islamaumaroc

المسيرة العلمية والتربوية في ضوء توجيهات الحسن الثاني

  البصكري البصكري

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

العلم والحضارة والثقافة، هي مقومات المغرب منذ أن خلقه الله. فإذا نحن أخذنا تاريخنا منذ الرومان والفينيقيين، نجد أن العلم ملازم لنا كما يلازم الهواء الطلق الأرض التي يعيش عليها الإنسان".

                           من خطاب جلالة الملك في 31 غشت 1980
                                بمناسبة المناظرة الوطنية للتعليم بإفران

منذ أن حصل المغرب على استقلاله، وهو ما فتئ يولي لقطاع التربية والتعليم المكانة اللائقة به، حتى يتسنى له الوصول إلى مبتغاه. ولا يخفى على أحد ما يستوجبه هذا القطاع من تضحيات ومجهودات ومسؤوليات. فالأمر يتعلق بمجال أكثر خصبا وحيوية. وكلما زادت هذه المعاناة، وزاد التفكير في وضع البرامج والمناهج وتطويرها، كلما زادنا ذلك يقينا على أننا نسير وفق الطريق السليم والمنهج القويم، بغية بناء سديدا ومتينا، لا يمكن أن تنال منه الإيديولوجيات المعاصرة، ولا الثقافات الدخيلة.
وهذا الأمر، هو ما حرص عليه جلالة الملك من خلال مختلف خطبه، إذ غالبا ما يضمنها توجيهات سديدة، ويهدف من خلالها إلى خدمة مسيرتنا التعليمية التربوية، إلى جانب تنشيط فاعلية وعطاء الحقل العلمي والتقني، والنهوض بالمسؤوليات التربوية من أجل بناء مغرب قوي روحا وفكرا.
يقول جلالته:
"علينا أن نختار العلوم وأصناف العلوم التي تمكننا من إدراك الدنيا وإدراك الآخرة، وتمكننا كما يقول بعض النحويين "منهما" من الدنيا والآخرة".
ونظرة متأنية في هذا التوجيه، تؤكد مدى حرص جلالة الملك على أن يتمكن أبناء المغرب من الجمع بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، لأن من قبيل ذلك، أن يهيئ لأبنائنا كل أسباب الحياة العلمية والتربوية الحافلة بأعلى أنماط المعرفة الهادفة، كما يهيئ كل الأجواء الفعالة إنماء الشخصية الإيجابية للإنسان المغربي، وتوجيه طاقاته وقدراته وإمكاناته لتأخذ مسارها الطبيعي نحو التفتح والإبداع والتطوير.
ولعل مثل هذه التوجيهات، تجسد المعايير التي تتفق وأصالتنا وحضارتنا وكياننا كأمة مغربية إسلامية، ترنو – كما كانت دائما – إلى القيام بالدور التاريخي في الإشعاع الفكري والقافي والمد الحضاري.
إن هذه المسيرة التربوية والعلمية، حبلى بالعطاءات المتواصلة في ظل توجيهات جلالة الملك. ومن ثمة يجب أن نسخر كل الطاقات لخدمة مسيرة وأهداف وبعاد معركتنا ضد التخلف والجهل والهيمنة الأجنبية.
فالاهتمام بالمستوى العلمي لأبنائنا، يرمي – لا محالة – إلى استكمال البناء الفكري والحضاري لبلادنا، وتلاحقها بالتكنولوجيا الحديثة التي هي السمة الحضارية لهذا العصر، وهذا ما يؤكده جلالة الملك بقوله:
"العلم...ضرورة من ضروريات الحياة اليومية، لهذا يجب على المغرب أن يساير الحياة العصرية، ولكن يجب عليه كذلك أن يرى في اقتناء العلم هدفا وفضيلة خلقية، فضيلة تستجيب لكرامة الإنسان، فضيلة تستجيب لأمر القرآن الكريم؛ فضيلة تستجيب لنداس النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم).
إذن نجد أن العلم يستجيب في آن واحد إلى ضرورة القرن العشرين، وإلى الفضيلة الإسلامية وتعاليمنا الدينية..."
إن مثل هذه الأفكار تعطي بعدا إضافيا وحضاريا لرفع المستوى العلمي للأستاذ والطالب، كما أنها إسهامات فاعلة لبناء الصرح العلمي والمعرفي الذي يهدف إلى النهوض بمستلزمات المرحلة الراهنة، ويبرز أبعادها وفق المنهج الذي يعطي للمستوى العلمي الرفيع مدى أبعد ينسجم مع تطلعات القيادة الرشيدة لجلالته، ويحقق الطموح المغربي في بناء دولة قوية راسخة.
ثم ينبغي ألا ننسى أن التساؤل عن مثير التعليم، أمر لا يغيب أبدا ضمن توجيهات جلالة الملك، إذ يعتبره من الأولويات التي ينبغي إيلاؤها ما هي جديرة به، ومما يؤكد ذلك قوله:
"...تساؤل المغرب عن مصيره التعليمي، تساؤله عن كيف سيكون المغرب خلال القرن الواحد والعشرين..؟ ليس تساؤل القرن، بل هو إجابة لغريزة، لأن العلم والثقافة هما الحاسة السادسة للشعب المغربي تلازمه وستلازمه...".
وهذا لعمري يعكس بحق فلسفة رائد الشعب، وعمق تفكيره، وبعد نظره السديد، وإلهامه الخلاق.
ويبدو أن أمير المومنين لا يترك فرصة تمر أمامه، إلى ويغتنمها ليجود على أبنائه بتوجيهاته التي تملأ نفوسهم بومضات من العزم والإرادة للولوج إلى عالم المعرفة والعلم، عالم حافل بكل جديد، بل بكل ما في الجدة من دلالات ومعان. وهو من خلال ذلك، يحثهم على المثابرة والمساهمة في النهوض بالوطن، مسترشدا في ذلك بقولة النبي صلى الله عليه وسلم: (العلم خزائن، مفاتيحها السؤال، ألا فاسألوا، فإنه يؤجر فيه، أربعة: السائل والعالم والمستمع والمحب لهم).
ويقول الإمام علي بن أبي طالب، لكيل: (يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعالم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالإنفاق...)
يلاحظ من هذا المؤمن العالم نافع وغني بنفسه، والعالم هو الذي يهدي إلى سبيل الله، وهو الذي يغتني بعلمه، لأنه بقربه من خالقه. (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة.. )
فالسؤال في العلم ضرورة واجبة ما دام العلم للجميع، فلا بد إذن من السؤال لكي تكون العملية التربوية معتمدة على حاجة المتعلم وإمكانات العالم على السواء. ومن هنا يمكن أن نستشف قيمة تلك التوجيهات الملكية السامية في مجال المسيرة العلمية والتربوية، وهي توجيهات من شأنها أن تساهم في خلق كطالب يناقش ويبدي قدراته العلمية والفكرية، ليصل إلى ما يوسع آفاق تصوراته وأفكاره. كما أنها توجيهات يعثر أو يجد من خلالها الطالب المغربي، حبا ورعاية وتوجيها يسدد به خطاه الحثيثة في حياته، ويلتزم بسمت العلماء الذين يحملون على أكتافهم أمانة العلم.
والأخذ بهذه التوجيهات، سيضمن سلامة المسيرة العلمية والتربوية لأبنائنا، كما سيضمن أن نجد هؤلاء الأبناء وقد تخرجوا من مختلف الجامعات والمعاهد العليا، ليبثوا في أرجاء وطننا العزيز معارفهم وعلومه وخبراتهم. فهم بحق موارد عذبة سائغة، ومنارات متوجهة شامخة، تجدد حياة الأمة، وتدفع بمسيرتها خطوات بعيدة الأمد، تتبوأ بها أرقى ما تتبوأ أمة من مكانة علمية رائدة ليعيدوا للوطن أمجاده الغابرة.
وإذا كان جلالة الملك، غالبا ما يركز في ضوء توجيهاته السامية على جانب الأصالة في تربية أبناء المغرب، فإن ذلك لم يمنعه من أن يحث أيضا على التعرف إلى ما يحمله التقدم العلمي والازدهار التكنولوجي من آفاق تساعد على مسايرة الركب الحضاري الحديث.
ومن هذا المنطلق يقول جلالة الملك:
"يجب أن يراعى في وضع مناهج التعليم شيئان: الحفاظ قبل كل شيء على أصالتنا. تلك الأصالة التي تميزنا بها م أن اجتاز طارق بن زياد البوغاز إلى أن اجتاز المغاربة الصحراء. فعلينا أن نحتفظ بتلك الأصالة، بتلك الأخلاق، بتلك البيئة، بذلك التطعيم الروحي الذي لا يمكننا أن نجده إلا في تعاليم الدين، وفي المحافظة على اللغة العربية. وهذه المقومات هي التي جعلتنا وستجعلنا نئن لكل شيء أصاب العرب وأصاب المسلمين، ولا نئن فقط، بل نتجند ونجود بالروح، ونجود بالمال بالعبقرية".
ثم يضيف جلالته قائلا:
"علينا أن نحافظ على الأصالة وعلى التراث، ولكن مع التوجه للمستقبل، وهذا التوجه للمستقبل تفرضه علينا عبقريتنا، ويفرضه علينا ماضينا.. علينا إذن بمعية الأصالة والحفاظ على الأصالة، والابتكار في إطار الأصالة، علينا أن نبحث على اللغات الأجنبية التي تمكننا من التعايش في القرن العشرين، والتي تمكننا من أن نصبح رجالا يفتخر بهم العرب والمسلمون والأفارقة..."
وهكذا، يبدو كيف رسم نصره الله في كثير من توجيهاته في مجال السيرة التعليمية ببلادنا، الاتجاه السليم والمنهاج القويم اللذين ينبغي أن يتخذهما مسار التعليم، وذلك بالمحافظة على الأصالة والشخصية المغربية، والاهتمام بكل أصناف العلوم، لأن من شأن ذلك أن يعكس آمال بلادنا وهي تتطلع دوما نحو المزيد من العطاء والإنجاز على مستوى كل الميادين. فطالما سعى جلالته بكل ماله من طموح وقاد، على أن يجتمع لأبناء شعبه أفضل ما في التراث الوطني والقومي، وأفضل ما أنتجه الخبرة العالمية، غايته – حفظه الله – التطلع إلى نوع المجتمع الذي يبتغيه ويرنو إليه، ونوع التربية التي تلائمه.
فلا غرابة إذن أن تهدف هذه التوجيهات السامية إلى تحرير الإنسان المغربي والتركيز على شخصية الأمة المغربية ومميزاتها وكيانها، وعدم التنكر للقيم الروحية المرتبطة بتاريخ هذه الأمة وتراثها الحضاري مع تفتح واع ومتوازن على حضارة الإنسان المتجددة, فطالما أكدت هذه التوجيهات على تربية المواطن المغربي تربية قويمة وعلمية، تحرره من كل التقاليد الاجتماعية المتخلفة، لخلق إنسان مغربي يتمتع بعقل علمي متفتح وأخلاق سامية، ووعي ناضج متبصر.
إن جلالة الملك، يسعى بكي يكون أبناء المغرب مستوعبين لمتطلبات الحياة الجديدة، وهم يعيشون معطيات ثورة علمية وتكنولوجية هائلة، حيث كل يوم هناك تطور يشمل كل مرافق الحياة. ولعل الإنسان الجديد، في مغرب القرن الواحد والعشرين، ستتبلور معالم شخصيته الإيجابية المدركة لحركة الواقع المعيش والباعثة في كيانه روحا وثابة تسير به نحو أفاق الطموح الواسعة، فليس لأحد إمكانية وضع توجيهات معينة بقطاع له حيوية وخطورته في نفس الآن، إذا لم يكن ذا تجربة متينة، وعقل مستنير وطاقة قوية، فمن خلال تلك التوجيهات، يمكن صياغة المناهج التربوية التي تسعف في العمل التربوي والتعليمي، إذ هي أداة خطيرة يجب أن توضع بحذر ووعي شديدين، وبتكامل وشمول وافرين. فمهمتها تكمن في بناء الأجيال، وتكوينهم تكوينا رصينا قائما على أسس متينة، لا تزعزها الخطوب ولا الأحداث الطارئة.وما فتئ جلالته يولي اهتمام واسعا لقطاع التعليم، اقتناعا منه أن الإنسان هو مركز الثقل، وأثمن ما في الوجود، والتخطيط لتعليمه وتكوينه محور التنمية والتقدم المنشودين. وما خلق الأكاديميات، وتأسيس المعاهد والكليات في كل جهة من بلادنا، غلا شاهد على مدى التفكير الجاد الذي يخص به جلالته قطاع التربية والتعليم. ولعل العمل في هذا النطاق، زاد من تشخيص الواقع التربوي وتصوراته المستقبلية، كما زاد في توضيح أبعاد السياسة التربوية التي تنهجها بلادنا، إلى جانب تحديد أهم المنطلقات التي ينبغي أن ترتكز عليها الفلسفة الاجتماعية في بلادنا.
إن هذه التوجيهات دعم حقيقي للعملية التربوية، ودفع للواقع التربوي إلى الأحسن والأفضل، وإضافة الجديد إلى التراث التربوي أيضا. وهذا دليل على إصرار جلالته على اعتماد الأسس العلمية والأسلوب المنهجي في التعامل مع الجوانب التربوية والعملية في بلادنا، ودلك بغية تحقيق إنجاز كبير يدعم خطواتنا المستقبلية.
ولا يختلف اثنان في أن الهدف من هذه التوجيهات، هو المحافظة قبل كل شيء على مقومات الشخصية الوطنية، مادامت تقوم على أساس مجموعة من الدعائم، هي في واقع الأمر، دعائم كل نهضة اجتماعية وفكرية وسياسية وثقافية واقتصادية لكل شعب ينشد التقدم والرقي، ويطمح إلى الحرية والكرامة والاستقلال. ونستطيع أن نلخص هذه الدعائم فيما يلي:
1- المزيد من إدخال الإصلاح على المجال التربوي كل خمس سنوات تقريبا، أو كلما دعت الحاجة إلى ذلك (تأسيس الأكاديميات مثلا إلى جانب إصلاح نظام الباكالوريا).
2- اختيار أحسن المناهج التربوية الكفيلة بإعداد الأجيال الصاعدة (النشاط المكثف للندوات والمناظرات الخاصة بالمفتشين والأساتذة)، بحثا عن الجديد الملائم.
3- تأسيس المدارس والمعاهد العليمة والجامعات في مختلف مناطق المغرب.
4- التكوين المستمر بغية مسايرة الركب الحضاري المعاصر.
وقد أصاب جلالة الملك حين قال:
"التعليم مراجعة مستمرة، وهو إكمال مستمر، وهو البحث عن الكمال دون نهاية.."
ولعل من شأن هذه الدعائم أن تقوي الشخصية الوطنية لأبناء المغرب، وتخلق فيهم مقومات ثقافية وحضارية ودينية ووطنية.
ولا شك أن الشعب المغربي جدير بهذا التكريم، فمنذ أن تسلطت الحماية على بلادنا، والشعب إلى جانب العرش، يد واحدة، تربطهما أواصر البيعة والطاعة منذ المولى إدريس الأول، وتجمعهما الآن مصالح الحاضر، وآمال المستقبل. وهذه الأواصر المتينة توجب القيام بالواجبات الوطنية من نهضة علمية وعمرانية واقتصادية واجتماعية، للمحافظة على شرف وطننا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here