islamaumaroc

خطاب أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني بمناسبة مرور 14 قرنا على نزول القرآن الكريم.

  الحسن الثاني

العدد 283 رمضان 1411/ أبريل 1991

الحمد لله
والصلاة والسلام على رسول الله
أيها المسلمون:
في مثل هذه الليلة المباركة السعيدة، منذ أربعة عشر قرنا، وصل الله الأرض بالملأ الأعلى، فتنزلت الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر، وبدأ الحق سبحانه يوحي إليه نبيه المصطفى المختار، آيات قرآنة، ومعجز بيانه، مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فكان هذا الحدث العظيم، الذي تحتفل به الشعوب المؤمنة بالإسلام، المطمئنة بثلج اليقين، المتمسكة بهدى المبين، احتفالا يصل الحاضر بالماضي ويؤكد الدلالة على رسوخ العقيدة، ويصدق قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
إذا كان احتفال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بهذه الذكرى، يرمز إلى بقاء هذه الصلة واستحكامها، وإلى تمكن العقيدة الإسلامية من نفوس المسلمين الأوفياء لدينهم، المخلصين للمبادئ السامية، والقيم المثلى التي شرعها هذا الدين الحنيف، وإلى خلود الذكر الحكيم ودوامه أبد الآبدين، فإنه بالإضافة إلى هذا كله برهان على ما للمسلمين كافة والمؤمنين أجمعين من إدراك لعظمة الحدث الذي فرق بين عهدين، وفصل بين عصرين، وأقام بنيان الدنيا على أساس جديد، وخلق من الأمجاد ما هو مؤثل ومديد.
لقد نزل القرآن، على النبي العظيم، فأشرق النور مبددا للظلام، وانتصر العلم على الجهل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، والعدل من البغي، وكان للدعوة الإسلامية التي أطاحت بالأوضاع المدخولة، وقومت الاعوجاج والزيغ، واستأصلت الفساد، وقوضت أركان الطغيان، كان لها الدوي الذي تجاوز حدود الجزيرة العربية إلى ما حولها، والأثر البليغ الذي امتد إلى أقطار وأقطار، وسرى في شعوب وشعوب، فانتشر الإسلام وشاع، ونبه شأن المسلمين، وهبت ريحهم وطار صيتهم وذاع، فلم يلبث وجه المعمور بما كان بهذه الدعوة السامية الرسالة الخالدة من مفعول ومضاعفات وتحولات، أن تبدلت ملامحه، وتجددت سيماه وتقاسيمه، فبرزت الدنيا في ثوب غض قشيب، وإهاب ناضر عجيب، ولم تمض إلا أعوام معدودة على إتمام الدعوة والتبليغ، وكمال الوحي والتنزيل، حتى أعلى الله كلمة الإسلام والمسلمين، وفتح فتحه المبين، ومكن للمؤمنين في طول الأرض وعرضها، فخلفت الدولة الإسلامية الناشئة دولا كان لها قبل انتشار الإسلام شأن في الدنيا عظيم، وجاه واسع، وكلمة مسموعة، وأمر نافذ مطاع، فامتدت بامتداد المحمدية أسباب سلم إسلامية، دعائمها أمثل المبادئ وأسمى القيم، وأفضل المقاصد والأهداف، وقامت على تعاليم الدين الحنيف أركان حضارة، أضاءت بنورها أرجاء الشرق والغرب، ووثبت بالإنسانية الوثبة الميمونة نحو الرقي والازدهار في مختلف الميادين وجميع المجالات، لارتكازها على العدل والحرية والمساواة، ولانقطاع المسلمين على اختلاف أجناسهم وتعدد أنسابهم إلى الاستيعاب والتفكير والابتكار والتصنيف، والتأليف والتعليم والتلقين والتثقيف.
ومضى على الإنسانية ردح من الدهر سارت طواله في ظلال القرآن، وتحت راية الإسلام، سيرا ثابتا موفقا، وخطت فيه خطوات رشيدة مسددة، وأفادت خلاله الفوائد الصالحة الجمة، وكسبت في أثنائه المكاسب الجميلة الغزيرة، بيد أن المسلمين أتى عليهم حين من الدهر، تداعت في نفوسهم فضائل الإيمان، وتضاءلت في قلوبهم محاسن الإسلام، وغابت عن أذهانهم تلك المبادئ والقيم التي صلح بها أولهم، فأحذ ذلك البنيان الشامخ الذي أقامته الأجيال الصالحة يتصدع شيئا فشيئا، وينهار يوما على يوم، وتفرقت كلمتهم بعد اجتماع، فتبدد شملهم بعد ائتلاف واتحاد، وتقاسمتهم الأهواء، فانقسموا، وغلبت عليهم الشهوات، فغلبوا، وتوانوا وتواكلوا، ووهنوا وضعفوا واستكانوا، فخفت صوتهم، وخبا نورهم، وتقلص سلطانهم، وأدبرت دولتهم،  وانحسر ما كان لهم من جاه ممدود، ونفوذ محمود، وانتقل ما كان لهم من شأن إلى غيرهم، وغدا ما كان لهم من قول مسموع، صادرا عن ألسنة من ناصبوهم العداء، وأخذوهم بالبأساء والضراء، حتى أهانهم من كان زمنا طويلا غفلا بين الأمم غير موسوم، وخاملا غير ملحوظ ولا معلوم وأصبحوا فريسة لأطماع الطامعين، ولقمة سائغة للغزاة المتربصين، وبقي أمرهم على هذه الحال يعانون مرارة التفريط والتقصير، ويكابدون زمنا آلام العار والشنار، إلى أن قيض الله للأمة الإسلامية من استثار هممها، ودلها على الصراط المستقيم، وأهاب بها إلى سلوك النهج القويم، ودعاها إلى استقبال ما استدبرته من أمر، وبعث في نفوسها الأمل، وأعاد إليها الثقة المفقودة، وحرك في قلوبها الإيمان بالحق الضائع، وذكرها بالواجب المفروض، فتحركت حيثما وجدت بقية من صلاح، وألفيت جذوة من عزم، واستقر نصيب من حب في فك الأغلال، وحظ من رغبة في التخلص من القيود والآصار، فلم تلبث التضحيات المبطولة هنا وهناك، والمساعي الحميدة في هذا القطر وذلك، أن آتت ثمارها المنشودة، وأسفرت عن نتائجها المحتومة، إلا أن الاستعمار لم يلق عصا التسيار، ولم يقنع من الغنيمة بالإياب، فأحذ كل يوم بقناع، ويتلون كل آونة بلون، ويكتسي حسب الظروف والأحوال كل حين بلباس، وفات المسلمين الذين استرجعوا مل سلبوا من حق، واستعادوا ما فقدوا من حرية، أن يواجهوا هذه المعركة الجديدة بقلب واحد، وإيمان جامع، واتحاد شامل، وعزيمة ماضية، لا سبيل إلى تفتيتها، وقوة شكيمة لا مجال لتشتيتها، فسلكوا الطريق الهين اليسير، بدلا من سلوك النهج العسير، ولم يحكموا عقولهم وبصائرهم، ولم نظروا في عواقب أمورهم النظر البعيد على الرغم من محاولة إيجاد تآلف بينهم وتضامن، وأورث الخلاف بينهم الضغائن والأحقاد والإحن، وخلف الحزازات، وأوغر الصدور.
ثم كانت النكبة التي لم يكونوا لها متوقعين، ولا لمصابها منتظرين، فامتحنوا امتحانا غير يسير، وانتهكت الحرمات المقدسة، وحل بديارهم الشقاء والبلوى، وضامهم من لا عهد له ولا ذمام ولا ضمير. بعدما أهدرت القيم المتواضع عليها أيما أهدر، وداس المبادئ المتفق عليها كل متغطرس جبار، وها هم العرب كافة والسلمون قاطبة، يعانون من ويلات هذه النكبة ما يذيب القلوب كمدا، ويفتت الأكباد لوعة وألما، لا نصير لهم إلى الله اللطيف يعباده، ولا ظهير لهم إلا أن يتمسكوا بالعقيدة المثلى، والإيمان الصادق، ويأخذوا بالمبادئ، ويتشبثوا بالقيم التي جعلت منهم خير أمة أخرجت للناس (وعد الله الذين آمنوا منك وعملوا الصالحات، ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الدين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).
فإذا آمن المسلمون، واتقوا وعملوا الصالحات، واجتنبوا ما نهو عنه، وخلصت نياتهم، وسلمت طواياهم، وصحت عزائمهم، فإن من يتق الله يجعل له من أمره يسرا، وإن الله لا يخلف ما وعد به عباده العاملين للصالحات، والمؤمنين بما أوحى إلى نبيه الأمين من آيات بينات، وسرو محكمات، فكلما اجتمعت كلمة المسلمين على التقوى وصفت قلوبهم، واستهدفوا الخير والعمل الصالح، كان الله من ورائهم ظهيرا، ومعينا ونصيرا، وبلغوا أسنة الدرجات، وأجمل المقاصد والغايات، وكلما تفروقا شيعا، وذهبوا طرائق قددا، وخذل بعضهم بعضا، وتنكروا للمبادئ القويمة التي قام على دعائمها صرح نهضتهم المنيف، وشامخ مجدهم التليد، وجد العدو المتربص بهم الدوائر إلى صفوفهم مدخلا، وإلى قلوبهم سبيلا، وألب بعضهم على بعض، وأحدث بينهم العداوة والبغضاء، والشقاق والشحناء، وأضعف قواهم، وفل غرب عزائمهم، وصرفهم عن المقاصد والأغراض التي تستهوي النفوس الأبية، والعقول المتبصرة.
وتفاديا لاتساع الخرق، ودرءا للمكاره، وحفظا للكيان، وصونا للكرامة، وإمساكا للمقاليد والزمام، وانتصارا على المحن والشدائد، فإن علينا أن نرجع إلى أنفسنا محاسبين، ونتناول بالنقد والتمحيص ما نأتي من الأمور وما نذر، وما نبدئ فيه ونعيد، حتى لا يصدر عنا من الأعمال والأقوال ما يشين سلوكنا وتصرفاتنا من النقائص والعيوب التي ينكرها الإسلام، ويدينها محكم التنزيل والفرقان، فإن من شأن هذه النقائص والعيوب، أن تعرضنا لصروف الدهر وغيره، وفواجعه وأزماته.
وإننا لنستعيذ بالله في هذه الليلة المباركة التي هي سلام حتى مطلع الفجر، وفي هذا الاحتفال بأعظم حدث وأسماه، وأجله وأسناه، من كل نعمة يتلوها بطر، ومن كل جاه محفوف بمكروه غير مقرون بتبصر وحسن نظر، ولقد أوضح لنا الله في كتابه المبين، الطريق السوي والنهج اللاحب: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلك وصاكم به لعلكم تتقون).
فاللهم إننا نعوذ بعزتك – لا إله إلا أنت – أن تضلنا ونسألك الهدى والتقى، ونستهديك لأرشد أمرنا، ونستجيرك من شر نفوسنا، اللهم لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم إن عبادك الضارعين إليك، المبتهلين إلى كرمك وجودك وعظمتك وجلالك في هذه الليلة الغراء التي شرفتها وخلدتها وجعلتها خيرا من ألف شهر، يسألونك الصلاح والرشاد، ويستوهبونك التوفيق والسداد والنصر، والتمكين والهداية في المهتدين، غير ضالين ولا مضلين.
اللهم إن عبادك الذين أمرتهم بالتوحيد، يتوسلون إليك بسر قرآنك الكريم، الذي يحتفلون اليوم في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى تنزيله ووحيه، أن تنعم وأنت خير من أنعم وجاد، بلم شعتهم، وجمع كلمتهم، وتوحيد صفوفهم، والتأليف بين قلوبهم، وتطهير سرائرهم، وتمتين عرى الإيمان في نفوسهم، وكشف بلواهم، وإذهاب الحزن عنهم، فإنك اللهم الملجأ والملاذ، والمَفْزَعُ عند الملمات الشداد.
ربنا اجعلنا من الذين قلت فيهم وقولك الحق: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here