاحتفال بذكرى المناسبات التي تخلد معالم التاريخ، حفاظا على رسالة الحاضر، لتبقى تلك الذكرى أمانة يتلقاها جيل عن جيل، ويتدارس أمرها، قصد ربط إشعاعها الماضي بالحاضر والمستقبل، وما خلفته من آثار وما عكسته من إيجابيات، رغم ما يحيط ذلك من المخاطر والتحديات، لتكون دروس الماضي سبيلا لتعبئة الطريق، ومنارا يلقي بإشعاعه نورا على الأجيال اللاحقة، حفاظا على تلك الذكرى التي أودعها الله فيمن أجراها على يده، لتبقى نبراسا يحرك المشاعر وحفز القلوب، وهز الوجدان، لنيل العلى وما يتطلع إليه الإنسان.
وجريا على تلك السنة الحميدة يحتفل المغرب كل سنة وفي تاسع يوليوز منها بعيد الشباب، عيد جلالة الملك الحسن الثاني الذي سمي باسم جده الحسن الأول، تلمحا من طرف والده المنعم أن يكون امتدادا لشخصية جده التي تركت أثرها مسجلا على التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز.
وعيد الشباب وإن كان يحمل في عنوان الاحتفال الشباب، فإنه يرمز بفضل مواهب جلالة الحسن الثاني إلى الاحتفال بجلائل الأعمال، وما أنجز من عظيم المكرمات، التي لولا قدسية النبوة لعد ذلك من قبيل المعجزات.
نعم، تلك الأعمال التي تتجلى في جميع الميادين التي تنهض بالدولة، سواء منها ما يرجع إلى الجانب الاقتصادي والعمراني أو السياسي والاجتماعي.
كل ذلك أبت إرادة الله إلا أن تفتقه وتفجر طاقته على يد من كانت طلعته على البلاد ينبوع كل خير، ومصدر كل تقدم وازدهار.
هذا البلد الذي قبض الله له سليلا من حفدة الرسول عليه السلام، وهو جلالة الملك الحسن الثاني، المحروس بعناية الله، والمحفوظ بالسبع المثاني.
هذا الملك الذي تولى وهو في ريعان شبابه سنة 1961م والعالم يومئذ يموج بالمخاطر والهزات، ويثور في كل بقعة منه غليان ينذر بالرجات، ويتردى شرقه وغربه في الارتماء بين الإيديولوجيات، تلك الإيديولوجيات التي وإن تباينت شعاراتها، فقد اتفقت أهدافها خرابا ومعبرا.
فالاقتصاد العالمي يتأرجح بين الماركسية والرأسمالية، والعالم يتلظى بينهما مدا وجزرا، وكلما لاح له بريق الاشتراكية الغريرة سرابا، وإذا ما استدار وجهه إلى عالم الرأسمالية التي تملك مقود التسيير، وجدها ممعنة في التعامل عن طريق الاستغلال والإسراف في التقتير.
وبجانب هذا وذاك، عالم الشمال والجنوب الذي وإن تباين اسما عنهما فإنه يتلاقى معهما في توسيع الهوة بين الجانبين، والسير بهما نحو التطاحن الطبقي بدون متين.
في هذا الظرف العصيب، تولى أمير المؤمنين عرش أسلافه الغر الميامين، والمغرب آنذاك مازال يضمد جراح الاستعمار، التي أثخنت جسمه بكل ما يعثره في سيره عن التقدم والازدهار، تاركا وراءه إرثا ثقيل العبء مليئا بالأخطار.
فالجيش الأجنبي مازالت أقدامه متوغلة في التراب المغربي يعفر وجهه بتهديد أمه، وسلامة سيادته.
واقتصاد البلاد مازالت قواعده لم توضع بعد على أرصفته، والمغرب آنئذ يعيش منزويا على نفسه، حيث الأبواب مازالت موصدة عليه، فهو لم يتنفس بعد على روافد من يتعامل معه من الدول المتحكمة في الاقتصاد العالمي، والتي تقود العالم إلى السير في لجج بحره، والسباحة وراء تلاطم أمواجه.
ووحدة التراب المغرب مازالت مشطرة الأشلاء مقدودة الجوانب والأجزاء، ومن بينها الأقاليم الجنوبية التي تمثل الصحراء.
وهناك جانب التعليم التربوي الذي يتأرجح بين الفرنسة والمغربة من جهة وقلة الأطر التي تسهر على إصلاحه وتعمل على تقويمه من جهة ثانية.
بالإضافة إلى اختلاف مشارب تلك الأطر التي تتباين اتجاهاتها من الحفاظ على الفرنسة، والجري وراء التجديد، ولو على حساب الأصالة التي تحافظ على شخصية البلاد، أو استعاضتها بالتعريب الذي يخص كبان البلاد.
علاوة على جانب الإشعاع الروحي الذي أوشك أمره على الانهيار رغم تأثير المغاربة به، حيث يلفهم بلفاف الدين، ويحفظ لهم مقدساتهم من كل ارتكاس ونكوص عن طريق الحفاظ على تعاليم الإسلام للأمة المغربية تربية، وطريقا، وسلوكا ومنهجا.
هذه بعض الجوانب التي كانت تنيخ بالبلاد، وتحيطها بسياج من المشاكسات، معوقة لها عن السير محو الركب الحضاري.
هذا الركب الذي لا يقوى على السير فيه إلا من اصطفاه الله، وهيأه للقيام بأعباء شعبه.
وبتوفيق منه سبحانه، وضع جلالة الملك الحسن الثاني قاطرة المغرب في طريقها السوي لتسير إلى الأمام، غير مبال بالعوائق التي كانت تدفع إلى الرجوع بإدبار، ماسكا بعجلة التاريخ وواقيا لها من الوقوع في التردي والانحدار.
فما إن تربع جلالته على أريكة عرشه حتى ألقى خطابه التاريخي يوم ثالث مارس 1961م من قصره العامر بالرباط على الأمة المغربية، جريا على تقاليد أسلافه الميامين، محددا فيه الوفاء بالعهد الذي يربطه مع شعبه، ملتزما بعقد البيعة الذي يلزم الشعب بالطاعة والنصر، في المنشط والعسر، والذي يجعل الملك المبايع الرائد الأمين، والحارس على وحدة تراب البلاد، والساهر على مصالحها، اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، آخذا العهد على نفسه أنه سيواصل بناء ما خططه والده المنعم جلالة المغفور له محمد الخامس بالسير بالبلاد نحو الرقي والازدهار، والسلوك بها في الطريق الذي يبوؤها مكانة الصدارة بين مصاف الدول، ربطا لمستقبلها بماضيها، معيدا لها حرمتها التي كرسها التاريخ وجعلها سيمة لملوكها الأشاوس الذي يتصفون بالشهامة التي لا تبالي باقتحام الصعاب، لنيل العلى والابتعاد عن شره الذئاب.
وما هي إلا مدة وجيزة من توليته عرش أسلافه، حتى عمل على تطهير البلاد من رجس الأجنبي الذي كانت أقدامه تعفر وجه المغرب بتحديد سلامة أمنه، والتحكم في مصيره.
ثم توجه إلى تحرير الأقاليم الجنوبية، بدءا من طرفاية إلى سيدي إيفني، ثم العمل على تهييء الشعب داخليا، وتكوين المناخ الدولي بكل مهارة وحكمة لتحرير الصحراء المغربية من يد الاستعمار الإسباني، الذي ظل يدعي أنها أرض إسبانية وجزء منها لا يتجزأ، اعتبارا لكون هذا المطلب هو قمة المطالب التي جعلها ملك المغرب على عاتقه، استجابة لرغبة الشعب من أقصاه إلى أقصاه، بالرغم عن كون قوة الشر والاستعمار متضامنة فيما بينها، متكالبة على غيرها، مما يتطلب التعبئة الشاملة، والحيطة الكاملة، لئلا تقع قضية الصحراء في متاهات الشعارات، وتنصره في لظى الإيدلوجيات، تعتيما للحقيقة التاريخية، وتجنبا على القضية الوطنية الكبرى.
تلك القضية التي جعل الشعب المغربي منها بفضل عزيمة ملكه، وقوة شكيمته، ووفرة وطنيته، قضية موت أو حياة.
وبفضل الإلهامات الربانية، والفيوضات النبوية التي تلقي بظلالها على حفيد العثرة النبوية جلالة الحسن الثاني، وما قام به شعب المغرب من وراء قيادته، خطت قضية الصحراء مراحل بالمنظمات العالمية، انتهت بها خاتمة المطاف إلى الوضع بين يدي محكمة العدل الدولية لتقول رأيها، حسما لما تدعيه إسبانيا من كونها كانت أرض خلاء، وأنها يوم أن دخلتها لم تكن تابعة لأية دولة.
فجاء رأيها مؤكدا لموقف المغرب من كون أرض الصحراء أرضا مغربية ماضيا، وحاضرا ومستقبلا، وأن العلاقة التي تربط سكانها بالعرش العلوي قديما وحديثا هي علاقة البيعة.
فكان رأيها هو القول الفضل دوليا، وبه مسك المغرب بقيادة ملكه مفتاح الصحراء التي أصبح أمرها إليه، وانطوت تحت لوائه إسوة لها بباقي الأقاليم المغربية عن طريق المسيرة الخضراء التي اعتبرت – بحق – معجزة القرن، ومفخرة العصر، التي سيظل الزمان يتغنى بها مدى الدهر.
وإن قضية الصحراء، وما واكب تحريرها من صعاب، لم تكن لتثني جلالة الملك الحسن الثاني عن الجوانب الأخرى التي، البلاد في أمس الحاجة إليها.
ففي الجانب الاقتصادي، فقد أحاط البلاد بسياج من السدود ليزدهر الجانب الفلاحي الذي هو أساس ثروة المغرب قديما وحديثا، وليؤمن لأرضه الإنتاج الذي لا يقتصر على حاجيات البلاد في نطاق الاكتفاء الذاتي، بل يتجاوزه إلى غزو الأسواق للعالم الخارجي، حاثا علة مضاعفة الإنتاج الفلاحي، حتى يتم سقي مليون هكتار. وقد تم ذلك والحمد لله.
وإن حوامض المغرب وبواكره أصبحت تكتسح الأسواق العالمية بفضل ما تتميز كما وكيفا، وتجلب للبلاد العملة الصعبة التي تسهل لها  الاستيراد الخارجي، مما أهل المغرب للمطالبة بالعضوية داخل السوق الأوربية المشتركة.
كما ربط المغرب مع دول العالم اتفاقيات أصبح عن طريقها يملك المتنفس الاقتصادي، يواجه به حاجيات البلاد، رغم ما ينقصها من عدم التوفر على الذهب الأسود الذي أصبح العملة الأساسية للتعامل الدولي.
ولكن ما حبا الله به شخصية جلالة الحسن الثاني من العبقرية والمواهب، وما يتسم به من الحكمة والوفاء بالالتزامات الدولية، وما يقوم به على الصعيد العالمي من الدعوة إلى الأمن والسلام، وما يتوفر عليه من بعد نظر، وما زود به البلاد من ركائز الديمقراطية، كل ذلك، عوض الله به لبلد المغرب ما افتقره من الذهب الأسود.
وقديما أقر علم الاقتصاد أن العنصر البشري يعتبر الركيزة الأساسية لتكوين رأس المال.
وبفضل مواهب جلالة الملك، وما فطر عليه من العبقرية النادرة، فإن المغرب، رغم افتقاده لتلك الثروة، ورغم تحمله تكاليف حرب الصحراء مند سبعة عشر سنة، وما أصب البلاد من سنوات الجاف، لم يعشر أي مغربي لكل ذلك.
وحظي التعليم باهتمام جلالته بمراجعة برامجه، والسير بالبلاد وفق النهج اللائق به، من حيث تزويجها بالكليات التي تمثل مختلف الشعب تحت لواء الجامعات التي يزداد كمها حينا بعد حين.
وبالنسبة للإشعاع الديني الذي كان نوره ينبعث من القرويين بفاس، وابن يوسف بمراكش، والذي كاد أن يخبو منطفئا تحت مقولة إصلاح التعليم الأصيل وتغييره، بما كاد أن يقضي عليه لولا عناية الله به التي ألهمت جلالة الحسن الثاني الراعي الأمين، لشؤون الدنيا والدين، بفتح روافد تبقى تحتضن علوم الدين، فأنشأ دار الحديث الحسنية التي تخرج منها علماء عديدون.
كل هذا تم تحت المظلة التي أقامها جلالته، وسهر على إحيائها شخصيا بإحياء السنة الحميدة لأسلافه الميامين، من إقامة الدروس الرمضانية التي يتناوب على كرسيها وبحضرة جلالته العلماء.
وما خطاب جلالته أخيرا ليلة القدر لسنة 1411 هـ بقصره العامر من إعطاء أمره السامي بتكوين لجنة من العلماء يعهد إليها بالسهر على تكوين العلماء تكوينا أصيلا على غرار التكوين القديم، من الإحاطة بعلوم الشرعية الإسلامية، وما يتصل بها من الحفاظ على الأصالة المغربية، ليبقى حاضرها مرتبطا بماضيها.
لخير دليل على عناية جلالته بشؤون الدين عناية فائقة.
كل هذا من أجل الحفاظ على طابع هذا البلد، الذي ظل طيلة قرون قلعة للإسلام، ومنارا يستضيء به الأنام، دون أن ينال منه الزمن، أو تعصف بروحانيته التغيرات المتجددة في كل وقت وآن، بل ظل محافظا على أصالته الدينية: سنة، وعقيدة، ومذهبا.
هذه الأصالة التي حمته من الوقوع في متاهات الآراء والنظريات، وحفظت له قدسيته، وصانت وحدته من التفكك والانحلال، بفضل الالتفاف حول خليفة الله في أرضه بحكم البيعة والامتثال.
كل هذا بوأ البلاد مكانة الصدارة، بفضل ملك المغرب جلالة الحسن الثاني الذي شمر عن ساعده، وعقد العزم من أجل صيانة بلاده عن طريق الحفاظ لها على مقوماتها، وراهن الزمان بالتحدي من يوم أن آل إليه أمرها بجلوسه على عرش أسلافه وهو يومئذ مازال في عنفوان شبابه ونعومة أظفاره.
فمنذ ذلك الوقت وهو يخطط ويصمم دون الاكتفاء بما يوفر للبلاد الحد الأدنى، بل يخطو بها إلى طلب ما هو أعلى، مرددا في خطبه التاريخية حكمته المشهورة: (الكمال لا حد له).
وهكذا دواليك، سيظل المغرب بفضل ملكه مستمرا في نهضته، شابا في سيره، كلما أنهى مشروعا إلا وشرع في تشييد غيره، طلبا للكمال، وصعودا إلى قمة المجد والسؤدد، جاعلا من خطواته خطوات الشباب الذي يقتحم المشاق دون ارتداد في سيره ولا إياب، محققا بذلك نظرة والده المنعم، حين تلمح فيه مواهب جده الحسن الأول وسماه باسمه، فحقق الله أمله فكانت منجزاته لا تقاس بالعمر والزمن، بل ستظل مواهبه تعمل في كل زمن، ولا يزيدها مر الأيام إلا جدة ونضارة، ولا يوقفها عهد الشباب الذي تذهب مدته بمضي فترته، طاوية وراءها نضارة الشباب وغرة أيامه، فالمغرب – والحمد لله – سيظل شابا بفضل وجود جلالة الحسن الثاني، يحتفل كل سنة بعيد الشباب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here