islamaumaroc

المغرب القلعة الحصينة في وجه الاستعمار والصليبية -2-

  مصطفى بن أحمد العلوي

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

في عدد سابق من المجلة العزيزة "دعوة الحق"، تحدثت عن موقف المغرب شعبا وقيادة في وجه الصليبية والاستعمار لعدة قرون، خصوصا بعد وقعة وادي المخازن الشهيرة، والتي انهزمت فيها الصليبية الحاقدة، وقتل فيها ثلاثة ملوك، وعنها بدأ اليأس يساور الصليبيين من غزو المغرب، وسلخ سكانه من عقيدتهم ودينهم الإسلام، بعد زهاء ألف سنة من تاريخ الحضور الإسلامي بالمغرب منهجا للحياة بكل جوانبها، طاعة لله وحبا في دينه، وامتثالا لكتابه العزيز القرآن الكريم، واهتداء بهديه في جميع شؤونه، عقيدة وعبادة وسلوكا ومعاملة مصدقا لقوله تعالى:
(إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات)، وقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)
وقوله سبحانه: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)
وهكذا وقف المغاربة في وجه الصليبية التي كانت تزحف على الثغور الشاطئية قصد غزوها عسكريا، والتحكم فيها، ولكنها كانت دائما تصطدم فيها بمقاومة قوية في جميع الأماكن والأزمان، الأمر الذي أكسب الشباب المغربي منعة، والبلاد حصانة من الغزو لعدة قرون، بعد انتهاء الوجود الإسلامي في الجارة الأندلس العزيزة، والتي خلف الوجود الإسلامي في ربوعها آثارا إلى نهاية القرن التاسع، أي أزيد من سبعة قرون، ولا تزال مآثرها شاهدة على ما بلغته الحضارة العربية الإسلامية في تلك الربوع التي دخلها الإسلام عن طريق المغرب العزيز منذ القرن الثاني للهجرة المحمدية، وبقيادة رجل المغرب طارق بن زياد، والذي خلد اسمه على أقرب جبل من المغرب العزيز، الذي هو الحارس على المضيق الفاصل بين التراب الوطني في طنجة والأندلس السلبية، فسمي "جبل طارق".
لقد ظل الصليبيون يتزايد حقدهم على ثبات شعوب شمال إفريقيا على إسلامهم إلى أن بدأ الضعف يبدو على الخلافة العثمانية التي كانت بالجزائر وتونس من مشمولاتها، فزحف الفرنسيون على ولاية الجزائر سنة 1830 ميلادية، واحتلها الولاية من حدود تونس إلى حدود المغرب، وقال قائدهم وهو يرفع الراية الفرنسية على صومعة أحد مساجد العاصمة الجزائرية.
قال: "الآن انتصر الصليب على الهلال" ذاك ما زعمه واعتقده، وقد ظل قومه وهم الصليبيون الحاقدون يعملون على سلخ السكان عن عروبتهم ودينهم الإسلام، وبكل الوسائل، وفي مقدمتها اللغة، فقد فرضوا التعليم باللغة الفرنسية، وهمشوا اللغة العربية وحذفوها كلية من التعامل بالإدارة، وسائر أنواع التعامل، ولا يخفى أن ذلك أشد أنواع المكر في محاربة مميزات البلد وسكانها، فانتقال المجتمع من التعامل بلغة إلى لغة أخرى يبعدهم عن كل خصائصهم في السلوك والأخلاق وكل مميزاتهم. فأهم مؤثر في أي مجتمع هو اللغة، خصوصا إذا فرضت في كل مستويات التعليم والتربية وسائر المعاملات، ثم اكتسحوا بعد ذلك ولاية تونس سنة 1880م، ولكن تحت مظلة الحماية، وباسم إدخال النظام، ومساعدة الإقليم على الدخول في نطاق النظم، العصرية والتقدم، وفرضت أيضا لغة المحتلين ونظمهم وسائر مميزاتهم.
وبعد نحو ثلث قرن من تاريخ بسط النفوذ العسكري والسياسي باسم الحماية على الشقيقة تونس، جاء دور المغرب الأقصى فبدأ الزحف في هاته الفترة سنة 1900م.
ولم تمض عشر سنوات حتى تمت عدة اتفاقات بين دول الغرب الصليبية على احتلال المغرب بأية صفة، وبما يقتضيه الحال، وبعد مؤتمر الجزيرة الخضراء قريبا من جبل طارق، اضطر المغرب إلى قبول الحماية الفرنسية ببعض الشروط والتي أخل بها الحامون منذ البداية، لكن عقد الحماية، لم يؤثر على الشعب المغربي ولا على ملكه الذي أمضاه مكرها، فالملك عبد الحفيظ سرعان ما بدأ يعارض مخالفة شروط الحماية التي من أهمها: أن الحماة لا يباشرون الحكم المباشر، ولا يتدخلون الشؤون الدينية. وانتهى به الأمر إلى التخلي عن العرش، وترشيح أخيه يوسف رحمهما الله.
أما الشعب، فإنه استمر يقاوم، ولم يبسط الحماة سلطتهم على أية بقعة أو قبيلة في المغرب – شمالا وجنوبا وشرقا وغربا – إلا بالحروب، واستعمال القوة، الأمر الذي أذاق المحتلين مرائر الحروب التي استمرت أزيد من ثلث قرن من 1901م إلى 1934م.
وقد كتبوا عن حروبهم هاته لبسط الحماية على أطراف البلاد، وسجلوا أسماء المئات من ضباطهم وجنودهم الذين سقطوا في ميادين القتال، وتركوا أزيد من مائة نصب تذكاري في مختلف أنحاء البلاد، وقد قسموا المغرب إلى عدة أقسام عملا بالحكمة المشهورة، والتي أوصى بها أحد زعماء الليبية "فرق تسد" وذلك على غرار ما فعلوه فيما سموه بتقسيم تركة الرجل المريض، وهو يقصدون يومئذ الخلافة العثمانية في عهد آخر خلفائها المرحوم عبد الحميد، الذي ساوموه ماديا بالتخلي عن بلاد الشام، قصد منح جزء منها للصهانية "فلسطين" فأبى وامتنع قائلا: إن بلاد المسلمين ليست ملكي الخاص، أو كما قال رحمه الله، وفعلا طبقوا مؤامرتهم بتحريك النعرات القومية بين أقطار الشرق الأوسط، مما سجله التاريخ، وتمزق به ذلك الجزء الكبير من الخلافة العثمانية، والتي ظهر إثر الصليبيين فيه بسيطرتهم على كثير من بلاد العروبة والإسلام.
أما في المغرب فقد جزؤوه إلى مقاطعات سبع، ومنحت أجزاء منه لاسبانيا، وأعطي لكل جزء اسم خاص، وصفة خاصة، كما سلف توضيحه في مقال سابقن وبالرغم من كل ذلك، فإن الصليبيين المستعمرين لم يذوقوا طعم الراحة كما يقال في أي جزء من أجزاء المغرب الأقصى مدة استيلائهم عليه، فما أن أتموا الغزو العسكري، وطبقوا الحكم المباشر على كل الأجزاء، حتى بدأ شكل آخر من المقاومة فقبيل انتهاء المقاومة العسكرية التي أبلى فيها أبطال المغرب وقادته البلاء الحسن حتى ظهر في سياسة المحتلين نوع جديد من المكر والكيد، ذلك هو التقسيم العنصري القبلي، فتجلى ذلك في الظهير البربري الذي صدر عام 1930م والذي يثير نوعا من العنصرية القبلية بين سكان المغرب المسلمين والذين امتزجوا بشريا بعد أن ربطهم الإسلام الحنيف بعقيدة التوحيد والعبادة والمعاملة طاعة لله في كتابه المبين وسنة رسوله الأمين، وظلوا متمسكين بهاته الوحدة أزيد من ثلاثة عشر قنا (1300 سنة)، عملا بقول الله تعالى لرسوله: ?فاستمسك بالذي أوحى إليك، إنك على صراط مستقيم، وإنه لذكر لك ولقومك، وسوف تسألون?،
وفعلان فقد قاوم الشعب المغربي بكل شرائحه هذا الكبد وهذا المكر الصادر عن تآمر على وحدة الشعب والأمة، فقامت المظاهرات، وكان رد الفعل عنيفا من لدن الحماة الطغاة، فتمت المحاكمات والنفي والتشريد، ولكن ذلك لم يزد الشعب المسلم إلا تمسكا بعقيدته وشريعته.
ونتج عن ذلك تكوين جماعة سياسية لها رجال من مختلف القبائل، عرفت بكتلة العمل الوطني، وأصبحت تخاطب الحاكمين الصليبيين في المناسبات، وتطالب بوضع حد للتصرفات التي ليست في صالح الأمة المسلمة، فكانت المطالب المستعجلة في عام 1934م، وهي آخر المعاقل للمقاومة بالأطلس الصغير في تخوم الصحراء المغربية بالجنوب.
وهكذا، لم ينقطع أمر المقاومة العسكرية حتى نشأت المقاومة السياسة، التي تطورت بتشكيل الحزب الوطني، والحركة القومية، بزعامة كل من الأستاذين علال الفاسي، ومحمد حسن الوزاني وذلك سنة 1936م، ولم يمهلهما الحاكمون لحظة حتى أبعد بعض زعماء الحزين، وقامت المظاهرات والاعتقالات، وأبعد علال إلى الكابون، ومحمد حسن الوزاني إلى قرية بالأطلس المتوسط حيث عاش تحت الإقامة الإجبارية عدة سنوات.
وتطورت الأحداث، وقامت الحرب العالمية الثانية، وانعقد مؤتمر الخلفاء بالدارالبيضاء، وحضره ملك المغرب محمد الخامس طيب الله ثراه إلى جانب زعماء بريطانيا وأميركا وفرنسا سنة 1943م.
وفي نهاية السنة، أعد رجال المقاومة السياسية الناشئة عريضة المطالبة باستقلال المغرب وإنهاء الحماية، وذلك باتفاق سري مع الملك المجاهد محمد الخامس قدس الله روحه، وقدمت له وللمقيم الفرنسي وبعض قناصل الدول الأخرى، وكان رد الفعل الصليبي عنيفا أيضا على هاته الحركة رغم ظروف الحرب، ولكنها كانت منطلقا من محاولة إصلاح إلى إنهاء الحرب العالمية.
وكانت زيارة الملك لطنجة سنة 1947م/ لفرنسا 1950م، ثم انفجر الوضع في 1953م، الذي تسبب في إنهاء الحماية سنة 1955م، بعد ثوران الشعب بجميع فئاته عندما اعتدي على رمز سيادته وعرشه محمد الخامس، وخضع الخصم وانصاع للتفاوض على أساس رجوع ملك الأمة الشرعي والاعتراف بالاستقلال، حيث أصبحنا أحرارا في اتخاذ المواقف، واختيار الآراء، التي نراها صوابا في مختلق المسائل التي تتعلق ببلدنا، وتعرض لمجتمعنا، ولله الحمد.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here