islamaumaroc

من عيد العرش إلى عيد الشباب فلتحي دولة الشباب

  محمد المكي الناصري

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

عندما كنا في سن الشباب – نحن "جيل محمد الخامس" – كنا نتمتع بطاقة قوية من "الإيمان" الإيمان بالله، والإيمان بالوطن، والإيمان بالنفس، وكنا مومنين بمقدساتنا إيمانا لا يداخله الشك، ولا يزحزحه الواقع المؤلم الذي كانت تعيشه إذذاك بلادنا، ويعيشه معها العالم الإسلامي أجمع، الرازح تحت أغلال الاستعمار، وكنا نحس بقدرة خاصة على الابتكار في كثير من تصرفاتنا العامة، ولا سيما في المجال الوطني، الذي كان مجالا بكرا، والذي كان لا يزال صفحة بيضاء، خالية من كل وسم أو رسم.
ولقد أحسسنا بجاذبية قوية تجذبنا نحو عاهلنا الشاب الذي تربع على العرش في مثل سننا، وهو من جيلنا، سنة 1927، وأعني به أبا المغرب الجديد المرحوم محمد الخامس، طيب الله ثراه، فقد كنا وقتئذ نعد العدة للمستقبل القريب والبعيد: كنا نكمل دراساتنا في الداخل والخارج، وكنا ننمي تجاربنا ونوسع آفاقنا في الشرق والغرب، وكنا مثل "الكتيبة الأولى" يستعد أفرادها لتدشين المعركة الحاسمة، ولم يخطئ حدسنا ولا إلهامنا – بفضل الله وحسن توفيقه – عندما أدركنا أن عاهلا شابا مثل محمد الخامس لا بد أن يكون في باطنه أقرب الناس إلينا، وأقوى الناس إحساسا بمشاعرنا، ولم يخطئ حدسنا ولا إلهامنا عندما أيقنا أن العواطف الوطنية التي تتأجح في نفوسنا إنما هي صدى طبق الأصل لنفس العواطف الوطنية التي تتأجح في نفس عاهلنا المفدى، فنحن كلنا من جيل واحد، ونحن كلنا قد شاهدنا مصرع الحرية في بلادنا، ونحن كلنا نحس أننا مكبلون بأغلال الاستعمار ونحن كلنا نحس أكثر من ذلك، إحساسا واضحا وعميقا، بأن الاستعمار يحاول أن يعزل بعضنا عن بعض، ويحاول أن يشوه بعضنا لبعض، ويحاول أن يضرب بعضنا ببعض...
وهاهنا تفتق خيالنا الشاب عن مشروع وطني مثير، هو مشروع في ظاهره صغير، وفي باطنه كبير، مشروع لم يعرفه المغرب في عهد الاستقلال السابق، ولم يعرفه المغرب خلال اثنين وعشرين عاما منذ الاحتلال اللاحق، هذا المشروع هو ابتكار أول عيد قومي تتركز فيه معاني القومية، ويتجلى فيه استمرار الوجود المغربيـة، وخلود الشخصية المغربية، ولمك يكن هذا العيد إلا "عيد العرش" المجيد.
نعم قررنا بوحي من ضمائرنا وبإلهام من إيماننا، أن نسن هذه السنة الوطنية الحميدة، فأعلناها واثقين مطمئنين، غير خائفين ولا مترددين، وكانت مفاجأة كبرى لفلاسفة "السياسة الأهلية" ورجال سلطة الحماية الأجنبية، وشرعنا نحتفل بعيد العرش في جرأة جنان، وقوة إيمان، وإن كان لسان حال كل منا لا يزال إذذاك يقول: "لا أملك إلا نفسي وأخي" وأقبل الشعب المغربي الوفي الأبي، يقتفي خطوات شبابه المستنير، معجبا بحسن البداية، واثقا بحسن المصير !
وبعدما وقع رجال السلطة في حيص بيص، وتداولوا الأمر بينهم طويلا، لم يسعهم إلى أن يعترفوا بعيد العرش مرغمين، لكن على شرطية أن لا تنشد فيه الأناشيد، وأن لا تلقى بمناسبته الخطب، وأن يكون خاليا من كل المظاهر الوطنية، التي يحرص عليها الشباب، وصدر قرار وزيري بالجريدة الرسمية يسجل هزيمة الحماية الأجنبية أمام الشعور الوطني الملتهب، الذي أوقدته الشبيبة الوطنية.
ومضت الأيام تلو الأيام، والأعوام تلو الأعوام، فلم يلبث هذا الوليد الصغير الذي ولد على يد ثلة من شباب الجيل أن أصبح أكبر عيد قومي مغربي في هذه البلد، ينتظره الشعب على أحر من الجمر، بفارغ الصبر، فيه يتلقى الشعب من عاهله المفدى "وحي الساعة"، ويأخذ عنه إشارة التعبئة والنضال، وأصبحت "خطب عيد العرش" التي يلقيها "أبو المغرب" رحمه الله جارية على الألسنة مجرى الأمثال، يومن بها كل شاك ويهتدي بها كل ضال.
وكان هذا التدبير المحكم الذي أوحت به فكرة الشباب، من "جيل محمد الخامس"، تدبيرا حاسما في سير الحركة الوطنية، فقد التحم بفضله العرش بالشعب، ممثلا في شبابه الأوفياء الأبرار، التحاما تاما لم يعد في إمكان الاستعمار أن يخرق فيه خرقا، ولا أن يفتح فيه ثغرة أو شقا، فقد عرف محمد الخامس – رضوان الله عليه – أن جيل الشباب الذي هو منه وإليه يقاسمه مشاغله وهمومه، ويتجاوب معه كامل التجاوب، لأن الشعور واحد، والهدف واحد، والوطن الذي يومن به الجميع ويتفانى في خدمته الجميع واحد، ولقد استمر هذا الالتحام القائم بين العرش والشعب يقود خطواتهما في الداخل والخارج طيلة مراحل الحركة الوطنية كلها، إلى أن تحققت بفضله الحرية والوحدة والاستقلال لهذا الوطن المكافح، فكان هو مفتاح النجاح وطريق الفلاح، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
ولعل البعض يتساءل: لماذا أطلقنا على هذا العيد المبتكر اسم "عيد العرش" بدلا من "عيد الجلوس" المتعارف عليه في البلاد الأخرى ذات الأنظمة الملكية والجواب عن ذلك: أننا كنا نريد أن نعيد إلى أذهان المواطنين في الداخل، وإلى أذهان الأجانب في الخارج، وإلى دهاقنة الاستعمار الذين ينكرون وجود الدولة المغربية من الأساس: أن المغرب شخصية قوية لا تفنى، وأن له دولة باقية لا تزول، وأن له عرشا عريقا لا يبلى، وأن نذكر الجميع بأن العرش المغربي يرقى إلى أقدم العهود التي عرف التاريخ فيها هذه البلاد، وهو يمثل الأمة المغربية، ويمثل الدولة المغربية، عبر القرون والأجيال، خير تمثيل، والعرش العلوي المجيد هو الوارث الأمين لأمجاد العرش المغربي المتسلسلة، الحفيظ عليها والمعتز بها، فإذا احتفلنا بعيد العرش نكون قد احتفلنا في آن واحد بالأمة المغربية، والدولة المغربية "وبالمغربي الأول" الجالس على عرش المغرب الخالد.
هذه قصة "عيد العرش" الذي ابتكره الشباب الوطني، والاحتلال جاثم على صدر هذه البلاد، فما هي قصة "عيد الشباب".
بمجرد ما عاد سيد البلاد محمد الخامس إلى وطنه وعرشه متوجا بتاج النصر وأكاليل الغار، ومعه سيد شباب المغرب، صاحب السمو الملكي أمير الأطلس مولاي الحسن، فكر في ابتكار عيد وطني جديد يضاف إلى "عيد العرش" الذي هو أول الأعياد الوطنية، ولم يغب عن ذاكرة جلالته، لحظة واحدة، كفاح شباب جيله، وتضحياتهم إلى جانبه ومن خلفه، وجهادهم معه في الداخل والخارج، ورأى أن أحسن هدية يهديها إلى أولئك الشباب الأوفياء الأبرار، وإلى الجيل الذي يخلفهم ويحمل المشعل معهم وبعدهم – جزاء وفاقا – هو تأسيس عيد وطني ثان باسم "عبد الشباب" يكون عودا على بدء، ويصبح توأما لعيدهم الوطني الأول، وتتويجا للمرحلة الحاسمة التي أبلوا فيها تحت قيادة جلالته – البلاء الحسن.
وكيف لا وقد عرف جلالته وسمو عهده، خلال سنوات الكفاح المرير من أجل الحرية الانعتاق، ما تستطيع أن تحققه طاقة الشباب المتدفقة من معجزات، وما تستطيع أن تتخطاه من العقبات، وما تستطيع أن تنتصر عليه وتهزمه من الدسائس والمؤامرات.
وكيف لا وقد شاهد جلالته عن كثب – وهو مع شباب جيله، وسمو ولي عهده، في خضم المعركة – مبلغ البذل والعطاء الذي يمكن أن يقدمه الشباب في سبيل وطنهم الخالد، ومبلغ التضحية والفداء الذي يمكن أن يصرفه الشباب في سبيل عاهلهم المجاهد، ومبلغ الولاء والوفاء لملكهم القائد الرائد، في السراء والضراء، والشدة والرخاء.
"عيد الشباب" إذن تتويج لجهاد الشباب، وسام من العرش أهداه العرش لشباب الأمة، تكريما له ولها، وعنوان بارز على الأمل العريض والقوي في عطائه المتواصل، لبناء المغرب الموحد الحر المستقل، من أجل مجد العرش وعزة الشعب !
وإذا كان الشباب الوطني من "جيل محمد الخامس" أنشأ أول عيد وطني على شرف العرش، تجديدا للتعلق به على مر الأعصار، وتحديا لدهاقنة الاستعمار، فها هو العرش يبادر، بمجرد استرجاعه لسيادته وحرية وطنه في فجر الاستقلال، بإنشاء عبد وطني على شرف الشباب، كل الشباب، السابق منهم واللاحق، تقديرا لإخلاص الشباب، واعترافا بمكانة الشباب.
ولا يكتفي العرش بإنشاء هذا العيد، بل يميزه على غيره بشرف أصيل وعريق، إذ يجعله مرتبطا بحياة الأسرة الملكية الشريفة نفسها وبحياة أميرها الشاب، ويختار محمد الخامس لموعد هذا العيد ميلاد وارث سره وفلذة كبده، وولي عهده المؤتمن على عرش المملكة من بعده، مولاي الحسن بن محمد، الذي سيبايع بعد والده باسم "جلالة الملك الحسن الثاني"، وكان ذلك الاختيار من جلالة والده – رضوان الله عليه – تأكيدا للأواصر المتينة، التي يجب أن تبقى حية راسخة بين "إمام الأمة" الجالس على عرشها، وبين شبابها في كل جيل، وإيمانا منه برسالة الشباب الدائمة والخالدة.
وأنشأ جلالته، لمعالجة شؤون الشباب ومتابعتها يوما بيوم، وزارة مستقلة هي وزارة الشبيبة والرياضة، وأحدث بجانبها مجلسا أعلى للشباب، ودعا إلى تولي منصب "أول وزير للشباب، وطنيا مناضلا أصيلا، وأستاذا مشاركا جليلا، جميع بين حيوية الشباب وحكمة الكهول، هو أستاذ الحماسة والكياسة، وحسن التدبير والسياسة، سيادة الأستاذ أحمد بن سودة، فكان عنوانا جميلا لوزارة الشباب، كأجمل عنوان لأجمل كتاب، وأعطى لها من حماسته وفتوته العطاء المستطاب.
وتربع الأمير الشاب مولاي الحسن الذي ارتبط بعيد ميلاده عبد الشباب، على عرش المملكة، خلفا لوالده العظيم، فواصل رعايته للشباب، وفتح في وجهه جميع النوافذ والأبواب، وتسلق الشباب الحي الطموح في العهد الحسني الزاهر مدارج الرقي، علميا وإداريا ورياضيا، مدنيا وعسكريا، وما كاد الحسن الثاني ينادي شباب بلاده للمسيرة الخضراء حتى هب من كل صوب وحدب، من المدن والقرى، تلبية لنداء ملكه القائد الرائد، واكتشف الجميع في الداخل والخارج ما لا يزال يتمتع به شباب المغرب من روح التضحية والمغامرة والانضباط، والتجاوب التام بينه وبين عاهله الجالس على العرش، وقد ظل هاجس الشباب يراود سيد البلاد الحسن الثاني في كل حين، وكلما تعرض الشباب لأزمة من الأزمات، واهتدت "العبقرية الحسنية" إلى إنشاء هيأة وطنية دائمة تهتم بحاضر الشباب ومستقبلهم، وتعمل على حل ما قد يتجدد من مشاكلهم أن يعترض طريقهم، بطريقة عملية ومنهجية، حرصا على أن يكونوا سعداء، بقدر ما هم أبرار أوفياء (المجلس الوطني للشباب والمستقبل).
ذلك أن الحسن الثاني – بما له من علاقة وثيقة مع شباب بلده منذ فجر حياته، وارتباط عيدهم المجيد بعيد ميلاده السعيد – يعتبر بحق أعمق من يشعر بمشاعر الشباب، من قادة العالم، وأدق من يحس بأحاسيسهم ويتجاوب معهم، وأسرع من يستجيب لرغباتهم، وأقدر عمن يعمل على تحقيق أمانيهم، وأخلص من يفكر فيهم وفي مستقبلهم، وأشد الناس فرحا واعتزازا بكل خطوة ناجحة يخطونها في حياتهم.
فما على شباب العهد الحسني من "جيل الحسن الثاني" – إلا أن يواصلوا مسيرة "جيل محمد الخامس": مسيرة المحبة الصادقة والولاء، وحسن العهد والوفاء، وجمع الشعب والعرش على كلمة سواء، وكما كنا نحن – جيل محمد الخامس – عبارة عن "أوركسترا" واحدة يسود نغماتها التناسق والتناسب، ويطبع مساعيها طابع التعاون والتقارب، تحت قيادته الفنية الحكيمة، ينبغي لجيل الحسن الثاني الذي يرتبط بعيده بعيد ميلاده السعيد أن يظل محافظا على ما بينه وبين عاهله من الثقة والتجاوب، ويضرب لغيره بالمزيد من التكالف والتحابب، وبذلك تتحقق المعجزة تلو المعجزة على يد الشباب، وننشد معهم ومع جميع المعجبين والأحباب، ذلك النشيد الوطني الخالد، الذي كنا ننشه في حفلاتنا ومهرجاناتنا، فيثير كامن الحماس فينا في جماهير شعبنا: (لتحيى دولة الشباب، فهي حياة المغرب).
أطال الله عمر أمير المومنين الحسن الثاني حامي الشباب وراعيهم الأعلى، وحفظ سمو ولي عهده الأمير سيدي محمد، قدوة الشباب المثلى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here