islamaumaroc

من معالم العهد الحسني: دار الحديث الحسنية وكيف ينبغي أن تكون.

  يوسف الكتاني

العدد 284 ذو الحجة 1411/ يوليوز 1991

في غمرة الإنبعاث والصحوة التي تعيشها الأمة الإسلامية جمعاء، والتي تستحثها إلى اكتشاف ذاتيتها، والتشبث بهويتها، والعودة إلى أصلتها، والتمسك بمقوماتها السياسية، كم هو جدير بالمسلمين اليوم وقد بدأوا يعيشون عصر نهضتهم، أن يأخذوا بوسائل البعث الإسلامي، ويكفوا عن الجري وراء كل أجنبي، وذلك بالرجوع إلى دينهم الحنيف، وكتابهم الكريم، وهدي نبيهم العظيم، ليبنوا ويجددوا على هداه دولهم ونظمه وحياتهم.
وفي غمرة احتفالاتنا بعيد الشباب المجيد، نغتنم مناسبة هذا العيد الوطني، لننشر صفحة رائعة من صفحات عهدنا ونتحدث عن درة فريدة في جبين امتنا، المجيدة ونباهي بمعلمة حضارية فكرية إسلامية منن معالمنا العتيدة، تلك هي دار الحديث الحسنية، التي تنفرد بلادنا من بين بلاد العالم الإسلامي بوجودها فيها، ومكانتها المتميزة من دون سائر المؤسسات الثقافية العليا، وذلك من حيث تخصصها، ومناهجها، وعطاؤها، وآثارها.
لذلك ينبغي قبل أن نعرف بها، وبالمراحل التي مرت بها، وبخريجيها، ورسائلها، وأطروحاتها، وبآفاقها ومستقبلها، أن تحدث عن الهوية الأساسية لبلادنا، والبواعث الداعية لإنشائها، والأسباب الرامية إلى قيامها.
ينص الفصل الأول من الدستور المغربي على أن المغرب دولة دينها الإسلام، ولغتها العربية، وهو تقرير لما جاء في الفصلين المماثلين له في الدستورين السابقين.
إن ما سجله الدستور المغربي في فصوله المذكورة ليس إلا تأكيدا لحقيقة قائمة، وهوية ثابتة، عرفها المغرب، وعاش عليها، وبها منذ الفتح الإسلامي في النصف الأخير من القرن الهجري الثاني،  على يد الفاتح الأعظم المولى إدريس الأكبر سنة 172هـ، ومنذ ذلك التاريخ الخالد، أصبح الإسلام هوية المغرب الثابتة، ونظامه العام الدائم، ودينه الوحيد الذي عاش عليه، وتمسك به، وقامت أنظمته وقوانينه وأعرافه وحياته عليه، من دون تبديل أو تغيير إلى اليوم، وسيبقى على ذلك إلى أن يرث اله الأرض ومن عليها.
وقد عرف خلفاء المغرب وملوكه منذ الفتح الإسلامي هذه الحقيقة الكبرى، فآمنوا بها، واعتزوا بالإسلام، وحكموا بنصوصه، والتزموا بأوامره ونواهيه. وحملوا الرعية على ذلك فيما يسنون ويخططون، وفيما يبرمون وينقضون في سلمهم وحربهم، وفي سياستهم وحمكهم، وفي علاقاتهم مع الأفراد والجماعات، ومع الشعوب والأمم، حتى اشتهرت بلادنا في مقدمة الدول الإسلامية الأصيلة التي تعتز بعقيدتها وكيانها الإسلامي.
ومن هذا المنطلق أيضا، كان ملوك المغرب وخلفاؤه يجعلون من العلماء وزراءهم ومستشاريهم ومساعديهم، ويرجعون إليهم في النوائب والمهمات، كما يعتمدون عليهم في التشريعات والتخطيطات، وهكذا لم يخل بلاط مغربي أو قصر ملكي، من علماء ممن بين المقربين للملوك ومستشاريهم ووزرائهم، واشتهر كثير من أولائك العلماء ممن عرفوا بالإخلاص في النصح والثبات على المبدإ، واستهداف المصلحة العليا للبلاد، فيما يفتون به أو يشيرون من رأي، وذلك طوال تاريخنا من دون استثناء، بل إن دول المغرب المتعاقبة على حكمه وفي مختلف العهود، قامت وتأسست على يد عملاء صلحاء، وملوك عظماء، كانوا يتقدمون المحاورات والمناظرات، ويشاركون في التصنيف والتأليف، أمثال المولى إدريس بن عبد الله أحد رجال صحيح البخاري وإدريس الأزهر الذي أدخل مذهب مالك إلى المغرب وأقامه ونشرهن، وعبد الله بن ياسين مؤسس الدولة المرابطية، والمهدي بن تومرت عظيم الموحدين وداهيتهم، وأبي عنان المريني، والمنصور الذهبي، والمولى علي الشريف، ومحمد بن عبد الله، والحسن الثاني علم ملوكنا، ورائد نهضتنا المعاصرة حفظه الله.
وهكذا لم يكد يمر علة الفتح الإسلامية بضعة عقود، حتى تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس 245 هـ/859م، والتي تعتبر أقدم جامعة سبقت الأزهر الشريف بأكثر من قرن من الزمان 358هـ/969م، ولم يمض على إنشاءها وقيامها سوى فترة يسيرة، حتى اكتمل نشاط هذه الجامعة العتيدة، واستقطبت العلماء والدارسين والباحثين من سائر أصقاع الدنيا، من الشرق والغرب، من إفريقيا وأوروبا ومختلف بلاد العالم، منذ ذلك التاريخ، أصبحت جامعة القرويين المعلمة الثقافية الأولى، لا في المغرب فحسب، بل لقد امتد إشعاعها ونورها حتى شمل أغلب ربوع الدنيا، بشهادة البعيد قبل القريب، وأخذ يتخرج منها العلماء والباحثون، ويعودون إلى أوطانهم لينشروا فيها العلم والمعرفة.
وقد استمر إشعاع القرويين العلمي والفكري، واستقطابها رجال الفكر والمعرفة، قرونا متصلة، وأحقابا متعاقبة، إلى أن ابتليت بلادنا بالاستعمار، شأنها في ذلك شأن بقية البلاد الأخرى المستضعفة، فاتجه إليها وسلط، معاوله وسهامه لهدمها، والقضاء عليها، وتقليص دورها، وإفراغ محتواها، بعدما وجدها قلعة العلم، وموئل الوطنية، ومنطلق الكفاح والجهاد، حتى جعل نشاطها يفتر، وإشعاعها يحبو، ولكنه لم يستطع أن يطفئ شعلتها، أو يوقف نشاطها، إذ كان حتف الاستعمار وهزيمتهم، عن طريق القرويين التي سماها "البيت المظلم" بكفاح علمائها ورجالاتها وطلبتها.
ولذلك بادر محمد الخامس بمجرد عودته من المنفى، وبعد إعلان استقلال البلاد إلى إصلاحها، وتجديد أنظمتها وربوعها، ورفع ألويتها، واعتنى بأساتذتها وطلابها، وأقام لها الذكرى الألف والمائة، وترأسها بنفسه، واستدعى لها رؤساء جامعات الدنيا، تأكيدا لاعتزازه بها، واعتماده على دورها، واستمرار في المحافظة على وجودها وقيامها.
وجاء الحسن الثاني، وبويع بالملك بعد والده، فجعلها محط عنايته ورعايته، وتابع برنامج والده في ذلك، ورأى أن أكبر دعم لها ولدورها، هو إنشاء دار الحديث الحسنية، كمعهد عالي للتخصص في العلوم الإسلامية، وخاصة في السنة وعلومها.

بواعث وأسباب إنشائها
لقد كان تأسيس دار الحديث الحسنية أحد التطلعات الطموحة للحسن الثاني، الذي أبى إلا أن يعلن عن إنشائها في إحدى المجالس الحسنية في شهر رمضان سنة 1384هـ/1964م، ليربط بينهما، ويجعلهما معملتين ثقافيتين متكاملتين متميزتين في عهده الكريم، وذلك بما وفر لها من إمكانات، ولم أحاط به من كريم العناية، وعظيم الرعاية، حتى قرن اسمها باسمه، وجعلها جوهرة عهده.
ولذلك تضمن الخطاب الملكي بمناسبة تأسيسها، المرامي والأهداف، والبواعث والأسباب الرامية إلى قيامها، لما لاحظه جلالته من أن العلوم الإسلامية أخذت تقل وتنحسر، وأن جيل العلماء والشيوخ أخذ في التضاؤل والزوال، وأن شبابنا يعوزه التوجيه الصالح في الدراسات الإسلامية خاصة
هذا بالإضافة إلى ربط الحاضر بالماضين وذلك بإحياء وتجديد الدور العلمي الذي قام به المغرب خلال تاريخه الطويل، حتى يستعيد دوره الحضاري والإشعاعي، لا في إفريقيا فحسب، بل ي العالم الإسلامي، ناهيك وأن فتوحاتنا العلمية لم تكن تلق أهمية وتأثيرا عن فتوحاتها السياسية، وهذه مسؤولية تاريخية وحضارية أراد جلالته أن تقوم بها دار الحديث الحسنية، وتتشرف بتحملها (1).
فلنستمع إلى جلالته وهو يحدد في خطابه التاريخي تلك الأهداف والأسباب قال:
"لقد كانت أمنية عزيزة علينا هاته التي نحققها اليوم بتدشين دار الحديث الحسنية، في هذا الحفل الذي يضم طائفة من علمائنا، ونخبة من حملة مشعل الهداية بيننا، منذ أن ولانا الله مقاليد هذه الأمة، ونحن بحكم التربية التي أنشأنا عيها والدنا المقدس، نعمل لتستمر الهداية الإسلامية تنير بإشعاعها الخالد هذه الديار، باذلين في سبيل ذلك كل نصح وتوجيه، ومحصنين مقوماتنا الروحية التي نعتز بها من كل زيغ وتضليل وتحريف، مؤمنين بأن لا صلاح للأمة الإسلامية إلا بما صلح به أولها.
وقد أثبت التاريخ أن المغرب حافظ على أصول ذلك الهدي، واحتضنه وحمله في أمانة إلى مختلف الآفاق، ثم انتصب عليه قيما حفيظا حتى ابتلي العالم الإسلامي بالنكسة، التي تلقاها لحسن الحظ أجدادنا المقدسون في هذا الوطن العزيز.
وإن فتوحاتنا العلمية لا تقل شأنا عن فتوحاته السياسية، فما أكثر أولائك العلماء المغاربة الذين أسهموا في الحضارة العربية والإسلامية بالنصيب الأوفى، وما أوفر من ظلوا منهم عبر التاريخ الطويل يضرون أكباد الإبل في طلب العلم، أو تلقينه مهما بعدت الدار، أو شط بهم المزار. وإن تراثنا الإسلامي والمغربي منه بصفة أخص، لخليق أن يحملنا على الاعتزاز به، ومن أجل ذلك، فنحن مدعوون للمحافظة عليه، وشمله بمزيد العناية التي تقيه خطر العفاء والاندثار، مع جعله في ذات الوقت مسايرا لمتطلبات القرن العشرين، ومواكبا سير الحضارة العصرية".
ثم أضاف جلالته يقول:
ونحن موقنون بأن الدروس العلمية التي عرفتها حلقات الدراسة في أول جامعة عالمية هي جامعة القرويين، التي حج إليها الرواد من جميع أنحاء المعمور وحتى من أوروبا، كانت في بعض عصورنا الذهبية عصارة ما انتهى إليه الفكر البشري، الذي تلاقح بمختلف نتائج الحضارات، بيد أن عملا تجديديا كان لابد أن يصاحب ذلك التراث ليتطور وينمو، ويثبت على مر الزمان أمام مختلف التيارات الفكرية والاكتشافات العلمية.
ولكي يستمر هذا العمل، وضمانا لانتشاره وازدهاره، ندشن في هذه الليلة المباركة دار الحديث الحسنية، التي ستضم ثلاثين طالبا سيتخصصون في الدراسة الإسلامية، وسيلمون بفن الحديث متنا ويندا ورواية، ويتخصصون في كل ما يقوي مداركهم، وينمي معلوماتهم في هذا الفن الأصيل، ليكونوا علماء لن تكون مهمتهم الوعظ والإرشاد، ولكن علماء يكونون الإطارات التي تعادل في كفاءتها وإطلاعها، من عرفه المغرب من علماء مرموقين في هذا الميدان، أصبح عدهم يتضاءل بكل أسف، ونأمل أن يملا خريجو دار الحديث فراغهم" (2).

دار الحديث قلعة السنة ومنارها
وهكذا أراد الحسن الثاني أن تكون دار الحديث الحسنية معلمة فكرية، تصل الحاضر بالماضي، وتجدد ما اندثر من العلوم الإسلامية أو كاد يضيعن وتحقق التكامل المعروف في تاريخنا بين المعارف الإنسانية، وليكون تأسيسها وإنشاؤها علامة على التجديد والتطوير، والعودة إلى الريادة التي عرفتا بها في تاريخنا، في مجالات العلوم وخاصة الإسلامية، إن الحضارة الإسلامية لم تزدهر ولم تستمر، إلا لكونها سادت فيها العلوم الكونية إلى جانب العلوم الإسلامية، يكمل بعضها بعضا، ويفتح هذا في آفاق المعرفة الإنسانية ما يسد في وجه ذلك، فالعصر الذهبي لبغداد هو الذي كان يضم أكثر عدد من الفقهاء، والمحدثين، والفلاسفة، والأطباء، والأدباء، كأحمد بن حنبل، والقاضي يحيى بن أكتم، والفيلسوف يعقوب الكندي، والطبيب جبرائيل بن بختشيوع، والجاحظ عميد الأدب العربي.
وهو لقرطبة ذلك الذي كان يجمع بين ابن حزم الفقيه، وابن عبد البر المحدث، وابن مسرة الفيلسوف، وابن القاسم الزهراوي الطبيب، وابن عبد ربه الأديب. وهو لمراكش ذلك الذي كلن يشتمل على القاضي عياض، وابن القطان المحدث، وابن طفيل الفيلسوف وابن زهر الطبيب، والجراوي الأديب، ومن هنا رام الحسن الثاني من تأسيس دار الحديث، وصل ما انقطع بسبب التخلف والاستعمار، وإحياء ما اندثر بسبب الجمود والجحود، وإعادة الازدهار إلى مختلف العلوم كونية وإسلامية، وليجعل من هذا المركز العلمي الجدي، عاملا من عوامل التقدم العلمي في بلادنا، ومنارا يهتدي به المسلمون في كافة بلاد العالم الإسلامي في علوم الدنيا والدين، فقد جرى الناس علة أن ينظروا لعلم الحديث نظرة دينية بحتة، وهم لذلك يقصونه من الحساب إذا ذكروا العوامل التي أدت إلى نهضة العالم الإسلامي، مع أنه جماع المعارف الإسلامية. (3)
ولتكون دار الحديث جامعة علمية في مظهر معهد عال لإحياء السنة، ونشر كتبها، وتحقيق ذخائرها، ولإعادة مجدها واعتبارها، ولوصل ما انقطع من سند هذا العلم الشريف والأصل الكريم.
ولتكون رائدة التجديد والإصلاح وخلف روح يتجاوب صداها في كل أقطار المغربي العربي، بل في كل بلد إسلامي.(4)
ولتكون كلية خاصة بالحديث الشريف وعلومه، وتحقيقا لأمنية المتمني وطلبة الرائد للدين (5) ولتوجد الفئة الجديدة من العلماء التي تملأ الفراغ، ويزول بوجودها مشكل الازدواج. (6)
ولتكون الشعلة المضيئة، والعلم الموجد الذي يرجى أن تزداد قوته وإشعاعه في الخافقين. (7).
ولتكون صلة وصل، وصرح فكر إسلامي مستنير. (8)
ولتجعل من السنة أساس الحياة وقاعدتها، وإعداد جيل من العلماء يضطلع بعبء النوعية الإسلامية. (9)

دار الحديث في تاريخ الإسلام
ولبيان المكانة المتميزة لدار الحديث الحسنية، ولمعرفة الدور البارز لها من بين جميع دور الحديث التي عرفها تاريخنا الإسلامي، والمؤسسات الفكرية المعاصرة نرى أنه لابد من الإلمام والإشارة إلى أهم دور الحديث التي قامت في ربوع العالم الإسلامي: ودور الحديث عبارة عن مدارس خاصة لتعليم حديث رسول الله، والتفقه في فنونه وعلومه، على يد شيوخه ورجاله وكبار رواته، ولم يعرف تاريخ الفكر الإسلامي هذه المدارس إلا في النصف الأخير من القرن السادس الهجري، وكان سبب ظهورها وتأسيسها هي الحلافات المذهبية التي أخذت تنمو وتتسع بسبب التطور الفكري أولا، وبما تعرض له الجناح الشرقي من العالم الإسلامي من هزات عنيفة على يد الأتراك والبويهيين، مما سهل على المغول والتتار غزو بغداد، الأمر الذي أدى إلى الفوضى والخراب في سائر المجالات، وما تلى ذلك من حركات الخوارج والعبيديين في الجناح الغربي مهد للغزو الصليبي. (10)
وهكذا وجد المسلمون أنفسهم في مواجهة الغزو الصليبي، مما دعاهم إلى إعداد العدة العسكرية للقضاء عليه ووقف زحفه، كما وجدوا أنفسهم في مواجهة تيار الشيعة الباطنية الزاحف، الأمر الذي كان السبب المباشر لإنشاء معاهد علمية خاصة، للحفاظ على السنة وحمايتها من عبث الغزاة الزاحفة، ومقاومة تياراتها وطغيانها، كما تمثلت الغاية من إنشائها في:
- الرغبة في إنعاش الثقافة الإسلامية في مناهجها.
- وبعث روح الحماس والجهاد في نفوس المسلمين لمقاومة الأعداء.
- وطرح ما كان ران عليها من غبار التكاسل والتخاذل. (11)
وهكذا عرف تاريخ الفكر الإسلامي في النصف الأخير من القرن السادس الهجري، ظاهرة جديدة أضعفت بعض الشيء الرحلة في طلب الحديث، ذلك أنه حتى أوائل القرن، لم يعرف المجتمع الإسلامي مدارس خاصة لتلقي الحديث، وكان الطلبة يضطرون إلى الارتحال والتجوال لطلب الحديث، وروايته وتعلمه، شأنهم في ذلك شأن المسلمين منذ ظهور الإسلام، حيث كانوا يتعلمون السنة ويأخذونها من صاحبها، ثم من صحابته وتابعيهم بعد تفرقهم وانتقالهم إلى البلاد والأمصار.
وإنما عرف تاريخنا قبل منتصف القرن السادس الهجري مدارس متخصصة في الفقه ومذاهبه، وآراء المجتهدين، أسست في كل مكان، لتزويد جهاز الدولـة بالقضاة والمتشرعين.(12)
وهكذا تأسست في مختلف الأقطار الإسلامية دور الحديث عرفت واشتهر منها:

1) دار الحديث النووية:
وهي أول دار الحديث أنشئت بدمشق سنة 569 هـ، أنشأها نور الدين محمود بن أبي سعيد الزنكي، وكان ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق وأحد حفاظ الإسلام، من شيوخ هذه المدرسة التي كانت منظمة تنظيما خاصا. (13).

2) دار الحديث الكاملية:
وقد تأسست هذه الدار بالقاهرة سنة 622 هـ، بأمر الملك الكامل ناصر الدين الأيوبي، وكان الحافظ عمر بن الحسن المشهور بابن دحية أول أساتذتها وشيوخها. (14)

3) دار الحديث الأشرفية:
وقد تأسست بدمشق سنة 626 هـ، وقد عين الحافظ ابن صلاح أول شيخ لها، كما عرف من بين أساتذتها الإمام محي الدين النووي، شارح صحيح مسلم، المتوفى سنة 676 هـ، وقد انفردت هذه الدور الثلاثة بالأسبقية التاريخية والشهرة العريضة في العالم الإسلامي، ثم أنشئت بعدها دور للحديث الشريف في كل من مصر، والشام، والعراق، وتركيا، وكانت تسير على منوالها وتقتفي أثرها، وتطبق برامجها، وذلك مثل النبيهية، والسكرية، والظاهرية، والمستنصرية، والسليمانية، وغيرها. (15)
ولم يقتصر تأسيس دور الحديث على الملوك والأمراء، بل شاركهم في ذلك العلماء والموسرون والوزراء، وساهم ممن لاحظتهم العناية والتوفيق.
كما أن هذه الدور لم تقتصر على خدمة الحديث ونشر علومه، بل قامت بدور فعال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد المسلمين وتوجيههم، وتكوين الأطر الصالحة للدفاع عن مقدساتهم، وكسر شوكة أعدائهم، ونشر مكارم الأخلاق بين مجتمعاتهم.
كما نلاحظ مزية أخرى امتازت بها دور الحديث، وهي سكنى بعض الأساتذة والشيوخ فيها، من أجل التفرغ للتدريس، والقرب من الطلبة، وقد اشتهر ممن كانوا يسكنون بها:
الإمامان ابن تيمية، وابن رجب في "السكرية" (15) وابن دحية في "الكاملية"، (17) والحافظ المزي في "الشقشقية"من (18) والإمام النووي، والشيخ تقي الدين السبكي "بالأشرفية"، (19) وما أجمل أن نردد هنا البيتين الشهيرين اللذين أنشأهما السبكي، وكان يرددهما دوما تعبيرا عن حبه للحديث الشريف، وفرحته بالسكنى بدار الأشرفية وسط طلبتها قال:
وفي دار الحديث لطيف مـعنى
  على بسط أصبـــو وأوي
عسى أني أمس بحر وجهــي
  مكانا مسه قدم النــووي (20)
المراحل التي مرت بها دار الحديث
لقد مر على إنشاء دار الحديث الحسنية أكثر من عقدين من الزمن، قطعتها في جهاد مستمر كبير، وعطاء علمي غزير، مستمدة عزمها وتطلعها من عزم منشئها وتطلعه العظيم، ومتحدية في سبيل الغايات والنتائج العراقل والصعوبات ومتطلعة إلى شم القمم، وعظيم العلياء، لتستعيد السنة الشريفة مكانتها السامية في حياة المسلمين، وتستعيد مجدها التليد في التشريع والسيادة.
وهكذا يمكننا أن نقسم المراحل التي مرت بها دار الحديث إلى مرحلتين.
- المرحلة الأولى:
وهي مرحلة التأسيس والإنشاء، وتبتدئ منذ تدشينها بالقصر الملكي بالرباط في إحدى الدروس الحسنية في رمضان سنة 1384هـ/1964م، وقد?
استمرت هذه المرحلة منذ إنشاءها إلى يوليوز سنة 1977م.
وتميزت هذه الفترة بإنشاء كرسيين أساسيين في الدار هما:
- كرسي الدراسات العليا في علوم القرآن والحديث.
- وكرسي الدراسات العليا في الفقه وأصوله وأصول الدين.
وقد تخرجت في هذه الفترة حوالي عشرة أفواج حصلت على شهادات دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإسلامية، نوقشت فيها أربعة وثلاثون رسالة دبلوم في مختلف التخصصات، قرآنا وسنة وفقها وأصولا، وقد بلغ عدد رسائل الدبلوم في موضوع الحديث وعلومه، عشرة، بنسبة الثلث من مجموع الرسائل المناقشة، وهي أربعة وثلاثون رسالة دبلوم، وقد كان موضوع أول رسالة نوقشت بدار الحديث بتاريخ 29 يوليوز 1970"البينات أو رسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية". (21) كما امتازت هذه الفترة بمشاركة عدد من خريجي دار الحديث الحسنية، في إلقاء دروس حسنية أمام صاحب الجلالة، تكوينا للخريجين، وتنويها برسالة الدار ودورها.
- المرحلة الثانية:
وتبتدئ هذه المرحلة منذ يوليوز 1977م إلى مايو 1987م، وتعتبر فترة التنظيم، واستكمال تأسيس، وإنشاء بقية مرافق الدار، وأسسها، ومعالمها.
وقد كانت هذه المرحلة غنية بعطاءاتها، وبما بلغته الدار من نتائج يفتخر بها تاريخنا الفكري، ويمكننا أن نذكر هنا بعض ما امتازت به هذه المرحلة.
- إنشاء دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية، حيث نوقشت أول دكتواره في الحديث، في موضوع أبي عبد الرحمان بقي بن مخلد القرطبي، شيخ الحديث في الأندلس بتاريخ 18/1/1978م، وقد كان هذا الحديث فريدا لبلادنا التي عرفت في هذا التاريخ أول دكتوراه في العلوم الإسلامية، كانت إيذانا بالفترة الذهبية التي ابتدأتها دار الحديث في مسيرتها، والعلامة المتميزة في تاريخنا.
وقد بلغ ما نوقش من أطروحات في هذه الفترة خمسة عشر أطروحة، كان عدد الأطروحات في موضوع الحديث وعلومه سبعة، هي نسبة ممتازة تبلغ نصف عدد مجموع الأطروحات، كما نوقشت في هذه المرحلة خمسة وأربعون رسالة دبلوم في الدراسات العليا، بلغت نسبة الرسائل في موضوع الحديث ثمانية، مما يجعل مجموع رسائل الدبلوم المناقشة إلى اليوم بدار الحديث الحسنية أكثر من مائة رسالة في مختلف مجالات التخصصات الإسلامية.
كما امتازت هذه المرحلة بإنشاء مجلة دار الحديث الحسنية، وهي مجلة جامعية أكاديمية، صدر العدد الأول منها سنة 1399هـ/1977م، وبلغ مجموع الأعداد الصادرة مها إلى الآن ثمانية أعداد، ونستطيع أن نباهي من هنا بهذه المجلة العتيدة التي استطاعت أن تثبت وجودها وترسخ أقدامها، وتحافظ على مستواها، وتصحح على قصر عمرها إحدى مصادر البحث العلمي والأكاديمي في بلادنا، لشدة إقبال الباحثين والدارسين عليها، لا في بلادنا فحسب، بل من مختلف بلاد العالم الإسلامي.
كذلك امتازت هذه المرحلة بإنشاء جناح جديد بدار الحديث على الطراز المغربي الأصيل، يضم قاعات الدراسة، وغرف الأساتذة والخزانة، وقاعات المناقشة والمحاضرات، والمسجد، وهي الإنشاءات الجديدة التي كانت الدار في مسيس الحاجة إليها.
كما امتازت هذه المرحلة واكتملت بصدور المرسوم المتعلق بتحديد نظام الدراسات والامتحانات بالدار، وقد كان صدور هذا المرسوم نهاية للمعاناة، ولكثير من الصعوبات والعراقل التي حاولت وقف مسيرة الدار لمدة تجاوزت ثلاث سنوات.
النطق الملكي بداية المرحلة المقبلة
- المرحلة الثالثة:
فتبتدئ في رأينا منذ النطق الملكي يوم 26 رمضان 1411هـ، في ليلة القدر، ولدى اختتام الدروس الحسنية، حيث ألقى جلالة الملك كلمة توجيهية ذات مرمى ومعاني، نبه فيها العلماء إلى ضرورة الالتزام بالتقاليد المرعية التي عرفتها بلادنا وحافظت عليها في سنة الدروس الملكية، وقيامها على الكتاب والسنة، وانطلاقها من نبعهما وبنائها على أساسهما، وخاصة علم الحديث الذي هو جماع المعارف الإنسانية، واتباع طرق الاستنباط، ومناقشة الآراء، وعرض القضايا التي تدعو إلى التفكير والتدبر والتقدير.
وتوجه بالحديث والتشجيع إلى خريجي دار الحديث والدارسين بها، ودعاهم إلى الإقبال على المشاركة في الدروس الحسنية، وتطبيق مناهج علماء المغرب والسير عليها، ولكونهم ينتسبون إلى دار هي أحق بخدمة الحديث ونشره بين الناس.
يقول جلالة الملك في كلمته التوجيهية:
" وقد ذكرنا سادتنا العلماء الأساتذة المحترمين بالتقاليد المرعية في هذا الباب، والتي فتحنا لعيها أيعننا، ألو وهو أن صحيح البخاري يختم في آخر رمضان بعد ثلاثة أسهر من التدارس كل سنة، فتقعد مجالس برئاسة السلطان أو الملك كل عشية وطيلة الأشهر الثلاثة، كانت الدروس والمناقشات تروح أما العلماء.
وقد حضرت في نقاشات حادة جدا حينذاك، ومن ثم وجدت في نفسي – وذلك قبل البلوغ الشعري – ميولا عظيمة إلى علم الحديث، لأن هذا العلم يلم بجميع أنواع المعرفة الشيقة، التي يتطلع لها أو ‘ليها طل ذي فكر يريد أن يزيد في معلوماته حقبة بعد حقبة، فلذا طلبت منكم معالي العلماء أن تسيروا على نهج أسلافكم ومن سبقكم وأساتذتكم ومشايخكم.
ثم وجه جلالته الحديث للعلماء خريجي دار الحديث الحسنية خاصة فقال:
"فرجائي منك معالي العلماء والمشايخ، أن تبنوا دروسكم المقبلة للسنة المقبلة إن شاء الله على هذا المنهاج، وخصيصا الذين يتابعون دروسهم أو دراستهم في دار الحديث الحسنية، فمع الأسف منذ ثلاث سنين أو أربع سنوات، لم أر خريجا واحدا من دار الحديث الحسنية، أتى ليلقي الدرس أمامنا، وما وضعت دار الحديث إلا لحفظ الحديث وطرقه والتطرق إليه كما يجبن وكما ينبغي.
نحن في ليلة القدر، فهذا الكلام ليس لوما ولا مؤاخذة، لكن هو تشجيع لخريجي دار الحديث (وأما بنعمة ربك بحدث) (22) حتى نرى على الأقل غرسنا يانعا ومبشرا بالخير". (23)
وهكذا أبى جلالة الملك في ختام الدروس الحسنية وعلى الملإ جميعا، وأمام الأمة المغربية كلها، أن يعطي لدار الحديث كامل اعتبارها، ويقدر خريجيها، وعلماءها التقدير اللائق بهم، ويضعهم أمام مسؤولياتهم، باعتبارهم خلفا وامتدادا لسلف صالح، من جيل الشيوخ والعلماء الذين شرق بهم تاريخنا الفكري والحضاري، وكانوا سلسلة ذهبية تطوق جيدنا، باعتبارهم الأمل والمناط لتحقيق إحياء السنة ورفع أعلامها، وإعادة أمجادنا العلمية التي عرفها تاريخنا، واعتز بها، فلنكن في مستوى المسؤولية التي حملنا إياها قدرنا، وشرفنا جلالة الملك بحملها، حتى نكون جميعا دارا وخريجين في مستوى طموح بلادنا وملكنا.
ومن هنا ينبغي أن يكون النطق الملكي بداية مرحلة جديدة في مسيرة دار الحديث الحسنية، ونبراسا يضيء لها معالم المستقبل، ومنها تتحقق على هديه الخطوات المتوثبة والمنتظرة منها، لتواكب تطور البلاد، وتحقيق آمال المغاربة وملكهم فيها.

الخطوات المقبلة
ومن أجل ذلك كله، نرى آفاق مستقبل دار الحديث من خلا الخطوات التالية:
• مراجعة مناهج دار الحديث التي لم تراجع مراجعة تواكب تطورها، وتحقق غاية إنشائها، ومقاصد مؤسسها، وذلك بتخصيص شعبة للسنة وعلومها، من شأنها التوسع في الحديث وعلومه وكتبه، باعتبار الدار دار حديث أولا وأخيرا وقبل كل شيء.
• جعل الكتب الستة في الحديث وشروحها، ومسانيد الأئمة الأربعة، وكتب الرجال والطبقات، والجامع الكبير، وأمهات كتب المصطلح، والجرح والتعديل، والتراجم، والمشيخات، كتبا أساسية مقررة في هذه الشعبة، إذ لا يتصور أن يتخرج الطالب من درا الحديث وهو لا يلم بهذه الأمهات الضرورية، ولا يعرف شيئا عنها، ولم يدرسها، وهي الأدوات الضرورية لمن يريد أن يتعلم الحديث، ويدرسه، ويتفقه في فنونه.
• اعتبار تلك الأمهات هي المنهج الدراسي لطلاب شعبة الحديث، لا الاعتماد على المخلصات كما هو الوضع السائد الآن.
• السعي لإنشاء كرسي الحديث بجامع السنة، ونقل بعض دروس الحديث حول البخاري ومسلم والموطإ إلى الكرسي نفسه، لما في ذلك من إحياء لطريقة علمية تفيد الأساتذة والطلاب، وتعيد لكتب الأمهات في الحديث قيمتها واعتبارها، كما وجه جلالة الملك أخيرا إلى ذلك، وألح عليه في نطقه الملكي في رمضان.
• إقامة ندوات دورية للفكر الإسلامي للتعريف بأئمة المسلمين وعلمائهم وروادهم وخاصة في مجال الحديث الشريف، لما في ذلك من إثراء للفكر، وحوار ومناقشة كانت أساس مناهج دور الحديث، وسلوكها المستمر، وسنتها المتبعة، وحتى لا يبقى نشاط الدار محصورا في الدروس والمحاضرات المعتادة.
• زيادة العناية بكتب التراث الحديثي عموما والمغربي منه بصفة خاصة، إذ أن نسبة رسائل الدبلوم في الحديث لا تساير غاية إنشاء الدار ومقاصدها، مما يدعو إلى توجيه البحثين والدارسين إلى هذا التراث الحديثي الضخم، الذي تزخر به خزائننا ومكتباتنا، وفي صدارته الشروح المغربية لصحيحي البخاري ومسلم، وشروح الموطإ، وغيرها من كتب الحديث، مما لم يبصر النور إلى نفاسته وندرته وقيمته العلمية، مثل كتاب (النامي في شرح الموطإ) للعلامة الدودي المغربي، و(النهر الجاري في شرح البخاري) للشيخ محمد سالم المجلسي في سبع مجلدات، و(الفجر الساطع على الصحيح الجامع) للفضيل الشبيهي في أربع مجلدات، و(إكمال المعلم في شرح فوائد مسلم) للقاضي عياض وسواها كثير من عيون تراثنا الخالد.
• إصدار دليل علمي أكاديمي دوري يعرف بالدار، ومناهجها، وكراسيها، وأساتذتها، وطلبتها، وبالأخص رسائلها وأطروحاتها، فلم تعرف الدار إلى اليوم دليلا علميا بهذا المعنى، مما يعتبر ضرورة حيوية للتعريف بمسيرة دار الحديث، وعرض نتائجها، والتخطيط لآفاقها، ويكون صلة وصل بينها وبين الجامعات المختلفة، والمعاهد المتخصصة، والمراكز الثقافية الكبرى.
• انتخاب مجلس للدار تطبيقا لمقتضيات الفصل الخامس من ظهير تأسيسها، وكما هو الشأن القائم في مختلف المؤسسات التعليمية والجامعية ببلادنا، وذلك ضمانا لحسن سير الدار، وتحقيق أعظم النتائج، وإشراك الطلبة إلى جانب الأساتذة في تدبير شؤونها ومراقبة خطواتها، وهو نهج الشورى والديمقراطية الذي اختارته بلادنا، ورضيه جلالة الملك، وأقره ودعا إليه، وخاصة للمؤسسات الجامعية والثقافية.

آفـــاق ومستقـبلها
إذا كان الأمل معقودا على جار الحديث الحسنية وخريجيها في إحياء العلوم الإسلامية، وتأصيل الدراسات الإسلامية، وتكوين جيل من العلماء الأكفاء، يربطون الحاضر بالماضي، ويعملون على نهضة الإسلام ورفع شأن المسلمين,
وإذا كانت طلائع الخريجين أخذت تتقدم الصفوف، وتستقطب الاهتمام بما تبدع وتحقق، وما تقوم به من نشاط في مجال الدعوة، ونشر وتحقيق في مجال الثقافة والفكر، حيث ألقى خريجوها في سنة واحدة حوالي خمسمائة درس ومحاضرة وندوة، وفي مختلف جهات المملكة، تطوعا وبدون مقابل أو جزاء، سوى خدمة هذا الدين وإعلاء شأنه، وتبصير المسلمين بدور الإسلام في الحضارة الإنسانية، وبصلاحيته لإخراج البشرية من ارتكابها، وإنقاذها من سقوطها. (24)
ولأهمية هذا العطاء وقيماه، فقد تسابقت دور النشر والمكتبات والمطابع في مختلف البلاد العربية والإسلامية إلى طبع رسائل الخريجين وأطروحاتهم، وجعلها في متناول الباحثين والدارسين في مختلف التخصصات، والذين اتخذوا مراجع ومصادر لبوحثهم ورسائلهم ودراساتهم.
كما نلاحظ أن هؤلاء الخريجين أخذوا يحققون آمال رائد الدار ومؤسسها، في تأطير المؤسسات الثقافية العليا بالبلاد، وتوجيه البحث العلمي الإسلامي في سائر المجالات، وهكذا أصبح من الخريجين الوزير، والعميد، ورئيس المجلس العلمي، وأستاذ كرسي الدراسات الإسلامية، ورؤساء الشعب الجامعية، وعضو أكاديمية المملكة، والنائب البرلماني، وسواها من الوظائف العليا في المملكة، بالرغم من قصر الفترة التي قطعتها دار الحديث من عمرها والي لا تتجاوز العقدين من الزمان.
إلا أن هذا الجهد وحده لا يكفي ولا يشفي، فإن دور بلادنا أكبر، ومسؤوليتها تجاه الإسلام والمسلمين أعظم وأخطر، إذا قورن ذلك بالجهد العظيم، والجهاد الكبير، الذي قامت به الأجيال الملاحقة من الآباء والأجداد في ربوع العالم الإسلامي، بما علموا وأرشدوا، وبما أناروا وفتحوا، وهو مصداق ما قاله جلالة الملك: "بأن فتوحاتنا العلمية لم تكن تقل أهمية وتأثيرا عن فتوحاتنا السياسية".
ذلك أن عالمنا الإسلامي اليوم، متعطش إلى من يهدي شعوبه، ويبصر شبابه، ويفقه أجياله، بحقيقة دينه، ونير في النفوس شعلة الإيمان التي كانت متأججة مشتعلة، في قلوب الأجيال الأولى من المسلمين، كما أن تراثنا العظيم الضخم ينتظر العقول المتفتحة المتبصرة، والجهود المتضافرة للعلماء الأكفاء لنفض الغبار عنه، وتحقيقه ونشره.
أما على مستوى المجتمع المغربي، فقد ظهر أثر هذا العمل جليا، حيث أخذت نتائجه تبدو للعيان، فقد أصبح الشباب والصغار يقبلون على قراءة الحديث وحفظه، حتى استطاع ـحد الشباب في إحدى مباريات حفظ الحديث، أن يسرد ألفين وخمسمائة حديث بأسانيدها، استطاع شابا م زعير أن يسردا ألفي حديث بالرواية عن الصحابي.
وذلك ما دفع جلالة الملك إلى إصدار الأمر بإجراء مباراة سنوية لحفاظ الحديث،
وتخصيص جائزة مالية لمن يحفظ كمية وافرة من صحيح البخاري أو الموطإ. (25)
إن النطق الملكي ليلة عيد القدر الأخيرة فتح الآفاق أما دار الحديث الحسنية، وأعطى نفسا جديدا لأستاذتها وخريجيها، ووضعهم وسط الساحة الفكرية، ودعاهم إلى تحقيق رسالة الدار التي ينبغي أن تكون أهم معلمة حضارية للثقافة الإسلامية لا في بلادنا فحسب، ولا في منطقة المغرب العربي، بل في العالم الإسلامي كلهن وهو ما يدعونا إلى مضاعفة الجمود، وحث الخطى، ورسم الخطط، وتعزيز ذلك بأعمال متواصلة، وتحركات مستمرة، تحقيقا للإنجازات، وتوخيا لأهداف والمقاصد، وفي مقدمتها إحياء السنة وعلومها، حتى تصبح دار الحديث محط أنظار العالم الإسلامي، ذلك هو قدرنا، وتلك هي رسالتنا ومسؤوليتنا التي ينبغي أن نتحملها بشرف وتقدير، يحدونا الأمل الكبير، والطموح العظيم الذي نتحلى جميعا به، والذي ما فتئ جلالة الملك يبعثه فينا، ويحفزنا دوما لنكون في مستوى المسؤولية التي حملها الله لعلماء ورثة الأنبياء، مصداقا لقوله عليه السلام: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". (26) حتى تستمر بلادنا في القيام بدورها العلمي الرائد بين البلاد الإسلامية، وصلا للحاضر بالماضي، وربطا للحاضر بالمستقبل المبشر بكل خير لدول الإسلام بإذن الله وعونه، ذلك الدور الذي يفرضه عليها وجودها ومركزها، باعتبارها بلاد جامعة القرويين أول جامعة عالمية، وتعتز باحتضانها والمحافظة عليها، ودوام رسالتها، واستمرار عطائها وإشعاعها، امتدادا لتاريخنا العريق، وأصالتنا في هذا المجال، وتحقيقا لتطلعات وآمال المغاربة جميعا، في مقدمتهم، رائد الحديث ومنشؤها ومدعمها وراعيها، حتى نعيد بلادنا إشعاعها الحضاري، وتقدمها الفكري، وخاصة في ميدان العلوم الإسلامية، وكما دعا إلى ذلك شاعرنا المرحوم أبو بكر بناني بقوله:
أرى علم الحديـث غدا ينـادي
على من كان له فيـه له دراية
فنرجو الله للتحـديث قومــا
بإسناد الحديث لهـم عنايــة
وفي دار الحديـث لنـا رجـاء
تخرج من تتم بـه النهايــة
حقق الله الرجاء، وكلل المساعي وأنجح الأعمال، وبلغنا المقاصد، وهدانا سواء السبيل، إنه نعم المولى ونعم النصير.

----------------------
1) انظر تفصيل الموضوع في كتابنا (معالم إسلامية) ص 55 وما بعدها.
2) انظر الخطاب الملكي بمناسبة تأسيس دار الحديث الحسنية نشرة دار الحديث ع1 ص.8.10 سنة 1396هـ-1976م
3) انظر تصريح الدكتور الحبيب بلخوجة ص 75 من النشرة.
4) راجع كلمة الشيخ أبي زهرة في السجل الذهبي لدار الحديث.
5) انظر تصريح الشيخ مصطفى الزرقا في السجل المذكور.
6) راجع كلمة الدكتور محمود حب الله في السجل الذهبي.
7) انظر كلمة الأستاذ عبد الله التل في السجل الذهبي
8)- راجع تصريح الشيخ محمد المبارك في نشرة دار الحديث.
9)- انظر تفصيل الموضوع (دور الحديث وأثرها في حفظ العلم) مجلة دار الحديث ع2 ص 153 و 154 سنة 1401هـ 1981م)
10) (تاريخ التربية الإسلامية) لأحمد سلبي ص 99.
11) راجع خطاب الأمين العام لرابطة علماء المغرب المرحوم الأستاذ عبد الله كنون – نشرة دار الحديث – ع1- ص11-13
4.
12) (علوم الحديث ومصطلحه) للمرحوم الدكتور صبحي الصالح ص 73 و 74.
13) انظر (الخطط) للمقريزي 4/211 وراجع (ور العلم عند العرب- بوستنفلد.
14) علوم الحديث ص 74 نقلا عن (الخطط= للمقريزي.
15) راجع في الموضوع (تاريخ التربية الإسلامية) ص 98 وما بعدها ودور الحديث وأثرها في حفظ العلم( ص 154 و 155.
16) مجلة المجمع العلمي بدمشق/المجل 12 ص 442.
17) (المفاخر السنية) لعبد الله الهلالي ورقة 31 (مخطوط)
18) (دور الحديث) للأستاذ الحسين وجاج ص 157 و158
19) المرجع السابق ص 158.
20) (طبقات الشافعية) 5/165.
21) راجع تفصيل ذلك في كتابنا (معالم إسلامية) ص 57 وما بعدها. 
22) سورة الضحى – الآية: 11
23) انظر نص الخطاب الملكي كاملا في جريدة الميثاق الوطني ع 3224 بتاريخ 28 رمضان 1407هـ/27-5-1987م.
24) راجع تفصيل الموضوع في كتابنا (معالم إسلامية) ص 61.
25) انظر تفصيل ذلك في كتاب (معالم إسلامية) ص 61 و 62.
26) رواه الييهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمان (التمهيد)1/59 (ومشكاة المصابيح) 1/82.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here