islamaumaroc

الاشتراك وأثره في الاستنباط والاختلاف في الفقه الإسلامي

  المهدي الوافي

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991

تمهــيد:
ذكر العلامة الراغب أن للفظ مع المعنى خمس حالات نجملها عنه فيما يلي:
- الحالة الأولى:
" أن يتفقا في اللفظ والمعنى " كالإنسان يستعمل في نحو خالد وسعيد. وهذا يسمى "المتواطئ".
- الحالة الثانية:
"أن يختلفا في اللفظ والمعنى " كرجل وفرس، وهذا يسمى: "المتباين"
- الحالة الثالثة:
"أن يتفقا في المعنى دون اللفظ" ويسمى هذا النوع "بالمترادف".
- الحالة الرابعة:
"أن يتفقا في اللفظ ويختلفا في المعنى" ويسمى هذا النوع "بالمشترك"، كما يسمى "بالمتفق".
- الحالة الخامسة:
"أن يتفقا في اللفظ وبعض المعنى" كضارب، وضرب، ويسمى هذا النوع "بالمشتق".
وقد حقق القرافي حينما تعرض لتعريف المتواطئ أنه "اللفظ الموضوع لمعنى كلي، مستوفى محاله كالرجل"، مبينا أن اللفظ الموضوع لمعنى كلي غير متساو في محاله، كالنور بالنسبة للسراج والشمس لا يسمى متواطئا، وإنما يسمى :"مشككا".
وبهذا الاعتبار عرف المشكك قائلا: إنه "اللفظ الموضوع لمعنى كلي مختلف في محاله...".
وقد أوضح أن المتواطئ مشتق من التواطؤ أي التوافق، يقال: تواطأ القوم على شيء بمعنى اتفقوا عليه. ووجه المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضح.
وأوضح القرافي أيضا أن المشكك يؤول إلى الشك فهو يشكك الناظر فيه: أهو مشترك، أم متواطئ؟ فهو باعتبار إطلاقه على المختلفات إلى المشترك أقرب، وباعتبار أن مسماه واحد هو متواطئ.
أما المتباين فهو من البين بمعنى الافتراق والبعد. ووجه المناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي واضح.
وفي مرتقى الوصول، لابن عاصم:
اللفظ والمعنى إذا تعـددا
وفي اتحاد متواطٍ إن ظهر
ومع تفاوت لــديه بـاد
وما بــه المعنــى فقط تعددا
وما يــرى لــنوع ذا يخالــف
  معــا تبـاين كـراح واغتدى
فيه التسـاوي مثل أرض وشجر
مشكك كالنــور والـسواد
كالعيـن فهو الاشتراك وردا
كالبر والقمــح هو المــرادف  
وإلى هذه الأرقام أشار الأخضري في "السلم" بقوله:
ونسبة الألفاظ للمعـاني
تواطؤ تــشاكـك تخالـف
  خمسة أقســام بلا نقصــان
والاشتراك عكسه الترادف 
الاشتراك بين اللغويين والأصوليين

أولا: الاشتراك عند اللغويين:
أثبت جل الباحثين اللغويين – سواء مهم القدماء والمحدثون – ظاهرة الاشتراك في اللغة العربية، على أن بعض الباحثين المعاصرين يرى أنه يوجد في بعض اللغات الأخرى.
وقد أشار إليه سيبويه، وألف فيه تآليف مستقلة: الأصمعي، والخليل، وسبيويه، وأبو عبيدة، وآخرون، واعترف بوقوعه في اللغة العربية ابن فارس، وابن جني.
ويرى الدكتور أنيس أنه "لا معنى لإنكار المشترك اللفظي مع ما روي لنا من الأساليب الصحيحة من أمثلة كثيرة لا يتطرق إليها الشك".
فهو – حسب تعبير بعض الباحثين المعاصرين-: "واقع ملموس، وحقيقة لا خيال، وكثير لا قليل".
وهو – كما قال ابن فارس : " أن تكون اللفظة محتملة لمعنيين أو أكثر".
وقد أشرت سابقا إلى أن جل الباحثين أثبت هذه الظاهرة. وحكى السيوطي الاختلاف فيه، مبينا أن الأكثرين على إمكان وقوعه "لجواز أن يقع إما من واضعين، بأن يضع أحدهما لفظا لمعنى، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر... وإما من واضع واحد..."
ومن الباحثين اللغويين من أوجب وقوعه، معللا ذلك بأن "المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فإذا وزع لزم الاشتراك".
ويرى بعض اللغويين أن هذه الظاهرة أغلب، معللا ذلك بأن الحروف جميعا مشتركة – كما قرره النحاة – والأفعال الماضية مشتركة بين الدعاء والخبر، والمضارع مشترك بين الحال والاستقبال، والأسماء جاءت فيها هذه الظاهرة كثيرا، وبسبب كل ذلك يكون الاشتراك أغلب ومع ذلك قرروا أن هذه  الظاهرة خلاف الأصل.
ورغم إقرار بعض الباحثين المعاصرين ما قرره اللغويون قديما من أن هذه الظاهرة خلاف الأصل يضيف إلى ذلك ما يلي:
"لكنه ورد بأساليب فصيحة لا سبيل إلى إنكارها، سواء ورد من واضع واحد أو من واضعين، أو بسبب اختلاف لهجات القبائل، أو النقل والمجاز من لغة واحدة، أو لغتين ثم مات المجاز، أو بسبب تطور صوتي".
وقد تعرض اللغويون إلى أسباب ظاهرة الاشتراك بالشرح والتفصيل، كما أعطوا كثيرا من الأمثلة والشواهد على هذه الظاهرة.
ولا نتعرض الآن لتفصيل أسباب الاشتراك عند اللغويين إذ سيقع بحثها حين التعرض لظاهرة الاشتراك عند الأصوليين. وقد جاءت تلك الأسباب مجملة في النص الذي نقلته قريبا ففيه الغناء عن بحثها عند اللغويين.
وبعض الباحثين الذين ينفون ظاهرة الاشتراك يجعلون الدليل على ذلك الاستعمال المجازي للكلمة المدعى فيها. وهذا ليس دليلا صحيحا، إذ المجاز لا يتنافى والاشتراك. ومعروف أن المراد بالمجاز هنا معناه الواسع ومع ذلك فإن المعنى الأصلي ينسى. وقد قرر بعض الباحثين أن المجاز لم يكن مستقرا حتى القرن السادس، مستدلا بأن جار الله الزمخشري حينما ألف كتابه" الأساس" لبيان الحقيقة والمجاز كانت ضوابطه لا تخلو من نقص وعدم ضبط، بدليل استدراك الحافظ ابن حجر عليه في "الغراس" كثيرا. وقد عد فيه بعض الكلمات حقيقة وهي عند الزمخشري من قبيل المجاز.
وقد أضاف هذا الباحث إلى ما لخصناه عنه قائلا: "وإذا فاستقرار المجاز بالمعنى المستقر في أذهان النافين للمشترك اللفظي – بناء على دعوى المجاز – لم يكن موجودا حتى وقت قريب. فعلى أي أساس نفى النافون وجوده، بعد أن أقره العلماء وألفوا في أصرح قسيمه وهو الأضداد؟ الحق أنه لا حق معهم".
أمثلة وشواهد للاشتراك
1 – لفظ عين: جاءت هذه الكلمة بمعنى الباصرة، وبمعنى الذهب، وبمعنى الشمس، والقبلة، والجاسوس، وعين الجيش بمعنى الطليعة، ورئيس القوم. وللسبكي قصيدة جمع فيها غالب معاني كلمة: "عين" أوصلها إلى نحو سبعين معنى. وللسجاعي أيضا قصيدة جمع فيها عدة معان لها. ومنها:
أيا ظبي الـفلا وكحيل عين
حميت من المكاره يا غزالا
  ويا بدر الـدجــى وضياء عين
حوى كل الكمال بدون عين
ثم قال:
دعـانـا للهداية نعم طـه
أمين سيـد ما فيــه شـك
له ذات خلت عن كل سوء
سما فــوق السماء ونــال قربـا
جميل النفس والأفعــال قطعا
أذاع الخير فينـا كل وقت
بقيم شريعــة غــراء فينــا
  رســول قــد أبـان لطـرق عين
به تهــدى الأنام بــكل عين
وقلب قـد خـلا من شــين عين
وخـاطب ربـه وحظــى بعين

صفى خــالص من قبــح عين
وعـوذ أمــة من شر عين
بها كم قــد هدى من كــل عين
ومن الطرائف قول بعض الأدباء:
ملكت العين فـاكحلهـا
  بطلعتهـا ومجـراها
فقد جمع فيه بين أربع معان لكلمة (عين) على طريقة الاستخدام إذ ذكرها في أول البيت (ملكت العين) بمعنى الذهب، وأعاد عليها الضمير. بقوله: (فاكحلها) بمعنى الباصرة، ثم أعاد عليها الضمير بمعنى الشمس في قوله: (بطلعتها) بمعنى عين الماء في قوله: (ومجراها).
2 – ومن الألفاظ المشتركة: كلمة: "الخال" التي جاءت لعدة معان منها أخو الأم، والسحابة السوداء. والنكتة السوداء في الجسد، "والرجل الحسن القيام على العيال". وقد ذكر لها ثعلب في أماليه نحو ثلاثين معنى.
3- ومن الألفاظ المشتركة: كلمة:
"نحب". وقد نظم بعض الأدباء أهم معانيها في أبيات أقتصر منها على الأبيات الآتية:
مغرم قد قضى من الشوق نحبه                   وهو لم يقض في المحبة نحبه
وامتطى نحبه فهيـجه النحــــب إلى إلفه فواصل نحبه
يا لصب عراه نحب فأضنى                   جسمه نحبه وشرد نحبه
ومن الألفاظ المشتركة: كلمة (غرب، وجمعه غروب):
ذكر اللغويون أن للغرب عدة إطلاقات، منها:
الدلو الكبيرة، مملوءة أو فارغة. والغرب بمعنى الدمع، وبمعنى العين، وبمعنى الحدة، ومنه قول عائشة رضي الله عنها تصف زينب رضي الله عنها: "كل خلالها محمودة ما عدا سورة من غرب كانت فيها" أي حدة.
- ويطلق الغرب على النشاط والحركة، وعلى سرعة الجري.
- ومن معانيها: الذهب، والفضة، ونوع من الشجر، وجهة الغرب في مقابل الشرق.
- ومن معاني الغرب "الوهدة المنخفضة من الأرض".
ومن الطرائف قول الخليل بن أحمد:
يا ويح قلبي من دواعي الهوى                إذ رحل الجيران عنــد الغروب
أتبعتم طرفي وقد أزمعوا                      ودمـع عيني كفيـــض الغروب
بانـوا وفيهم طـفلة حـرة                        تفتر عن مثل أقاحي الغــروب
فالغروب في البيت الأول بمعنى غروب الشمس، والغروب في البيت الثاني جمع لغرب بمعنى الدلو. والغروب في البيت الثالث جمع لغرب بمعنى "الوهدة المنخفضة من الأرض".
5 – ومن المشترك: كلمة "عجوز" التي جاءت لعدة معان: منها: الأسد، والبقرة، والمرأة المسنة، والأرنب، والضبع، والعقرب، والفرس، وأحد أسماء الخمر، وبمعنى الشمس... وقد عد بعض اللغويين معانيها فأوصلها إلى سبع وسبعين.
وقال الفيروزبادي: إنه عد لها ما ينيف على الثمانين.
ولابن أصبغ اللغوي قصيدة تشتمل على ثمانية وعشرين بيتا ضمنها معاني لفظ "عجوز" وقد أوصل تلك المعاني إلى اثنين وستين معنى. وشرح هذه القصيدة أبو حيان الأندلسي مؤلف "البحر المحيط".
وقد استدرك على ابن أصبغ: ابن معصوم أبياتا أخرى استوفى فيها ما جاء ناقصا عند ابن أصبغ.
وأقتصر من استدراك ابن  معصوم على البيت التالي:
وكم أمسـى عجوز في عجـوز                 بمرتبة أجـل من العجـوز
6 – ومن أمثلته: كلمة "أمة"، فمن معانيها: "الجيل من الناس، والحـين، ومنه قولـه تعالـى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [يوسف: 45]، والدين، والعالم، والقمة، والإمام الذي يقتدى به، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ... ) [النحل: 120]،  والأمة بمعنى الجماعة، وبمعنى الملة. 7- ومن أمثلته: كلمة "خليل": ونقتصر منها على معنيين من معانيها فقد جاءت في العربية بمعنى الصديق، وجاءت بمعنى الفقير. ومن المعنى الثاني قول زهير:
وإن أتـاه خليل يــوم مسغبة    يقول لا غائب مالي ولاحــرم
8- ومن المشترك: الألفاظ التي وضعت للشيء وضده. وهو ما يعرف بالأضداد. وقد ألفت في هذا النوع تآليف مستقلة. ومن أمثلته: الجون للأبيض والأسود، والغابر للزمن الماضي وغيره، والجلل للعظيم والحقير. فمن الأول قول الشاعر:
قومــي هم قتلوا أميم  أخي           فـإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لاعفون جـلـلا           ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ومن الثاني قول الطغرائي::
فقلت أدعوك للجـلى لتنصرني        وأنت تخذلني في الحادث الجلل

ثانيا: الاشتراك عند الأصوليين:
تناول علماء الأصول بحث الاشتراك من حيث تعريفه، ووقوعه أو عدم وقوعه، وبيان أسبابه، وكونه سببا من أسباب اختلاف المجتهدين...
والمشترك أصله المشترك فيه، لأن الصيغة مشترك فيها. وهو – كما في كشف الأسرار-: "اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما مختلفان".
وقريب من تعريف الشوكاني في إرشاد الفحول وهو:"اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا"، و كلمة "وضعا أولا" لإخراج المنقول.
وقد جاء في التعريفين السابقين "اللفظة الموضوعة لحقيقتين" ومعنى ذلك أن المراد إطلاق اللفظ على حقيقتين، فليس من قبيل المشترك أن يكون اللفظ يطلق على أحد المعنيين حقيقة، وعلى المعنى الآخر مجازا.
وقد اختلف علماء الأصول في وقوع المشترك وعدم وقوعه. والذي يرى عدم وقوعه يعلل رأيه بأن الألفاظ إنما توضع لتحديد المعاني وفهمها، فإذا كان اللفظ قد وضع لمعنيين أو عدة معان حسب من ينكر وقوعه في اللغة قلما يفهم المراد منهما أو منها إذا لم تكن هناك قرينة، بالإضافة إلى أن وقوع الاشتراك – حسب هذا الرأي – ينتج عنه إجمال وإبهام طالما أنه لم يبين.
وقد اختار القاضي البيضاوي أنه ممكن واقع. وقال ابن الحاجب: إنه "جائز وواقع عند المحققين".
والأصح أنه جاء في القرآن الكريم كما حكاه ابن الحاجب،  والعضد في شرحه لمختصر المنتهى الأصولي، لابن الحاجب.
ورغم جوازه ووقوعه في اللغة العربية فهو خلاف الأصل، ومعنى ذلك أنه إذا دار الأمر بين الاشتراك وعدمه، فإن الأغلب على الظن عدم الأخذ به، لأن الاشتراك يؤدي إلى الإخلال بالفهم بالنسبة للمخاطب. وقد يتعذر على السامع الاستفسار إما لحياء، أو لهيبة المتكلم، أو لغير ذلك من الأسباب، وربما حمله على غير المراد فيقع في الجهل حتى قيل: "إن المشترك سبب أعظم في وقوع الأغلاط".
ومن الوجوه التي استدل بها أيضا على أن الاشتراك خلاف الأصل أن الاستقراء يدل على أن الكلمات المشتركة أقل من الكلمات المفردة. والكثرة تفيد ظن الرجحان.
قال أحد الباحثين المعاصرين:
"ومن ألفاظ اللغة ما تمرد على التغير والتطور فبقي على حالته يطلق على أكثر من معنى، وهي الألفاظ المشتركة، وتتصف تلك الألفاظ بالندرة في اللغة العربية إذا قيست بالألفاظ المترادفة".
أمثلة وشواهد للمشترك
ومن أمثلة المشترك في كتب الأصول: لفظ عين، وكذلك كلمة: "قرء" للحيض والطهر، وعسعس
الليل بمعنى: أقبل وأدبر، ومنه في القرآن الكريم قضى بمعنى: حتم، كقوله تعالى: ( فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) [الزمر: 42]، وقضى بمعنى: أمر في قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) [الإسراء: 23]،  وبمعنى: أعلم، كقوله تعالى:  (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ...) [الإسراء: 4]،  وبمعنى: صنع، كقوله تعالى: ( فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ) [طه: 72]،،.
وذكر بعض الأصوليين أن المشترك يكون اسما كالقرء للطهر والحيض، ويكون فعلا كعسعس الليل، وحرفا ك"مِنْ" الجارة التي تكون للابتداء والتبعيض، وغيرهما من المعاني.

أسباب الاشتراك
وقد بين علماء الأصول أسباب الاشتراك ونجمل أهمها – بإيجاز – فيما يلي:
السبب الأول: "اختلاف الوضع بين القبائل العربية": ومعنى ذلك أن تضع إحدى القبائل العربية اللفظ لمعنى، وتضعه قبيلة أخرى لمعنى آخر. وقد لا يكون بين المعنيين أية مناسبة ثم ينقل اللفظ بواسطة المصادر اللغوية مستعملا في المعنيين من غير نص على اختلاف الواضع.
السبب الثاني: أن يوضع اللفظ لمعنى حقيقي، ثم يستعمل في معنى آخر مجازي لعلاقة بين المعنيين: الحقيقي، والمجازي، ويشتهر بعد ذلك استعمال اللفظ في المعنى المجازي، ومع طول الزمان ينسى التجوز، وبذلك يصبح الإطلاق حقيقة عرفية فيه، وينقل اللفظ إلى أبناء اللسان العربي على أنه حقيقة في المعنيين معا.
السبب الثالث: أن يكون اللفظ قد وضع لمعنى مشترك بين معنيين أو معاني بسبب وجود معنى جامع بينهما أو بينها. ومع توالي الزمان وطول العهد ينسى المعنى الجامع. وآنذاك تصبح الكلمة من قبيل المشترك اللفظي، ومن ذلك كلمة: "قرء" التي هي في الأصل اللغوي: "اسم لكل وقت اعتيد فيه أمر خاص" فقد قالوا للحمّى: "قرء" بمعنى دور معتاد تأتي فيه، وقالوا للمرأة "قرء" يقصدون أن لها وقتا تحيض فيه، ووقتا تطهر فيه، كما قالوا للثريا: "قرء" يقصدون أن لها وقتا اعتيد فيه معها نزول المطر.
الاشتراك سبب من أسباب اختلاف الفقهاء في الاستنباط

تمهيد:
سلف القول بأن الاشتراك خلاف الأصل، ومعنى ذلك أن اللفظ إذا احتمل الاشتراك وعدمه، فإن عدم الاشتراك يرجح على وجوده.
وإذا ثبت الاشتراك فإن المجتهد يكون أمام إحدى الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى:
أن يكون للفظ المشترك معنيان: أحدهما لغوي، والآخر اصطلاحي شرعي. ومن أمثلة ذلك: ألفاظ الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والطلاق وما شابهها. ففي هذه الحالة يتعين حمل اللفظ على معناه الاصطلاحي الشرعي.
وهذا ما لم تكن هناك قرينة تصرفه إلى المعنى اللغوي، وإلا حمل عليه. كقوله تعالى:
( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [الأحزاب: 56].
فالقرينة هنا تجعل كلمة "الصلاة" مرادا بها المعنى اللغوي وهو الدعاء، دون المعنى الاصطلاحي الشرعي وهو الأقوال والأفعال التي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم.
الحالة الثانية:
أن يكون اللفظ مشتركا بين معنيين أو معان لغوية "وليس للشارع عرف خاص" يعين أحد المعاني التي وضع لها اللفظ المشترك. ففي هذه الحالة يجب على المجتهد تعيين المعنى المراد، مستعينا بالقرائن، وحكم التشريع، ومقاصده.
والآن نعطي أمثلة تطبيقية هي ثمرات هذا البحث يتبين بها مدى اختلاف المجتهدين في الفقه الإسلامي، نتيجة اختلافهم في تعيين المراد باللفظ المشترك في النصوص التشريعية كالآتي:
أولا: قوله تعالى:( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [البقرة: 228]. فكلمة: "قرء" – كما سبق القول – وردت  في اللسان العربي بمعنى الحيض، كما وردت بمعنى الطهر، فمن ورودها بمعنى الحيض قول النبي (ص) في حديثه عن المستحاضة: (تدع الصلاة أيام أقرائها) أي أيام حيضها.
ومن ورودها بمعنى الطهر قول الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم  غزوة                  تشد لأقصاهــا عزيــم عزائكا
مورثة مالا وفي الحي رفعـة                   لما ضاع فيها من قـروء نسائكـا
"أي من أطهرهن بسبب الغزو"
قال الشريف التلمساني:
"والدليل على ثبوت الاشتراك بين المعيين لغة: اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، وهم أهل اللغة".
وبسبب ما ذكر اختلف المجتهدون في المراد بالقرء في الآية، فمنهم من رأى أن المراد به الطهر، ومنهم من رأى أنه الحيض. وقد رجح كل من الفريقين رأيه بمرجحات، ونوضح ذلك فيما يلي:
أ - ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر: مالك، والشافعي، وأحمد في رواية، وداود، وأبو ثور، وهو مروى عن: عائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وقتادة، والزهري، وأبان، ونقل عن الفقهاء السبعة.

والحجة لهذا الرأي:
1 - تأنيث اسم العدد وهو ثلاثة يدل: - كما هو القاعدة المقررة في العربية – على أن المعدود مذكر.
وهذا ما يرجح أن المراد بالقرء في الآية المذكورة: الطهر، إذ هو المذكر، لا الحيضة، إذ لو كان المقصود الحيض أو الحيضات لجيء بلفظ ثلاثة مذكرا لا مؤنثا، جريا على القاعدة المقررة في علم العربية.
2 – أيدوا رأيهم بما ذكره ابن الأنباري، وخلاصته أن القرء إذا جمع على قروء – كما في الآية السابقة – يكون معناه الطهر، وإذا جمع على أقراء كما في الحديث السابق يكون معناه الحيض. وإن كان مفردا يحتمل المعنيين: الحيض، والطهر.. وقد رد الحنيفة هذا قائلين:
"لو صح هذا لما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك، فإنهم أهل اللغة، وأعرف بها، فلما اختلفوا دل ذلك على بقاء الاحتمال حالة الجمع، كما كان حالة الإفراد".
3- أن الله سبحانه وتعالى قال: ( فطلقوهن لعدتهن) وقد أمر عليه الصلاة والسلام أن يكون الطلاق وقت الطهر فالمعتبر في العدة هو الطهر.
ومعنى ( فطلقوهن لعدتهن): لوقت عدتهن وهو الوقت المأمور بالطلاق فيه من طرف رسول الله (ص). وبمعنى ( وأحصوا العدة)، ما تعتد به المطلقة، ألا وهو الطهر كما قال النبي (ص): "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، وهذا ما يرجح أن يكون المراد بالقرء في الآية: الطهر.
ب- ويرى آخرون أن المراد بالقرء في الآية الحيض. وهذا الرأي منقول عن الخلفاء الراشدين، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وهو رأي كثير من الصحابة، وبه قال جمهور التابعين، وبه أخذ أبو حنيفة، وأحمد في رواية، والحسن البصري، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صلاح، وهو مذهب العترة.
وقد أيدوا رأيهم بما يلي:
1- (ص) في المستحاضة: "تدع الصلاة أيام أقرائها" فهم يرون أن استعمال القرء في الحيض هنا مما يدل على تخصيص القرء بالحيض، دون الطهر في عرف الشريعة.
ويؤيد ذلك – حسب رأيهم  - قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ) [الطلاق: 4] "حيث جعل الاعتداد بالأشهر مكان الاعتداد بالحيض الميئوس منه، وفي ذلك دلالة على أن الحيض هو المعتبر في العدة، لا الطهر".
2 – أن الحكمة من تشريع العدة هو التعرف على براءة الرحم وخلوه من الحمل حتى لا تختلط الأنساب، والذي يبين ذلك هو الحيض، لا الطهر.
 قال الأستاذ علي الخفيف:
"ذلك مما رجح به كل فريق رأيه، ولم يكن الخلاف بينهم إلا بسبب استعمال اللفظ المشترك، فكان من ذلك اختلافهم في الحكم".
ويترتب على هذا الاختلاف عدة مسائل منها ما يلي:
•  زمن انتهاء العدة: فبالنسبة لتفسير القرء بالطهر تنتهي عدة المرأة إذا دخلت في الحيضة الثالثة. أما بالنسبة لمن فسره بالحيض فإنها تنتهي بالدخول في الطهر الرابع. 
• بالنسبة لحل الزواج: يحل للمرأة الزواج من زوج آخر إذا دخلت في الحيضة الثالثة حسب تفسير القرء بالطهر، وبعد انتهاء الحيضة الثالثة حسب تفسيره بالحيض.
ثانيا: ومن ثمرات التطبيق من أجل الاختلاف بسبب استعمال اللفظ المشترك اختلافهم في قوله تعالى: ( إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ...) [المائدة: 33]، فقد ذهب جماعة العلماء إلى أن "أو" للتخيير، ومن من أجل ذلك قالوا: إن ولي الأمر مخير بالنسبة لهذه العقوبات، إذ له أن يعاقب المحارب بأيها شاء من القتل، والصلب، والقطع، والنفي على حسب اجتهاده، وما تقتضيه المصلحة... وقد روي هذا القول عن: ابن عباس، والحسن البصري، وعطاء، وأبي ثور، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، وهو رأى الإمام مالك وداود.
ويرى آخرون أن "أو" للتفضيل، ومن أجل ذلك قالوا: إن على الإمام إقامة الحد على المحارب بقدر فعله: فمن أخاف وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف"، ومن جمع أخذ المال والقتل قطعت يده، ورجله، ثم صلب، ومن قتل من دون أخذ مال قتل، أما من أخاف السبيل دون أن يأخذ مالا أو يقتل، فإنه ينفى.
ثالثا: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
( وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) [الأنعام: 121]. فالواو في قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). لفظ مشترك إذ الواو وضعت للحال، كما وضعت للاستئناف. وبسبب ذلك اختلف حكم الآية، فمن جعل من المجتهدين الواو للحال فهم أن الآية تنهى عن أكل الذبيحة التي لم يذكر عليها اسم الله، بل ذكر اسم الصنم عليها والحال أنها فسق، وهذه هي حال العرب، وبناء على ذلك فإن النهي في الآية مخصوص بهذه الحالة، وليس مطلقا.
وبناء على هذا الرأي يجوز أكل الذبيحة التي لم يذكر عليها اسم الله ما عدا في حالة واحدة وهي التي ترك ذكر اسم الله عليها، لكن ذكر عليها اسم الصنم. وقد رجح مالك وأصحابه، والشافعية أنها للحال.
ويرى الحنفية أن الواو للاستئناف وهي تفيد ابتداء معنى جديد ولا تقيد العام بحالة واحدة كما مر معنا بالنسبة للرأي الأول.
وبناء على هذا الرأي يكون النهي في الآية عاما باقيا على عمومه وعليه فيحرم أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها مطلقا وإن لم يذكر عليها اسم الصنم.
وبذلك يتضح اختلاف الحكم بالنسبة لمتروك التسمية عمدا حسب الرأيين السابقين. فهو جائز الأكل حسب الرأي الأول، وحرام حسب الرأي الثاني. إذ "الترك عمدا في ذاته فسق". _ حسب هذا الرأي.
رابعا: ومن ذلك لفظ (النكاح) في قوله عز وجل: ( تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) [النساء: 22]، فقد حمل جماعة من المجتهدين النكاح على الوطء. وبناء على هذا الرأي يحرم على الابن التزوج بالمرأة التي زنى بها أبوه، وقد أيدوا رأيهم بقوله تعالى بعد ذلك: ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا) [النساء: 22]، الذي يناسب الفعل، لا العقد. وقد نقل هذا الرأي عن الأوزاعي، والثوري، والحنفية، والإمام أحمد.
ويرى آخرون أن المراد بالنكاح في الآية: العقد وبناء على ذلك لا يحرم على الابن تزوج المرأة التي زنى بها أبوه.
وقد أيدوا رأيهم بقوله (ص): "الحرام لا يحرم الحلال".
وهذا الرأي قال به ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وأبو ثور، والمالكية، والشافعية.
خامسا: ومن ذلك قوله تعالى: ( وامسحوا برؤوسكم) فقد اختلف المجتهدون في الـباء في قـوله: ( برؤوسكم)، فمن جعل الباء زائدة أوجب مسح جميع الرأس. وهو رأي الإمام مالك. ومن قال إن الباء للتبعيض أوجب مسح بعضه، وهو رأي الإمامين: أبي حنيفة، والشافعي. قال ابن رشد:
"وأصل الاختلاف في هذا: الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب".
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here