islamaumaroc

نهضة الأمة في قوة شبابها.

  المهدي القاسمي

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

في ظلال الوحدة الوطنية، والشعور بالاعتزاز والتعبئة الشاملة لخوض المزيد من المعارك، وتحقيق الانتصارات، تشرق على هذا البلد الأمين شمس ذكرى من أغلى ذكرياته، ذكرى عيد الشباب المجيد، الذي تخلد فيه الأمة هذه السنة الذكرى الثانية والستين لميلاد أمير المومنين، باني المغرب الحديث، جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، وهي مناسبة لكل مواطن، للتعبير عن حبه وتعلقه برمز وحدة البلاد، وضامن عزها وسؤددها، واعتزازه بملك مناضل، خاض غمار الجهاد، وتكرس على مواجهة مختلف التحديات منذ نعومة أظفاره؛ بعد أن وجد في جلالة والده المشمول برحمة الله وعفوه، الملك المجاهد محمد الخامس، وفي الوضع المضطرب الذي كانت تجتازه البلاد إبان عهد الحجر والحماية، أحسن مدرسة للتكوين العلمي والسياسي لجلالته، فتحمل إلى جانب والده العظيم مسؤولية الاستقلال، وبناء المغرب الجديد.
ومن البديهي، أن هذه المسؤولية تعاظمت بعد أن التحقت روح والده بالرفيق الأعلى بعد حياة مليئة بجلائل الأعمال، وصور التحدي الشامخ، إذ صار جلالة الملك الحسن الثاني هو المسؤول الأول عن سيادة مملكته، والحامي لحوزتها، والقابض على مقاليد أمورها وإدارتها، والمخطط الرشيد لنمائها وازدهارها، فرسم وخطط وعبأ وجند حفظه الله، واختار أحسن السبل لتحقيق طموح شعبه ومراميه وأهدافه كشعب عريق ساهم في صنع وازدهار الحضارة الإسلامية في إفريقيا والأندلس.
وقد أراد رعاه الله أن تتخذ ذكرى عيد ميلاده الميمون مناسبة لاستنهاض همم الشباب ومحطة سنوية يتوقف هذا الشباب عندها لمراجعة حساباته مع خالقه، ومع وطنه، وليستنهض هممه، ويتغذى بالمزيد من الطموح والأمل لمواجهة معركة البناء والتشييد بتفان وإخلاص، بوصف الشباب هم أعمدة بناء الأمة وأسس نهضتها.
وفي هذا الإطار، وفي حدود هذا المفهوم لدور الشباب، نجد جلالة الملك يحد هذه الأهداف النبيلة، والمقاصد الجليلة في إحدى خطبه السامية بمناسبة عيد الشباب موجها خطابه إلى شعبه العزيز قائلا:
ها نحن منذ سنة ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين (1957)، نحتفل بعيد تاسع يوليوز، وهكذا أصبح هذا الاحتفال، ليس احتفالا بعيد رجل واحد، ولا بعيد ميلاد ملك، بل أصبح عيد تجديد وتجدد الشباب كل سنة، في هذه المناسبة السامية، مناسبة تاسع يوليوز.
وتجدد الشباب، له معان كثيرة، وله فلسفة عميقة، ذلك أن الشباب:
أولا: ينطوي على سريرة نظيفة طاهرة، كلما طهرت، تجلت الغايات والمقاصد، وسهل إذ ذاك الوصول إليها وبلوغها.
ثانيا: الشباب يعني أن لا مستحيل مع الشباب.
وهكذا شعبي العزيز منذ أن قلدني الله أمر شؤونك، خضنا ميدان المستحيلات، وانتصرنا - ولله الحمد – في ميادين المستحيلات، الشباب يعني: يقظة مستمرة وحرصا لا ينقطع على كرامة الدولة، وحوزة الوطن، والحفاظ على الأصالة.
ففي هذا النطق الملكي السامي، ما يشفي الغليل في استيعاب المغازي والمرامي التي ينبغي استخلاصها من هذه الذكرى، وفيه الغوص في أعماق نفسية الشباب، وكشف ما تزخر به من طاقات وتطلعات نحو الخير والفضيلة والجمال، كما يجد كل شاب في التعريف الملكي لدور الشباب في الحياة، المنهجية الواضحة، والسبيل الأقوم بدوره في خدمة بلده، وتسخير طاقاته الجسمية والفكرية، ومواهبه الإبداعية، لبناء أمته، والحفاظ على مقوماتها.
ونستخلص كذلك من هذه التوجيهات الملكية الرشيدة، أن دور الشباب في نهضة المجتمعات دور أساسي وفاعل، فإن الأمة الناهضة هي التي تعتز بالأطهار من شبابها، فهم دائما بناة نهضتها، وركائز تقدمها، فهي تسمو بسمو أخلاقهم، وتتقدم إلى الأمام بجلائل أعمالهم، وتنتصر على العدو بشجاعتهم وإقدامهم، ولن تتوفر هذه المقومات إلا في شباب حسنت تربيتهم، ولم تتدنس أخلاقهم، واتخذوا من سلفهم الصالح القدوة الحسنة، والمنهجية السليمة في العمل المنتج في مجالي الدين والدنيا.
وإذا كان جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، يهتبل كل مناسبة سانحة ليسدي إلى شبابنا نصائحه الغالية، فإنه يدرك أن السر في تقدم أي مجتمع، يكمن في مدى وعي شبابه، واندفاعه لتحقيق الخير والرفاه لأبنائه.
وفد أنبأنا التاريخ أن الأطهار من الشباب في عهد الرسالة المحمدية، كانوا هم أصحاب المواقف المشهودة في الجهاد، وبناء صرح المجتمع الإسلامي، فهم الذين بادروا إلى الرسول (ص) حين دعاهم إلى الحق، فآمنوا به، والتفوا حوله، وجاهدوا معه على أساس من تقوى الله، وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتباع هداه، وأن الإسلام بحكمته البالغة، خط لشباب الأمة الإسلامية منهجا تربويا سليما، يهدف إلى إعداد شباب طاهر مطهر، لأنه عماد الأمة وقوتها، بهم تقوى شوكتها وتحفظ هيبتها، وتدفع بهم من يريد إذلالها واستعبادها. ولن يكون ذلك إلا إذا كان هذا الشباب طاهر النفس، صحيح البدن، تجري في عروقه دماء العافية، ناضج الفكر، إذا صارعته الأحداث صرعها، وإذا أقبل على أرض وطنه أنشأها وعمرها، وأخرج كنوزها.
ومما ينبغي التأكيد عليه بالنسبة للشباب المسلم، كشبابنا، أنه يتحتم أن تكون لنا في رسولنا الأعظم سيدنا محمد ، القدوة المثلى، والنبراس المضيء، لمواجهة كل شأن من شؤون الدين والدنيا فقد كانت حياته صورة من أخلاق شبابه: فضائل عالية، ومكارم عامة أكرمه بها ربنا عز وجل بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4].
والمتصفح لسيرته ، ولمرحلة شبابه على الخصوص، يرى فيها الطهر والنبل، والنشأة المثالية العالية، التي يجد فيها القدوة الطيبة، والأسوة الحسنة.
فعلى شباب الإسلام أن يقتدى بها في حياته، منتهجا فيها نهج الإسلام ورسول الإسلام (ص)، ولهذه الغاية بعث  ليتمم مكارم الأخلاق، وليكون قدوة لشباب هذه الأمة، يدعوهم إلى أن يحفظوا الله ليحفظهم، وحفظ الله يكون بالاستقامة والتقوى. ولهذا عد رسول الله (ص) من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الشاب الذي نشأ في عبادة الله، فهو جدير بأن يكون في رعاية الله وفي كنفه، وأن انتشار مبادئ الإسلام بالسرعة التي انتشرت بها، وشساعة الرقعة التي أنارتها، تم على كواهل شباب آمنوا بربهم، فكلأهم برعايته، فحقق الله على أيدهم المعجزات. وتاريخ الإسلام حافل بنماذج من هؤلاء الشباب، وبما بنوه من شوامخ العز والسؤدد.
ولهذه الغاية النبيلة المتجلية في عظم مسؤولية الأمانة التي ألقيت على كواهل شباب فخر الإسلام، نرى الرسول  يربيهم على موائد الإيمان، ويعنى بهم أيما عناية، ونجده (ص) يسدي ذلكم التوجيه الرشيد إلى كل فرد منهم في شخص ابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قائلا له:
"يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده اتجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف".
يتضح لنا من هذا الخطاب النبوي البليغ، أن الكلام موجه إلى عموم الأمة وإلى شبابها على الخصوص، لأنهم هم الذين تناط بهم في كل عصر من العصور آمال الرسالة، وابتناء الحضارة، لما يتميزون به من الحيوية والقوة والنشاط، ولما يحدوهم من حب التجدد والنهوض، ولذلك تراهم يستجيبون للدعوات، ويقتحمون المغامرات.
وإن أمتنا لا تفتقر اليوم إلى شيء افتقارها إلى شباب مسلم، مؤمن بربه، ومتشبع بمقوماته وتاريخ وطنه، لأن ذلك الإيمان الصحيح، هو منبع الفضائل، وبعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى، والعمل بما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، تأتي بعد ذلك أنواع الإيمان الأخرى: الإيمان بالنفس على أن فيها الاستعدادت المتعددة التي لا تنمو إلا بالإرادة، وقوة العزيمة، والتصميم في مواجهة الأزمات والشدائد، وتحمل المشاق، يأتي الإيمان بالمجتمع على أن كل فرد فيه هو عضو يجب عليه أن يعطي المجتمع بقدر ما يأخذ منه إن لم يزد، كذلك الإيمان بالوطن على أنه الدار التي نسكنها، وفيه الأهل الذي نعيش بينهم، وأنه الحمى الذي نحتمي به من أحداث الزمان.
والشباب الذي تتوفر فيه هذه العناصر والمواصفات، يرتفع عند الله قدره، ويحسن بين الناس ذكره، ويحسب في عداد السابقين في الدنيا والدين، ويندرج في سلك الشباب الذين كرمهم الله في كتابه العزيز، وفي عدة آيات من القرآن الكريم. فالله تعالى يقول صفة لإبراهيم عليه السلام: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ). (الأنبياء.60). وفي قوله تعالى ثناء على أصحاب الكهف: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا). (الكهف.10) وفي وصف يوسف عليه السلام يقول رب العزة: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ). (يوسف.30). فهو فتى ضرب أروع الأمثال في الصمود أمام الإغراء، وكمال العفة، وتمام الفضيلة.
وفي ثناء القرآن الكريم على موسى عليه السلام على لسان بنت شعيب قوله تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). (القصص.26). فموسى عليه السلام أعطاه الله قوة في الجسم، مكنته من أن يرفع غطاء البئر في القصة المشهورة، وأمانة في النفس جعلته يمشي أمامها حتى لا يكشف الهواء عن بعض أجزاء جسمها، فيراها لو سار خلفها.
ومن الأوصاف الجميلة التي أضفاها القرآن الكريم على صحابة رسول الله (ص)، وكان جلهم شبابا، ما ورد في سورة الفتح عند قوله تعالى (الآية 29):
(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
على أن هذه الأوصاف الربانية، تنطبق على كل مؤمن سار على هدي رسول الله (ص)، واتخذ من صحابته الغر الميامين مثلهم الأعلى في قوة الإيمان، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والتراحم، والتناصر (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 40-41].
إننا من موقف المومنين بربنا، الواثقين في إيمان شبابنا وقوة أمتنا، ندعو الله جلت قدرته، أن يبارك في عمر أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني، وأن يبقيه ذخرا للإسلام والمسلمين، وأن يحييه لأمثال أمثال هذه الذكرى، وهو رافل في حلل العافية والنصر والتأييد، وأن يكون له وليا ونصيرا في كل معركة يقودها ويخوضها لعزة الدين والوطن، قرير العين، ومثلج الفؤاد، بسمو ولي عهده الأمجد صاحب السمو الملكي الأمير سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، والأسرة العلوية الشريفة، إنه تعالى على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here