islamaumaroc

تاريخنا...متى نكتبه

  محمد علي الكتاني

7 العدد

تاريخ كل أمة صورة حية لنشاطها المادي والمعنوي، وهو المظهر الحقيقي الذي يبرز المقومات الشخصية، ويوضح المعالم البارزة الإنسانية التي تكتمل بها الذاتية، وبواسطته يتجلى مقدار النشاط الفردي والجماعي، وما أسهمت به الأمم والجماعات في ميدان الحضارة ومجال التقدم.

وقد تقدمت الدراسات التاريخية، وأصبحت فنا قائم الذات مكتمل الأجزاء واضح السمات، يعتمد على أسس مقررة وقوانين طبيعة وكونية، ومعلومات متنوعة متعددة الأشكال والمظاهر، وتشعبت فنونه فشملت محيط الإنسان كموجود، وقيمته كفرد من المجموعة التي تكون سكان المعمور، وبيئته التي تصهره في بوتقته فتكون منه الفرد العادي والإنسان المتفوق والشخصية البناءة... وأضحى الفن الذي يعتمد على سرد الأحداث وذكر الوقائع، مجرد آثار من آثار المعرفة اندرست أشكاله، وانمحت فضائله، فعلى الدارس -إذا أراد أن يكون باحثا حقيقيا- أن يستفيد من البيئة والحالة الاجتماعية، والتقدم الصناعي، وعوامل الازهار المادي والفكري، وأن يقارن بين الأحداث، ويستنتج النتائج، ويستخلص من كل ذلك قاعدة معقولة، تصمد أمام كل نقاش وتتحدى كل نقد.

ويحق لنا أن نتساءل بعد هذا، أين هو تاريخنا هذا الذي يكتسي هذه الأهمية، ويطوي بين ضلوعه هذا الدفقات من الحيوية والنشاط، ويخفى بين سطوره هذه الرموز من الإبداع والتفوق..؟ أين هو هذا الماضي الذي يكشف عن أسرار عميقة، ويبرهن عن حس وشعور، ويعطي دروسا قيمة لمن يحسن الاستفادة..؟ هل ما يزال الوقت لم يحن بعد لأن تكشف عنه الأغطية وتزال عنه الحجب، ويبرز للعيان عروسا مجلوة كاملة الزينة تامة التجهيز ؟

لقد من الله علينا بالاستقلال الذي كنا ننشده، وتحقق الأمل الذي ظل يراود المخلصين من أبناء هذا الوطن فرأوا وطنهم متحررا من ربقة العبودية ومتخلصا من قيود الاستعمار، يرفل في حلل المجد وينتشي فرحا بالنصر جذلان بما حققه على يد ملك مخلص غيور، ملك عظيم بكل ما في الكلمة من معنى، هذا الملك الذي عرف كيف يقود أمته ويحقق لها المعجزة ويبعثها بعثا جديدا، فضم بعمله لبنة في صرح المجد، الذي نريد أن يظهر جليا للعيان، وأن ترسم أشكاله ليطلع العالم على أننا أمة جديرة بالحياة، وأن نعمة الاستقلال لم ننلها تزلفا لشيء، ولا أنها سقطت علينا من السماء، وإنما هي حق من حقوقنا استرجع، فهل آن الأوان لأن نعلن أن تاريخنا يكاد يكون مجهولا، وأن كتابته على النهج العصري حلم لم يتحقق إلى الآن، وأن شبيبتنا تقاسي مرائر في هذا السبيل، فإذا توجهت إلى مصدر هذا التاريخ لم تجد أمامها إلا (الاستقصا)، وأن القائمين بتدريس هذه المادة في حيرة من أمرهم، فلا يدرون أي طريق يسلكون.
لقد كان الكتاب وأصحاب الاختصاص -وما أقلهم- يتملصون قديما بحجة الاستعمار، الذي كان يكبل العقول ويلجم الأفكار، ويحجر الكلام ويضع على الأيدي والألسنة قيودا... وكان في تملصهم ودفاعهم بعض المقبول، ثم زالت الأستار وتحطم السد فانفتحت كل الأبواب، ولم يعد هناك عذر مقبول إلا الكسل، فهل يصبرون على أن يسجل عليهم التاريخ -وهو لا يرحم- أنهم يتفرجون على معركة البناء وهم صامتون، ويصفق الناس وهم جامدون، حسب الأحداث أن تجري وتجري، فنومة أهل الكهف لم تنته بعد!
وكانوا يتملصون بحجة أن المصادر معدومة أو كالمعدومة، وأن خزائن الكتب قد ضرب عليها بسياج من حديد، وأن الوصول إلى سفر من هذه الأسفار يعد ضربا من المستحيل ... وهي حجة ما أنزل الله بها من سلطان، فلا الكتب ممنوعة عمن يطلبها ولا هي محجوزة عن كل متوقف عليها، ومتى كانت الحواجز المادية تقف دون اللذة العقلية؟ وإنما الكتب حقا عرضة للأرضة تقضم منها الليلة بعد الليلة، واليوم بعد اليوم، حتى إذا أدرك شهرزاد الصباح وجدت الكتاب غربالا، ويكون الزمان قد عمل عمله وانتهت الرحلة بسلام.

وبعد، فهذه صرخة أردت أن أرفعها من فوق منبر "دعوة الحق"، ليتنبه أصحاب الشأن، والمسؤولون عن المعرفة في هذا البلد الأمين، وأعتقد أنهم لا تنقصهم الغيرة ولا يعوزهم الإيمان، وأن بإمكانهم أن يفعلوا المستحيل لكي يكتب تاريخنا في أسلوب جزل سهل، وبطريقة منظمة سليمة، وأن ننقذ الطلبة من هذه الفوضى التي تصيبهم من جراء دراسة التاريخ، فكل أستاذ يكتبه كما شاء وهو معذور، فلو تكتلت الجهود لما وصلنا إلى هذا الطور.

وإلى الآباء والباحثين وأصحاب الخزائن وذوي الكفاءات، أوجه الدعوة لكي يجندوا أنفسهم لهذا الواجب الوطني، واعتقد أنهم إن شاء الله فاعلون.

وعلى رأس وزارة التربية الوطنية رجل عرف بإخلاصه للثقافة، وتفانيه في خدمة التاريخ المغربي وله فيه جولات موفقة، فإليه نتوجه في أن ينشئ لجنة من كبار الباحثين والمتخصصين لسد هذا العجز، وما ذلك على همته بعزيز....

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here