islamaumaroc

آثار الوقف في الحياة المجتمعية بالمغرب عبر التاريخ

  السعيد بوركبة

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

يمكن معالجة هذه الآثار من حيث إعانة الإنسان، ومن حيث الرفع من مستوى حياة الموقوف عليه من الوجهة التنموية: علمية كانت أو فلاحية، أو عمرانية، ومن حيث إسعافه بالعلاج، كإسعاف غيره من الحيوانات، ومن حيث الدفاع عن الأوطان.

1- آثار الوقف من حيث إعانة الإنسان:
تحتفظ الخزانات في المغرب بسجلات كثيرة، تتعلق بأوقاف تساند كثيرا من الناس، وخاصة الفقراء والمعوزين وذوي الحاجة.
ولذلك نرى منها ما جعل ريعه للمساكين، والأيتام، والأرامل وغيرهم...
وقد وسع الواقفون على المحبس عليهم،  فوقفوا حمامات وأرحية، وآبار، وسقايات للسبيل، كما وقفوا دورا للضيافة أو لإقامة حفلات الولائم بالنسبة لأعراس المقلين المقبلين على الزواج، إلى جانب ثياب وحلي يليق بالعرائس.
يضاف إلى ذلك مساعدة الأطفال الصناع الذين يكونون يشتغلون عند معلم ما، فتتكسر لهم بعض الأواني، ويخافون من عقاب معلمهم، فإذا بالمحسنين يقفون أوقافا خاصة بهذا، كما يقفون دورا للوضوء بالنسبة للنساء من أجل التطهر لأداء الصلاة.
إلى جانب هذا، جعلوا أوقافا خاصة بالغرباء، بغية تخليصهم مما يثقل كواهلهم من الديون التي في ذمتهم، كما جعلوا أوقافا، قامت وتقوم بدور فاعل في التآزر والتكافل المجتمعين، حيث يلاحظ إن الواقفين وقفوا كل أو جل ما يملكون على المعتوهين، والمقعدين، والزمنى والمكفوفين... وإن أوقاف أبي العباس السبتي في مراكش لأكبر شاهد ودليل على هذا...
فهذه المؤسسة، يلتجئ إليها المكفوفون، فيسعفون بما هم في حاجة إليه من أنواع الإسعاف والرعاية، كما نجد أوقاف سيدي على بوغالب، تساند ملجأ كبيرا لأصحاب القروح والجراح.
وإذا كانت الأوقاف تخفف من ويلات الأمراض والعاهات، فإن هنالك أوقافا تتوفر على كثير من الأموال وضعت خصيصا لتسليفها من أجل المحتاجين بدوه فائدة، ولا عوض، كانت هذه الأموال موضوعة بخزينة في قبة القيسارية بفاس، يستقرض منها المحتاج، ويعيد القرض متى وجد...
وإذا كانت هذه القروض في النقود، فإن هنالك قروضا أخرى في الطعام، وقفها أصحابها من أجل تسليفها للمزارعين المحتاجين إلى البذور على أساس ردها إلى خزينتها متى تأتى لهم ذلك.

2- أثار الوقف من حيث الرفع من مستوى حياة الموقوف عليهم من الوجهة التنموية:
إن رفع مستوى حياة الموقوف عليهم، يمكن تداولها من وجهات: التنمية العلمية، والفلاحية والعمرانية.

أ‌- الرفع من مستوى حياة الموقوف عليهم من وجهة التنمية العلمية: (كجانب مجتمعي)
من الملاحظ أن الأوقاف الخيرية أو العامة. قامت وما تزال تقوم بدور فعال في تنمية الحركة العلمية، وتنشطيها في المغرب، سواء في المساجد، أو في المراكز العلمية الإشعاعية التي يتلقى فيها الطلبة أنواع العلم، وضروب المعرفة والبيان...
ومنها تخرج علماء أفذاء، يعتبرون قمما في مختلف المعارف والفنون.
ومن أكبر المساجد التي كانت زاخرة بالمعرفة في المغرب، ويؤمها الطلبة من مختلف الآفاق:
1- مسجد القرويين بفاس.
2- مسجد ابن يوسف بمراكش.
وهذان المسجدان هما المعبر عنهما فيما قبل بجامعتي: القرويين وابن يوسف... وهما أثران من آثار الأوقاف، وقد كان يتولى التدريس فهما علماء كبار، عرفوا برصيدهم العلمي الواسع... وقد كانوا يعطون رواتب مهمة من طرف الأوقاف، تكفيهم مؤنة الحياة، كما كان الطلبة يتلقون منها منحا تساعدهم على الاعتراف من مناهل المعرفة، زيادة على السكن الذي يوفر لهم – مجانا- في مدارس، أو في فنادق مساعدة لها في السكن.
وتجدر الملاحظة إلى أن الدولة المرينية – وهي من الدول التي تعاقبت على حكم المغرب – كانت تحرز على قصب السبق في إنشاء هذه المدارس والفنادق.
ومن بين المدن المغربية التي اشتهرت فيها هذه المدارس: مكناس، وفاس، ومراكش، وسلا.
ويجب لفت النظر إلى أن الملوك الذين اشتهروا في الدولة المرينية بإنشاء هذه المدارس هم:
• أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني:
بويع سنة 667 هـ وتوفي سنة 684 هـ ومدة إمارته كانت 17 سنة.
• أبو سعيد عثمان بن عبد الحق.
بويع سنة 710 هـ ومدة إمارته كانت 21 سنة.
• أبو الحسن على بن سعيد: (1)
بويع سنة 731 هـ، وتوفي في سنة 752 هـ ومدة إمارته كانت 21 سنة.
• أبو عنان فارس بن أبي الحسن:
وهذا أخذ البيعة لنفسه عندما طال مكث أبيه بتونس سنة 749 هـ وتوفي سنة 759 هـ ومدة إمارته، كانت حوالي 10 سنوات.
أما المدارس التي أسسها أبو الحسن، فمنها:
1- المدارس الفخمة بمراكش، الواقعة قبلي جامع ابن يوسف المعروفة بمدرسة ابن يوسف، وتعتبر آية في الإبداع، نقشا وزخرفة وإتقانا في البناء.
2- المدرسة العظمى بطالعة سلا، الواقعة قبلي المسجد الأعظم منها، بناها رحمه الله على هيئة بديعة، وصنعة رفيعة، وأودع جوانبها من أنواع النقش، وضروب التخريم ما يحير البصر، ويدهش الفكر، ووقف عليها عدة أوقاف... (2)
3 - المدرسة التي بغربي جامع الأندلس بفاس، وهو ما يزال ولي عهد أبيه أبي سعيد عثمان، وبنى حولها سقاية ودارا للوضوء، وفندقا لسكنى طلبة العلم، وجلب الماء إلى ذلك كله من عين خارج باب الجديد أحد أبواب فاس، وأنفق على ذلك أموالا جليلة، تزيد على 100 ألف دينار، وشحنها بطلبة للعلم وقراء القرآن، وحبس عليها رباعا كثيرة، ورتب فيها الفقهاء للتدرس وأجرى عليهم الإنفاق والكسوة، نفعه الله بقصده. (3)
4- المدرسة الجديدة بمكناس
وكان قد أمر قاضيه على المدينة أن يتولى الإشراف على بنائها، ولما تم البناء جاء إليها من فاس ليقف عليها، ويرى عملها، وصنعتها، فقعد على كرسي من كراسي الوضوء حول صهريجها، وجيء بالرسوم المتضمنة للتنفيذات اللازمة فيها، ففرقها في الصهريج قبل أن يطالع ما فيها، وأنشد:
لا بأس بالغالي إذا قيل حســـن
ليس لما قرت فيه العين ثمــن (4)
وأما المدارس التي أنشأها وولده أبو عنا فارس، فهي:
1- المدرسة البوعنانية بفاس
2- مدرسة بحارة باب حسين، من سلا، وقد حول إلى فندق.
وأما ما أسسه جده أبو سعيد، عثمان سنة 720 هـ في الصدد، فهو:
1-  المدرسة التي بفاس الجديد، فبنيت أتقن بناء، وأحسنه ورتب فيها الطلبة لقراءة القرآن والفقهاء لتدريس العلم، وأجرى عليهم المرتبات، والمؤن في كل شهر، وحبس عليها الرباع والضياع، ابتغاء ثواب الله، ورغبة فيما عنده (5).
2 – المدرسة العظمى بإزاء جامع القرويين بفاس.
وتعرف بمدرسة العطارين، وقد حضر أبو سعيد بنفسه في جماعة من الفقهاء وأهل الخير حتى أسست، وشرع في بنائها بمحضره، فجاءت هذه المدرسة من أعجب مصانع الدول، بحيث لم يبن ملك قبله مثلها...(6)
ومما هو معلوم، أنه كانت هنالك كراسي علم، وقفت عليها أوقاف، تتناول تدريس مختلف ضروب المعرفة من تفسير وحديث وسيرة نبوية، وفقه ولغة عربية وبلاغة وغيرهما، ضمانا لاستمرار أداء رسالتها...وقد تنسب بعض الكراسي منها لأفراد من كبار العلماء، مثل كرسي ابن غازي، وكرسي الونشريسي، وكرسي القيسي.(7)

ب- الرفع من مستوى حياة الموقوف عليهم من وجهة التنمية الفلاحية:
مما لا شك فيه، أن هناك كثيرا من الأراضي العارية الموقوفة على الغير، قد شجرت بمختلف أنواع الأشجار من أجل الانتفاع بغلاتها من طرف المحبس عليهم، إلا أنه يعوزنا – الآن – إعطاء إحصائية أو نماذج عنها، ولكنه يمكن الاسترشاد بما ورد من إحصاء في المخطط الثلاثي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب لسنوات 1978-1980...
فقد جاء في هذا الإحصاء: أن الوزارة..قامت بتشجير:10,105 هكتار من أجل الاستفادة من غلاتها، كما قامت باستصلاح أرض شاسعة، تقدر ب 9,356 هكتار، وها هي أسماء البلدان التي وقع فيها الاستصلاح والتشجير. (8)
أولا: بالنسبة لاستصلاح الأراضي:
1- فاس: القرويين: 1700 هكتار، أحواز فاس: 830 هكتار، المارستان: 470 هكتار.
2- وزان: 1100 هكتار.
3- بني ملال، وأزيلال: 1060 هكتار.
4- مكناس: 890 هكتار.
5- مراكش الكبرى: 510 هكتار، والصغرى: 380 هكتار.
6- منطقة بين صفرو وبولمان: 640 هكتار.
7- تازة: 580 هكتار.
8- الرشيدية: 630 هكتار.
9- الصويرة: 400 هكتار.
10- تارودانت: 120 هكتار.
11- العرائش: 300 هكتار.
12- القصر الكبير: 300 هكتار.
ثانيا- وبالنسبة للتشجير:
1 - الشاون: (الإقليم) 500 هكتار + 400 هكتار= 900.
2- زاكورة: 100 هكتار + 16 هكتار= 116.
3- الحسيمة: 30 هكتار.
4- الرشيدية: 175 هكتار.
ج – الرفع من مستوى حياة الموقوف عليهم من وجهة التنمية العمرانية:
يمكن تناول التنمية العمرانية بالنسبة للأراضي الموقوفة في نطاق المخطط الثلاثي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لسنوات: 78-1980 في تجزئة الأراضي وتجهيزها، وبناء المؤسسات الدينية والمجتمعية، وبناء الأملاك ذات العائد.
بالنسبة لتجزئة الراضي وتجهيزها:
فقد قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتجزئة عدة أراض، وتجهيزها، توسعة على المواطنين في إيجاد أحياء سكنية وتخفيف من الأزمة الخانقة بالسكان...?
وتقدر الهكتارات التي جعلت في هذا السبيل بحوالي 642 هكتار موزعة على 28 بلدا... (9) وفيما يلي أسماء البلدان التي وقدت فيها التجزئة مع محتواها من الهكتارات:
1- مراكش 200 هكتار.
2- مولاي ادريس زرهون: 150 هكتار.
3- سلا: 120 هكتار.
4- مولاي بوسلهام: 35 هكتار.
5- القصر الكبير: 30 هكتار.
6- تازة: 17 هكتار.
7- بين إقليم تارودانت وفاس: 15 هكتارا.
8- الشاون: 10 هكتارات.
9- الحسيمة: 10 هكتارات.
10-  الناظور: 10 هكتارات.
11- وجدة: 10 هكتارات.
12- الرباط: 6 هكتارات.
13 – سطات: 6 هكتارات.
14- وزان: 6 هكتارات.
15- البيضاء: 4 هكتارات.
16- تطوان: 4 هكتارات.
17- تارودانت: هكتار.
18- زاكورة: هكتاران.
19- طنجة: هكتار.
20- سيدي سليمان: هكتار.
21- صفرو: هكتار.
22- الجديدة: هكتار.
23- بني ملال: هكتار.
- بالنسبة لبناء المؤسسات الدينية والمجتمعية:
أما بالنسبة لبناء هذه المؤسسات، فيمكن تناولها، بناء على الخريطة التي توضح مواقع البناء من خلال المخطط الثلاثي لوزارة الأوقاف (10) كما يلي:
- المؤسسات الدينية (المساجد):
أوضحت الخريطة أن الأقاليم التي بنيت فيها هذه المؤسسات تعد ب: 13 إقليما، وهي كما يلي:
1- إقليم طنجة: مسجد.
2- إقليم الحسيمة: مسجدان.
3- إقليم الناظور: مسجد.
4- إقليم وجدة: مسجد.
5- إقليم تازة: مسجدان.
6- إقليم تاونات: مسجدان.
7- إقليم فاس وصفرو: 4 مساجد.
8- إقليم بولمان: مسجدان.
9- إقليم بنسليمان: مسجد.
10- إقليم الخميسات: 3 مساجد.
11- إقليم بني ملال: مسجدان.
12- إقليم الراشيدية: مسجدان.
13- إقليم تارودانت: مسجد.
المؤسسات المجتمعية:
وأما المؤسسات المجتمعية، فقد اكتفت الخريطة بمؤسستين:
1- عبارة عن مركز ثقافي بطنجة.
2- عبارة عن مأوى للمكفوفين بمراكش، ويقع هذا المأوى في مساحة هكتار من أجود أراضي الأوقاف بلغت قيمته: 350 مليون سنتيم..
ونعود إلى الكلام عن المؤسسات الدينية (المساجد) نظرا لما لها من أهمية كبرة في الحياة الإسلامية.
فهذه المؤسسات كانت وما تزال في ازدياد مستمر منذ عهود الإسلام الأول إلى عصرنا هذا...
وإذا أردنا أن نعطي عنها نظرة قبل المخطط الثلاثي لـ: 1978- 1980 لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فإننا نلاحظ أن المخطط الذي كان قبله مباشرة من 1973-1977، كان يعرف أهم المؤسسات الدينية... وقد خصص لبنائها في هذه الفترة اعتماد مالي قدره: 85.850.000.00 درهم رصد بشكل رئيسي لمشاريع ذات أهمية وطنية.
وقد قامت الوزارة في إطار ما خصص لها من اعتمادات بإنفاق ما قدره: 12.039.095.54 درهم لإنجاز المشاريع الآتية أو الشروع فيها:
• مسجد القاعدة الجوية بالقنيطرة.
• مسجد الطوية بوجدة.
• مسجد الحي الجامعي بالرباط.
• مسجد محمد الخامس، بطنجة.
• مسجد السلام بسلا.
• مسجد بمدينة العيون.
• مسجد لبروفيل بالكابون.
• مسجد بداكار، عاصمة السنيغال.
• مسجد بنواكشوط، عاصمة موريطانيا.
إلى جانب إنجاز 77 مسجد بمختلف أقاليم المملكة المغربية، وقد تطلبت اعتمادات مالية، قدرها: 22.109.151 درهم، كما أنها قامت بترميم وإصلاح عدة مساجد أخرى، بلغت تكاليفها 8.191.927 درهم (11).
بناء الأملاك ذات العائد:
وقد استطاعت وزارة الأوقاف أن تستثمر أموالها في مشاريع هامة تعود بالنفع الجزيل على المواطنين ومن بين هذه المشاريع:
تشييد عمارات سكنية تشتمل على 308 دار، وعلى 103 متجر، وبناء 11 حماما، و 3 أفران وطبقات خاصة بالمكاتب 45، وقاعتان للسينما، و 3 متاجر، ومطعم.
وهذه الطبقات وما بعدها هي ما يدعى بالمركب التجاري المسمى بالأحباس في الدارالبيضاء.?
وقد أنشأ بمقتضى اتفاقية أبرمت بتاريخ 15 يوليوز 1975، بين صندوق أبي ظبي للإنماء الاقتصادي العربي، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث تعهد الصندوق بتمويل هذا المشروع فوق أرض تملكها وزارة الأوقاف، بشارع الجيش الملكي بالدارالبيضاء، مساحتها 5.000 متر مربع بواسطة قرض طويل المدى بدون فائدة.
ويشتمل المشروع على بناء ثلاثة أبراج مسدسة الزوايا، ومسندة بنواة رئيسية تضمن صلابة المجمع إزاء الزلازل، وتتكون الأبراج الثلاثة بالتتابع من 20 و 14 و 11 طبقة أرضية، وطبقتين سفليين مخصصة كلها للمكاتب.
أما المطعم فيشمل مساحة 1300 متر مربع، وأما قاعتا العرض السينمائي فتتكون إحداهما من 330 مقعدا وثانيتهما من 430 مقعد، مما يجعل المجمع برمته يتكون من 16.000 متر مربع.
وقد كانت التقديرات الأولية للمشروع، تبلغ: 830.000.000.00 درهم، في حين لم تتغير قيمة القرض المتفق عليه. (12)
- بناء أو المساهمة في بناء مساجد بالخارج:
وقد ساهمت الأوقاف المغربية في زخرفة مسجد النيلين –بأم درمان- بجمهورية السودان، كما ساهمت في زخرفة المركزين الإسلاميين في كل من بروكسيل ببلجيكا، وجنيف بسويسرا مع تجهيز مسجد سيول بكوريا الجنوبية، ومسجد لندن بانجلترا بمنبرين، يجسمان روعة الفن الأصيل. (13)

3- آثار الأوقاف من حيث إسعاف الإنسان الموقوف عليه بالعلاج أو إسعاف غيره من الحيوان والطيور:

أ- إسعاف المرضى من الإنسان:
من الغني عن البيان، أن الأوقاف أدت أدوارا عظيمة في مكافحة كثير من الأمراض لدى الإنسان، وينفيها عنه أكثر من إنشاء مستشفيات، ومصحات – تخفف عنه من بلوائها، سواء كانت تلك المستشفيات، أو تلك المصحات، تتعلق بعلاج أمراض عضوية، أو بعلاج أمراض نفسية أو عقلية.
فبالنسبة للأمراض العضوية، قد أسس لها مستشفيات ومصحات، وأرصدت لها أوقاف كثيرة، تجعلها تقوم بواجبها أحسن قيام، مع تيسير الأطر التي تعنى بعلاج المصابين، أو بالتخفيف عنهم مما يحسون به من آلام.
وبالنسبة للأمراض النفسية أو العقلية أو العصبية، تدأب على معالجة كل الأمراض المستعصية،  ومحاربة مختلف العقد التي يمكن أن تكمن في نفسية الإنسان، وتسيطر بالتالي على إدارته.
وهذه المستشفيات العقلية أوالبيماريستانات، قد عرفها العالم العربي في أبعد عصوره، ومن بينه: المغرب، فقد أنشئت فيه هذه البيماريستانات، وخصصت لها أوقاف تجعلها تقوم بمهامها أحسن قيام.
ويرجع إنشاء البيماريستانات في المغرب إلى عهد الدولة الموحدية التي برزت في غضون القرن 6 الهجري، وقد استمرت هذه البيماريستانات حتى أواخر الدولة المرينية، وكان العهد المريني زاخرا بهذه المصحات، وملوكه يتنافسون في كل أنواع البر والإحسان.
فقد أورد الدكتور عبد الهادي التازي (14) أنه كان للسلطان أبي الحسن المريني فضل تجديد المارستان في مدينة فاس، واقتفى أثره السلطان أو عنان المريني في العناية به، والتحبيس عليه، فكان قدوة لعدد من المحسنين والموسرين الذين أشفقت قلوبهم على الأسرة ولمنكوبين، فقدموا العطاءات الجزيلة المتوالية، فملم تر مدة حتى كان للمارستان نظارة على حدة، تتعهد المصابين والمتعبين بأمراض نفسية، والمحرومين والغرباء.
ومما تجدر ملاحظته أن إنشاء هذه البيماريستانات غالبا ما يكون خارج المدينة تتعلق بالأمراض العضوية، غلابا ما تكون في المدينة إلى أن البيماريستانات لا تقل جودة وإتقانا وحسنا عن المستشفيات، وقد تكثر هذه المستشفيات والبيماريستانات، أو تقل حسب أهمية البلد، ومكانته العلمية والإدارية، وقد كانت فاس، ومراكش من بين البلدان المشهورة بهذه المصحات، ويعرف منها الآن بفاس سيدي فرج الكائن بالعطارين عند سوق الحناء، ولم يكن هذا المستشفى خاصا بالإنسان، بل كان يشمل حتى الحيوان والطير، ومن بين الطيور التي كانت تعالج فيه طيور اللقلاق، ويسمى عندنا بالدارجة (بلارج)، وكانت له أوقاف خاصة به، أضف إلى ذلك، أنه كانت فيه أوقاف خاصة بالموسيقيين الذين يعزفون للمرضى كل أسبوع ليخففوا عنهم الآلام، كما كانت ينفق من أوقافه ما يتطلبه غسل الموتى الغرباء، وتكفينهم وإقبارهم,
ومن بين المدن المغربية التي اشتهرت بهذه البيماريستانات مراكش – الرباط – سلا – مكناس – تازة – وآسفي.
أما مراكش، فكان بماريستانها. بالطالعة ما بين حومة سيدي إسحاق وازبزط، وحارة السورة، وقد حول إلى مصنع النجارة منذ مدة.
وأما الرباط، فقد كان بماريستانها قرب سوق الصباط ما بين مطبعة المعارف ومدارس محمد الخامس، وقد تحول إلى دار القرآن، وينسب هذا البيماريستان إلى السلطان المريني عبد العزيز الأول...
وأما سلا، فقد كان بيمارستانها قرب فندق أسكور في حي باب حسين، وكان يعالج المرضى والمعتوهين.
وأما مكناس، فقد كان يعرف بيماريستانها في حي الحمام الجديد.
وأما تازة، فقد كان يعرف مستشفاها بمستشفى أبي عنان..
وأما آسفي، فيقول عن مستشفاها لسان الدين بن الخطيب، أنه يرجح أن يكون من تأسيس أبي عنان، وقد دمره الغزو البرتغالي بصفة نهائية.

ب- إسعاف المصابين من الحيوان والطير:
إن الواقفين لم يقتصروا في وقف أموالهم على إسعاف الإنسان فحسب، وإنما زادوا فوقفوا أموالهم على إسعاف المصابين من الحيوان والطيور على اختلاف أشكالها، وتباين أجناسها.
ويتعهد الأطباء البيطريون بعلاجها وإسعافها عندما تصاب بمرض ما أو تنكسر أضلاعها، أو أجنحتها، بل أحيطت بمزيد من الرعاية والاهتمام، بصفة ملحوظة، حتى في توفير القوت لها، حيث خصص ريع عدد من الفدادين لشراء الحبوب لتغذيتها، ولتغذية الحيوانات العجماء، التي لا تملك التعبير عن حاجاتها.
بالإضافة إلى ذلك، جعلت ثقب كثيرة في أسوار المدينة وغيرها من أجل تساكنها وتوالدها.
4- آثار الأوقاف من حيث الدفاع عن الوطن مما يتهدده من مصائب:
مما لا ريب فيه، أن الأوقاف العامة كان لها دورها الأكبر في الدفاع عن الوطن مما يتهدده من ويلات، خاصة عندما تكون الدولة في حاجة إلى الأموال... ولهذا نجد الأوقاف تسهم بحظ وافر في تجهيز الجيوش، وشراء الأسلحة والمعدات الحربية، وهكذا نجد التاريخ يحدثنا أن المنصور السعدي استعان بأموال الأوقاف لتسيير حملة عسكرية لقمع تمرد نشب داخل البلاد، وقد بلغت تكاليف ذلك: ثمانين ألف دينار. (15)
ولا يفوتنا بهذه المناسبة، أن نذكر بمساهمة الأوقاف في حدث المسيرة الخضراء، تلكم المسيرة الخالدة المظفرة، التي استرجع المغرب صحراءه على إثرها.
فقد غذتها الأوقاف بما لا يقل عن 205 من العلماء والوعاظ والمرشدين كما طبعت المصاحف القرآنية التي جعلها المتطوعون سلاحهم الوحيد. من أجل ما سبق ذكره عن الأوقاف، يتجلى لنا مالها من آثار جليلة في الحياة المجتمعية، واعتبرت – بحق – أداة صادقة للضمان المجتمعي...
وهكذا عرف الإسلام الضمان المجتمعي على أوسع نطاق، ونادى إليه في أكمل صوره، وفي أرقة مظاهره، قبل أن يعرفه الغرب منذ عدة قرون..
وأختم هذا البحث بالقصيدة الشعرية التي جادت بها قريحة العلامة الأديب عميد كلية الشريعة بفاس، ورئيس المجلس العلمي بها الحاج أحمد بن شقرون حيث قال:
أصخ تدر ما أسدى أخ الذوق من جــدا
وفي حبس يستحسن السبـق للخيـر
إذا عطب اللقلاق يوما، فإنـــه
بمال من الأوقاف يحبر مـن كسـر
وإن لم تجد أنثى مكانا لعرسـهــا
فدار من الأوقاف تنقذ من فـقــر
وإن لم تجد عقدا لـجيد، فإنـــه
يعار من الأوقاف، يوصـل للخـدر
وإن جن مجنون، فإن علاجــه
بمال من الأوقاف يصرف للغيــر
تعالج موسيقى دماغا مـن الأذى
بها يعزف الفنان مبتـسم الثغــور
وقد وقفـوا جبر الأواني، ربــما
يهشمها طفل، فتقطــع من أجـر
ولكن بمال الوقف يأخذ غيــرها
بلا عوض منه، فيسلم من خســر
وقد وقفوا دار الوضوء لنســوة
يردن صلاة في حياء وفي ســتر
وقد وقفوا وقفا يخص مؤذنــا
يؤذن للمرضى، بعيدا من الفجـر
ليكشف عنهم من كثافـة غربــة
حجاب ظلام الليل، والسقم والوتر
مبرات أوقاف الألى قصدوا إلـى
 معان من الإحسان حلت عن لحصر
ومجمل القول، إن للأوقاف الإسلامية بالمغرب، أثرا كبيرا في الحياة المجتمعية استطاعت أن تؤدي خدمات جلى لكثير من المحتاجين والمعوزين، والأيتام والأرامل، والزمنى والمقعدين وغيريهم.
وحتى لا أطيل في الكلام، أذكر بقول مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"نضر الله امرءا سمع مقالتي، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، وحامل فقه إلى من هو أفقه منه".
ونظرا لما لهذه المنقبة الكبرى، وهذه المكرمة العظمى، لمن يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم فيعيه، ويبلغ لغيره كما سمعه، فإني أعود فأذكر بقول النبي الكريم:
"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

1) وعنه قال العلامة المرحوم الأستاذ عبد الله بن العباس الجراري الرباطي: إنه ركب البحر لدى سنة 750 هـ راجعا من تونس، بعدما شحن أساطيله الستمائة بالأقوات، وكان الفصل الشتاء، وأثر ما احتاجوا إلى الماء، فقصدوا مرسى بجاية، فمنعهم صاحبها (الحفصي) من الورود، وأوعز إلى سائر سواحله بطردهم، فلم يجدوا بدا من الإقلاع، ثم عصفت بهم الريح، وجاءهم الموج من كل مكان، وتكسرت الجفان، وغرق الكثير، وقذف الموج بأبي الحسن علي حجر قرب الساحل من بلاد أزواوة عاري الجسد، وهو يشاهد مصارعهم إلى أن تداركه الله بجفن كان قد سلم، فبادر إليه أهله واحتملوه إلى مدينة الجزائر، ولما احتل بها، تمسك أهلا بطاعته، وقد أبان – المرحوم الجراري- بأنه هلك من كان معه من أعلام المغرب، وهو نحو 400 عالم منهم: أبو عبد الله محمد بن سليمان السبطي، وأبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسي، والأستاذ أبو العباس الزواوي وغيرهم – من تاريخه ج 3 ص: 81/82. وانظر في هذا أيضا الاستقصا ج 3 ص: 170-172.
2) انظر تاريخ الاستقصا... لأبي العباس أحمد الناصري، ج 175.
3) الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى، ج 3 ص: 111-112.
4) الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى، ج 3 ص: 176-177.
5) نفس المصدر أعلاه ج 3 ص: 111.
6) المصدر السابق ج: 3 ص 112.
7) انظر مجلة دعوة الحق العدد:5، ص: 95 للأستاذ محمد المنوني وكذلك كتاب: مدرسة الإمام البخاري في المغرب، للدكتور يوسف الكتاني ج-ص: 400-410
8) انظر خريطة استصلاح الأراضي وتشجيرها، كتاب الأوقاف في مواكبة مسيرة النماء، ص 82 لسنة 1398هـ-1978م.
9) انظر خريطة الأراضي وتجهيزها... خلال المخطط الثلاثي لوزارة الأوقاف 78-1980 في كتاب الأوقاف في مواكبة مسيرة النماء، ص: 155 إعداد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لسنة 1388 هـ/1978.
10) انظر كتاب: الأوقاف في مواكبة مسيرة النماء، أعلاه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص: 156 سنة 1398هـ/1978م.
11) انظر الأوقاف في مواكبة مسيرة النماء ص: 85-86.
12) انظر: كتاب الأوقاف في مواكبة مسيرة النماء ص: 145.
13) انظر: نفس المرجع أعلاه ص: 86.
14) في كتابه القيم: جامع القرويين ج2 ص 457.
15) انظر كتاب: جامع القرويين للدكتور عبد الهادي التازي ج 2 ص 476 وكذلك كتاب: الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى ج ص.160.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here