islamaumaroc

الشيخ محمد التاودي ابن سودة إمام فقهاء المغرب اجتهاد في العلم والعبادة ومحبة آل البيت.

  عثمان ابن خضراء

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991

هو شيخ الجماعة بفاس، العالمة المحدث الصالح المعمر، إمام فقهاء المغرب، أبو عبد الله محمد التاودي بن الطالب بن علي بن قاسم بن محمد بن علي بن قاسم بن محمد بن أبي القاسم ابن سودة المري الفاسي، المتوفى بفاس سنة 1209 هجرية، وقد جاوز التسعين.
قال عنه العلامة أبو عبد الله الرهوني أول أوضح المسالك:
"حاز رياسة فاس والمغرب كله، فلا أعلم الآن أحد ممن ينتمي إلى العلم بالمغرب، إلى وله عليه منة التعليم، إما بواسطة ا, بغير واسطة أو بهما معا، وقد جمع مع ذلك، الاجتهاد في العبادة والسخاء، وحسن الخلق، والمحبة العظيمة للآل البيت والطبلة وزيارة الصالحين".
وقال عنه عالم مصر الشيخ الأمير في فهرسته لما ترجمه:
"هلال المغرب وربكته وحامل فتواه وقدوته".
وقال عنه الحافظ الزبيدي في ألفية السند له:
ومنهم محمــــد بن الطــالـب
   التاودي العــــدل ذو المــواهــب
رئيس فاس كـــاشف الغـــيوم
   وعالم المـــــنطوق والمفــــهوم
إليه في بــلاده يـــشــــار
   عليه في المعــــــارف المـــدار 
صحبته في مصر في وفــادتــه
   فجاد بالكثير من إفـــادتـــــــه
أجازني بكـل مـــا يرويـــه
   مــن كــل ما يفيـــد أو يمليـه
وجاء في روضة أبي الربيع الحوات، عن شيخنا التاودي:
" إنه ثابر على إقراء صحيح البخاري حتى جاوزت ختماته حد الأربعين، فلم يكن يدعه لا سيما في شهر الصيام من البدء إلى التمام، يفتتحه أول يوم منه ويختمه آخره، وكان يأتي في هذا الزمان القليل بتحقيقات.
وله عليه زاد المجد الساري في نحو أربع مجلدات، وحاشيته هذه طبعت بفاس.
واقرأ أيضا صحيح مسلم كثيرا، لكنه لم يكن له غابا بهجير، أوله عليه تعليق.
واقرأ أيضا سنن أبي داوود، وكانت بالمغرب عزيزة الوجود... كما أقرأ بقية الكتب الستة، وحدث بأوائلها.
وقرأ مسند الدرامي بأمر سلطاني.... والشفا بمراكش وفاس، والجامع الصغير، ومشارق الصغاني، وأملى عليها شرحا نفسيا... والشمائل للترمذي وعلق عليها.
وأقرأ الأربعين النووية، وكتب عليها شروحا منها واحد طبع بفاس. والفتوحات الإلهية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله، والألفيتين للعراقي، والكعبية لابن زهير وشرحها، والبردة والهمزية مرارا، والتفسير في عدة سنوات، والألفية نحوا من ثلاثين مرة... وربما أقرأها في الشره الواحد بدءا وختما.
وأقرأ أحيانا التسهيل والمغنى والكافية والشافية، وأما الأجرومية، فلم يزل يقرأها خصوصا للصغار من أعقابه وأبناء أهل المودة إلى وفاته.
وأقرأ كبرى السوسي والمقاصد للعد، والمواقف للعضد، والورقات، وجمع الجوامع، والحكم، وهي آخر ما درس، والمباحث الأصلية، وبان عاشر والرسالة حينا من الدهر.
وأقرا مختصر خليل نحو الثلاثين مرة، وربما أضاف إليه أحيانا الجامع وشرحه، وهو مطبوع بفاس، وكان يختم المختصر غالبا في سنتين، وتارة في أكثر، وأخرى في أقل.
كما أقرأ بالجامع الأزهر بفاس الموطأ، حضره أعيان المذاهب الأربعة وكبار شيوخ مصر وصلحائها، كالصعيدي، والدردير، وعبد العليم القيومي الأزهري الضرير، والشيخ سليمان القيومي، والشيخ حسن الجبرتي، والسيد عبد الرحمن العيدروس، والحافظ مرتضى الزبيدي، والأمير الملكي الكبير، ومحمود الكردي وغيرهم.
لقد رزق الشيخ التاودي سعدا عظيما في التلاميذ، وجاها ودنيا في أيامه، وحاز المناصب السامية في الدولة ولأبنائه وأحفاده.
ويذكر في باب سعة خاطره وتحمله، أن تلميذه النقيب أبا الربيع الحوات أنشده أبياتا قال فيها:
قولـــو لشيخــكم ابن سودة أنـــه
   قرب الرحــيــل فهل له من زاد
عاش القرون وفــاز من أيـــامــه
   بالمــال والأولاد والأحفــــاد
حتى إذا وفـــــى الرياسـة حقــها
   أمسى الحمام لديـــه بالمرصـاد
أتى إليه، ومسح بيده على ظهره وهو يقول:
جزاك الله عنا خيرا إذ ذكرتنا بابن الرسول، وأشار إلى ذلك الحوات في كتابه "ثمرة أنسي في التعريف بنفسي" وذكر جماعة من أشياخه منهم المترجم، فقال فيه:
"هو شيخ ظاهر النفع، كثير التلميذ، طال عمره إلى ما جاوز التسعين، وهو متمتع بحاستي السمع والبصر مع نحافة الجسم، وبلغ من الرياسة مع السلطان سيدي محمد ما لم يبلغه غيره، حتى اكتسب بذلك هو وأولاده أموالا كثيرة، وأكسبوا غيرهم ممن تعلق بهم ما فيه الغنى، واجتمع له ولأولاده من المناصب والولايات، والأخذ من وفر الأوقاف، ما لم يتفق لغيره قط، ولما مات السلطان المذكور، أقره ولده مولانا اليزيد على ما كان عليه".
وقد روى مترجمنا عامة عن شيوخ المغرب: أبي العباس أحمد بن مبارك اللمطي صاحب الذهب الإبريز وهو عمدته... وأبي عبد الله محمد بن قاسم جسوس، وشيخهما أبي عبد الله محمد بن عبد السلام بناني، وهو أعلى شيوخه إسنادا، والحافظ أبي العباس أحمد بن عبد الله الغربي الهلالي السجلماسي وغيرهم.
وروى بمكة المكرمة، عن المعمر عبد الرحمن بن محمد بن أسلم الحسيني المكي، وحسين ابن عبد الشكور الطائفي، وأبي عبد الله محمد بن خالد الجعفري المكي، ووالده أبي بكر، ولعله أعلى من لقي بالمشرق.
وبالمدينة، عن محمد بن عبد الكريم السمان المدني، والبرهان بن أسعد المدني. وبمصر عن الوجيه العيدروس، ومحمود الكردي، وعيسى الشبراوي، وحسن الجبرتي، وأبي البركات أحمد بن عوض المقدسي، وتدبج فيها مع أبي العباس أحمد الدمنهوري المذاهبي، وأبي الحسن على الصعيدي العدوي، وسمع أول الصيح والشمائل على الشيخ سيدي المعطي بن صالح الشرفي البجعدي صاحب الذخيرة.
ومن شيوخه في الطريقة، الشيخ فتح الله العجمي التونسي، أخذ عنه طريقة مولاي عبد الله الشريف عنه عاليا، وهذا الشيخ، ذكره له ابن رحمون في فهرسة وغيرهما، وأهمل ذكره التاودي نفسه.
وللشيخ محمد التاودي فهرسة صغرى وكبرى، ذكر في الأولى: شيوخه من أهل العلم ونصوص إجازتهم... وفي الثانية: من لقيه من الصالحين، ألفها في آخر عمره، آخر المائة الثانية عشر.
قال في الأولى:
"لما من الله على العبد بالرحلة لأرض الحجاز، ومظفر بزيارة الحرمين، ونزل أرض مصر، لقي من علمائها وفقهائها من يشار إليه بالنبل في العصر، فطمحت نفوس طائفة لها بالعلم اعتناء، وفي الأخذ عن مشايخ الغرب رغباء، أن أقرأ لهم من كتب الحديث ما تيسر، وإن كنت في الحقيقة على جناح سفر، فأجمع الأمر على قراءة الموطأ بالمجامع الأزهر، ولما افتتحناه وجرى في الدرس ذكر من أخذناه عنه أو رويناه، وقع ذلك من السامعين موقعا (وكأنهم يقولون لا نجد له مسمعا ولا مرجعا) فطلبوا مني أن أقيد لهم سندي في ذلك، وأن أصل حبلهم ورابطتهم من جهتي بالإمام مالك مع سند الصحيحين، وذكر نبذة من مشايخي ممن شهد لي أو اشتهر وعلم (نرويهما وكل ما يصح له من مؤلف ومروى) من طرف تلاميذته المجازين منه عامة، كالسيد مرتضى الزبيدي، والشيخ الأمير المصري، وأبي الحسن الصعيدي، وأبي العباس الدمنهوري، والشيخ عبد العليم اليومي الضرير المصري وغيره، وهؤلاء من المشارقة، وأبي الحسن على بن الأمين الجزائري، وابن عبد السلام الناصري، وأبي عبد الله محمد بن محمد الصادق ابن ريون العلمي، وعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنجيطي، والشيخ صالح الفلاني، وغيرهم من المغاربة.
ويذكر صاحب فهرس الفهارس والإثبات، أسانيده إلى الشيخ التاودي عن طريق آخر تلاميذه في الدنيا وهم:
1) أبو عبد الله محمد بن أحد السنوسي عن أبي محمد عبد الله بن إدريس بن محمد بن أحمد السنوسي، وأبي محمد عبد المالك بن عبد الكبير العلمي الفاسي، كلاهما عن والد الأول عن أبيه، أخبره بإجازة الشيخ التاودي للسنوسي المذكور حفيده المذكور، جازما بها معولا عليها.
2) أبو العباس أحمد بن محمد بونافع الفاسي عن أبي الحسن بن ظاهر الوتري، عن أبي العباس أحمد بن الطاهر الأزدي المراكشي، عنه استفاد إجازة التاودي له من إجازته هو لابن الطاهر، ظفر بها في المدينة.
3) الشيخ بد الدين بن الشاذلي الحمومي، عن أبي الحسن بن ظاهر، عن أحمد ابن الطاهر الأزدي، والمهدي بن الطالب ابن سودة، كلاهما عنه سماعا وإجازة عامة.
وعن عبد الله السنوسي، وعبد الله بن الهاشمي ابن خضراء، كلاهما عن ابن سودة به أيضا.
وعن الفقيه الصالح اللغوي عبد المعطي السباع، وأبي العباس أحمد التناني، كلاهما عن أبي الحسن علي بن عبد الصادق الرجراجي الصويري، عن الشيخ بدر الدين ومحمد بن أحمد السوسي السابق، ثلاثتهم عن الشيخ التاودي بن سودة عامة.
كما نجده يروي أي صاحب فهرس الفهارس والإثبات، عن أبي عبد الله محمد بن إبراهيم السباعي، وأبي محمد عبد الله الكامل بن محمد الأمراني، كلاهما عن محمد بن المدني فنون، عن بدر الدين الحمومي، عن الشيخ التاودي، وعن أبي العباس بن أحمد بناني المراكشي، عن الحمومي عنه.
وهذا القدر في الاتصال بالشيخ التاودي يندر الحصول عليه في غير هذا الموضع.
تدبج الشيخ التاودي أيضا مع الشيخ المعمر الصالح الرحال محمد المختار بن محمد أمزيان المعطاوي الدمراوي نزيل تازا، وتآخى معه، وعاش وبعده عشرات السنين، وهو عامة عن الشيخ أحمد الحيب وأخيه صالح والحافظ الزبيدي، والحفني، ومحمد بن محمد بن عبد الرحمان أمزيان والسمان والعيدروس والشهاب الدردير، وعبد القادر الراشدي، وأحمد الهلالي، وغيرهم، ووقف صاحب فهرس الفهارس على مآخاته مع الشيخ التاودي وإجازته له.
وقال الحوات: رأيت الشيخ التاودي أسند في بعض إجازاته عنه بعض ما أخذه عن مشايخه.
كما يضيف صاحب فهرس الفهارس، أن الشيخ التاودي أجاز القاضي عبد السلام المسناوي، والمسند الكبير محمد التهامي بن رحمون الفاسي، ووقف على إجازته لهما.
وأعلى من لقيه الشيخ محمد التاودي بن سودة وأخذ عنه بالمشرق، المعمر العلامة أبو بكر بن خالد الجعفري المكي، يروي عن اليوسي وأبي العباس ابن ناصر الدرعي، ويروي عاليا عن الشهاب أحمد بن عبد العني الدمياطي المعروف بابن البنا وهو يروي المنوفي عن الحصاري وأبي الخير ابن عموس الرشيدي الحصاري عن الشمس الغمري والرشيدي عن زكرياء، كلاهما عن الحافظ ابن حجر، وهذا علو عظيم.
الشيخ محمد التاودي بن سودة، كان حاملا راية العلوم، متحففا بالمنطوق منها والمفهوم، مع  دمائة أخلاق، وكرم أعراق، ونباهة أصل حن التبليغ لكل طالب وسائل.
فهو الإمام الشهير، ذو السيرة المحمودة، والشيم المرضية، انتخبته مقدمة الاختيار، وخلص خلوص التبر على النار، وصرفت أفعاله المحمودة، فلم يتطرق إليها اعتلال، ورجعت في المسيرة الحسنة أخباره على حالها. وممن شهد لتقدمه وبروزه وتضلعه، علمه واجتهاده وتربيته، ورسم الاختبار بصحة إشهادها في باب التزكية.
لقد مضى حاكم النظر باستحقاقه التولية، وفاز من أقداح اختصاصها وإيثارها بالمعلى، وجمع في أسباب مرضاتها جمعا سالما.
اقتضت الهمة الإمامية أعلى الله منارها، وأعظم أثارها، أن تعصب جبينه بتاج الرعاية، وتضفي عليه برود العناية بولايات تبع فيها سليم الاختيار.
وأورد المؤرخ الضعيف الرباطي في تاريخ الدولة العلوية السعيدة:
"أنه في يوم الخميس 26 ذي الحجة 1211، دخل السلطان مولاي الطيب، والتقى بسيدي العربي بن المعطي من فقهاء أهل فاس وكبرائهم، وخرجا على أرجلهما لضريح الشيخ التاودي ابن سودة للترحم عليهن ثم توجها لضريح مولاي إدريس"
ولله در القائل:
أولائــك آبـــائي فجئني بمثلهم
   إذا جمعتنا يا جرير المجـــامــع
      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here