islamaumaroc

ويسألونك عن الأمثال

  عبد القادر زمامة

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991

ليست الأمثال من الأشياء المتجاوزة في عصرنا هذا، عصر التركيز، والمنطق المفيد، والإفادة السهلة، والتعبير الجذاب... !
ولكنها رصيد معاناة، ونتاج تجربة، وملامح بيان، رصدت ومنذ عصور:
- حياة الإنسانية نعيما وبؤسا...
- المظاهر الاقتصادية ثراء وفقرا...
- قضايا المرأة، والرجل، والحب، والبغض، والشهرة، والخمول، والحظ، والمحاسن، والمبادل...
- أشكال التعبير، صراحة، وكتابة، وتشخيصا، وتلميحا، وتضمينا، ونقدا، وتهكما، ومبالغة، وتقبيحا، وتجميلا.
- أساليب الإقناع: وجدانية، وعقلية، وأخلاقية، عامة، وخاصة، بالشدة تارة، وباللين أخرى...
كما صدرت معارف الإنسان عن:
- أنواع الحيوانات: وحشية، وداجنة، نافعة، وضارة، وأنواع الطيور، والحشرات، وما كان لعاداتها من تأثير في حياة الإنسان ومعاشه.
لهذا ولغيره من الأسباب اللغوية والاجتماعية، والتاريخية، اهتم السابقون واللاحقون بتدوين نصوص الأمثال، مع شروح أدبية، وتاريخية، ولغوية، أعطتها ما تستحق من اهتمام في مجالات البحث والدرس... ! فالشعر ديوان العرب... ! والمثل مرآة حياتهم.
وأقرب وأيسر المجموعات التي اهتمت بأمثال الأدب العربي هي:
• مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني 518هـ 1124م.
• المستقصى لأبي القاسم الزمخشري 538 هـ 1144م
والمؤلفان متعاصران، وكل مهما كان من أعلام عصره، في اللغة والأدب، والنحو، والبيان... ويذكر ياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء) د 5 ص 47... سماعات تدل على:
أن أبا القاسم الزمخشري اطلع على كتاب: (مجمع الأمثال للميداني، بعد أن ألف كتابه. (المستقصى)... وأنه "حسده" على جودة تصنيفه...!!! 
ولا علينا في صدق سماعات ياقوت الحموي...
أو عدم صدقها، وما يترتب على ذلك... !
فعمل كل منهما "شكلا ومضمونا" جيد يستحق التقدير، والتنويه، والمراجعة، والاستفادة...
يشتمل المستقصى على 3461 من الأمثال مرتبة على الحروف... مع شروح، واستشهادات، وإشارات مركزة، حيث إن مؤلفه اشتهر بحدة الذهن، وعمق التفكير، والغوص على دقائق المعاني، وأسرار البلاغة والبيان، كما أنه اشتهر – بنوع خاص – باطلاعه على ما كتبه اللغويون، والأدباء، والمفسرون وما زخرت به المصادر القديمة من نصوص أدبية وتاريخية ولغوية...
وتعليقات الزمخشري – في الغالب- مختصرة تعني بالاستشهاد للمثل، وبيان ما قيل في أصله. وما يستعمل فيه. وما يحمل من إشارات وظلال... ! جدية وهزلية... !
وقد طبع كتاب المستقصى، منذ عقود من السنين بعناية دائرة المعارف الهندية، ثم أعيد «تصوير" هذه الطبعة ببيروت سنة 1397هـ 1977م...في جزين.
ويشتمل مجمع الأمثال على 4765 من الأمثال مع ملحق ذكر فيه أيام العرب... ثم محلقات أخرى ذكر فيها:
أحاديث نبوية... ومختارات من كلام الخلفاء الراشدين... وبعض الصحابة والتابعين... وغيرهم ... لهذا يقول المؤلف في المقدمة: إنه جمع ستة آلاف ونيفا من الأمثال...
شروح الميداني دقيقة، ومفيدة وحاسته اللغوية مرهفة، ورصيده الأدبي والتاريخي غزير وعميق، يطنب في العرض تارة، ويوجز أخرى....
المجموعتان متكاملتان يجد الباحث والدارس والمثقف العابر، فيهما من عبارات الجسد، والهزل، والنقد، والتهكم، والتسلية، والحكمة، ما لا تبلى جدته. وما لا تطوى صفحته على ممر العصور... !
ومجمع الأمثال للميداني طبع مرات... !
والميداني كالزمخشري رتب كتابه مجمع الأمثال على الحروف، مع إفراد الأمثال المبدوءة بصيغة "أفعل" عن غيرها... وإلحاق الأمثال التي نشأت عند المولدين بالأمثال القديمة المسموعة عن العرب... وبذلك زاد عمله إيضاحا وترتيبا...
أما مقدمة الكتاب فقد حرص الميداني على أن تكون منهجية جامعة مع شحنها بالقواعد اللغوية، والنحوية، وما كان يهدف إليه عند جمعه لهذا الكتاب من المصادر المتعددة... !
ولا نودع الحديث عن أمثال الميداني دون أن نشير هنا إلى أن الميداني كان أحد تلامذة أبي الحسن على بن أحمد الواحدي الأديب اللغوي المفسر المشهور ت 468 هـ= 1075م. وقد اقتبس من مؤلفه في الأمثال المسمى:

الوسيط في الأمثال:
ولم يشر إلى ذلك في المقدمة التي كتبها لكتابه: (مجمع الأمثال)، مع أنه ذكر مصادر أخرى من كتب الأمثال لمؤلفين قدماء... !
وكتاب: الوسيط في الأمثال، مطبوع بتحقيق الدكتور عفيف محمد عبد الرحمن بالكويت سنة 1395هـ= 1975م، ويحتوي على معلومات وفوائد، وتفسيرات جيدة، نقل الميداني الكثير منها.
ومن مختارات الأمثال النثرية والشعرية، راجع واقرأ معنا هذه الأمثال:
- أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها... !
- ابدأهم بالصراخ يفروا...
- إنك لتكثر الحز وتخطئ المفصل...
- أشغل من ذات النحيين...
- ذكرني فوك حمار أهلي...
- مثل النعامة... لا طير ولا جمل...
- مصائب قوم عند قوم فوائد... !
- أراد أن يأكل بشدقين... !
- يداك أوكتا وفوك نفخ... !
- نعم كلب في بؤس أهله... !
- ويل للشجي من الخلي... !
- تجشأ من غير شبع... !
- إن الطيور على أمثالها تقع... !
- كالرقم على الماء... !
- ليس في العير ولا في النفير... !
- استنوق الجمل... !
-استأتن الحمار... !
- أزهد الناس في عالم أهله وجيرانه... !
 - أحلى من ميراث العمة الرقوب... !
- أشهر من: "قف نبك"... !
- أساء سمعا فأساء جابة... !
- أحشفا وسوء كيلة...؟
- أعلمه الرمـــايــة كــل يوم
   فلما استد ســـــاعده رمــــاني
- وإذا تكون كريهــــة أدعى لها
وإذا يحاس الحيس يــدعى جندب
- وكم قائل ما بال مثلك راجلا
فقلت له من أجـــل أنك فـــارس
- وابن الليــون إذا مـــا لــزفي قرن
   لم يستطع صـولـة البـزل القنـاعيـس
- وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
- ولكن الأديم إذا تـــفـــرى
   بلى وتعينا غلب الصنــاعـا
- إذا كنت في قوم غــدي لست منهم
فكل مــا علفت من خبيث وطيب
وراجع... واقرأ معنى المثل التهكمي الذي قاله رجل يخاطب امرأة ويحدثها عن أشياء غامضة، وخفية، شراحا ما غمض، وكاشفا ما خفي... !
وفي الوقت ذاته تخاطبه وتحدثه عن أشياء واضحة بينة معروفة ... !
- أريها السهى... !وتريني القمر... !
فالقمر تراه كل العيون السليمة...
أما السهى فلا يحظى برؤيتها إلا من كان يملك بصرا حادا جدا... !!!
وهذا المثل التهكمي استغله شاعر ظريف فقال:
شكونا إليــــه خراب الســواد
  فحرم فيـــنا لحـــوم البقر
قلنا كما قـــال من قبـــلنــا
  أريهــــا السهى وتريني القمر
ونصيب الحكمة، والتاريخ، والحقيقة، والخيال، والواقع، والأسطورة، من الأمثال في أدبنا، وآداب الشعوب الأخرى نصيب وافر، مايزال بعضه في حاجة إلى دراسة الدارس، وبحث الباحث، وتجريبة المفكر، وفن أهل الفنون... !
ولا بد قبل إنهاء هذه الالتفاتة إلى الأمثال من الإشارة إلى نقطتين:
الشهرة عنصر أساسي في الأمثال... ولا يحظى المثل بهذه الشهرة إلى إذا راج على الألسنة، ونال من الواقع، والخيال، ما يحببه ويجذب الناس إلى ضربه، في المكان المناسب، والظروف المناسب، ليحقق ضاربه هدفه المناسب.
وكأنه بضربه استغنى عن الشرح، والإيضاح، ووصل إلى غرضه من أقرب طريق، وبأبلغ أسلوب... !
بعض الأمثال صار حكمة... !
وبعض الحكم صار مثلا... !
لهذا حاول كثيرون – قديما وحديثا – رسم خط فاصل بين ما يدخل إطار الحكمة، وما يدخل إطار المثل. ولهم في ذلك آراء، وموازين، لا مجال لذكرها الآن في هذه الالتفاتة العابرة... !
على أنهما يشتركان معا في الإفادة والشهرة وينفرد كل منهما بمميزات خاصة...
هذه أيها القارئ الكريم، نقط من مقدمة تمهيدية كتبت لدراسة مستفيضة عن تراث "الأمثال المغربية" التي هي جانب من جوانب الحضارة المغربية... ! وقد كانت وما تزال تسجل التجربة الصادقة... بأساليب شتى تهز المشاعر.. وتحرك السواكن... !!!

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here