islamaumaroc

الاجتهاد وضرورته في العصر الحاضر.

  عبد السلام فيغو

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991


مقدمة:
تكفلت الشريعة الإسلامية بتحقيق مصالح الناس في كل زمان ومكان، ومن حيث إنها خاتمة الشرائع ومصدرها الوحي الإلهي، فنظمت أحكام الدين والدنيا وأحكام المعاملات، وهي شريعة وسطية توفق بين التزامات الإنسان الاجتماعية ونزعاته الذاتية أو أنها توفق بين حاجات الإنسان ومتطلبات محيطه وبيئته الاجتماعية، وبذلك ترضي المجتمع والفرد معا (1) أي إنها قد عنيت – فضلا عن القواعد التي تنظم المعتقدات والعبادات – بتنظيم علاقات الناس بقواعد وأحكام، وفضائل خلقية، وفي هذا الصدد لم تقنع بالقواعد التي تنظم حالات الأفراد فيما بين بعضهم البعض، وإنما تجاوزت ذلك إلى وضع الأسس الكاملة التي تقوم عليها الدولة.
ولذا كان الفقه الإسلامي بما اشتمل عليه من مرونة وحيوية قادرا على أن يواجه المشاكل، ويعطي الحوادث المتجددة ما يناسبها من أحكام فلم يعوز المسلمين أن يجدوا في فقههم لكل حادثة حكما يستفاد من الكتاب أو السنة، أو يؤخذ من روح الشريعة وتدبر أغراضها ومقاصدها، وبذلك لم يكن المسلمون بحاجة إلى الالتجاء إلى تشريعات وضعية بعيدة عن دينهم وثقافتهم ومقومات حياتهم.
وقد أدرك كثير من علماء القانون الغربيين ما اشتمل عليه الفقه الإسلامي من مرونة وصلاحية لحل مشاكل الحياة على مختلف ضروبها وتنوع مطالبها، يقول العلامة سانيتلا: "إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني، إن لم نقل إن فيه ما يكفي الإنسانية كلها" (2).
كما قرر علماء القانون الغربيون في عدة مؤتمرات أن الشريعة الإسلامية تعتبر مصدرا من مصادر التشريع العام، وأنها صالحة للتطور، ومستقلة عن غيرها من الشرائع.
فقد قرر مؤتمر القانون الدولي المقارن الذي انعقد في لاهاي سنة 1932 أن "الشريعة الإسلامية من الأهمية والشأن في علم القوانين الحديثة، ما ستدعي أن يكون في المؤتمرات القادمة قسم خاص لدراسة الشريعة الإسلامية. كمصدر للقانون المقارن".
وفي المؤتمر الدولي الثاني للقانون المقارن الذي عقد في لاهاي أيضا سنة 1937. جاءت قرارات المؤتمر معترفة بمرونة الشريعة وقابليتها للتطور واستقلالها عن غيرها من الشرائع، وصلاحيتها لأن تكون دعامة من دعائم القانون المقارن (3).
ويكفي لبيان مكانة الشريعة الإسلامية أن نشير إلى مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد بجامعة باريس سنة 1951 برئاسة نقيب المحامين والذي انتهى إلى النتائج الآتية:
1) أن مبادئ الفقه الإسلامي لها قيمة حقوقية لا يمارى فيها.
(Une valeur indiscutable)
2) أن اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمسلمات ومن الأصول الحقوقية، هي مناط الإعجاب، وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة والتوفيق بين حاجياتها (4).
وقد أوصى الحاضرون بإخراج موسوعة للفقه الإسلامي تعرض فيها المبادئ والنظريات مبوبة تبويبا عصريا، ليسهل على رجال القانون في العالم أن ينتفعوا به.
ولقد كان مما ذكرته هيئة تحرير المجلة الدولية للقانون المقارن: (5) "أنه ليس بالتقدير الهين أن تتبوأ الشريعة الإسلامية مكانها في علم القانون المقارن"(6).
وفي سنة 1966 كتب الأستاذ دافيد R.David من أكبر أساتذة القانون المقارن في فرنسا يقول: "من ضروب الخطإ الاعتقاد – كما يظن البعض – أن الشريعة الإسلامية في حالة سبات يذكرنا بسكون المقابر وجمودها، فالحقيقة هنالك غير ذلك، فالشريعة الإسلامية لا تزال تعد من الأنظمة الفقهية العظيمة في العالم الحديث (7).
وقرر عمداء كليات الحقوق بالبلاد العربية في مؤتمرين سنة 1971 ببغداد، وسنة 1975 ببيروت ضرورة الرجوع عن القوانين المتباينة في الدول العربية والعودة إلى الشريعة الإسلامية.
وإنه مما يثر الإعجاب حقا أنه كلما خاض البحث في أعماق الشريعة الإسلامية كلما ظهر له أن أحدث النظريات التي ينتهي إليها الفقه الغربي الحديث في كل فروع قوانينه وكان للوصول إليها دوي كبير بدعوى أنها ابتكار في العلم، أن لهذه النظريات أصلا في الفقه الإسلامي، ففي ميدان القانون الخاص الداخلي يحتوي الفقه الإسلامي القانون المدني بجميع فروعه، وهو ما يندمج في معاملات البيع، والإيجار، والرهن، والمساقاة، والهبة، والوديعة، وغير ذلك، وما يتعلق بالأحوال الشخصية وشؤون الأسرة كالزواج والطلاق، والإرث، والنفقة، وقد اهتم بهذا الجانب الفقهاء اهتماما بالغا.
فما سبق، كانت الحاجة ماسة إلى دراسة الفقه الإسلامي دراسة وافية عميقة تقوم على أسس قوية سليمة لاستجلاء ما فيه من نظمن والوقوف على ما فيه من كنز تفي بحاجة الناس وتحل مشكلاتهم.
الاجتهاد وضرورته لاستمرارية الفقه الإسلامي:
يعتبر الاجتهاد هو المحرك الذي أورث الفقه الإسلامي الحيوية والانطلاق والخلود، وهو الذي مد الإنسانية بهذه الثروة الضخمة من الأحكام العملية والنظريات الحقوقية التي لا يكاد يوجد لها نظير في دنيا الحق والقانون. والاجتهاد الفردي حق ثابت في الإسلام لكل من له أهلية النظر والبحث، يستوي فيه الرجل والمرأة والحاكم والمحكوم، وأرباب الوظائف الكبرى وغيرهم ممن لا يشغلون وظيفة، وكما يستوون في ثبوت هذا الحق لهم، يستوون في حق احتمال الخطإ ولا يعرف الإسلام عصمة أحد من الخطإ إلا الرسول فيما يبلغه عن ربه، أما فيما يجتهد فيه فإنه يكون عرضة للخطإ (8).
فالإسلام لا يخص أحدا بحق الاستثناء في تفسير النصوص، ولا بحق إلزام الناس برأيه، بل يمنح هذا الحق لكل مسلم حائز لأهلية البحث، أما من ليست له أهلية البحث، فكان واجبه أن يسأل أرباب الأهلية مما يحتاج إليه، ولا يلزم باتباع شخص معين إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله (9).
وعلى هذا، فليس في الإسلام طبقة خاصة تحتكر الاجتهاد وتتوارثه، إذ ليس فيه كهنوت، ولكن هناك عالما متخصصا يملك أدوات الاجتهاد، وتتحقق فيه شروطه، فهو الذي يجتهد فيما يعرض عليه من وقائع ويصدر فيها رأيه بما انتهى إليه الاجتهاد أصاب أو أخطأ (10).
ومن ثم فلا ينبغي القول بخلو عصر من العصور من وجود مجتهد تتوافر فيه شروط الاجتهاد، لأن طريقة معرفة الأحكام الشرعية هو الاجتهاد، إذ الوقائع متجددة، والحاجة إلى معرفة حكم الله فيها مستمرة في كل زمان ومكان، وشريعة الله خوطب بها الناس في كل العصور، يقول تعالى: (فاعتبروا يا لأولي الأبصار) (11).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الاجتهاد في المسائل الفقهية إذا لم يجدوا نصا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله، فقد ورد في مسند الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري فقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله (12).
كما ورد في سنن الدرامي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين. وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء. فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذ اجتمع رأيهم على أمر قضى به (13).
ومن هذا يظهر حرص الصحابة على الاجتهاد في المسائل التي لم يكن فيها نص من كتاب الله ولا سنة رسول الله، وبالتالي فإنهم يجمعون رأيهم على الحكم في تلك المسألة ويفتون بما يظهر لهم أنه الحق والصواب.
فالاجتهاد هو فضل من الله ورحمة، وهو واجب شرعي لكنه واجب كفائي (14).
بمعنى أنه إذا اشتغل في تحصيله إنسان واحد، سقط هذا الفرض عن الجميع حين ذهب جمع إلى أنه لا يجوز خلو الزمان من مجتهد قائم بحجج الله يبين للناس ما نزل إليهم، بل لابد أن يكون في كل عصر من يقوم به، لأن الاجتهاد من فروض الكفاية (15).
أما إذا قصر في تحصيله أهل عصر ما أو الأمة بكاملها فإن أهل ذلك العصر بذلك قد أثموا بتركه وأشرفوا على الهلاك، وتكون الأمة بكاملها آثمة لتركه (16)
فلو خلا عصر من مجتهد يمكن الاستناد إليه في معرفة الأحكام وما جد منها خاصة، أو كان منها ما يتأثر باختلاف العصر والبيئة، لأفضي ذلك إلى تعطيل الشريعة وعدم إمكان تطبيقها فيما يجد من الوقائع، فالمجتمع يتقدم ويتطور، وبتطوره تظهر حاجات جديدة على الدوام، ووقائع جديدة تفرز مشكلات مستجدة لم ترد فيها نصوص خاصة من الكتاب أو السنة، ولا يزعم أحد أن في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حلولا نصية لجميع هذه الحوادث والوقائع، أن الوقائع غير محدودة ولا متناهية، والنصوص محدودة متناهية. يقول الشاطبي في ذلك: "إن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر" (17).
وقد روى ابن القيم في أعلام الموقعين عن علي رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن، ولم تمض فيه منك سنة، فقال: "إجمعوا العالمين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد"(18).
وبذلك يمكن تنزيل الوقائع المستجدة على أحكام الكليات التي وردت بها النصوص الشرعية، لأن الشريعة الإسلامية تتمتع بمزية المرونة (19) اللامتناهية، والتي تحمل في طياتها الاستجابة لمتطلبات واحتياجات كل عصر ومجتمع.

هل يجوز خلو العصر من المجتهد؟
هل يجوز خلو عصر من العصور من مجتهد ما؟ الواقع أن النزاع في نظري لا يطرح بالنسبة للمجتهد الجزئي، وإنما يطرح فقط بالنسبة للمجتهد المطلق (20) فقد ذهب الحنابلة (21) وأبو إسحاق وآخرون إلى انه لا يجوز خلو الزمن من المجتهد المطلق شرعا (22)، ويقررون نتيجة لذلك أن باب الاجتهاد بكل أنواعه مفتوح، وإذا كانت القوى مختلفة والمدارك متباينة، فليس لأحد أن يغلق بابه، وإذا كان الناس جميعا ليسوا أهلا له، بل كل مداركه، ولكل ما يسر له، فليس لأحد أن يدعيه إلا إذا كان أهلا (23).
بل إنهم لم يقروا فتحه فقط، بل أوجبوا ألا يخلوا عصر مجتهد من المجتهدين. ولقد قال ابن عقيل من فقهاء الحنابلة: "إنه لا يعرف خلافا فيه بين المتقدمين"
وقد أنحى صاحب مسلم الثبوت بشدة على من قال بانقطاع الاجتهاد المطلق بعد الأثمة، وقال: "هذا كله هوس من هوساتهم لم يأتوا بدليل، ولا يعبأ بكلامهم، وإنما هم الذين حكم الحديث أنهم افتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، ولم يفهموا أن هذا إخبار بالغيب في خمس لا يعلمهن إلا الله (24).
أما جمهور الفقهاء فهم خلاف ذلك، حيث يرون بجواز خلو عصر من العصور من المجتهدين واستدلوا بحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلا وأضلوا" (25).
إلا أن هذا الحديث لا دلالة فيه على جواز خلو العصر عن مجتهد، ولذلك نشاطر ما ذهب إليه صاحب مسلم الثبوت بأن ذلك هوس من هوساتهم، لم يأتوا بدليل ولا يعبأ بكلامهم، فمن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على الله عز وجل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة (26).
فالمجتهد المخطئ أفضل عند الله تعالى من المقلد المصيب، لأن الله تعالى ذم التقليد جملة، فالمقلد عاص، والمجتهد مأجور، وليس من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقلدا، لأنه فعل ما أمره الله تعالى به، وإنما المقلد من اتبع من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه فعل ما لم يأمره الله تعالى به (27).

شروط الاجتهاد:
أحب أن أذكر هنا أن الشروط التي اشترطها الأصوليون للمجتهد في استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية ليس تحصيلها متعذرا ولا متعسرا كما يوهم البعض الذين يريدون أن يضيقوا ما وسع الله، ويغلقوا باب فتحه الله لعباده وهو الاجتهاد(28).
فشروط الاجتهاد التي تصورها أهل العلم من المتأخرين شيئا هائلا وأسرفوا في تقييد أنفسهم، وتقييد الناس، وجعلوا هذه الشروط صعبة لا يستطيعها أحد، كثيرة متشعبة لا تكاد تجتمع لأحد، فأغلقوا باب الاجتهاد، وأوجبوا على الناس أن يقلدوا، ثم لم يكتفوا بذلك بل أوجبوا عليهم تقليد فقهاء معنيين ينتسبون إليهم، ويزعمون أنهم أولى بالإتباع، ثم عكفوا على كتب لا يعرفون غيرها ولا يعتمدون على سواها ولا يتلقون شريعة الله إلا منها، وأوجبوا على العالم ألا يقضي ولا يفتي بشيء منها حتى يعرضه على ما تنقله هذه الكتب من أقوال مذهبهم، فإن وافقها جاز الحكم به، وإلا وجب رده وعدم قبوله.
وذهب أكثرهم أن ليس للمتأخر أن يبحث أو يرجح فيما بحثه المتقدم أو رجحه وإنما عليه أن يتبع، وجاء في فروع باب التعزير من كتاب الدر المختار: "من ارتحل إلى مذهب الشافعي يعزر" (29).
وإذا أردنا أن نعرف الشروط التي اشترطوها وخوفوا الناس بها، وحسبوها شيئا هائلا ونفروا الناس من الاجتهاد حيث قالوا أن أول شرط من شروط الاجتهاد أن يكون المرء عالما بالكتاب (30)، والسنة (31) ثم جعلوا يضخمون هذا الشرط، فحكوا خلاف العلماء فيما يجب علمه من السنة، فقالوا:
الفان وقالوا: عشرة آلاف، حتى زعم بعضهم وهو أبو على الضرير أنه سال الإمام أحمد بن حنبل كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف، قال: لا، قال: ثلاثمائة ألف، قال: لا، قال: أربعمائة ألف، قال: لا، قال: أيكفيه خمسمائة ألف، قال أرجو (32).
فعلى هذا، فالذي يريد الاجتهاد أمام هذا، سيخاف وسيستصعب الأمر، إلا أن هذا كله كما يقول صاحب التحرير (33) محمول على الاحتياط والتغليط في الفتيا، فإن الغزالي يقول: "لا يشترط معرفة جميع ما في الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام... ولا يشترط حفظها على ظهر قلب، بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث لطلب منه الآية المحتاج إليها في وقت الحاجة، ولا يلزم حفظ السنة على طهر قلب، بل أن يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام، ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه وقت الحاجة" (34).
ويقول الأمدي أيضا: "وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغارتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجية عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر (35).
فهذا الشرط يعني العلم بالكتاب والسنة بدا عسيرا هائلا، ثم عاد خفيفا هينا. وهكذا بالنسبة للشروط (36) الأخرى التي اشترطوها، فأي شرط يصعب تحقيقه خصوصا ونحن في عصر العلم، والمراجع، والمكتبات، والفهارس، والمذياع، والمؤتمرات العلمية، والصحف، والمجلات والدراسات المنظمة، وهو لم يقل في عصور كانت                                                                                                                                                                                           
العلوم فيه ناشئة، وكان العلماء يرحلون للحديث الواحد من بلاد إلى بلاد. يقول الحجوي الثعالبي في كتابه الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي بعد أن نقل عن ابن عبد السلام (37) قوله: وواد الاجتهاد في زماننا أيسر في زمن المتقدمين لو أراد الله الهداية (38).
ومثله ابن عرفة (39) كما نقله الأبي(40) في شرح مسلم قال: واعلم أن الاجتهاد اليوم في القرن الرابع عشر أيسر مما كان في زمن الأبي وابن عرفة ومن قبلهما بسبب أهل الفضل الذين اعتنوا بالمطابع، وطبعوا الكتب المعينة على الاجتهاد، وأن ظهور الطباعة نقل العلم من طور إلى طور، وقد كان المتقدمون يعانون مشاق عظيمة في كتب الكتب، ويحتاجون لمادة مالية وزن طويل، أما بعد ظهور الطباعة عندنا في أواسط القرن الماضي (الثالث عشر الهجري) فقد تيسر ما كان عسيرا... إلا أنها وجدت الأمة في التأخر، وفقه في الاضمحلال، والهمم في جمود، فكأننا لم نستفد منها شيئا، فإذا قسنا ما استفدناه منها، ودرجة الرقي التي حصلت لفقهائنا بالنسبة لما حصل في زمن المأمون العباسي من النشاط العلمي بسبب ظهور (الكاغد) الورق حكمنا بأننا لم نتقد خطوة تعتبر، وتناسب ماتقدمه غيرنا من الأمم، ورغما عن ذلك فقد وجدت كتبا كانت أعز من بعض الأنسوق، وانتشرت ولا سيما في الحديث (41) "فالاجتهاد على المتأخرين أيسر وأسهل دون خلاف، ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم الشريعة على ما تقدم عصره فقط، فقد تجرأ على الله، ثم على الشريعة الموضوعة للعباد، ثم سلى العابد الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة، فالوسائل في هذا الزمن لطالب العلم ولمن يريد البحث في النوازل متوفرة وميسرة أكثر وأوفر من العصور السابقة، لأن المطابع قد أخرجت كتبا لا تعد ولا تحصى في العلوم والفنون جميعا، ونظمت العلوم وجعلت لها الأشباه والنظائر، فليس بعسير اليوم الأخذ بالدليل.
إلا أنه مع ذلك لا بد من وضع معايير وضوابط للاجتهاد حتى لا يصبح مجالا لأدعياء الاجتهاد الذين يملكون الجرأة والاستهانة بالأصول وإتيان البيوت من غير أبوابها (42).
فإذا كان الاتفاق منعقدا على أن التجديد أمر لا بد منه، لأنه استجابة لمطلب ديني، فقد قال الرسول صلى الله وعليه وسلم: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة أمر دينها" (43).
حيث يهدف هذا الحديث إلى بعث الأمل في نفوس الأمة بأن جذوتها لن تخبو، وأن دينها لن يموت، وأن الله يقيض لها كل فترة زمنية – قرن من الزمان – من يجدد شبابها ويحيى مواتها.
فالتجديد ليس معناه تغيير طبيعة القديم، أو الاستعاضة عنه بشيء آخر، مستحدث مبتكر، فهذا ليس من التجديد في شيء.
وعلى هذا، فالتجديد أمر لا بد منه، لأن المسلمين في كل عصر يواجهون قضايا ومشكلات وحوادث ووقائع جديدة تتطلب فكرا جديدا وعلما جديدا، على أن الدعوة إلى التجديد ينبغي أن تقترن بالتنبيه إلى شيء خطير يلتبس بالتجديد وليس منه، هذا الشيء هو الانحرافات الفكرية باسم التجديد، فقد رأينا من يفهم التجديد بأنه تفسير مزاجي للقرآن الكريم، أو أنه هدم للسنة المطهرة، أو أنه تلفيق بين حقائق الإسلام، وبين نظريات عملية ظنية الدلالة بل موهمة الدلالة.
وحسما لهذه الفوضى لا بد من وضع ضوابط ينبغي مراعاتها في الاجتهاد المعاصر نجملها في النقط التالية:
1 – البعد عن منطقة "القطعيات" فمجال الاجتهاد ما كان دليله ظنيا من الأحكام، أي أنه يجب التقيد بالأحكام التي مصادرها نصوص قطعية الثبوت (44)، فلا مجال للاجتهاد في كل نص قرآني صريح مفسر بصيغته، وربما ألحقه الشارع به من بيان، كما لا يجوز ذلك بالنسبة للسنة المتواترة المفسرة (45)، فمثل هذه الأحكام يجب على كل مسلم أن يتبعها دون اختلاف فيها، أو التقنين بما يخالفها. ولهذا فلا يجوز الانسياق وراء المتلاعبين الذين يريدون أن يحولوا القطعي إلى ظني والمحكم إلى متشابه، وبذلك لا يبقى لنا أي معول نعتمد عليه، ولا أصل نحتكم إليه، إذ لا مساغ لاجتهاد في مورد النص.
2 – وكما لا يجوز تحويل القطعي إلى ظني، يجب عدم تحويل الظني إلى قطعي، وزعم الإجماع فيما ثبت فيه خلاف، أي أنه بالنسبة للأحكام المستمدة من النصوص ظنية الدلالة فإنه لا يجوز الاجتهاد فيها إلا في حدود تفهم النص وترجيح أحد معانيه، وما يترجح للمجتهد يكون هو حكم الله في الواقعة على ما غلب عليه ظنه، فيكون على هذا الاجتهاد في تعيين المراد من النص الظني الدلالة الذي يحتمل أكثر من معنى.
3- يخشى الدكتور يوسف القرضاوي الهزيمة النفسية أمام الحضارة الوافدة والاستسلام للأمر الواقع في المجتمعات المعاصرة، وهو واقع لم يصنعه الإسلام ولم يصنعه المسلون، بل يعنه لهم الاستعمار المتسلط وفرضه عليهم بالقوة والمكر، وقام هذا الباطل الدخيل في غفلة من أهل الحق الأصيل الذي لدى المسلمين، لهذا يجب رفع ذلك النوع من الاجتهاد- إن صح أن يسمى اجتهادا – وهو اجتهاد (التبرير للواقع) واجتهاد (التقليد للآخرين) كاجتهاد الذي يحاولون منه الطلاق، وتعدد الزوجات، ومحاربة الملكية الفردية، وتسويغ الفوائد الربوية وغيرها.
4- يجب على المجتهد التخلص من الخوف بكل ألوانه وخاصة الخوف من سلطان الجامدين المقلدين من العلماء.
5- يجب إفساح الصدور للاجتهاد، وإن خالف ما تمت النشأة عليه من آراء، وتوقع الخطإ من المجتهد، وعدم الضيق به ذرعا، لأنه بشر غير معصوم، وقد يكون ما حسب خطأ هو الصواب بعينه، ورب رأي رفضه جمهور الناس يوما ثم أصبح بعد ذلك هو الرأي المقبول والمرتضي (46).
تلك هي المعالم والضوابط الضرورية التي ينبغي أن يراعيها الاجتهاد في عصرنا الحافل بشتى التيارات والمؤثرات.
وفي ختام هذا الموضوع يجب ألا ننسى أننا في القرن الخامس عشر الهجري، لا في القرن العاشر أو الثامن ولا ما قبله، وأن لنا حاجاتنا ومشكلاتنا التي لم تعرض لمن قبلنا من سلف الأمة وخلفها، وإننا مطالبون بأن نجتهد لأنفسنا، لا أن يجتهد قوم لنا ماتوا قبلنا بعدة قرون، ولو أنهم عاشوا عصرنا اليوم وعانوا ما عانينا، لرجعوا عن كثير من أقوالهم، وغيروا كثيرا من اجتهاداتهم لأنها قيلت لزمانهم، وليس لزماننا، فكيف بعصر وقد تغير فيه كل شيء، بعد عصر الانقلاب الصناعي، ثم عصر التقدم التكنولوجي، عصر غزو الكواكب، و"الكومبيوتر" وثورة البيولوجيا التي تكاد تغير مستقبل الإنسان.
إن الاجتهاد الذي ننشده وندعو إليه يمثل حاجة بل ضرورة لحياتنا الإسلامية، وعلاج مشكلاتنا المعاصرة، وإلا أصيبت حياتنا بالجمود والعفن.
وقد روي عن أبي حنيفة أنه قال: "هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحدا عليه ولا نقول يجب على أحد قبوله، بكراهية، فمن كان عنده شيء أحق منه فليأت به" (47).
إن المسلمين في أشد الحاجة إلى الاجتهاد والمجتهدين، أكثر من قبل، وهذا إذا أريد للفقه الإسلامي أن يحيى وأن تعود إليه صورته المشرقة الذي كان الطريق الوحيد لحل مشاكل الأمم الإسلامية قاطبة أكثر من ثلاثة عشر قرنا، كان الإسلام فيها بين قوة وضعف إلى أن تسلط أعداؤه على أكثر ممالكه ودوله، فكان الغزو العسكري، ثم التشريعي، ثم الفكري حتى قال المستشرق جب يصف هذه الحقيقة: "كانت الفكرة التي قامت عليها الثورة في كل ناحية من العالم الإسلامي هي نفس الفكرة التي أدت إلى ذلك الخراب الذي حدث في أوربا، وهي فكرة فصل الدين عن الدولة (48).
ولهذا فلا مجال للتقاعس عن الاجتهاد بأي صورة كانت سواء كان اجتهادا فرديا أو اجتهادا جماعيا، فلا بد أن يجتهد علماؤنا المؤهلون لكي يسير هذا المجتمع الإسلامي إلى أن تقوم الساعة، وهذا يحتم ألا يقف أمر التشريع عن الأمور والظواهر التي كانت في القرون الأولى والتي ظهرت بشأنها فتاوى، وإنما يحتاج الأمر دائما إلى مواكبة ما يجد في المجتمع من أمور اقتصادية وسياسية وتشريعية بما يلائمها من أحكام إسلامية دقيقة وصحيحة.

اعتماد القضاء على الفقه الإسلامي:
إذا ما ترسخت لدينا فكرة ضرورة الاجتهاد في التشريع الإسلامي، فهذا يعني أن القضاء الذي يرتكز في بنيانه الأساسي على الاجتهاد يقوم بدور كبير في مجال إغناء الثورة الفقهية عن طريق الأحكام المستندة إلى الكتاب والسنة، والتي من المفترض أن تعالج لكل ما يعرض من مسائل في حياة المجتمعات وتطورها.
ولقد اعتمد القضاء بشكل أساسي خلال عصوره المختلفة على الفقه الإسلامي على حدود ما تسمح به الشريعة من الاجتهادات في أحكامها وموضوعاتها، وهذا ما أدى إلى وجود أحكام كثيرة وثروة فقهية ضخمة ما زالت تعتبر حتى العصر الحاضر من المصادر التي يرجع إليها في تشريع الأحكام، وحل ما يستجد من حوادث، وقد اشترط الماوردي فيمن يتولى القضاء الاجتهاد بشروطه المعروفة، لأن القاضي مضطر للاجتهاد حتى يصل إلى حل ما يعرض له من مشكلات(49).
والمقصود بالاجتهاد هنا أن يكون غير جاهل لقوله صلى الله عليه وسلم "القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على
جهل فهو في النار" فالجاهل لا يعرف حكم الله فهو في مرتبة المنحرف عن إقرار حكم الله، ويؤيد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا بن جبل قاضيا إلى اليمن قال له: بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فأيده الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت شروط الاجتهاد قاسية، ويتعذر توافرها في المشرحين للقضاء، فإن تولية غير المجتهد تعتبر صحيحة، يقول الغزالي: "إن اشتراط الاجتهاد متعذر في عصرنا لخلو العصر من المجتهد، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاه سلطان ذو شوكة وإن كان جاهلا..." (50).
وإذا حكم القاضي في مسألة اجتهادية بحكم، ثم تغير اجتهاده، أو وجد اجتهادا بعد فترة مخالفا للأول فهل ينقض حكمه أم لا؟
أجاب الأصوليون عن هذا بأنه لا ينقض حكمه، وإنما يستأنف الحكم في القضايا المماثلة على الاجتهاد الثاني (51).
هذا وليس الحاكم أو قاض آخر أن ينقض هذا الحكم أيضا، غير أنه يحكم بما أداه إليه اجتهاده في مثل هذه المسائل والقضايا (52) والسبب في ذلك هو الحرص على استقرار الأحكام ونفاذها وعدم تعطيلها مما يولد الأمن والطمأنينة في نفوس الحاكمين، يقول الآمدي في هذا: "لا يجوز نقض حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية بمصلحة الحكم، فإنه لو جاز نقض حكم إما بتغير اجتهاده، أو بحكم حاكم آخر لا يمكن نقض الحكم بالنقض، ونقض نقض النقض إلى غير نهاية، ويلزم من ذلك اضطراب الأحكام وعدم الوثوق بحكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصب الحاكم لها" (53).

1) محمد أو زهرة: الإسلام وتقنين الأحكام.
2) نقلا عن (روح الدين الإسلامي) عبد الفتاح طيارة ص: 301، الطبعة الثامنة 1389هـ 1969م، دار العلم للملايين،      وقد جاءت ملاحظة سانتيلا في مقدمة مشروع القانون المدني والجاري التونسي.
(3) بدران أبو العينين بدران: (الشريعة الإسلامية تاريخها ونظرية الملكية والعقود) ص: 2، الناشر، مؤسسة شباب الجامعة. وانظر أيضا عبد الحميد متولى (الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للدستور ص: 265، الطبعة الثانية، نشأة المعارف.
(4)Ce grand système juridique,  implique une richesse de notions juridiques et de technique             remarquables.
Avant-projet du code  civil et commercial Tunisien
Ce n’est pas un minée mérite d’avoir assigné au droit assigné au droit musulmane sa place dans  (5) la science du droit comparé.   
                                        .                                                                                                     
(6) المجلة الدولية للقانون المقارن. عدد أكتوبر، دجنبر 1951 ص: 661.
(7) راجع كتابه:les grands systèmes de droit contemporains P 477. Paris 1966.
طبعة باريس 1966—
(8) يراجع في هذه (الإحكام) للآمدي ج 4 ص 291 وما بعدها.  (10) يوسف القرضاوي: من أجل صحوة
(9) محمد شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة ص 470 طبعة 1959. راشدة ص44، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى
                                                             1408-1988.
11) الحشر/2                     من مأئة وثلاثين عاما بعد وفاة النبي صلى الله
12 ) مسند الإمام أحمد ج 5 ص 242، الأم 7/273 ط. الشع                         عليه وسلم ذ، وأنه لم يكن قط في الإسلام قبل
 كشف الأسرار2/998.      الوقت الذي ذكرنا مسلم واحد فصاعدا على هذه
13) سنن الدرامي1/53.     البدعة".
14) بل ذهب ابن حزم إلى أبعد من هذا، واعتبر وجوب الاجتهاد  ثم قال مبينا حكم التقليد: "فالتقليد كله حرام في على كل مكلف، وتحريم التقليد مهما كان المقلد، حاشا                     جميع الشرائع أولها وآخرها من التوحيد والنبوة،
رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه واجب تقليده لقوله تعالى:          والقدرة والإيمان، والوعيد، والإمامة، والمفاضلة 
( لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة) ثم قال ابن حزم:"إن  وجميع العبادات والأحكام، ثم ذكر ما يفعل     هذه البدعة العظيمة- يعني التقليد-أنها حدثت في الناس    العامي إذا نزلت به نازلة، فأوجب عليه الاجتهاد
وابتدي بها بعد الأربعين ومائة من تاريخ الهجرة، وبعد أزيد  بقدر استطاعته قال:" فإن قال قائل فكيف يصنع
                                             العامي إذا نزلت به نازلة؟ قال أبو محمد:                                         
                                                                          فالجواب وبالله= التوفيق: إننا قد بينا تحريم الله
                                                                           للتقليد جملة، ولم يخص
الله تعالى بذلك عاميا من عالم، ولا عالما من عامين وخطاب    15) الشوكاني: إرشاد الفحول ص 253.
الله تعالى متوجه إلى كل أحد، فالتقليد حرام عــلى العـبد  16) المستصفى 2/12 الأحكام للآمدي 3/158، إرشاد المجلوب من بلدهن والعامي والعذراء المخدرة، والراعي في          الفحول ص 223.
شعف الجبال، كما هو حرا على العالم المتبحر، ولا فرق  17) الشاطبي: المرافقات ج4 ص.89
والاجتهاد في طلب حكم الله تعالى ورسوله عليه السلام في  18) ابن القيم: أعلام الموقعين عن رب العالمين 
                                                                          ج1ص60
  كل ما خص المرء نية لازم لما ذكرناه كلزوم المتبحر ولا   19) تتمتع الشريعة الإسلامية بمزية المرونة، حيث نزل
فرق، فمن قلد من كل ما ذكرناه فقد عصى الله عز وجل وأثم،   الوحي بنوعين من الأحكام التشريعية في نوعين من
ولكنهم يختلفون في كيفية الاجتهاد، فلا يلزم المرء منه  المسائل، فهناك مسائل لا تتأثر باختلاف الأزمنة والأمكنة
إلا مقدار ما يستطيع عليه لقوله تعالى:(لا يكلف الله نفسا إلا والبيئات والعادات فنزلت قواعدها الأساسية محكمة محددة
إلا وسعها) أنظر ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكــام  في القرآن الكريم وكلف الرسول صلى الله عليه وســلم
ج 6 ص 227 دار الحديث – الطبعة الأولى 1404، 1984).   بوحي من ربه أن يفصل للناس هذه الأحكام، يقول تعالى:
والواقع أن هذا الموقف الذي وقفه ابن حزم هو موقف يحتاج إلى     ( وأنزلت ‘ليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)
نظرة نقدية، لأن نظرة ابن حزم هذه وهي تعميم الاجتهاد على         (النحل/44). 
العوام سيسيء إلى الإسلام وشريعته، خصوصا إذا كان  والأحكام في هذا النوع من المسائل تسمى بالأحكـــام
الكثير لا يقرأ إلا بصعوبة ولا يستطيع قراءة جملة ضئيلة،  القطعية، ومن ذلك أحكام العقائد، والعبادات، والميراث،
فكيف يعمل عقله في الاجتهاد.                               وأكثر أحكام الأسرة، والجرائم المحددة ذات الخطر على  المجتمع وهي = جرائم الحدود والقصاص.
= وهناك مسائل أخرى من شأنها أنه تتأثر بظروف الزمان  المطلق كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد
والمكان ونختلف باختلاف البيئة والعرف، وبسحب ما تدعو  (انظر المستصفى ج2ص 350 يوما وما بعدها).
إليه المصلحة في كل منها، اكتفت الشريعة الإسلامية في هذه  21) ابن القيم: أعلام الموقعين ج1 ص66-76
المسائل بوضع القواعد العامة الكلية المرنة، وتركت الأحكام  22) استدل الحنابلة وأبو إسحاق بحديث:"لا تزال
الفرعية إلى اجتهاد العقل البشري احتراما له ومسايرة  للظروف طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم
والمصالح، وإلا لجمدت العقول، ولاصطدمت الشريعة بظروف  الساعة" (رواه البخاري) ثم إن الاجتهاد في
الزمان والمكان وبمصالح الناس.    نظرهم فرض كفاية، فلو خلا الزمان عن
                                                                          المجتهد اجتمع العلماء على الباطل (انظر
20) المقصود بالمجتهد المطلق هو المجتهد المنتسب      الشوكاني في إرشاد الفحول ص253،  شرح مسلم ج13              
 وهو الذي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق بالأخذ من الكتاب            ص 68).
والسنة، إلا أنه لم يصل إلى درجة الاستقلال الكامل   23) انزر محمد أو زهرة: أصول الفقه ص 312.                                                   
في تأصيل الأصول الخاصة به، فهو يخرج الأحكام على 25) متفق عليه.
أصول إمام من أئمة الاجتهاد.    26) الشوكاني:إرشاد الفحول ص 224. 
27) انظر ابن حزم: المحلى ج1 ص 88، طبعة دار الفكر.          الحصر، فالراسخون من أهل العلم يمكنهم استخراج
28) يوسف القرضاوي: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية ص 107     الأحكام من أي قصص والأمثال، فدعوة الانحصار
دار القلم، الكويت.                      في هذا المقدار إنما هي باعتبار الظاهر، للقطع بأن
29) ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير           في الكتاب العزيز من الآيات التي يستخرج منها
الأبصار ج4 ص 80.ط الثانية 1966 دار الفكر.       الأحكام من الآيات الواردة لمجرد القصص والأمثال
30) فالقرآن هو كتاب الإسلام، والمصدر الأول لتشريعه               (إرشاد الفحول ص 250-251-).
وتوجيهه،  وهو كلية الشريعة وعمدة الملة وينبوع الحكمة،    31) معرفة السنة النبوية لغة وشريعة الرسالة،
 وآية الرسالة، ونور الأبصار المسلمة (انظر المرافقات  الشروط التي يجب على المجتهد أن ينالها ومعرفتها
ج3 ص 346). وقد صرح الغزالي في المستصفى          في المتن، وفي السند، ومعرفة حال الرواة والجرح
بأنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام  والتعديل والتمييز الصحيح في السنة من غيره والمقبول
وهو مقدار خمسمائة آية (المستصفى ج2 ص 350)، ونوزغ  من المردود، ومعرفة الناسخ من المنسوخ من = الحديث
الغزالي مع ذلك في هذا     حتى لا يحكم بحديث قد ثبت نسخه وبطل العمل
= به كالأحاديث التي رويت في جواز"نكاح المتعة" فقد ثبت   وقد فصل هذه الشروط الأصوليين على النحو
نسخها كما يشترط فيه معرف أسباب ورود الحديث   التالي:
32) أعلام المكوقعين ج2 ص 252، الشوكاني: إرشاد   1- الاستقلال بالعربية
الفحول ص. 251       2- معرفة ما يتعلق بالشريعة في آيات الكتاب
 33) الشوكاني: المصدر السابق ص 251    والإحاطة بناسخها ومنسوخها، عامها وخارجها
34) المستصفى ج 2 ص 351، وقد حدد الغزالي وابن العربي  3- معرفة السنن، فمعظم أي الكتاب لا يستقل
والرازي عدد هذه الآيات بمقدار خمسمائة آية.    دون بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ثم لا
35) الإحكام في أصول الأحكام ج 4 ص 171 دار الكتاب   يتقرر الاستقلال إلا
العربي، الطبعة الثانية 1406-1986.     بالتبحر في معرفة الرجال .  
36) يجمع الشاطبي هذه الشروط في براعة رائعة قائلا:                 4- معرفة مذاهب العلماء الماضين.
 "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:              5- الإحاطة بطرق ، ومراتب الأدلة
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني:   6- الورع والتقوى. (أصول خلاف ص 256).
التمكن من الاستنباط بناء على فهم فيها (الموافقات ج4 ص67).
37) هو أبو عبد الله محمد بن عبد السلام التونسي الهواري                    المالكي، ولد سنة 716 هـ كان مفتيا وخطي قاضي الجماعة، حافظ متبحر في العلوم العقلية والنقلية، تولى                 بجامع الزيتونة مشتغلا بالتدريس والعبادة متفننا
 التدريس والفتوى والقضاء (شجرة النور ص 210).             في العلوم حافظا للمذهب المالكي ضابطا لقواعده،
38) يقول ابن عبد السلام من المالكية في كتابه شرح مختصر           انتهت إليه رئاسة المذهب في آخر عمره توفي
 ابن الحاجب في باب القضاء: "إن رتبة الاجتهاد مقدور على             سنة 803 هـ، من مؤلفاته "مختصر في الفقه" تحصيلها، وهي شرط الفتوى والقضاء، وهي موجودة إلى                      و"الحدود الفقهية" (الديباجة ص 337،  شجرة الزمن الذي أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بانقطاع العلم،                      النور ص 227)، الفكر السامي ج 4 ص 84).
ولم نصل إليه إلى الآن، وإلا كانت الأمة مجتمعة على         40) هو محمد بن خلفه بن عمر التونسي
الخطإ وذلك باطل"قال السيوطي معلقا على هذه العبارة:   البوشتاني اشتهر بالأبي أخذ عن الإمام
" فانظر كيف صرح بأن رتبة الاجتهاد غير متعذرة،    ابن عرفة ولازمه، له "إكمال المعلم في شرح
وأنها باقية إلى زمانه، وبأنه يلزم من فقدها اجتماع الأمة   صحيح مسلم"، غلب عليه ذكر التعريفات الفقهية
 على الباطل وهو محال (الرد على من أخلد إلى الأرض ص.24).  ولا سيما المالكية، وشرح المدونة، وله نظم،
39) هو أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي              توفي سنة 828 هـ (شجرة النور ص 244،                
 نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص287).
41) الحجوي الثعالبي الفاسي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ج 2 ص. 439.441
42) انظر يوسف القرضاوي: كتاب الأمة ج2 ص 160 ط.الأولى          44) عبد الوهاب خلاف:مصادر التشريع الإسلامي
43) رواه أبو داود في سننه برقم 4270، والحاكم في مستدركه            ص 11 والمقصود بالدليل القطعي هو ما ليس  فيه
في الفتن 4/522ن والبهيقي في معرفة السنن والآثار ص 52،      احتمال آخر أصلا غير المعنى المتبادر إلى والخطيب في تاريخ بغداد ج2، ص 61 كما ذكر الألباني                    إلى الذهن فور سماعه.
في سلسلة الصحيحة رقم 599.         45) زكرياء البرديسي: أصول الفقه ص: 459،      
                                                                 الطبعة الثالثة 1389/1969 دار النهضة العربية.
46) انظر فصل معالم وضوابط لاجتهاد ومعاصر قويم من كتاب الاجتهاد في الشريعة الإسلامية للدكتور يوسف القرضاوي ص: 173 وما بعده
47- ابن عبد البر: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاث ص 14 دار الكتب العلمية، بيروت.
48- جب وآخرون: وجهة الإسلام، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده 1934 ص 52 وما بعدها.
49- الماوردي: الأحكام السلطانية ص 61 وما بعدها.
50) انظر: المستصفى ج 2 ص 383     52) الأشياء والنظائر لابن نجيم ج/ص: 141.
51) انظر: الأشياء والنظائر للسيوطي ص 104، مختصر ابن  53) الأحكام ج 4 ص 203، وانظر المستصفى الحاجب ج 2 ص 300، الأحكام للآمدي ج 4 ص 203 ، جمع   ج 2 ص 383.
الجوامع ج 2 ص 408

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here