islamaumaroc

القرآن يهدي الناس للتي هي أقوم

  علال البوزيدي

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991


مما ينفرد به الإسلام من أخلاقيات ومثل عليا سامية، وقيم وفضائل، إقراره للعلاقات الإنسانية العامة التي جاءت مصاغة في تعاليمه التي نص عليها القرآن المجيد، وهو دستور الأمة الإسلامية والذي أنزل جملة وتفصيلا على الرسول الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وقال في حقه جل شأنه: (وإنك لعلى خلق عظيم). إذ بهذا الاصطفاء وهذه المكانة التي تتميز بها شخصية نبي الرحمة ورسول السلام محمد عليه الصلاة والسلم قيل في حقه صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). بالفعل، فمن رحمة الرسول الكريم بالناس كافة أن جاءهم بالإسلام الذي هو دار السلم والمحبة والتكافل ومصدر للحريات ولاحترام حقوق الإنسان، تحرير الناس من ربقة الاستغلال وقيود الرق والاستعباد، وأشاع بين الناس الخير والتعاون على البر والتقوى، ونهاهم عن الإثم والعدوان.
وبقليل من التفكير واستخدام العقل السليم، يتضح أن ما يخالط سلوكيات وأخلاقيات الناس في هذا العصر من موبقات، هو نفسه الذي كان يخالط حياة البشرية سلوكا وأخلاقا ومعاملات وعلاقات عامة قبل مجيء الإسلام، وقبل نزول القرآن، أي في غابر الأزمان وسالف العصور، حيث كانت الإنسانية غارقة في أوحال الجاهلية وغياهب العصبية، والرذيلة والمجون والانحلال والظلم، فأية إنسانية تقوى على الظلم والعصبية والجهل والشر. أي لم تكن في الحقيقة بالإنسانية، بل كانت حياة بدائية أقرب إلى الحوانية الشرسة التي لا عقل لها ولا ضمير، بل أنانية وحب الذات، وجور وظلم وظلام، دامس مطبق، إلى أن شارع في الربوع نور الإسلام، وانبثق فجره الجديد، وصدع صوت الحق، وبدأت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تنتشر في الآفاق، وتستقطب من هداهم الله إلى الصراط المستقيم.
ولنا الأسوة الحسنة في السيرة المحمدية المطهرة، وفي الأدب النبوي الشريف، إذ فيهما الدروس والعبر، ولو تمسك بهما الناس، وسار الكل على هديهما وأثرهما، لم يبق من تواجد لما يتمسرح على خشبة المجتمع الحديث من هزل وزور وبهتان ودس وخداع وانحراف وسوء أخلاق وخبث، وما إلى ذلك من سلوكيات المجون والانحطاط والفراغ الأخلاقي والروحي، ذلك لأن القرآن الذي هو منهج الذي هو منهج الحياة، وأساس السلوك والمعاملات والعلاقات والروابط كفيل بتحقيق الحياة الأفضل، والانسجام الأشمل، والتعاون الأكمل بين الناس، وإشاعة المودة والرحمة بين البشر بصفة عامة، وبين المسلمين بصفة خاصة. وقد جاء ذلك واضحا في كون القرآن يهدي المسلمين للتي هي أقوم في الدنيا والآخرة، لكونه يبرمج الحياة على أساس الإصلاح، وينظم هذه الحياة تنظيما محكما.
لذلك، نجد أن الإسلام الذي هو دين القرآن عقيدة وشريعة وسلوكا وأخلاقا، يمتاز بخصائص ومرونة تساير كل الأزمنة والأمكنة، وهو الذي جعل الأمة الإسلامية أمة وسطا، إذ لا إفراط و لا تفريط الكل سواسية أمام الحق، وتلك قمة الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، إذ لا مجال للظلم والاعتداء ولاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. ولذلك استحق القرآن المكانة الهامة التي يحتلها منذ نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمر العقل البشري في تحليل معانيه، والتمعن والشرح والتفسير لنصوصه وآياته الجامعة الشاملة، ويكفي المسلمين المؤمنين فخرا واعتزازا بانتسابهم لأمة القرآن، أن يلمسوا ويدركوا بأن هذا القرآن أخذ في هذا العصر يحظى باهتمام واسع، يتجلى في البحوث والدراسات التي تصدر من حين لآخر في أوربا والعالم الغربي، وهذا الاهتمام ببحث جوانب من القرآن الكريم، دفع الباحثين والدارسين إلى بحث حقائق عن الإسلام، ولم يخف بعض الباحثين في تحليلاتهم وأبحاثهم أن الإسلام يمتاز بعظمة القرآن وشموليته الديناميكية، الصالحة لكل زمان ومكان، بحل كل ما يعترض الإنسانية من إشكاليات وقضايا شائكة، نتيجة العصبية والأنانية وحب الذات، والتوثر والقلق، والفراغ الأخلاقي والروحي، والتوسع الجغرافي والتفوق الاستراتيجي. ومن دوافع الاقتناع، أن العديد من أصحاب الرأي والعقلاء والحكماء، انتهوا في أبحاثهم إلى أن عظمة القرآن، وشموليته الممنهجة للحياة، ترجع إلى كونه خاتمة الكتب السماوية، التي ربطت بين الحياة المادية والروحية رباطا موضوعيا ومنطقيا، وخرج بالإنسانية من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدي، وتأكد البعض أن غير القرآن، مجرد فلسفات تقحم الناس في مجاهل المعرفة، وتجعلهم في تيه دائم يصعب عليهم الوصول إلى رأي سديد، أو حل موضوعي لأية مشكلة من إشكاليات العصر، وما أكثرها في العالم المعاصر. وكلما أشكل عليهم الأمر، واستحال عليم الخل، رجعوا إلى القرآن، فجدوا فيه ضالتهم المنشودة، وتوصلوا من خلاله إلى ما هم محتارين فيه، لكن يبقى بعد نتائج الأبحاث ذلك التصادم المعروف بالتحجر الفكري، والإلحاد العقائدي، الذي يروم إلى التغيير فيما لا يحتاج إلى التغيير، إذ هناك ثوابت لا تقبل قيما غير القيم التي أقرتها، ومناهج غير المناهج التي حددتها، ونجد أن القرآن لم يغفل هذا الجانب حفاظا على استمرارية التوازن، ورعيا لكون أي اختلال يمس القيم الأساسية والمثل الإنسانية العليا، من شأنه أن يؤدي إلى التصادم الحضاري، ومنه إلى التصادم الفكري والعقائدي. وتلك هي أسباب الصراع الذي نبه القرآن إلى عواقبه الوخيمة على الحياة البشرية، وبالتالي حذر القرآن من مغبة الخطر الذي من شأنه أن يؤدي إلى التصدع الكوني.

• القرآن فتح القرآن للناس أبواب الاجتهاد
لقد فتح القرآن للناس أبواب الاجتهاد، وجعل مجالات واسعة مرتبطة بالحياة وتطوراتها رهن اجتهاداتهم، لغاية تحسين الأوضاع الإنسانية، وضمان أكبر قدر ممكن من النفع العام، وربط الأرزاق بإمكانيات الاجتهاد، بل فضل بعض الناس على بعض في الأرزاق، تحفيزا على إشاعة روح الاجتهاد، ونبذ الخمول والكسل والتقاعس والاتكال، بل حث الإسلام في ضوء القرآن على العمل، وجعله مفتاح وطريق النجاح، موصيا بضرورة الاعتماد على النفس، وتحريك الأسباب المشروعة، التماسا وسعيا للرزق الحلال الطيب. مما يؤكده النص القرآني المبين: (وأن ليس للإنسان إلى ما سعى وأن سعيه سوف يرى) إلى آخر الآية. لذلك ففي مجال السعي، تبرز روح الاجتهاد الحقيقي، خاصة إذا كان ذلك ينطبق على ما تشير إليه الاجتهادات الهادفة إلى بلورة الفعاليات الإنسانية، وبالأخص فعاليات الطاقات الكادحة التي تبذل العرق من أجل سد الرمق. وما أروع القرآن الكريم، الذي يجزي كلأ بحسب اجتهاده ونيته، وهذه الروعة البيانية في القرآن نالت إعجاب كبار المفكرين بما فيهم أولئك الذين لا يدينون بدين القرآن، وأذكر منهم المفكر الغربي (سدني فيشر)، الذي قال في كتابه بعنوان: الشرق الأوسط في العصر الإسلامي: "إن القرآن صوت حي يروع فؤاد العربي، وتزداد روعته حين يتلى عليه بصوت مسموع، ولكنه لا يفهم هذه الروعة، كما لم يفهمها زملاؤه الذين سبقوه إلى الاعتراف ببلاغة القرآن، اعتمادا على أثره البليغ في قلوب قرائه وسامعيه، ثم يقفون عند تقرير هذه البلاغة بشهادة السماع، أنه كتاب تربية وتثقيف، وليس كل ما فيه كلاما عن الفرائض والشعائر، وأن الفضائل التي يحث عليها المسلمين من أجمل الفضائل وأرجحها في موازين الأخلاق، وتتجلى هداية الكتاب في نواهيه، كما تتجلى في أوامره، فلا يجوز للمسلم أن يشرب الخمر، ولا أن يقامر، ولا أن يعتدي أو يستسلم للترف والرذيلة..." انتهى
وهكذا نجد أن الأقلام تجد وتجتهد، انطلاقات من نصوص القرآن وقصصه، وحسن بيانه وروعة  بلاغته. وكم يكون الأمر هام للغاية، أن ينتزع القرآن – بما حباه الله من عظمة – اعترافات أصحاب الرأي وحملة الأقلام ورجال الفكر، حتى وإن كانوا خصوصا أعداء للإسلام. يبقى جدير بالإشارة أن هذا القرآن قمين بكل اجتهاد من طرف من يدينون بدينه الحنيف، ويتمسكون بما جاء به من تعاليم تسمو بالإنسان المسلم نحو مدارج الرفعة والارتقاء الفكري والتقدم المعرفي، غير أنه ومع شديد الأسف، نجد العكس، بحيث هناك البعض من الناس ينتهجون في حياتهم نهجا مخالفا لما يوصي به القرآن، وتلك هي الطامة الكبرى، إذ يقوم البعض بما يجلب له الهوس والصداع، ومع أن القرآن المنزل من عند الله على نبي الرحمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهذا التنزيل، تمت تسوية الكثير من الإشكاليات، وتحولت الحياة تحولا حاسما بأمر الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ولن تجد لسنة الله تبديلا. هذا القرآن، الذي ينادي بالعمل والخير في ضوء اليسر والاعتدال، لذلك فإن الذين لا يهتدون بهدي القرآن، ويركبون أهوائهم، أولئك في ضلال بعيد. الذي ينبغي بالأساس هو العمل بتعاليم القرآن، وهضم معانيه ومضمونه الشمولي العام. إنه كتاب متناسق الآيات وقوى الحجة، مما جعل له تأثير في أخلاق الأمم والشعوب على مستوى العلاقات الاجتماعية، ويتضح ذلك من خلال التوحيد والاحترام للمرأة وحقوقها، وإقرار مبدإ المساواة، ومن هذه المنطلقات ينبغي أن يتنافس المتنافسون. غير أن الملاحظ عكس هذه التعاليم النيرة الخيرة، التي تكفل مصلحة الإنسانية ونفعها على كل المستويات. والاجتهاد في هذه السبل يعتبر اجتهادا إيجابيا، ذلك أن كل نوع من أنواع الاجتهاد الهادف إلى الخير، وترسيخ العقيدة السليمة، والتربية القويمة، والأخلاق الحميدة في النفوس، إنما هو اجتهاد مقبول، وما يروم إلى دعم قوى الشر والخذلان والانحراف والرذيلة وكل الموبقات المهلكة للإنسان، والمضرة بالإنسانية، إنما هو اجتهاد مرفوض، حتى وإن كان الهدف منه عملي أو تكنولوجي يراد به تدمير الإنسانية، ونشر الفتنة بين الناس، وزرع الأحقاد والصراعات بين بني البشر، وتنشيط النزعات على أساس عنصري وطبقي، قوميا وإقليميا، مع أن الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله.
هذه جوانب من أخلاقيات القرآن وأدبياته، لكن هل تعمل بمقتضاها الإنسانية الحديثة التي تأثرت بإيديولوجيات الفكر المعاصر، إلى درجة أصبحت تسيطر على تفكيرها أوهام لا تحدها حدود، حتى أصبح الناس يقولون ما لا يفعلون، ويقومون بأشياء ويتخذون مواقف لا يؤمنون بجدواها، ولا يدركون عواقبها. ولعل ما تعرفه بعض الأمم والشعوب من تمزق وصراع وحروب دليل على خروج الناس عن الجادة والصواب، والزيغ عن المحجة البيضاء، تلك المحجة التي رسمها القرآن الكريم.

•  من معالم الاجتهاد: التفاسير القرآنية نموذج
سيلاحظ بعض المختصين في الكتابات الإسلامية من أساتذة الشريعة والفقهاء أن الأسلوب
الذي تناولت به موضوعي هذا يميل بعض الشيء إلى البساطة في التعبير، وغايتي من ذلك، تكمن في الابتعاد عن التكلف والعمق، وحتى لا أقع في الخلط الذي قد يؤدي إلى الغموض، أفضل الأسلوب المبسط القريب إلى فهم العامة، ذلك لأن المستهدف بالأساس هم بعض الحائرين الذين كاد الشك والتشكيك أن ينال منهم، إن لم يكن قد استحوذ على أدمغتهم بالفعل، فهذا النمط من الناس وخاصة الشباب أصبح في حاجة ماسة إلى عملية غسل الأدمغة من ما علق بها من أفكار زائغة عن الحادة والاستقامة.
وبدون أن أتوغل في تحليل هذا المحور من الحديث، أنصح هذا النمط من العنصر البشري المسلم على وجه الخصوص، إلى استيعاب النصوص القرآنية المفسرة، واعتماد التفاسير الهامة، كظلال القرآن لـ(سيد قطب) رحمه الله، وابن كثير، وأشباه ذلك من التفاسير القيمة التي تزخر بها المكتبة العربية الإسلامية، ففي هذه التفاسير ما يقنع ويرشد إلى الخير والفلاح. وللإشارة فإن هذه التفاسير قادرة على أن تجعل المسلم يفهم ويحس بقيمة القرآن وشموليته، ذلك لكونه كثيرا ما يقرأ آيات من القرآن، لكنه لا يتدبر معناها وأبعادها التوحيدية، بعيدا عن الفلسفات والتأويلات. إذ فكل آية من القرآن لها دلالات ومعاني ليس من السهل إدراكها، لأن الإدراك الحقيقي، والفهم الصحيح لهذه الدلالات والمعاني القرآنية، يحتاج بالأساس إلى عنصر الإيمان والاقتناع بأهمية التوحيد، وقد تنافس علماء الإسلام في شروحهم وتفاسيرهم لأوجه الإعجاز القرآني. وقد أثبت التاريخ أن الباحثين والنقاد، وكل الذين يهاجمون القرآن، أو حاولوا الرد عليه بكتب فلسفية جوفاء، وافتراءات مفضوحة، بكونهم أنصار الحرية والعدالة كاذبون، لكونهم ينادون بأفكار دون أن يطبقونها... غير أن الإشكالية التي تعاني منها الإنسانية منذ القديم تتجسد في السلوكيات والأخلاقيات، وهي ما أوضحتها وأبانت عنها مختلف التفاسير القرآنية، لكن أين العقول التي تستوعبها..؟ وأين الأفكار التي تتشبع بها وتعمل بمقتضاها...؟ وقد حصل تراجع ملحوظ من حيث المناهج السلوكية والأخلاقية، فإذا أخذنا الإنسان العربي المسلم نموذجا، وحاولنا مقارنة السلوكيات والأخلاقيات السائدة في العصر الحديث مع ما عرف به هذا الإنسان قديما من خصائص ومواهب، تتمثل في: الفصاحة وقوة البيان وحب الحرية والأنفة والفروسية والشجاعة والحماسة والصراحة في القول وجودة الحفظ وقوة الذاكرة وحب المساواة وقوة الإرادة والوفاء والأمانة.
فهذه الصفات والفضائل، لا ينبغي أن يقال بأنه وقع التراجع عنها كليا، بل خالطتها بعض السلوكيات والأخلاقيات الدخيلة بواسطة الفلسفات الإلحادية، ونتيجة التصادم الحضاري والصراع العقائدي والإيديولوجي. وهذا جانب آخر نترك الحديث عنه إلى فرصة أخرى بحول الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here