islamaumaroc

ثلاثون سنة من الجهاد الأكبر لرائد التحديات وصانع المسيرات الحسن الثاني

  مقدم بوزيان

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

عندما يتعلق الأمر بالحديث عن عظماء التاريخ، وجلالة الملك الحسن الثاني في قمة هؤلاء العباقرة العظماء الخالدين، الذين تغنى بهم التاريخ، فإن أول شيء يتبادر إلى الذهن بادئ ذي بدء – وقبل سرد بعض مواقفهم ومنجزاتهم –تلك الحقيقة التاريخية الهامة التي يقرها المنطق والتي أكدها الإسلام وهي أن للعظماء عمرين اثنين: عمرا واقعيا وحقيقيا ومعاشا، وعمرا مجازيا ومعنويا يبقى خالدا في ذاكرة التاريخ.
فانطلاقا من هذه الحقيقة الدينية والمنطقية التي تمنح عظماء التاريخ عمرين اثنين كما أسلفنا، وانطلاقا أيضا من هذه المناسبة العظيمة، مناسبة الذكرى الثلاثين لعيد العرش المجيد، عيد الولاء والوفاء لأمير المومنين، رمز السيادة والوحدة الوطنية، وعيد ذكرى جلوس جلالته على عرش أسلافه المنعمين، الذين استجابوا لنداء الله والوطن، وخاضوا المعامع والمعارك في كل ميدان، فلم تنكس لهم راية، ولم ينهزم لهم جيش، أرى أن أقل شيء أشارك به سيدنا المنصور بالله في ذكراه الخالدة هذه، عقب مشاركتي العاطفية والوجدانية التي لا حدود في إطار الجهاد الأكبر طيلة ثلاثين سنة، منذ أن تقلد مسؤولية العرش وفاء والتزاما بأداء الأمانة خير أداء، هذا الجهاد الذي يتطلبه ميثاق البيعة، المتجسم في الآية الكريمة:( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).
نعم، إن الذي يتتبع ويستقرئ حياة أمير المؤمنين منذ أن شب إلى الآن، ليدرك بعمق أنه فعلا من عظماء التاريخ الذين منحوا عمرا مزدوجا، سواء تعلق الأمر بحياته وأعماله وتضحياته إبان الحركة الوطنية بجانب والده الكريم، وهو المعبر عنه بالجهاد الأصغر اقتباسا من المأثور عن جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وذلك قبل أن يتقلد جلالته مسؤولية العرش أو تعلق الأمر بمنجزاته بعد وفاة والده المنعم، وبعد أن تقلد مسؤولية العرش سنة إحدى وستين وتسعمائة وألف، وهو المعبر عنه بالجهاد الأكبر.
والحديث في هذا وذاك، حديث طويل وطويل جدا، وقد سجله التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز في صفحات الأعمال الخالدة، لتنضاف إلى المعجزة المغربية.
وحسبنا هنا، ونحن نعيش صدى عيد العرش المجيد، أن نلم ولو إلمامة خفيفة ببعض المواقف التي تخلد الأعمال الكبيرة لجلالة الحسن الثاني حفظه الله، والتي هي حصيلة جهاد ثلاثين سنة من1961 إلى 1991.
ذلك أن أهم ميزة يتميز به عهد جلالته من الستينات إلى الوقت الحاضر، هو أنه عهد البناء والتشييد والمنجزات، بعد عهد التأسيس الذي قاده والده المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وهو بجانبه يتدرب على تحمل المسؤولية.
ومن المعلوم تاريخيا في إطار السياسة العمرانية لدولة ما، هو أن عهد البناء يعتبر أشق وأصعب مرحلة من مراحل عمر الدولة في علم التاريخ والاجتماع: هنا يكمن بيت القصيد بخصوص عبء المسؤولية الملقاة على كاهل جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله ونصره. فكلنا نعلم أن الأجل المحتوم لم يمهل المغفور له محمدا الخامس طيب الله ثراه حتى يتمم وينفذ ما كان قد خططه وصممه من أسس البناء والعمران، سياسيا ووطنيا وديمقراطيا واقتصاديا وروحيا، بل إن يد المنون اختطفته بغتة، فبكاه الشعب بكاء مرا، ثم وجد عزاءه الأكبر في وارث سره جلالة الملك الحسن الثاني، الذي حل محل والده، ليواصل البناء، وينفذ المخطط، فكان خير خلف لخير سلف (وكان الشبل من ذلك الأسد)، فكان عهده عهد بناء وعمران في مختلف المجالات الدينية والسياسية والوطنية والديمقراطية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والعلمية، ويمكن إجمال ذلك في ميدانين رئيسيين هما: الميدان الروحي والإنساني، والميدان المادي والاجتماعي.
ففي الميدان الروحي: حافظ جلالته لشعبه على شخصيته الإسلامية، ومقوماته الحضارية العربية، وأصالته العريقة، فأنشأ جلالته مؤسسات للمحافظة على كتاب الله وسنه رسوله.ويتمثل ذلك في التعليم الأولي، والتعليم الأصيل، ودار الحديث الحسنية، وإحياء التراث الإسلامي، والمحافظة على وحدة المذهب، وإنشاء المجالس العلمية، وإحياء الكراسي العلمية والجامعية، وبناء المساجد وفي قمتها المعلمة الإسلامية مسجد الحسن الثاني في الدارالبيضاء، وتعميم النوعية الدينية التي يأمر بها كتاب الله وسنة رسوله.
كل هذا، من أجل المحافظة على القيم والمثل والأخلاق الإسلامية الفاضلة، والهوية المغربية
الأصيلة النابعة من نظام ملكي دستوري ديموقراطي، متفتح على الحضارة الإنسانية الحديثة، والتطور التكنولوجي المعاصر.
كما أن جهاد جلالته في هذا المجال الروحي المثالي، جعله ينهض نهضة صحيحة في وجه الأطماع الأجنبية بخصوص وحدتنا الترابية والوطنية، علما من جلالته أن الوطن سياج لحفظ العقيدة والأصالة.
فكانت المسيرة الخضراء لاسترجاع الصحراء، وكانت المسيرات القرآنية، وكانت المسيرة الديموقراطية لإرساء أسس الشورى النيابية، والعدالة الاجتماعية، وتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لصيانة كرامة الفرد المغربي في ظل القانون وتعاليم الإسلام، وكان المجلس الوطني للشباب والمستقبل الذي يهتم بإسعاد رعاياه من شباب هذه الأمة.
وفي مجال جهاد جلالته أيضا، حاول دائما أن يجمع شمل الأمة المغربية والإسلامية، وذلك بعقد عدة مؤتمرات للقمم العربية والإسلامية على أرض المغرب تحت رئاسة جلالته، وكذلك دعا إلى ذلك خارج الوطن المغربي، كما أن جلالته قد وفقه الله إلى تحقيق ذلك الحلم الذي طالما راود شعوب المغرب العربي الكبير، ألا وهو (اتحاد المغرب العربي).
أما في الميدان المادي والاجتماعي: فإن عمل جلالته من أجل الازدهار الاقتصادي، يتمثل في الدرجة الأولى في بناء السدود للنهوض بالفلاحة والزراعة، وفي التصنيع والحركة التجارية داخليا وخارجيا.
ومن أجل جهاد جلالته في مختلف هذه المجالات العمرانية والحضارية، ومن أجل تضحياته إسعاد رعاياه الأوفياء، ومن أجل محافظة جلالته على المقدسات الدينية والوطنية، ومن أجل صيانته لعهد البيعة الذي يعني الحفاظ على الدين ورعاية مصالح الرعية...من أجل جهاد جلالته الأكبر هذا طيلة ثلاثين سنة، وفاء بالأمانة، والتزاما بالمسؤولية، نرى أن الشعب المغربي المتمثل في رعايا جلالته، يكن له كل حب وتقدير، وولاء واحترام، وطاعة وامتثال، امتثالا لأمر الله عز وجل في قوله سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم).
لذا، فاحتفالنا بهذه الذكرى العزيزة، هو احتفال بالنضال والنصر، واحتفال القيم والأصالة، واحتفال بالحرية والديموقراطية، واحتفال بالظفر والثورة ضد كل أشكال التخلف، التي قادها سيدنا المنصور بالله في ظرف ثلاثين سنة، التي كانت حافلة بجلائل الأعمال، وصور التحدي الشامخ، والنضال والصمود، والمآثر والانتصارات، الشيء الذي جعل مغربنا الحبيب في شخص أمير المؤمنين، يحتل وزنه اللائق، ومكانته الرفيعة المرموقة، في مجال القيم والمثل العليا والأخوة الدولية.
وبفضل هذا الجهاد الأكبر الذي أعلنه قائدنا الملهم، وعلمه لشعبه الوفي، إقتداء بجده المصطفى صلى الله عليه وسلم، أصبح مغربنا والحمد لله شامخ الرأس، موطد الأركان، عالي البنيان، لا تؤثر فيه الزوابع ولا ومعاول الأعداء، وأصبح فخورا باستقلاله وبجهاده المقدس في معركة البناء والتشييد، وفي معركة التنمية والازدهار، ومقومات الحضارة الإنسانية والمعالم الإسلامية، التي تشيد هنا وهناك داخل المغرب وخارجه.
جعل الله أيام مغربنا كلها أعيادا خالدة، ومواسم باسمة ناضرة، سائلا الله العلي القدير أن يطيل عمر مولانا الإمام، ويديم له النصر والتأييد ويقر عينه بولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد، وصنوه السعيد المولى الرشيد، وباقي أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here