islamaumaroc

عيد العرش المجيد عيد الابتهاج والاعتزاز [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

يقبل شهر مارس من كل سنة، ويستبشر به كل مغربي ومغربية، لما يصحب معه مناسبة من أحب المناسبات الكريمة، ويحمل من بشرى وذكرى من أحب وأعز الذكريات الوطنية، إنها مناسبة حلول عيد العرش المجيد، الذي يخلد ذكرى تربع أمير المومنين، وحامي حمى الوطن والدين جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين.
هذه الذكرى العظيمة التي يبتهج لها المواطنون في كل أقاليم المملكة، تكتسي هذه السنة طابعا خاصا ومكانة متميزة، باعتبارها الذكري الثلاثين لهذه المناسبة الغالية التي تقلد فيها جلالته مسؤولية الأمانة الكبرى، وتتوج بالخلافة والإمامة العظمى التي تحفظ لهذا البلد الكريم، وترعى له مصالح الدنيا والدين في كل الميادين.
فقد شاء الله لبلد المغرب العزيز أن تتكون فيه دولته الإسلامية بشخصيتها الكاملة المستقلة منذ ما يربو عن ألف ومائتي سنة، تعاقب فيها على حكمه أسر شريفة تنتسب لبيت النبوة وذريته الطاهرة، وتخلص لله وتجاهد في سبيله، وتنصح للوطن والأمة، منذ عهد الدولة الإدريسية وإلى عهد الدولة العلوية الشريفة، أبد الله فيها الملك والخلافة، والإمامة، وأبقاه في أسرتها وذريتها وأعقابها ما تواصلت العهود وتوالت العصور.وكان من فضل الله سبحانه ورحمته بهذا البلد الكريم، ومنته الكبرى على هذا الشعب المغربي العظيم أن هيأ له هذه القيادة المومنة، ويسر له هذه الريادة الرشيدة الحكيمة، الصالحة المصلحة، التي ترعاه بدين الإسلام، وتحكمه بشريعة القرآن وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وبما أوجب الله من السمع والطاعة لأولي الأمر في الإسلام، التي يعتبر التمسك بها تدينا لله وعبادة، وخلقا وفضيلة، كما نصت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة.
وإذا كان العرش المغربي يقوم على ذلك الأساس الإسلامي المتين والمرتكز الديني المكين، القائم على البيعة الشرعية، وما تكونه من روابط ووشائج بين الراعي والرعية، وعلى الشعور الاجتماعي السليم، والوعي الناضج المتأصل والعميق بذلك المرتكز والأساس، وكانت كل دولة من الدول التي تعاقبت على عرش المغرب وملكه وسيادته، قد وضعت لبنتها في بناء هذا المغرب العزيز، وتشييد صرحه الشامخ، وتثبيت معالمه البارزة وشخصيته المتميزة، فإن الدول العلوية الشريفة، وعلى مسيرة ومدى أزيد من ثلاثة قرون، قد أكملت بناء ذلك الصرح وأتمت تشييده على أسس ودعائم قوية، مكنته من الحفاظ على وحدته واطمئنانه، وأمنه واستقراره، فواصل ملوكها الأبرار، وأمراؤها الأخيار مسيرة البناء والتشييد في كل مجال، والنماء والتجديد في كل ميدان، وحملوا راية الجهاد والنضال، ومقاومة كل تيار أجنبي أو دخيل من الاستعمار، فحافظا للمغرب على كيانه وشخصيته، واستقلاله وحريته، ومجده ووحدته، وتراثه وأصالته، وحضارته ونهضته، وعلى رأسهم أبو النهضة المغربية ورائد حركتها الوطنية والإصلاحية، الذي أعاد للمغرب حريته واستقلاله، فقيد العروبة والإسلام وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وجعل جنة الفردوس مقامه ومأواه.
وإن العهد الحسني الزاهر، الذي يستظل المغرب بظلاله الوارفة، ويهنأ وينعم بأيامه الهنية السعيدة، ويحتفل هذه السنة بتخليد الذكرى الثلاثين لاعتلاء جلالة الحسن الثاني على عرش أجداده المقدسين، ليعتبر واسطة عقد هذه الدولة العلوية الشريفة، ودرتها الثمينة، ومفخرتها الخالدة، فقد واصل جلالته مسيرة الجهاد الأكبر على الصعيد الوطني والعربي والإسلامي، منذ أن ألقى الله إليه مقاليد الأمور بهذا البلد الكريم، وتابع مسيرة التشييد والنماء والعمل الذي لا يعرف الكلل والملل للنهوض بهذا البلد الأمين واستكمال وحدته الترابية، وخدمة قضايا العروبة والإسلام والمسلمين، وبما آتاه الله من إيمان ويقين، وحول وقوة، وبما أعطاه الله من حكمة وفراسة، وبصيرة نافذة، ومنحه من سداد الفكر وبعد النظر وحسن الرأي والتدبير، في ظروف وعقود تسارعت فيها المشاكل الطارئة وتشابكت فيها القضايا النازلة، وتتوالى فيها التقلبات الاجتماعية والاقتصادية في كل أنحاء العالم، وتقتضي قيادة سفينة الوطن فيها مهارة وحنكة فائقة، وحكمة ودراية متناهية.
وإن تخليد هذه الذكرى والاحتفاء والابتهاج بها لهو تعبير صادق عما يكنه هذا الشعب المغربي الوفي لعاهله المفدى وعرشه العلوي المجيد من حب وولاء وإخلاص ووفاء، ويلهج به من شكر وامتنان لجلالته على ما يحققه لأمته في تواصل واستمرار من عظيم المنجزات التي تواكب هذه الذكرى، وجليل الأعمال التي تقتضيها الأمانة العظمى والإمامة الكبرى من حفظ الدين، وحماية سيادة البلاد، وتحصين ثغورها وإقامة العدل، والتزام المساواة بين الرعية في الحقوق والواجبات، وإشاعة روح الرفق والإحسان بين الناس، ونشر الوعي الديني ونشر الثقافة الإسلامية ومقوماتها الأصيلة، وهي مرتكزات وأسس قويمة تعتبر الهدف الأسمى والمقصد الأسنى لجلالته في كل وقت وحال، بما يحقق لوطنه وشعبه المزيد من التقدم والازدهار، والرخاء والاطمئنان، فإنما الإمام جنة يتقى به (أي وقاية وحفظ وأمان للأمة من الشرور والفتن) كما قال عليه الصلاة والسلام.
لم يكن هذا الجهاد الأكبر المتواصل الذي حمل جلالته لواءه منذ ولاه الله مقاليد هذه الأمة، وعلى مدى سنة، وقبل ذلك يوم كان وليا للعهد إلى جانب والده المنعم بكرم الله، ليقتصر على رعاية بلده، وينحصر في شؤون وطنه، بل كان دائما يتعداه ويتجاوزه إلى الاهتمام بالأمة العربية والعناية بالأمة الإسلامية جمعاء، وبقضاياها المصيرية المشتركة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، والقدس الشريف، والمسجد الأقصى، ويعتبرها كما قال جده المعظم صلى الله عليه وسلم: مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وكالبنيان يشد بعضه بعضا.فكان حفظه الله يبادر إلى الدعوة لعقد مؤامرات القمة العربية والإسلامية واحتضانها، ويحرص على حضورها والمشاركة فيها كلما حزب الأمة العربية والإسلامية مشكل طارئ أو أمر هام، ويسعى لرأب الصدع وجمع الشمل وتوحيد الكلمة، صيانة للوحدة، وتقوية للأواصر الأخوية، وتحقيقها للإصلاح والتوفيق بين الأشقاء في الأمة العربية والإسلامية، ودفعا لشر كل خلاف أو نزاع وفرقة، وسعيا في تحقيق العزة والكرامة التي أثبتها الله لأمة الإسلام.ومن أبرز الجهود المثمرة في هذا المضمار، وما كان لها من حميد النتائج وطيب الآثار، ما تحقق على يدي جلالته منذ سنتين على أرض المغرب المعطاء بمدينة مراكش من إنشاء اتحاد دول المغرب العربي، الذي ظل معقد الآمال ومطمح الأنظار للدول والشعوب المغاربية، وقطع أشواطا بعيدة، وخطا خطوات هامة مباركة، لما فيه خير دول الاتحاد، وتقدم شعوبها المتكاملة، وخير العالم العربي والإسلامي كله، وما الحرب المؤسفة والمؤلمة التي تدور رحاها في منطقة الخليج في هذه الأيام، والتي تقض مضجع كل مسلم ومسلمة، وتشغل قلبه وباله ليل نهار، وما بذله جلالته من مجهودات صادقة، وقدمه من آراء ومبادرات بناءة، لتجنب هول الكارثة، وتفادي عواقبها الوخيمة، إلى مثال لاهتمامه الكبير، وعنايته الفائقة بأحوال وقضايا الإسلام والمسلمين، والحرص على حفظ قوتهم المادية والمعنوية والاجتماعية والاقتصادية، وأخوتهم الإسلامية.
إنها الريادة الحكيمة، والقيادة الرشيدة، والنظرة الواعية المتبصرة والروح الإسلامية المومنة التي تطبع عهد الدولة العلوية بصفة عامة، والعهد الحسني بصفة خاصة، والتي صانت لهذا البلد وشعبه شخصيته وحريته، وكرامته ووحدته، وحفظت له توازنه في الجمع بين العمل لدينه ودنياه ورفعت مكانته واعتباره في دنيا الناس بين كافة الشعوب والأمم. وجعلته يعيش في ظل ملكية دستورية تضمن له الحقوق، والعدالة، والديمقراطية.
إنا الروابط المتينة والوشائج والعرى الوثيقة التي تجمع بين العرش العلوي المجيد وبين شعبه الوفي الأبي الذي ظل وفيا لملكه وعرشه، ملتحما به ومتشبثا بأهدابه، مضحيا في سبيله ومن أجله بكل غال ونفيس، ملبيا لدعوته وندائه، ومستجيبا لأمره وطاعته، يبادله حبا بحب، ووفاء بوفاء، وإخلاصا بإخلاص، مما حقق لهذا العرش العلوي المجيد، ولشعبه وبلده المسلم السير الطبيعي على النهج الإسلامي القويم، وضمن له البقاء على الصراط السوي المستقيم، الذي جعله ينعم بالرخاء والاستقرار، ويسعد بالأمن والاطمئنان الذي وعد الله به عباده الصالحين من أمة الإسلام عندما قال سبحانه: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) وقوله سبحانه:
( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).
فبارك الله في حياة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، وأمد في عمره، وأدام نصره، وعزه، وحقق أمله وسعيه، ومتعه بموفور الصحة والعافية، وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم، وأقر عينه بولي عهده الأمجد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد صاحب السمو الملكي مولاي رشيد، وكافة أسرته الملكية الشريفة، وأعاد الله على جلالته أمثال هذه الذكرى وعلى أسرته وشعبه، وهو يرفل في حلل السعادة والهناء، وإنه سبحانه سميع مجيب.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here