islamaumaroc

عيد الشباب هو الشباب المثالي في الإسلام

  المهدي الوافي

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

إن الموضوع الذي أحاول معالجته بهذه المناسبة:
"عيد الشباب" هو: "الشباب المثالي في الإسلام" ذكرت فيه نماذج من شباب الإسلام المثالي من الرعيل الأول، مقتصرا فيه على المجالات التالية:
أ- في مجال الهجرة
ب - في مجال التكليف بمهمة سامية.
ج- في مجال العلم والفتيا.
وأعقبت ذلك ببحث

- الشباب في عصرنا أحوج ما يكون إلى التربية الإسلامية:
والهدف من ذلك هو ربط الحاضر بالماضي في ميدان تربية شباب الإسلام المعاصر بالمنهج الذي تربى به شباب الإسلام المثالي في عصر الوحي، ألا وهو المنهج التربوي الذي خططه الإسلام للسمو بالإنسان إلى أعلى الدرجات.
وفيما يلي نتناول الموضوع بتفصيل – على سبيل التعاقب – كالآتي:

الشباب المثالي في الإسلام:
تربى الشباب الإسلامي في أحضان الإسلام، متشبعين بمبادئه وشعائره ونظمه، وفق نظامه التربوي الذي خططه للرفع من مستوى الإنسان، والسمو به إلى أعلى الدرجات، وإسعاده في الدنيا والآخرة.
وبذلك نشأ مثالا حيا للسلوك الإسلامي ومحلا لقدوة الحسنة في مختلف المجالات التي نقتصر على بعضها فيما يلي:

أ -ففي مجال الهجرة:
نجد مصعب بن عمير الذي كان "فتى مكة شبابا وجمالا..." والذي كان محبوبا عند والديه، والذي كانت والدته كثيرة المال، تكسوه أحسن الثياب وأرقة، نجده يسارع إلى الإسلام، ويتعرض للسجن من طرف أبويه وقومه إلى أن هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
ونجد عبد الله بن عباس، وأخاه الفضل، يهاجران إلى المدينة عام الأحزاب، فيلفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق. وكان عمر عبد الله خمس سنوات، وعمر أخيه الفضل ثلاث عشرة سنة.
ونجد زيد بن حارثة – بعد استقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة – يرافق أهل بيته صلى الله عليه وسلم.
وقد خرج زيد مع مولاتنا فاطمة، وأم كلثوم، وسودة بنت زمعة رضي الله عنهن. وصحب زيدا في الرحلة: أم أيمن وأسامة.

ب- وفي مجال التكليف بمهمة:
نجد مصعب بن عمير يهاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى لتعليم الناس القرآن، والصلاة بهم، وتفقيههم في الدين. وقد اشتهر هناك بالمقرى، وأسلم على يده خلق كثير من سكان المدينة في طليعتهم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير "وكفى بذلك فضلا وأثرا" – حسب قول النووي.
ومصعب أول "من جمع الجمعة بالمدينة".
شهد بدرا وأحدا، وبه استشهد، "ومعه لواء المسلمين" عن أربعين سنة "أو أكثر قليلا".
كما نجد على بن أبي طالب حين يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكلفه بالإقامة بمكة المكرمة حتى يؤدي الودائع التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أجل ذلك عرف على بالأمين.

وقد بعثه صلى الله عليه وسلم – وهو شاب – قاضيا إلى اليمن، داعيا له بهداية قلبه وتثبيت لسانه.
وكان علي يكتب عهود رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا عهد، وصلحه إذا صالح".
ونجد زيد بن ثابت الذي أسلم – وهو ابن إحدى عشرة سنة – حين مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يكلف من طرف رسول صلى الله عليه وسلم بأسمى مهمة، ألا وهي كتابة الوحي، فقد كان – هو وأبي – "يكتبان الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم، ويكتبان كتبه إلى الناس، وما يقطع، وغير ذلك.
وكان يكتب الرسائل النبوية إلى الملوك أيضا.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم تبوك راية بني النجار وقال: "القرآن مقدم".
وبعد رسول صلى الله عليه وسلم، كتب زيد لأبي بكر، كما كتب لعمر، وولاه عثمان على بيت المال، وكان يستخلفه إذا حج.
وكان مع عمر حين قدم الشام "وهو الذي تولى قسم غنائم اليرموك".
وقد أمر أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – بجمع القرآن في المصحف، فكتبه بيده، وقال له أبو بكر: "إنك شاب ثقف لا نتهمك". واختاره عثمان "على راس الجماعة التي عهد إليها ضبط القرآن وترتيبه في المصحف العثماني الذي بعث بصوره منه إلى الأقطار الإسلامية" واستعمله عمر على القضاء. وكان يستخلفه في كل سفر يسافره، "ويوجهه في الأمور المهمة".
وحين اختلف عمر وأبي في نخل حكما زيدا فحكم بينهما، ونجد عمر وابن حزم الذي استعمله رسول الله صلى عليه وسلم سنة عشرة على نجران لتفقيههم في الدين، وتعليمهم القرآن، وأخذ صدقاتهم، وكان عمره آنذاك سبع عشرة سنة.
ونجد عتاب بن أسيد أميرا على مكة ومعه معاذ بن جبل، يعلمهم الفقه والسنن. وكان عمر عتاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة
وبقى عتاب أميرا على مكة منذ أن ولي من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي عتاب. وكانت وفاته في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق.
"وكان عتاب خيرا، صالحا، فاضلا".
ونجد معاذ بن جبل، الذي شهد له سول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أعلم أمته بالحلال والحرام، وشهد له عمر بالمهارة في الفقه، وشهد له ابن مسعود بأنه "كان أمة، قانتا لله، حنيفا، ولم يك من المشركين".
نجده يصبح إمام قومه – وهو شاب في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بعثه صلى الله عليه وسلم "قاضيا على اليمن، وأميرا، وجابيا للصدقات".

ج- وفي مجال العلم والفتيا:
نجد زيد بن ثابت الذي كان أحد الأذكياء وأعلم الصحابة بالفرائض بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادة عمر أيضا. نجده في عهد عمر، وعثمان، لا يقدم عليه أحد في القضاء والقراءة والفرائض، والفتيا.
وكان يعتبر من الراسخين في العلم.
"وكانوا يقولون: غلب زيد به ثابت الناس على اثنتين: القرآن والفرائض".
وقد بلغ مرتبة الاجتهاد وكمال القدرة على استنباط الأحكام، وتكوين رأي في كل ما لم يرد فيه أثر.قد بنى الإمام مالك مذهبه في الفرائض على قول زيد، إلا في أربع مسائل.
وحينما توفي، قال عنه بان عباس:
"هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير"، وقال أبو هريرة: "اليوم مات حبر هذه الأمة".
ونجد على بن أبي طالب الذي كان من جلة الصحابة ضمن الصحابة الذين كانوا يمارسون عملية الإفتاء في عهده صلى الله عليه وسلم. وقد سجله ابن حزم ضمن الصحابة السبعة المكثرين في مجال الفتيا الذين يمكن أن يجمع لكل واحد فيها مجلد ضخم.
شهد له عمر بقوله: "علي أقضانا". وقال له – وقد جمع الناس ومعهم علي ليستشيرهم – "قل فأنت أعلمهم وأفضلهم"، وشهد له ابن مسعود بأنه "أعلم أهل المدينة بالفرائض" وقال فيه ابن عباس: "أعطي علي تسعة أعشار العلم وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي"، وقالت فيه عائشة – رضي الله عنها – إنه "أعلم من بقي بالسنة".
وكان بالإضافة إلى مهارته في الفتيا والقضاء، عالما بكتاب الله، فقد جاء عنه: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت، وأين نزلت، وعلام نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا ناطقا".

الشباب في عصرنا أحوج ما يكون إلى التربية الإسلامية:
طالما أن الشباب هو عمدة الأمة، وقلبها النابض، وعدتها في تحمل المسؤوليات في المستقبل، فهو جدير بأن يربى على المنهج الإسلامي التربوي، حتى يكون أمثلة حية للسلوك الحسن، والقدوة الصالحة، لمن بعده من الأجيال؛ ولكن يكون في المستوى المطلوب، والنموذج الصالح للفرد الذي يتوخاه الإسلام، والمثال الحي الذي ينشده، ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه التيارات الأجنبية والمذاهب الهدامة، ينبغي العناية بوسائل الإعلام التي لها انعكاسات سلبية بما تنشره من أفكار هدامة، وتيارات أجنبية منحرفة، وأفلام خليعة...
ولنحاول أن نجعل من وسائل الإعلام – سواء منها المرئية والمسموعة والمكتوبة – وسائل لإصلاح الشباب وإبعاده من التردي والسقوط فيما لا يرضى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ويضاف كما كانت في الإسلام، والتركيز على مشاكل الشباب، ومحاول إيجاد الحلول المناسبة لها سواء في خطب الجمعة، أو الدروس الوعظية، أو المحاضرات.
وتجدر ملاحظة مراعاة القدوة الحسنة، سواء في البيت أو في المدرسة، أو في المسجد، أو في المجتمع، لما لها من تأثير إيجابي في مختلف مجالات الدعوة إلى الله، وعلى العكس من ذلك، القدوة السيئة التي لها انعكاسات سلبية، وردود فعل سيئة من طرف المدعوين إلى الله. وينبغي لفت النظر إلى أنه ينبغي الابتعاد عن جميع الأساطير والخرافات التي ألصقت بالإسلام من طرف الجاهلين به وأشباههم حتى لا ينفر الشباب مما يدعون، كما ينبغي لفت النظر أيضا إلى تلقينهم مبادئ الإسلام الصحيحة التي بني عليها الإسلام كرفع الحرج، ومراعاة مصالح المكلفين، وغيرهما، كما ينبغي تحسين أسلوب دعوة الشباب بالحكمة والتبصر وعدم استعمال الغلظة. وأجدر بنا أن نسلك مسلك القرآن الكريم في أسلوبه في الترغيب والترهيب.
قال فضيلة الشيخ نديم الجسر:
"ومن أسباب إصرار الشباب على ترك الشعائر: التنقيط، فالشبان، بحكم مرح الشباب وفورته وجموحه ولهوه، لا بد أن تكون لهم في حياتهم مزالق إذا تفق لأحدهم أن أسرف على نفسه، ثم سمع من الواعظ أهوال المنذرات، تكونت في صدره عقدة القنوط، فازداد إمعانا في الإسراف.
ولو أن الوعاظ اتبعوا نهج القرآن في الترغيب والترهيب، لفتحوا لذلك الشباب في جدار يأسه كوة ينفذ منها إلى الأمل، ويخرج منها إلى التوبة، وقد علم ربنا وخالقنا، وهو أحكم الحاكمين ما يترك التقنيط في نفوس المذنبين المسرفين، ففتح لهم بحكمتهم باب الأمل، والخروج من سجن الذنوب على مصراعيه، بقوله تعالى:
(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا).
وأضاف فضيلة السيخ:
"ومن عقدة القنوط" تتكون عند الشاب المسترسل في الإلحاد والفساد،  لذة التنفيس عن نفسه بثلاث طرائق: طريقة الجدل في الإلحاد، وطريقة الاستهزاء بالشعائر، وطريقة جر الرفاق الزملاء إلى الانزلاق".
ويجمل بي أن أختم هذا المقال بأهم توصيات المؤتمر الأول بالنسبة لتربية الشباب كالآتي:
بشأن تربية الشباب يرى المؤتمر ميلي:
أولا: أن التربية الدينية، وإشاعة الإيمان والخير في القلوب، هي خير ما ينقذ الشباب مما صار إليه البعض من انحراف وانحدار.
ثانيا: وإن انحراف الشباب، وتركهم شعائر الدين، ومرض نفسي، يعالج بالرفق والعطف والنصح الذي يصل إلى أعماق النفس، وذلك اتباعا لأسلوب القرآن.
ويوصي المؤتمر بما يلي:
1- تعريف الشباب بالأمجاد التاريخية للإسلام والعروبة، حتى يزدادوا ثقة بدينهم، وتمسكا بمبادئه السمحة القويمة.
2- إعداد جيل كامل واسع الثقافة من رجال الدين، يتولون تهذيب الشباب، وقيادتهم على الأساس التربوي السليم.
3- جعل التربية جزءا أساسيا من مناهج التعليم في جميع معاهد المعلمين والمعلمات، أيا كانت المواد التي يتخصصون في تدريسها.
4- أن يكون لوسائل الإعلام نصيب مثمر في توجيه الشباب، وتكوين رأي عام سليم في الإذاعة، ومجلات الشباب، والندوات العامة، والصحف والقصص، وغير ذلك من الوسائل الإعلامية، حتى يمكن اتقاء الأضرار الناتجة عن دعوات الانحراف والمجون التي تظهر في بعض وسائل النشر والإعلام.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here