islamaumaroc

عيد ميلادك عيد الأمة

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

إذا كان من الحقائق المسلم بها، والمعطيات المتفق عليها، أن التاريخ يعيد نفسه، فإن الأعراف والتقاليد تنبعث من نفس المجموعة البشرية، وتنمو بقدر جدواها وفاعليتها، إلى أن تفرض عناصرها ومدلولها على مختلف مجالات الحياة، فتصبح شرطا لازما، ومعيارا ضروريا، ومقياسا يكترث به كل ذي وعي وإدراك، عند تقييمه لحدود حضارة من الحضارات، أو بحثه حول ثروتها المبدئية، وعمق تفكير أبنائها، ودرجة سمو مبادئها وأخلاقها. ذلك أن التقاليد بنات عنصرين أساسين: حاجة وغاية، وكلاهما ينم عن مدى حسن الطوية، وبعد النظر، وصيانة الأعراض، والامتثال لما يأمر به الرحمان.
فليس كل عرف صالحا، بل إن كثيرا من العادات تتوفر في مجتمع معين على تحبيذ مطلق، بينما تتعرض لانتقاد لاذع في غيره، إن لم يرفض العمل بها وتطبيقها. وقد يرجع السبب في ذلك إلى ضعف أو فقدان أحد العنصرين المبررين لوجودها: فإما أن تكون الحاجة غير هادفة، وإما أن تكون الغاية المتوخاة ليست في المستوى المعنوي المرغوب فيه.
وقديما قيل: الحقيقة نسبية، وأن ما يومن به البعض لا يكون دائما حقيقة أكيدة بالنسبة للآخرين.
إلا أن بعض الأمم امتازت عبر التاريخ بحسن اختيارها، وجودة انتقائها، وقدرتها على التفكير الصالح، والابتكار الوجيه، خصوصا إذا نشأت على هدى وتقوى من الله، وشبت في أحضان الإيمان، وترعرعت في جو يهيمن عليه الانقياد إلى ما أوحى به الحالق. فهي طبعا تخضع لما تمليه الطبيعة، وينسفه المناخ، ويدعو إليه وجوب الدفاع عن الصحة البدنية، ولكن جميع مؤهلاتها تدفعها إلى اختيار الحل المناسب لطموحها، المواكب لأهدافها، المتجانس مع معتقداتها، فتحسن الخيار والاختيار، وتصبح مثالا يقتدى، ونموذجا يحتذى برصيدها الخلقي، ووفرة تقاليد مثالية، وأعراف نموذجية.
وهذا بالضبط، هو ما عرفه المغرب عبر تاريخه المجيد، وحقق معالمه على ممر الأحقاب والقرون، بفضل وحدة عقيدته وصفوفه، وتلاحك أجزائه، وتضامن أفراده، وشعوره بوجوب الدفاع عن وجوده وكرامته، وتصديه للتحديات والمؤامرات، فلم يبخل قط بالمجهود اللازم، والتضحيات الجسيمة، راضيا ومستميتا، وضامنا لنفسه ولأبنائه تقاليد عريقة لم تزدها الممارسة إلا نصاعة ومتانة.
إن موقع المغرب الجغرافي عرضه لكثير من الأخطار، وجعله وجهة المغرضين والمكتسحين، فعانى من مؤامراتهم وعنادهم، ولكنه حقق في كل مرة تلك الانتصارات التي مكنته من تعزيز مكانته، وصيانة سيادته، ولم يتأت ذلك إلا بفضل الجهاد الذي خاضه باستماتته التي أصبحت تقليدا لا يقبل الشك، وحقيقة لا تحتاج إلى برهان. ولم يمكن ذلك إلا بفضل الروح النضالية التي أعربت عنها باستمرار أجيال أبنائه في الماضي، والتي تطبع مواقفهم في الحاضر، تلك الروح التي تستمد مقوماتها من حقيقة لا جدال فيها، وهي أن الإنسان المغربي ذو إيمان وطموح، وإرادة واستعداد ووعي، وهذه هي مميزات الشباب.
ذلك أن الشباب إحساس وإدراك، ملكة واستعداد، مدلول لا يعتريه أي مركب، تحفز، وقابلية للعمل المجدي دون تردد ولا هوان، وولع ووجدان يحرك الساكن في خدمة الطموح، اشتياق إلى ما هو أفضل، ومجهود مسترسل لتحقيقه بيقظة وانتباه وسهر، حتى لا تضيع الفرصة وتنقضي المناسبة.
يقين بأن الإنسان خلق لحمل الأمانة من المهد إلى اللحد، إباء ورفضا للاستسلام أمام المشاكل وإن استعصت، والعقبات ولو تكررت وتشعبت. الشباب، أجمل شباب، هو شباب الفكر الذي يدوم ويبقى بعد أن تنتهي وتنقضي مرحلة الشباب، فكم من شاب لم يعرف من شبابه إلا مرور الأيام، وكم من شيخ فرض وجوده بشباب منجزاته ومبادرته.
إن الاحتفال بعيد الشاب، ابتكار جادت به عبقرية جلالة الملك الحسن الثاني، الذي بلور هذه المناسبة مؤهلات الشعب المغربي ومميزاته وغاياته، وذلك بمجرد استنباطه لعيد وطني يتجانس مدلوله مع خاصيات الأمة. ولم تكن هذه المبادرة الملكية الهادفة إلا عربونا ينم على غزارة ما تلاه من خلق وجودته، ومنجزاته وحسن تدبيرها، وتوجيهات وأبعادها، في إطار تلك الآصرة المقدسة بين العرش والأمة، والتي ما فتئ يعززها التجاوب القويم بين القمة والقاعدة، ووحدة النظرة إلى المستقبل، والمحبة المتبادلة، ونفس الإيمان برفعة وشموخ المبادئ والقيم، وذات الرؤية حول ما يجب أن يكون وما يتعين أن ينجز، وإرادة القائد في التفاني في خدمة شعب بايعه بإجماع مطلق، ولم يفتأ يعبر له عن تحبيذه لمجهوده، واعتزازه بوجوده وإعجابه بما يحققه لم ضمانا لمستقبل أجياله.
فلكل أمة خاصياتها، ولكل دولة أعرافها وتقاليد تميزها عن غيرها، أما بالنسبة للمغرب فهو البلد المسلم. ومن هنا تنجم جميع أوصافه: أنه البلد الديمقراطي الأصيل، لأنه مطالب بتكريم الإنسان، وهو البلد المسالم، عملا بقوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)، وهو البلد المجاهد كما تدل على ذلك مراحل تاريخه المقنع، وهو البلد الصبور الذي ما انفك يوثر أسلوب النقاش والتفاوض، وهو بلد الطموح المستمر الذي كان ولا يزال سبب تطوره وتقدمه، وهو البلد المتشبث بوحدة صفوفه التي هي سر استمراره واستقراره.
وإن هذا لبعض من كل، وجزء يسير مما يحتمه العهد الذي أخذه المغرب على نفسه عندما أكد في تصدير دستوره: المغرب مملكة دينها الإسلام.
ومن الطبيعي أن هذه الفرائض لا يمكن الامتثال لها واحترامها إلا بروح الإخلاص والتفاني وقدرات العزيمة الثابتة، ومجهود خاص يستند على القوة الفكرية طبعا، ولكنه يرتكز أيضا على المناعة المادية. ولا يتأتى هذا إلا للشعوب التي تتوفر على مؤهلات خاصة، وهي المؤهلات التي يعترف لها عادة للشباب.
منذ أن أخذ جلالة الملك الحسن الثاني بمقاليد الحكم، وتربع دام علاه على عرش أسلافه المنعمين، تكلأه عناية الله، يواكبه تحبيذ شعبه، ومحبته له، وتعلقه به، وإيمانه المطلق، واقتناعه التام، طبع حياة الأمة بسياسة حكيمة هادفة، أيقظت الإحساس والشعور، وحشدت العزائم، ورسمت الطريق، ونسقت المنهاج، ودعت إلى العمل الدؤوب لتحقيق أغلى المقاصد, ولقد آثر جلالته التصدي للمشاكل، وتحقيق المشاريع بعد إقرارها، وتشجيع الإقدام على أنجع البرامج الفردية، والجنوح إلى ما هو قمين بتحقيق المصلحة العامة بأسلوبه الخاص الذي ينبذ التردد، ويستند على الشجاعة، دون اكتراث بما يوجب ذلك من تضحيات، وما يتطلبه من كد وسعي وبذل.
لقد كان – حفظه الله -، ولا يزال، تفكيرا مستمرا، وطموحا وثابا، ويقظة لا تنقطع، وينبوعا لا ينضب، ومرشدا لا يضل، وموجها لا يخطىء، ومثالا للكرم لآرائه وأعماله، وللعطف بطبيعته، وملكا شغوفا بشعبه الذي يفضل تحقيق تطوره ورقيه على راحته، وضمان متطلبات صحته، أو شروط طمأنينته، ففي كل سنة، بل في كل شهر يعلن، - أطال الله عمره – عن مشروع جديد، أو مبادرة حكيمة ومتبصرة، تضيف إلى رصيد المغرب في هذا المجال أو ذاك لبنة مفيدة وصائبة.
وقد أكدت الأيام والسنون أن ما حققته الأمة المغربية من تقدم وازدهار، وما تجنبته من مساوئ وأخطار، بتوجيه من ملكها العظيم، وقائدها الملهم، يكون ثمرة تفكير عميق، وتنسيق حريص، واختيار وجيه ناتج عن تصميم محكم خططه جلالته منذ البداية، فأصاب التخطيط، وأنجزه فأحسن الإنجاز.
وهكذا تمرنت الأجيال تلو الأجيال على إيثار العمل ونبذ الخمول، فكانت تلك الانطلاقة المباركة التي جعلت من المغرب ورشا هائلا، ومن المغاربة شعبا خلاقا مبتكرا ومبدعا، غايته الاكتفاء الذاتي، غير مكثرة بالمنافسة الخارجية، لا يعتريه أي مركب، لأن عزيمته فوق كل فزع أو وجل، ولا يعوقه أي حاجز، لأنه التواق الحازم.
لقد أعطى جلالة الملك لأفراد رعيته، مواطنيه الشكورين، أفضل وأغلى مما كانوا ينتظرون من جلالته. فقد ضمن لهم الأمن والاستقرار، والنمو والازدهار، والديمقراطية الحقة التي تستند على قيم الإسلام، وتأخذ بيع الاعتبار مستوى حقيقته ودرجة تطوره، كما كفل له وسائل وحدة التفكير، ووحدة الصف، ووحدة التراب، والتشبث بوحدة المصير، وفوق هذا وذاك، زرع في النفوس وركز في الضمائر المعطيات المثيرة لمناخ ميزته الجوهرية أنه يتحلى بأوصاف الشباب، وإقدام الشباب وصموده.
يحتفل المغرب اليوم بعيد الشباب، وذكرى عيد الشباب، لأنه أحق من غيره بذلك، ولأسباب متعددة: ذلك أن الاحتفال بذكرى هذا اليوم الأغر، تأكيد للملحمة الخالدة الذي عاشها منذ استقلاله، والتي ما فتئت تساعده على تحقيق أغلى مطامحه وأبعد أحلامه، وامتثال وتشبث لما اتفق عليه إجماع الأمة، شكرا للخالق على عطائه ومننه، وعربونا على الاستمرار في تحمسه وحيويته واندفاعه، وتعبير صادق، وتأكيد مطلق، وصدع مثير بسمو تلك الرابطة القائمة بين الشعب وملكه، ودعوة إلى المزيد من المجهود حتى يحقق كل فرد حظه مما يدعوه ملكه إلى تحقيقه، وشهادة على أن القائد اختار أنجع السبل لضمان أجود مستقبل.
يحتفل المغرب بعيد الشباب، إذ من خاصياته الاعتراف بالجميل، ويبلغ التعبير عن اعترافه الدرجة القصوى عندما يتعلق الأمر بمناسبة يتوجه فيها إلى عاهله المفدى، مبتهجا وشكروا، مقتنعا وفخورا، ضارعا بصوت واحد، وفي إيمان وخشوع، إلى العلي القدير كي يكلأ بعينه التي لا تنام، ويصون بعنايته التي لا تنقطع ويحفظ بقدرته العليا، المشعل الوضاء الذي أنار طريقه ووجه خطواته منذ ثلث قرن، جلالة الملك الحسن الثاني، أطال الله عمره، وخلد في الصالحات ذكره.
وإذ اقترن عيد الشباب بعيد ميلاد العاهل العظيم، فالدر من معدنه، والمناسبة شرط، والعيد عيدان، كل منهما يثلج الصدور، ويقوي المعنويات، وينمي الإحساس، ويزكي التعلق، ويضيف إلى الشعور ما يسمو به إلى درجة الشغف.
إن عيد الشباب، إنما هو أحد تلك الأعياد المجيد التي ما فتئ جلالته ينسق معالمها، ويبين معانيها وأبعادها، ويحدد إبانها، وكأنها وقفات لازمة في مسيرة حياة الأمة، تغني رصيدنا، وتثري تقاليدنا، وتضيف إلى الوجدان ما هو قمين بإثارته، وتدعو الضمائر إلى التفكير، وكل فرد من أفراد الأمة إلى الوعي وحسن التدبير.
لقد أضاف جلالته – دام عزه وعلاه – إلى تقاليدنا دررا غالية، بنات طموح الوثاب، وعبقريته المبتكرة الخلاقة، ويقظته التي تنظر إلى المستقبل بعين التطلع الذي لا يلين.
إلا أن المناسبة خاصة، لأن العيد عيدان، والفرحة عارمة، والشكر عميق، والامتنان فوق كل إحساس، حيث تحتفل الأمة بذكرى عيد ميلاد قائدها العظيم يوم احتفالها بعيد الشباب. حفظها الله في ملكها، وفي إيمانها بالشباب الذي هو أيضا من ابتكار وإتقان جلالة الملك الملهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here