islamaumaroc

خطاب العرش الذي وجهه الحسن الثاني بمناسبة الذكرى 30 لاعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين.

  الحسن الثاني

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991

وجه مولانا أمير المومنين، صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، أدام الله عزه ونصره، وخلد في صالح الأعمال ذكره، يوم الأحد 16 شعبان 1411 هـ، موافق 3 مارس 1991، خطابا ساميا إلى الأمة، وذلك بمناسبة عيد العرش المجيد، وحلول الذكرى الثلاثين السعيدة لاعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين.
وكان جلالته – رعاه الله – محفوفا أثناء توجيهه لهذا الخطاب، بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير الجليل محمد،وبصاحب السمو الملكي الأمير السعيد مولاي رشيد، وبصاحب السمو الأمير مولاي هشام.
وفيما يلي النص الكامل للخطاب الملكي السامي.
الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه،
شعبي العزيز:
ها أنت تستقبل من جديد يوما أعز من أيامك التاريخية الزاهية، وتعانق ببزوغ فجره عليك ذكرى من ذكرياتك العزيزة الغالية، تحييها كعادتك ببالغ الفرحة والسرور، وتتملى بها بفائق السعد والحبور، تشد باحتفائك بها كل سنة حاضرك السعيد إلى ماضيك التليد، امتدادا موصولا بين العهود،ووفاء لمشاعر التعلق بالأباء والجدود.
إنك تنتمي شعبي العزيز، إلى تاريخ تطبع كل مرحلة من مراحل عهوده معالم راسية قائمة على سهوله ونجوده، صرح ثابت الأركان، سامق البنيان، كتاب مسطور ناصع الصفحات، ووجه مضيء مشرق القسمات، تعج عهوده بمنجزات نذكر فتشكر، مما يجعله خليقا بأن يعتز به ويفخر.
وإن مؤسسة المؤسسات التي حفظها هذا التاريخ العظيم للأجيال المتعاقبة، لهي مؤسسة العرش الذي أرسيت قواعده على أرض هذا الوطن منذ اثني عشر قرنا، والذي امتد بين العروش العالمية القليلة التي رسختها السنون إلى يومنا، مما جعل منه المعلمة الأصيلة الأولى بين تراث هذا الوطن.
لذا، فمن حقك – شعبي العزيز - أن تتعلق بعرشك تعلقك بغوالي الأمجاد، وأن تدين له بالولاء مقابل ما قام به تطوير لحالك وإسعادك، وأن ترتبط وتلتفت حوله صيانة لعهد أصيل، وتخليدا لما يرمز إليه من مجد أثيل.
واحتفاؤك – شعبي العزيز – بعرشك في كل سنة وكيفما كانت الظروف التي يجتازها العالم،
ومهما كانت انعكاساتها على بلدنا، لا يعني أنك تؤثر مظاهر الأفراح على متطلبات التضامن مع إخوة أشقاء حلت بهم النكبات والأتراح، بل إن احتفاءك بهذا اليوم الأغر، إن هو إلا عمل وطني بالغ الدلالة، بهدف لتجديد تعبئتك لمواجهة المستقبل بما يحفل به من سراء وضراء، وهو كذلك موعد مع التاريخ لا يتخلف كل سنة نقف فيه أنا وأنت وقفة في أحضان يوم الذكرى لقضاء لحظات أذكار، واستخلاص النتائج، وأخذ الاعتبار مما جرى في السنة الماضية، وللتزود كلك بنفس جديد لمواجهة الأيام الآتية، ولاستشعار أحاسيس العزة والفخار بمواقعنا كأمة مشيدة بانية، لها في حاضرها ما كان لها في ماضيها مقعد صدق بين العالم المتحضر، وموطىء قدم ثابتة بين الأمم العالمية الضاربة بثراتها في أعماق القدم.
وفي يوم الذكرى هذا، علينا أن نستحضر أن العرش المحتفى به، تقدم دوما في تاريخنا مسيرة الشعب، وقاد في كل حين خطواته، مدافعا في المقدمة تارة عن الديار كلما هدد الوطن، بتحميل الأعداء المغيرين عليه صنوف الهزائم، وموحدا تارة أخرى صف الأمة، بلم الإرادات وشحذ العزائم.
والتاريخ يشهد لهذا العرش أنه لم يتخل قط عن مسؤولياته، وأن المتعاقبين عليه لم يتسنموا ذروة الحكم لمجرد الاستفادة من حسناته، بل كانوا في معظمهم قائدي المسرة وناصري العشيرة، حتى لم يستقر لبعضهم مقام في مكان، واشتهر من بينهم جدنا المنعم الحسن الأول بأن عرشه كان على ظهر فرسه، وكانوا كلهم – أثابهم الله – العين البصيرة والضمير اليقظ لأمتهم التي بادلتهم حبا بحب ووفاء بوفاء.
وعلى هذا الطريق، سرنا معك – شعبي العزيز – منذ ثلاثين سنة خلت على اعتلائنا عرش أسلافنا المقدسين، مما جعل من الذكرى الثلاثين التي نحتفل بها هذه السنة، ذكرى متميزة بطابع الاستمرارية، ولكن ذات خصوصية مشرقة زاهية.
ولقد كانت مسؤولية عظمى أن نرث العرش عن زعيم مجاهد كبير، وقائد مبجل عزيز النظير، هو جلالة والدنا المرحوم محمد الخامس، الذي كان طول حياته شعلة كفاح لا تخبو، وفارس نضال لا يكبو، فاستشعرنا منذ أن ألقى إلينا القدر بوراثة مسؤوليته العظمى، أن علينا أن نحافظ على ما طوق به جيد الوطن من مكرمات، وما حققه على درب إسعاد هذا البلد من منجزات، وأن نضيف إلى ما قدم وأسدى حصيلة يزيد بها صرح هذا البلد شموخا، وترسخ بها قيمنا ومثلنا رسوخا.
نقول ذلك، لأن عرشنا ظل ولا يزال عرش قيم ومثل، فكل حكم ينبثق عنه لا بد أن يعمل لاستمرار تلقك القيم، وعرشنا عرش وطني مكافح، يلتزم فيه من يتربعه بشروط معاناة، ومقتضيات المصابرة، وضرورات المكابدة.
ومن حسن حظنا، أننا انصهرنا منذ يفاعتنا في غمرة جهاد والدنا المنعم، الذي ربانا منذ صبانا على التعلق بالمثل والقيم، وعلمنا استرخاص الغالي والنفيس في نصرتها، والذب عنها. وقد عرفنا إلى
جانبه فترات فقد الحرية، وعانينا معه محنة الغربة عن الوطن، مما يجعلنا دائما في صف الأحرار، نفهم أكثر كفاح المجاهدين، ونتعاطف دائما مع المكافحين المخلصين، ولا نتوقف عن إحقاق الحق حيث كان، والعمل لدعم دولة الحق والقانون، والانتصار للشرعية كلما كانت مبادئ الحق والعدل في حاجة إلى دعمنا وسندنا.
وأن من جاهد من أجل الحرية، لا يمكن إلى أن يكون معها، ومن ناضل من أجل فرض احترام من حقوق الإنسان والمواطن على الاستعمار، لا يكون إلا وفيا لها في عهد الاستقلال، بشرط أن لا يقع المس بقدسية مفاهيم المثل، وأن تحترم قدسية الواجبات، واحترام قدسية الحقوق، وأن تمارس الحقوق والحريات في نطاق المسؤولية لئلا تعبث بها الفوضى.
ولقد شكلت – شعبي العزيز – العقود الثلاثة التي قطعتها معك سنوات جهاد، لم نخلد خلالها إلى راحة ولا توقفت لنا أثناءها حركة، لم نتنازل فيها عن مطلب، ولا فرطنا في مكسب، وإنما كانت إضافة اللبنات إلى صرح هذا الوطن، شغلنا الشاغل، وهمنا المتواصل.
وحين نرتد بأنظارنا إلى واقع المغرب في مارس 1961، وقد تركه والدنا المرحوم واقعا مشرقا ومشرفا، وإلى حاضرنا في الحقبة التي نعيشها، فإن بصرنا يعشى لوفرة ما بعون الله في كل ميدان حققناه، وضخامة ما بفضله سبحانه في كل مجال أنجزناه، لكننا رغم ضخامة المنجزات، لا نقنع ولا نرضى كل الرضى، بل نظل نتطلع إلى منجزات المستقبل بطموح لا محدود، وبإرادة وتصميم على أن يكون الحاضر دائما أقوى من الماضي، والمستقبل أحفل عطاء من الحاضر.
وقد عرفنا خلال مسيرة الثلاثة عقود الماضية ما تعرفه الأمم من نجاحات، وما يواجهها كذلك عادة من مشاكل وأزمات، وكان سر تحقيق نجاحاتنا، والتغلب على أزماتنا، التلاحم المتين القائم بيني وبينك شعبي العزيز، ذلك التلاحم الذي ظل العاصم لأمتنا من الوقوع في المتاهات، والواقي لها من المخاطر والتهلكات، وصمام الأمان من غائلة النوائب والعوادي، والدرع الذي تتكسر على صلابته سهام الخصوم والأعادي.
فلتكن لنا في ذكرى الثلاثين مناسبة جديدة نجدد فيها أنت وأنا، الالتزام بمقتضيات البيعة التي هي ميثاق دستوري. فمنا لك شعبي العزيز موفور الإخلاص والوفاء ولنا عليك واجب التعلق بالعرش والجالس عليه بصادق الولاء.
شعبي العزيز،
لقد عشنا هذه الأيام الأخيرة، وما زلنا نعيش أحداثا استثنائية توجه بشكل عميق مجرى التاريخ، نظرا لطبيعتها وأهميتها ومضاعفاتها، فالعالم يتغير مظهرا ومخبرا، ونتيجة لذلك، تتغير العلاقات بين الدول والأمم.
ومما لا ريب فيه، أنه سينشأ نظام عالمي جديد، كما يلوح ي الأفق تغيير في التحالفات، ولا أحد يستطيع التكهن الدقيق بما سيكون عليه الوضع الجغرافي السياسي لعالم الغد.
إننا نشهد توزيعا جديدا للأوراق، مما يجعلنا نطرح على أنفسنا تساؤلا مختلف الأشكال، متعدد الأبعاد.
ترى ماذا سيكون دور المغرب في التوزيع الجديد؟ وما هي الطرق والسائل الكفيلة بتدعيم العلاقات بين بلدان اتحاد المغرب العربي وتقوية أواصرها؟ كما أنه من حقنا أن نتساءل من ناحية أخرى عن ماهية علاقات اتحاد المغرب العربي الكبير بمختلف التجمعات الجهوية أو الدولية؟ وسيظل مصير العالم العربي همنا الأساس، سواء على صعيد العلاقات الداخلية بين العرب، أو على المستوى الدولي لعلاقات العلم العربي ببقية أقطار العالم.
وبخصوص دور المغرب في النظام العالمي الجديد، سيكون من مجافاة الصواب القول: إننا غير معنيين بالأحداث التي يشهدها العالم، أو ادعاء إلا تأثير لها علينا.
وكيفما كان الحال، فإن تصميمنا الأساس لن يدخل عليه أي تغيير، إذ المغرب بحكم موقعه الجغرافي، ومختلف التيارات والحضارات التي مر بها تاريخه الطويل، هو قبل كل شيء بلد متفتح على الخارج، لم ينكمش قط على نفسه، وليس في نيته أن يزج بنفسه في الانكماش والتوقع. ومن الطبيعي أن تكون ثمة مضاعفات شتى لموقعنا هذا الذي فرضه وضع المغرب كملتقى لحضارات مختلفة، وأملته الروابط التي شدتنا إلى مختلف أقطار العالم.
إن المغرب كذلك، ظل على مر العصور كريما مضيافا، وسيظل بلد التسامح والتعايش والسلم، شأنه في ذلك كبريات الأمم، كما أن موقع بلدنا في النظام العالمي الجديد، رهين إلى حد بعيد بحفاظه على هذه المقومات، وتشبثه بهذه الخصائص والمميزات.
والمغرب المتمسك بتلك المقومات، المتطلع إلى التعاون والتساكن، قد فكر وسعى طوال السنين، إلى إنشاء مجموعة مع أشقائه وجيرانه الأقربين، يلتئم فيها الشمل، ويسودها التجانس والتماسك.
والواقع أن هذا العمل، التقى فيه على كلمة سواء مجموع قادة المغرب العربي، وهم بذلك إنما استجابوا لمطمح العميق الذي أجمعت على تحقيقه شعوبهم. وهكذا تحول ما كان مجرد حلم يداعب جماهيرنا، إلى واقع مشخص بإقامة اتحاد المغرب العربي الكبير.
لقد قطع الاتحاد منذ تأسيسه خطوات متعددة المعاني، وفيرة الدلالات، من حق شعوبنا أن تعتز بها وتفخر، لكن الطريق لا يزال محفوفا بالأشواك. فعلينا أن نظل يقيظين. وأن نضاعف الجهود للحفاظ على المكتسبات لتعزيز وحدتنا وترسيخها، إذ بهذا الترسيخ ستتقوى حظوظنا، وتعظم لدى الاتحادات الجهوية الأخرى، كما سيصبح صوتنا أكثر استماعا، ومصالحنا اشد تفهما وصيانة وانتفاعا.
إن الحياة لا تسير – شعبي العزيز – على خط واحد مستقيم، بل تمضي في منعرجات يصعب التكهن بنهايتها، وبالتالي يجب الاحتزاز منها.
ولئن كان أهم أثر لاتحاد المغرب العربي يكمن في إرساء قواعد اتحاد الشعوب التي يتألف
منها، فإنه لم يمح ولم يلغ الشخصية المميزة لكل عضو من أعضائه. لذا فإن هذا الاتحاد سيقوم في ظل الحفاظ على المميزات الشخصية لكل طرف من أطرافه.
شعبي العزيز،
إن الهزة التي تصيب العالم العربي، تأخذ شكل زلزال سيخلف انعكاسات عميقة، وسيطبع بآثاره العلاقات بين الدول العربية لحقبة يصعب في الساعة الراهنة تحديدها. لكن العالم العربي عرف عدة أزمات، واجتاز حقبا صعبة في تاريخه، وكانت أزماته ما في ذلك من شك أخف وطأة من هذه التي نعيشها أليوم.
وقد تغلبنا إلى حد الآن على الأزمات والمشكلات بفضل عبقرية شعوبنا التي نستمد منها إيماننا وثقتنا.
فهل يا ترى سنتغلب على الأزمة الحاضرة؟ إن الجرح عميق، وهو بمثابة تمزق في جسم الأمة العربية. فهل سيلتئم هذا الجرح؟ وهل سيجبر الجسم العربي كسره، فتعود الأمة العربية إلى وحدتها وتماسكها؟
إن ذلك ليس بالأمر الهين، لكنه ليس ممتنعا ولا مستحيلا كيفما كان الحال – هذا ما تمليه الحكمة وتفرضه المصلحة – فمن الواجب أن نعيد بناء تضامننا ووحدتنا، وأن نصون هويتنا وشخصيتنا، لما لإعادة بناء الوحدة من حسنات وفوائد، تقتصر منها على إثارة نقطتين:
أولهما: أننا سنتجنب قيام محاور داخل العالم العربي تؤدي إلى الفرقة، وتعزل بعض أجزاء الأمة عن البعض الآخر.
وثانيهما: أن المجموعة العربية كوحدة قائمة بذاتها تجسد أمام بقية العالم قوة لا تمكن مقارنتها بما تشكله قوة كل دولة منها منفردة.
وهنا نجسد أنفسنا مضطرين إلى التطرق لأسباب الجرح العربي.
مما لا مراء فيه، أنه قامت دائما خلافات في حظيرة الأمة العربية، ولكنها بحكم طبيعتها وتأثيرها النسبي على التوجهات الأساسية كانت ثانوية.
أما أزمة اليوم، فقد مست بالجوهر والأساس وألقت على المستقل ظلالا قاتمة، فقد نشبت حرب بين دولة عربية شقيقة عزيزة علينا، وإخوة لنا عرب أعزاء استنجدوا بمجموعة من الدول الأخرى للدفاع عن أنفسهم.
وعندما انتهى إلينا خير هذا النزاع صبيحة يوم ثاني غشت، ونبأ احتلال العراق للكويت، بادرنا إلى الإفصاح عن رأينا، وإعلان موقفنا بالتنديد جهارا بالاحتلال، لأنه للشرعية، ويمس بمشروعية دولة ذات سيادة، ويلغي وجودها.
وفي نفس الوقت، عبرنا عن كامل استعدادنا للتوفيق، حتى ننقذ فوات الأوان ما يمكن إنقاذه. ولأجل ذلك، أرسلنا مبعوثنا الخاص إلى فخامة الرئيس صدام حسين، كما استقبلنا مبعوثيه إلينا.
وظلت جميع مبادرتنا وغيرها من المحاولات المبذولة لإعادة الشرعية بالطرق السلمية دون جدوى، فأصبح من منظور القواعد التي يقوم عليها تنظيم العلاقات لا مناص من اندلاع الحرب، لقد كانت لنا في الأيام الأخيرة فرص للتعبير عن دلالات موقفنا وطبيعته ومداه، فلا داعي للعودة اليوم إلى هذا الموضوع.
إننا نستنكر الحرب ونناهضها بجميع قوانا، وبنفس الإرادة والتصميم نقف باستمرار بجانب الشرعية والمشروعية.
 إن الأحداث التي شهدتها السنة المنصرمة على الصعيد الدولي كادت تفقد جميع دلالاتها مقارنة بحرب الخليج، هذه الحرب التي هيمنت على كل شيء وشغلت العقول، وصرفتها عما عداها.
شعبي العزيز،
وإذا كانت الأحداث على صعيد المغرب قد اكتست طبيعة مغايرة، فإنها مع ذلك ذات أهمية بالنسبة لاستكمال تنظيم مجتمعنا، والرقي به قدر الإمكان، فمن لا يتقدم يتقهقر حتما، ولزوما. لذا علينا أن نظل مفتوحي الأعين والنظرات، متوقين ما قد يعترضنا من عثرات.
إن مؤسساتنا تعمل ولله الحمد في احترام كامل القواعد التي اعتمدناها. فقد قامت فرق المعارضة داخل مجلس النواب مجتمعة، بمساءلة الحكومة من خلال ملتمس للرقابة عرض على التصويت. وتمخضت دراسة هذا الملتمس عن نقاش عام صريح صادق مفتوح، وتم أثناءه تناول مختلف جوانب العمل الحكومي بالتحليل والنقد، مما أتاح لكل واحد من أعضاء المجلس التعبير عن رأين بكل حرية، وطرح وجهة نظره دونما تحفظ، سوى بالطبع ما يتقيد به عادة في المجالس المحترمة من قواعد حسن السلوك، ومقتضيات اللياقة في التعامل.
وقد تتبعنا من جانبنا هذا النقاش في أدق تفاصيله، وخلصنا إلى الاقتناع بأن ديمقراطيتنا حية ونشيطة، وأن ممارستها بتعاقب الأيام والسنين تزداد جدية ووضوحا. فيمكن لشعبنا إذن أن يشعر بالطمأنينة والارتياح، لكون نوابه على الصعيد الوطني والمحلي يتعلمون كل يوم ما يساعدهم على تحسين ممارسة مهامهم.
ووفاء منت لتطلعات والدنا المغفور له محمد الخامس تغمده الله برحمته، عملنا ما في وسعنا منذ أن اعتلينا عرش أجدادنا، لنجعل من المغرب دولة عصرية متمسكة بالدين الإسلامي وقيمه، متشبثة بثقافتها.
كما يسعنا إلى جعله دولة قانون، وحرصنا في هذا المسعى على إيلاء كامل الاهتمام، وموفور العناية لمسألة حقوق الإنسان.
ونحن واعون كل الوعي، بأن الوسائل المتوفرة يمكن أن تعجز لأسباب أو أخطاء ترتبط بالطبيعة البشرية عن تحقيق ما تنشده من مرام، ونتوخاه من أهداف. وتلافيا لذلك، أنشأنا في هذا المجال جهازا متخصصا باسم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي يعمل تحت إشرافنا المباشر، ويهتم بكل ما يتصل من قريب أو من بعيد بحقوق الإنسان، وأن تشكيلة هذا الجهاز ذات دلالة واضحة، حيث أن من بين أعضائه من ينتمون إلى كافة الأحزاب السياسية، والمركزيات النقابية، والجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان.
إن المهمة التي أنجزها هذا المجلس رغم حداثته جديرة بالتقدير، فقد عرض على أنظارنا في مجال اختصاصه مجموعة من المقترحات الهامة، ووافقنا عليها، وستصدر بشأنها عما قريب نصوص تشريعية وتنظيمية.
وبنفس الروح، ودعما للصرح الذي شيدناه، واستكمالا لبنيات دولة القانون، قررنا إنشاء محاكم إدارية تثري التنظيم القضائي في مملكتنا.
وعملا بمبدأ تقريب القضاء من المتقاضين، أصدرنا تعليماتنا لجعل الإجراءات التي تعمل على أساسها هذه المحاكم مبسطة وغير مكلفة، حتى نمكن رعايانا من اللجوء إلى القضاء كلما كانوا عرضة للشطط من طرف السلطات الإدارية، أو لحقت بهم أضرار من جراء أنشطة الإدارة التي أقيمت لخدمتهم. وينكب مجلس النواب في الوقت الراهن على دراسة مشروع القانون المتعلق بإنشاء المحاكم الإدارية، وستخرج هذه المحاكم إلى الوجود، لتشرع في العمل بمجرد المصادقة عليه.
شعبي العزيز:
يتكون سكان بلادنا بنسبة الثلث من شباب تتراوح أعمارهم بين عشر سنوات وخمس عشرين سنة، نخصص لتكوينهم وتدريبهم ما يناهز الأربعين بالمائة من مواردنا، إلى أن التجربة أظهرت أن هذا المجهود يبقى – بالرغم من أهميته. قاصرا عن بلوغ المراد، لأن آفاق المستقبل بالنسبة لكل بلد تتوقف على نوعية التكوين الذي يوفره لشبابه. وأملنا كبير في أن يساهم شبابنا مساهمة فعالة بمعرفته وذكائه وطاقاته في إغناء تراثنا الوطني. وقد استعنا في تحقيق هذه الأمنية بالمجلس الوطني للشباب والمستقل، الذي أنشأناه من ممثلين عن كافة القوى الحية بالبلاد.
ويعمل هذا المجلس حاليا بكامل طاقاته، وقد حقق نتائج تشجع على التفاؤل بالرغم من الصعوبات التي تعترضه من جراء الظروف التي يعيشها العالم. فانعكاسات حرب الخليج التي أثرت سلبا على الاقتصاديات العالمية، وامتدت إلى كافة قطاعات الحياة، لم تمهلنا، ولا زلنا نعاني أثارها.
ولكن – ولله الحمد – رغم هذه الظروف، حقق هذا المجلس إنجازا ضخما يرقى إلى مستوى المهمة التي عهدنا بها إليه، فقد أعد جردا للعاطلين من حملة الشهادات في صفوف الشباب، ونجح فضلا عن ذلك في تحديد السبل والوسائل الكفيلة بإخراجهم تدريجيا من الوضع الذي يعانونه، وذلك بمشاركة المنتخبين والسلطات المحلية والإقليمية. وقد اتضح من عملية الجرد – ولو أني شخصيا أفضل لفظ الإحصاء – أن هناك مائة ألف شاب عاطل من أصحاب الشهادات، نصفهم حاملون للباكالوريا، والنصف الآخر يتوفر على شهادات عليا فوق مستوى الباكالوريا. ويشكل الذكور من هؤلاء الشباب نسبة الثلثين، والإناث نسبة الثلث.
وهذا العدد، هو مجموع ما تراكم نتيجة نقص التشغيل من بداية 1981 إلى سنتنا هذه، إذن عشر سنوات. معناه: أننا لو شغلنا كل سنة بشكل عادي، لن نصل مائة ألف دفعة واحدة، بل إن المشكل سيهم 10 آلاف فقط سنة بعد سنة.
وستوفر له الدولة والجماعات المحلية والقطاع الخاص لهذا المجموع أي 100 ألف من هنا إلى آخر السنة الجارية مناصب الشغل اللازمة. وكم يسعدنا ويثلج صدرنا، أن يحالفنا التوفيق في القيام بهذا العمل الضخم الذي سيستفيد منه حملة الشهادات، ويعود بالنفع على المشغلين. وبذلك سنكون إن شاء الله قد كسبنا الرهان في هذا الميدان، ورفعنا التحدي، ونجحنا في ما نحرص عليه من تكريم الإنسان.
وستقوم منهجية التوظيف على التشاور والتراضي بين الفرقاء المعنيين سالفي الذكر، أي: الدولة، والجماعات المحلية، والقطاع الخاص، بإشراف مختلف الوزارات الوصية.
وأخيرا عهدنا إلى المجلس الوطني للشباب والمستقبل، بأن يقوم بعد هذا الدرس، بتقديم اقتراح تعلق ببرنامج الإدماج الذي يشمل جميع الإجراءات التشريعية والتنظيمية، التي من شأنها تسيير تنشيط التشغيل، وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني.
وسيساهم إصلاح القطاع البنكي هو الآخر مساهمة نشيطة في تحقيق هذه الغايات.
وإننا لم ننس فئة شبابنا ممن لهم شهادات دون مستوى الباكالوريا، فستبدأ في بحر الشهر المقبل علمية إحصائهم، وسيجري الإحصاء بنفس الطريقة التي اعتمدناها في إحصاء حملة الباكالوريا والشهادات العليا. وكل هذا يدخل في إطار التحضير لموضوع الدورة الثانية للمجلس الوطني للشباب والمستقبل في شهر يوليوز، وسيدور حول المحاور الثلاثة الآتية:
المحور الأول: الطرق والوسائل الكفيلة بإدماج الشباب في النشاط الاقتصادي الوطني.
المحور الثاني: تكييف التكوين المهني.
المحور الثالث: إعادة ترتيب النسيج ترتيب النسيج البشري لتأمين توزيع متكافئ بين الحاضرة والبادية.
وبهذا نكون – بعون الله – قد أنجزنا وعدنا، وأقمنا البرهان على أن اقتصادنا الوطني جدير بما عقدناه عليه من آمال.
شعبي العزيز:
إننا واعون بالأهمية التي يكتسيها إعداد التراب الوطني والتخطيط، على صعيد الحواضر والبوادي، في وضع هياكل الاستقبال، وتشجيع الاستثمارات الخاصة والعمومية، وفي تنظيمها، وتحديد دور كل ذلك في الرفع من مستوى عيش المواطنين. وهذا ما حدا بنا إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءت الهادفة إلى تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فأصدرنا تعليماتنا إلى حكومتنا بوضع تصميم وطني لإعداد التراب، سعيا من إلى الوصول إلى أفضل توزيع ممكن للأنشطة وللموارد البشرية على امتداد المملكة. وسيشكل هذا التصميم إطارا مرجعيا في التخطيط لعمليات التنمية على الصعيدين القطاعي والميداني، وإدماجها لكونه يحدد التوجهات في التنظيم العقلاني للمساحات على ضوء الطاقات والقدرات الإقليمية.
وفضلا عن هذا، قررنا تزويد بلادنا بميثاق وطني، يجسد فلسفتنا، ويوجه سياستنا في مجالات إعداد التراب الوطني والتعمير والبيئة والهندسة المعمارية. ومن المحاور الأساسية ذات الأولوية التي يتبلور حولها عملنا في هذا الباب، وضع نصوص تشريعية وتنظيمية جديدة في حقل التعمير والبناء، تسمح في المقام الأول بإقامة مساكن لفائدة العائلات ذات الدخل المتواضع. وتهدف هذه النصوص الجديدة التي تأخذ بالاعتبار إشكالية التنمية الحضرية، إلى تعديل مجموع التشريعات المتوفرة واستكمالها، كما تمثل الأداة الضرورية للنهوض بالتعمير والهندسة المعمارية، والدفع بهما إلى الأمام.
وحرصا منا على الإحاطة بكافة جوانب هذا الحقل المهم، خاصة ما يتعلق منها بتكوين الأطر، قررنا إنشاء المعهد الوطني لإعداد التراب والتعمير، الذي سيوضع في خدمة بلدان قارتنا الإفريقية كلها. وهدفنا من إنشاء هذا المعهد، هو تكوين الأطر التي ستمكن الجماعات المحلية من الاضطلاع بدورها كاملا في البحث عن التدبير الأمثل لمجالها الجغرافي وتطويره بما يتلاءم وأهداف الميثاق الجماعي لسنة 1976.
وبهذا الخصوص، فإن بلادنا ستنشئ عما قريب مختبرا مختصا، نستطيع بواسطته أن نقيم ونقوم بصورة علمية، تطور البيئة في بلدنا، مما يتيح لنا التحكم فيها بطريقة أفضل.
وسعيا منا إلى تقوية اللامركزية، ودعم تفويض ممارسة السلطة، أصدرنا تعليماتنا السامية إلى وزيرنا في الداخلية، ليولي مزيدا من العناية لمتابعة تنفيذ عمليات الإعداد والتعمير، عن طريق إنشاء المؤسسات الملائمة على الصعيد الوطني، والإقليمي، وصعيد العمالات والجهات.
شعبي العزيز:
منذ بداية الثمانينات، وبعد أن تأكدت ضرورة القيام بتصحيح الوضعية المالية للبلاد، أصدرنا أوامرنا لحكومتنا، بإعداد برامج تستهدف إعادة التوازنات الاقتصادية الأساسية.
وفي إطار سياسة إجمالية متناسقة، تم وضع أسس إصلاحات هيكلية تهدف إلى الوصول إلى تحرر اقتصادي تدريجي محكم، وذلك عبر إصلاحات جبائية، وتجديد مسيرة تجارتنا الخارجية، وإضفاء المرونة على نظام الصرف، وكذلك على آليات تحديد الأسعار.
وبفضل التخصيص المقرر بالنسبة لعدد لا بأس به من المقاولات التي تنتسب أصلا للقطاعين العمومي وشبه العمومي، سنحقق بعون الله النتائج المتوخاة من سياستنا التي ترمي إلى تأمين نماء سريع.
لقد أصبح من الضروري الأكيد، السعي لإصلاح آخر مكمل لما سبقه من إصلاحات، ألا وهو إصلاح القطاع المالي والبنكي. ومعلوم أن هذا القطاع يؤثر تأثيرا مهما في مستوى المبادلات والاستثمارات القومية.
ولقائل أن يقول: إن هذا الإصلاح تأخر موعده تأخرا لا يتناسب والدور المحرك الذي على القطاع الخاص أن ينهض به في حقل النمو الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا، لا سيما في أعقاب الاختيارات التي حددناها ضمن المخطط التوجيهي لسنوات 1988-1992 (ثماني وثمانين إلى اثنتين وتسعين)، إلا أنه كان من الضروري قبل كل شيء إعادة التوازنات الكبرى، وإلا فقد كنا سنتعرض لتدني رصيدنا الخارجي، ولاستفحال التضخم، ولولا إعادة التوازنات كذلك، لكانت الجهود التي بذلناها في الميدان المالي طيلة أعوان عديمة الجدوى.
وإن التقدم المؤكد الذي سجلناه على مستوى تلك التوازنات، يجعلنا اليوم – ولله الحمد – ندعم النمو بتمويل مناسب، خاصة لفائدة القطاع الخاص الذي هو مطالب أكثر من أي وقت مضى بالمساهمة في حل مشكلة التشغيل.
علينا إذن، أن نعيد النظر في "قانون الأبناك" الذي مضت على وضعه ثلاث وعشرون سنة، وأن يؤخذ بعين الاعتبار ما تفرضه من تعديلات التطورات والتغيرات التي طرأت على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي. وسننشئ عما قريب لجنة نوكل إليها مهمة إدخال الإصلاحات الملائمة على نظامنا المالي والمصرفي، لتمكين المؤسسات المعنية من تأمين العمليات التالية:
أولا: مساهمة أكثر فعالية في التنمية الاقتصادية، مع أخذ البعد الإقليمي بعين الاعتبار.
ثانيا: إضفاء اللامركزية بصورة فعلية على عملية اتخاذ القرار، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الاعتمادات.
ثالثا: مساهمة فعالة في جعل الاقتصاد يعتمد على تطوير البنيات النقدية، وفي تعبئة الادخار.
رابعا: منافسة واسعة بين المقاولات يطبعها الصدق و النزاهة.
ويجب أن يدمج هذا الإصلاح في تقديره بعد المغرب الكبير، إذ ذلك هو ما سيمكن بلداننا من التغلب على التحديات التي تفرضها علينا الأحداث الخارجية.
وهكذا أصدرنا تعليماتنا السامية لتنفيذ عمليات ملموسة تستهدف ما يلي:
أولا: مساندة جميع المبادرات الرامية إلى إنشاء مقاولات وخاصة منها تلك التي يعود أمرها إلى خريجي الجامعات ومعاهد التكوين المهني.
ثانيا: تقديم المساعدة المالية اللازمة لقطاع المقاولات الصغيرة والوسطى العاملة في مختلف مرافق النشاط الاقتصادي.
ثالثا: تدعيم تمثيل مؤسساتنا المالية والبنكية خارج حدود المملكة، حتى يتسنى لها أن تشجع المستثمرين الأجانب على إقامة مشروعات في بلادنا، وتوطين حجم أوسع لأموالهم بالمغرب.
وستكون الدورة الأولى للمجلس الوطني للشباب والمستقبل، فرصة لعرض مقترحات بناءة، يقضي إن شاء الله تنفيذها إلى رفع العراقيل التي تعترض نشاط عدد لا يستهان به من المنشطين الاقتصاديين، ومن المقاولات الصغيرة والوسطى. تلك العراقيل الناجمة عن نقص الرأسمال، وضعف التأطير، وتدهور شروط الضمانة المطلوب توفيرها من لدن المقاولات.
وقد بات من البيديهي – في موازاة هذه البرامج – أن يصار إلى التأمل ومباشرة العمل في وجهة المراحل المتتالية لتمويل، ألا وهي توفر الأرض، والثمن اللازم، والأماكن المخصصة للنشاط المهني، وإعداد الرخص الإدارية، وتكلفة عوامل الإنتاج.
وبذلك نكون قد قطعنا مرحلة جديدة في مسيرة تدعيم بنيات اقتصادنا، وضمنا لبلادنا الظروف المواتية للنمو اللائق بالمطامح المشروعة لشعبنا.
شعبي العزيز:
الكل يعلم حق العلم سهرنا الدائب على رصد أوضاع البلاد، ومتابعتها، وتعميق تحليلها، يحدونا إلى ذلك، اهتمامنا البالغ المطرد بأن نؤمن لشعبنا في جميع الظروف عيشا رغيدا، ومآلا سعيدا.
وإذا كان شعبنا يتميز بتعدد مكوناته، وتنوع شرائحه واتجاهاته، في ظل وحدة استمرت – ولله الحمد – ثابتة عبر العصور، ونعمل من جانبنا على ترسيخها، فإن هذه التعددية تشكل إحدى طاقاتنا الكبرى التي نستمد منها الشجاعة والقوة في السلوك والتصرفات.
وبمقتضى ذلك، سهرنا على أن لا يتردى شعبنا في متاهة الاتجاه الواحد المؤدي إلى إضعاف وتيرة النمو، بما يفضي إليه من تثبيط العزائم والإرادات، وما يترتب عليه من شل القدرات، وعجزها عن تفتيق القرائح والمواهب والملكات.
ومن الطبيعي، أن تنشأ في ظل التعددية والتنوع نزاعات داخلية، إلا أننا نسعى دوما إلى تلافيها، أو معالجتها بإيجاد الحلول لها بما يكفل – قدر الإمكان – الحفاظ على وحدتنا المجتمعية، ذلك أن التعددية التي نرتضيها ونشجعها لا تتناقض مع وحدة الأمة، بل على العكس، تشكل أحد المقومات الأساسية لبنائها، وهذا ما يجعلنا مطمئنين إلى أننا أحسنا الاختيار، وإلى مواصلة تسيير شؤون شعبنا على نهج التعددية بإرادة وإصرار.
لقد جعلنا من التعددية المحور الأساسي الذي تدور حوله سياستنا، واخترنا نهجها في وقت كان فيه الحزب الوحيد هو السائد في معظم أنحاء العالم، ولا سيما في العالم الثالث، فنمت التعددية في بلادنا وترعرعت، واحتوت الخلافات الحزبية في إطار الشرعية ونطاق التعايش، وبذلك ظلت مقدساتنا كما كانت دائما، وكما ينبغي لها أن تكون، مصونة الحرمة مؤونة الاحترام. وكذلك كان الأمر بالنسبة لوحدتنا الترابية التي التف حولها الجميع، والتأم الإجماع الوطني على التشبث بها في مواجهة من نازعونا أو عارضونا، جامعين بشأنها، وظلت إلى اليوم، وستبقى في كل حين، قيمة مقدسة من لدن جميع شرائح مجتمعنا وفئاته.
وإذا كان استرجاع أقاليمنا الصحراوي قد تحقق، ودخلت قضيته في طي التاريخ بالنسبة لنا جميعا، فإنها لا تزال مع ذلك مطروحة على المحافل الدولية، وسيتم حلها النهائي عير استفتاء تقرير المصير الذي نتوقعه استفتاء مؤكدا لوحدتنا الترابية، نعارض بنتائجه مفتعل الأقاويل، وندحض بحجته البالغة ما ترمى به مغربية صحرائنا من ترهات وأباطيل.
وقد عهد بتنظيم هذا الاستفتاء إلى منظمة الأمم المتحدة، وانطلق مسلسل إجراءاته منذ ما يقرب من سنتين، وكانت المنظمة الأممية تتأهب للشروع فيه وقت تزامن مع التاريخ الذي حدد في المغرب لإجراء الانتخابات التشريعية والجماعية، وهذه المزامنة، هي التي جعلتنا نتخوف أن تلهي المعركة الانتخابية الداخلية – التي لا بد منها في كل بلد حر ديمقراطي – رعايانا في الجنوب، وتحول بينهم وبين أداء أول الوجبات المتمثل في تأكيدهم عن طريق الاستفتاء انتمائهم إلى الوطن الأب.
ودرءا لهذا الخطر، كنا قررنا إجراء استشارة شعبية، طرحنا فيها عليك شبعنا فكرة إرجاء الانتخابات إلى موعد آخر، حتى نضمن الحفاظ على الانسجام الوطني الضروري، وكان أن وعى شعبنا ولله الحمد قصدنا، فقبل بالإجماع هذا التأجيل.
وهكذا استمر مسلسل الاستفتاء يجري على وتيرته، إذ توجهت بعثات المنظمة الأممية للصحراء، واستقبلنا بنفسنا أكثر من مرة موفدي الأمين العام، وكان كل شيء يؤذن باقتراب موعد الاستفتاء، لولا أن القدر جرى بما لم يكن في الحسبان باندلاع أزمة الخليج، التي انقطع إليها مجلس الأمن، ومرجئا النظر فيما عداها، ومن بينه ملف الصحراء.
ونحن على اتصال مستمر بالأمين العام الأممي، يحدونا الأمل في أن يطوي ملف الصحراء طيا نهائيا بالاستفتاء، خاصة وتقارير هذا الملف الأخيرة تشارف نهايتها.
إننا نعتزم على إثر الاستفتاء – وفي أقرب أجل تنظيم الانتخابات التي اضطرتنا الظروف لتأجيلها، بيد أن الوقت الذي مضى لم يذهب سدى، ولم يمر عبثا، فقد كان ما حفل به من وقائع وأحداث، مؤشرات توجهنا وتدعونا إلى استخلاص العبر.
إن التحول الذي طرأ على مجتمعنا عميق وجدير بالاهتمام، إذ نشأ بيننا جيل جديد، ونشأت معه خصائصه ومتطلباته المحلة، ولحسن الحظ، ليس ثمة حل يعتمد الاستمرار في سيره، ويشكل في نفس الوقت قطيعة مع ماضينا، على العكس من ذلك، فإن المغرب الجديد، يمضي قدما على مسيره الطبيعي الذي خطته أجيالنا السابقة، وهو الامتداد الذي يرسخه بالانتماء إلى الماضي جيل اليوم، والأجيال المتلاحقة.
إن قيمنا المثلى، ومؤسساتنا المتوارثة، تحتفظ بطابعها المقدس والأصيل، ولن نزيغ عن الاهتداء بنورها، مهما كانت الظروف فهي المنارة التي تهدينا سواء السبل.
ومع ذلك، فمل تحول لا بد أن يحقق انعكاسات مجديا في حياة الناس والمجتمعات، وقد عرف المغرب جيلا كافح وضحى مع جلالة والدنا المرحوم محمد الخامس، لاستعادة السيادة الكاملة، ثم لبناء المغرب الحر المتمتع بسيادته، المسؤول عن مصيره.
ومنذ تقلدنا أعباء هذه الرسالة المتوارثة ممن قبلنا، ونحن نكافح على نفس الطريق، ونرقب بعناية كل ما يتصل ببلادنا من قريب أو بعيد، مقارنين باستمرار ما عشناه في الماضي مع ما نحياه في الحاضر، مستخلصين العبرة من هذه المقارنة، ومستفيدين مما تفرضه علينا من دروس.
ونعتقد أن شرط الصحة لتحقيق هذه الأهداف يكمن في التناسق الضروري بين الأمة وقيادتها.
وإن حرصنا لشديد على توفير حياة سعيدة لشعبنا في ظل الاستقرار والكرامة، وعلى تأمين الانسجام والوفاق بين مجموع رعايانا.
إن الأمل يراودنا، والإرادة السياسية تحدونا، إلى أن نحقق في كل ميدان ما ينتظره منا المغرب الجديد، الذي يولد ونشأ تحت نظرنا، ونرعاه بكامل اهتمامنا وحدبنا.
وفي هذا النطاق فإن على الجميع أن يولي كامل العناية والاهتمام للانتخابات القادمة، التي نعمل جاهدين على أن تجسد نتائجها واقع الرأي العام على حقيقته، وأن تعكس بصدق مطامح شعبنا وتطلعاته.
والملاحظ أن المجتمعات المنظمة كثيرا ما تحدث فيها خلافات عديمة الجدوى، وقد تضر وتؤذي، إذ ينشأ عنا تباعد بين المجتمع المنتاب بها وبين قيادته. ونحن فيما يخصنا – شعورا من بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقنا، لتأمين مستقبل شعبنا، ووعيا منا بمتطلبات التغيير الذي يطرأ على مجتمعنا، ولما لنا من بالغ الاهتمام بتوفير أقصى ما يمكن من الحظوظ للجميع في السلم الداخلي والعدالة الاجتماعية – فإننا سنبقى –مثلما كنا – ساهرين على أن تكون الانتخابات حرة نزيهة، طبقا لما تقتضيه قواعد الديمقراطية الحقة.
وإن عملنا لا ينحصر في القيام بدور الحكم الساهر على احترام قواعد التنافس السياسي، بل يتجاوزه إلى دور الموجه المباشر للعمل والبناء.
وبتأمين شروط الصدق والنزاهة لانتخابات المقبلة، سنكون قد أدينا واجبنا خير أداء. فعلى كل واحد أن يعمل من جانبه لتأدية واجبه بكل يقظة ووعي.
شعبي العزيز:
إننا نحمد الله على نهاية مأساة لبنان الدامية، وما كلل به جهود اللجنة العربية الثلاثية من نجاح مساعيها لتحقيق التصالح الوطني بين فصائل شعب لبنان الشقيق العزيز علينا، والتئامها حول حكومتها في نطاق مقتضيات اتفاقية الطائف، كما نحمده سبحانه على توقف القتال في الخليج، بما وفر من حقن للدماء، وتجنيب المنطقة المزيد من الضحايا والخراب والدمار، وسمح بعودة الشرعية إلى الكويت الذي نزجي إليه تهانئنا أميرا وحكومة وشعبا.
ونحن متطلعون إلى أن يجد الوضع القائم في منطقة الشرق الأوسط الحلول الشرعية بمقتضى الشرعية الدولية، التي يجب أن يخضع التعامل معها لوحدة المقاييس، حتى يرتاح الضمير العالمي كل الارتياح لقرارت الأمم المتحدة، ويرى دائما فيها خير أداة لتحقيق الأمن، وضمان الاستقرار في عالمنا.
وفي طليعة هذه القضايا التي تتطلع إلى تسويتها، القضية المحورية الفلسطينية التي لا يمكن للأمن والاستقرار أن يستتبا في المنطقة بدون حلها بما يضمن لشعب فلسطين المناضل حقوقه الثابتة، بما في دلك حقه في إقامة كيان دولته فوق أرضه المغتصبة.
شعبي العزيز،
لقد دأبنا كلما توجهنا إليك بالخطاب يوم ذكرى عيد العرش، وطيلة السنوات الثلاثين المنصرمة، على إشارة ذكر أب الأمة جلالة محمد الخامس، واستحضار روحه الطاهرة، وإذ نستقبل اليوم الذكرى الثلاثين، نستشعر المزيد من التقيد بهذه السنة الحميدة، لارتباط ذكر والدنا بحصيلة ما أنجزناه أنا وأنت طيلة العقود الثلاثة.
ففي مدرسته السياسية الوطنية تربينا، وبأخلاقيتها الفاضلة اهتدينا، وعلى نهجه الجامع الموفق بين الصرامة في التعلق المثل والمبادئ والمرونة في تطبيقها درجنا، مما قرن ذكره – بعيدا عنا مثلما كان بيننا – بتحقيق الآمال وإنجاز الأعمال.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد اختاره لجواره قبل أن يحقق جميع ما كان يصبو إلى تحقيقه، فإننا أخذنا من يده المشعل مضيئا وهاجا، مُقَفِين على أثاره، مستلهمين من مواقفه وأفكاره، إنه وإن غاب جثمانه ما يزال بيننا، نستظل بروحه الطاهرة، ونتملى باستحضار سيرته العاطرة.
فاللهم نسألك أن تثيبه إثابتك المخلصين من عبادك المخلصين، بتبويئه مقعد صدق مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.
ولما كانت العقود الثلاثة المنصرمة كما أسلفنا حالة بالبطولات التي سجلها هذا البلد الأمين صفحات غراء في سجل التاريخ، واصطبغ نصفها بما حفلت به ملحمة استرجاعنا صحرائنا الغربية من الاستعمار بتضحيات كل فرد من أفراد أمتنا، وبفضل تلاحم صفنا، وتناغم المشاعر بيننا وبين شعبنا، فإن من واجبنا أن ننوه بروح التضحية والتضامن التي طفح بها قلب كل مغربي ومغربية منذ انطلاق المسيرة الخضراء الشعبية.
إننا نعلم أن شعبنا سيظل وفيا لقسمه لتثبيت شرعية استرجاع صحرائه، ومصمما على أن يكون الاستفتاء المقبل مؤكدا لوفائه.
وإن قواتنا المسلحة الملكية وقوات الدرك الملكي والقوات المساعدة المرابطة في ثغر الصحراء، لتستحق منا تنويها خاصا، وهي التي ظلت ثابتة الجأش، يقظة البصر والبصيرة لحماية ذلك الجزء من وطننا الغالي، وصونه من كل عدوان.
إننا نعرب لها عن مشاعر التقدير، ونبعث لها برضانا الأبوي المفعم بالمحبة، ونشيد ببطولتها واستماتتها في أداء واجبها المقدس.
كما نسترحم الباري جل وعلا أن يتغمد بواسع رحمته شهدائنا الأبرار الذين فدوا بأرواحهم الوطن، كي يظل محصنا منيعا، مقتعدا بين الأوطان الماجدة مقاما رفيعا.
وأسألك اللهم أن تحفظ هذا البلد من آفات المحن، وان تحصنه من غوائل الفتن، وأن تديم عليه نعمة الاستقرار، وأن تطبع آصرة الود القائمة بيني وبين شعبي بطابع الدوام والاستمرار.
اللهم إنك تعلم أن قلبي يخفق بالإخلاص لشعبي، وأنه يقتعد في نفسي المكان المكين، وأن تعلقي بإسعاده تعلق وطيد، فأسألك اللهم أن تمدني من عونك وقوتك بما أقوة به على مواصلة الوفاء لعهده، ومتابعة إعلاء شأنه، وترسيخ مجده. إنك سميع بصير مجيب الدعاء: ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء).
                                              صدق الله العظيم
                                         والسلام عليكم ورحمة الله


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here