islamaumaroc

ذكرى عيش العرش

  مصطفى بوذروة

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

إنها ذكرى عظيمة تجسم عواطف الشعب من طنجة إلى الكويرة، ومنذ الأزل القديم وهو يفيض بالحب المكين، والإخلاص المتين للعرش العلوي للمتربع على أريكته.
تلك الذكرى التي تشخص الملك والشعب وهما ينصهران على مدى الزمان في بوتقة يظللها الفيض الرباني، ويجللها النور الروحاني، معطرة بقدسية الله، ومضوعة من ملائكة السماء، مضمخة بأكاليل من خالص الود، وباقات الزهور.
تلك الزهور التي صانها الله على مر الأيام وتعاقبت الدهور، ومن عامل الزمان الذي أصبحت تنعكس فعاليته من الذيول إلى الغضاضة، وإلى النضارة واليفاعة.
ولا غرابة فالعرش العلوي سليل العثرة النبوية، وفرع الدوحة المحمدية، التي ألقت بظلالها على سماء المغرب والمغاربة اللذين حباهما الله لتلقي هذا المشعل النبوي من يد سبط الرسول عليه السلام، وهو المولى الحسن بن القاسم، وكان ذلك في أواخر المائة السابعة من الهجرة.
منذ هذا العهد، والشرفاء العلويون يعيشون في ثنايا قلوب المغاربة التي تاقت إلى تلك العثرة عن طريق تعانق الأرواح قبل اتصال هيكل الأشباح متمثلة ما جاء في الخبر"نحن قوم قد تحاببت أرواحنا قبل نشأة آدم".
نعم، لقد تألقت أرواح المغاربة بالسلالة العلوية قبل المناداة بالدولة ولا بالملك بأربعة قرون.
السر الذي ظل لَغز الأسرار، منغلقا اكتناهه عن طريق اقتحامه بالأفكار، إلى ما كان من بعض تصوراته المتمثلة في تساقي الحب المتبادل الذي يغذي شريان الشعب، وملوك تلك الأسرة على امتداد مر التاريخ في مختلف فتراته.
نعم، لقد سجل التاريخ في صفحاته الذهبية لهذه الأسرة المجيدة منقبة لم تسبق لغيرها من الدول
التي تعاقبت على عرش المغرب بعد المولى إدريس الأول، فكل تلك الدول قد عرضت نفسها، ومدت يدها لحمل أمانة الأمة عن طريق ممارسة الملك منذ العهد المرابطي.
والأسرة العلوية ما جاءت إلى المغرب من أجل تأسيس ملك ولا دولة، وإنما جيء بها بطلب من المغاربة لأجل التملي بمزاياها الحميدة، والتبرك بخصالها النبيلة، النابعة من معين النبوة الشريفة، تيمنا منهم بتكثير التمر، وتقوية الضرع. وإخصاب الزرع، ببركة النفحة النبوية التي يومن بها المغاربة منذ الفتح الإسلامي، إيمانا منهم بأن الذهب يطلب من معدنه، والياقوت يجلب من موطنه.
وقد أجابت الأسرة العلوية الدعوة بأريحية كلها سخاء، تاركة الوطن (ينبوع النخيل) والأهل والعشير، ملبية بذلك دعوة المغاربة، وممتثلة للنداء الأزلي نداء الله العلي الخبير.
فجاءت إلى المغرب وهي لا تريد ملكا ولا دولة، ولا جاها ولا صولة، وإنما جاءت استجابة لدعوة المغاربة الذين هم إخوة في الدين، وأمة متعلقة بالسلالة النبوية، لا في خصوص المعتقدات التي تخص الإنسان مع ربه، ولكن في جميع مجالات الحياة التي يعتبرونها عطاءات ربانية ينبغي أن تمر طريق البركة والتبرك بذرية من أجرى الله على يده مفتاح الهداية والرشاد للمسلمين، من بداية الدعوة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وبذلك أشرقت شمس الأسرة العلوية على سجلماسة، وظللتها بشجرتها الباسقة، وتفيأت من ظلالها بأريج عطرها.
وأكبر دليل – إن كان النهار يحتاج إلى دليل، وما أثبته التاريخ جيلا عن جيل – أن المولى الحسن بن قاسم دخل إلى المغرب في أواخر القرن السابع الهجري، والأسرة العلوية لم يناد بها للملك إلا في القرن الحادي عشر الهجري على يد المولى محمد الشريف.
هذا، وقد سجل التاريخ المولى علي الشريف، جد الأشراف العلويين في صفحاته الذهبية، أن أهل الأندلس قد كتبوا إليه يطلبون منه العودة إليهم من أجل نجدتهم، بعدما أخبروه بمقاومة العدو لبلدهم التي أصبحت شاغرة عمن تجتمع عليه القلوب، وتلتف حوله الصفوف، وقد كانوا راودوه وهو مقيم عندهم على أن يبايعوه، ويملكوه عليهم، ملتزمين له بالطاعة والنصرة، وقد رغب عن ذلك ورعا وزهدا، عزوفا عن الدنيا وزخارفها، وأنه إنما يقوم بما يمليه عليه واجبه الديني نحو إخوانه المسلمين، عاجلا مهمته بينهم تتوزع بين رأب الصدع ورعاية مصالحهم، والجهاد في صفوفهم دون تشوف إلى ملك أو جاه.
وهكذا بقي يقوم برسالته تلك، إلى أن هيأ الله لتلك الأسرة أن تأخذ زمام الأمة المغربية بما جباها الله من صفات، وميزها بحلل وهبات، تجعل منها الدولة التي تأخذ مقود المسلمين بهذه الديار، وتجعل قيامها بذلك واجبا دينيا قد ساقته لها الأقدار، وضرورة تدعو إلى الاستجابة لتلقيه ملبية نداء الواجب تحت إلحاح الشعب ورغبته.
ومنذ ذلك العهد، والدولة العلوية ممثلة في ملوكها الميامين الذين تعاقبوا على ملك المغرب، وهي تقود الأمة المغربية بقيادة يظللها الإسلام عقيدة، وطريقة، ومذهبا، وسلوكا، وأن المغرب ظل ينتقل من عز إلى عز، ومن جهاد إلى نصر، باستمرار عقيدته الإسلامية واستقلاله منذ خمسة عشر قرنا خير دليل، (الله أعلم حيث يجعل رسالته) وفي الحديث "من طلب الإمارة وكل إليها ومن لم يطلبها أعين عليها".
وقد صار ملوكها يتعاقبون على عرش المغرب وهم يوطدون دعائم الدولة من جميع جوانبها الروحية والمادية، ويعملون على إشاعة الأمن في جميع ربوع البلاد، باذلين قصارى جهدهم لصالح الشعب المغربي الذي طوقهم عن طريق البيعة أمانة الذود عنه في أيسر الظروف وأحلكها، في مقابلة إسلاسه القيادة لهم عن طريق الولاء والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره.
وبعقد البيعة الذي هو عقد شرعي يمتد جذوره من الكتاب والسنة، تأكد رباط المغاربة بالملوك العلويين بعدما كان رباط الآصرة يمتد قبل ذلك بأربعة قرون، ويعرف من معين الحب النابع من تعلق المغاربة بآل البيت.
علاوة على ما بدا على يدهم من المكرمات، وما اتصفوا به خلال مقامهم بسجلماسة، وتنقلهم عبر مدن المغرب والأندلس من الصفات.
تلك الصفات التي سمت بهم إلى تسلم ذروة المجد، والعزوف عن الدنيا التي كان يعرض أمرها عليهم بين الحين والآخر، والذي كان يتجلى في طلب مد يدهم للبيعة كما وقع للمولى علي المعروف بالشريف الذي تتفرع منه السلالة الملكية.
وخلال هذه المدة التي خبر المغاربة أحوال الأشراف العلويين، وصبروا غورهم عن طريق المحن التي كانت تمر بهم، والتي كانت تجعل منهم أثناء تلك المدة عضوا من جسم المغرب، يحس آلامه ويشكو مرضه، فيعملون على إبعاد كل شبح مخيف بإصلاح ذات البين، مرة عن طريق الهداية والإرشاد، وأخرى بمقارعة السيوف عن طريق الجهاد، وأنه عندما أراد الله انتقال الأمر غليهم تقلدوه على أنه تكليف، دون اعتباره يكتسي صفة الأبهة والتشريف.
وهكذا أصبح المغرب يتبوأ المقام اللائق به في كل عصر من عصوره منذ أول ملك من ملوكها.
وليس من نافلة القول أن نؤكد حقيقة ثابتة زخرت بها بطون الكتب التاريخية وهي: أن من أهم ما قام به الملوك العلويون زيادة على الوسائل العمرانية. وما تحتاجه الدولة من قيم وحضارة هي: الحفاظ على العقيدة الإسلامية بالنسبة للمسلمين، والدعوة إليها بالنسبة لغيرهم داخل المملكة وخارجها.
فقد أثبت التاريخ أن المولى إسماعيل كان يوجه الكتب لرؤساء الدول الأجنبية، ك (لويس الرابع عشر) من ملوك فرنسا وغيرهم، يطلب منهم اعتناق الإسلام، والدخول في حظيرة دينه إسوة بما فعله جده عليه السلام من توجيه دعوة الإسلام إلى هرقل ملك الفرس، وإلى ملك الروم وغيرهم من الدول الأجنبية، انتشارا لدعوة الإسلام.
وما فعله المولى الحسن الأول عند بداية القرن الثالث عشر الهجري، من توجيه كتاب إلى الأمة الإسلامية في مختلف الأقطار، يدعوها إلى التمسك بالإسلام، وبثه في جميع الأمصار.
وما قام به حفيده أمير المومنين جلاله الحسن الثاني في فاتح محرم عام 1401 الموافق 9 نونبر1980، من توجيه كتاب القرن إلى جميع الدول الإسلامية، يدعوهم فيها إلى التمسك بتعاليم الإسلام، وعلى تحكيم كتاب الله في كل ما يحيط بالمسلمين من مدلهمات، وما يلابسها من تعتيم ومشكلات، وما يلوح في الأفق من التحديات والمفاجآت.
وهكذا بقيت رسالة الإسلام المظلة الأساسية لسير شؤون المغاربة من طرف دولة الأشراف العلويين.
رسالة سماوية يقوم بها كل ملك من ملوكها خلفا عن سلف (ذرية بعضها من بعض...) الآية.
وهكذا بقيت تعاليم الإسلام تطبع سياستهم في مختلف عصورهم، فكان النجاح حليفهم في جميع خطواتهم.
وما حادث المسيرة الخضراء التي نادى بها أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني في شهر نونبر سنة 1975، والتي كانت تسير تحت ظلال القرآن، حيث كان كل مشارك فيها يحمل الإيمان في قلبه، وكتاب الله في يمينه.
تلك التعاليم التي ما خاب من تمسك بها، ولا هان من اعتصم بها، والتي تجعل من الشعب المغربي المتشبث بدينه، المتمسك بتعاليمه، يمضي قدما وراء ملكه، الذي يحمل في جميع تحركاته مشعل الإسلام، ويستنير به لحل مشاكله على الدوام.
وما الوصية الخالدة التي تركها أبو الأمة المغربية، جلالة المغفور له محمد الخامس لولده جلالة الحسن الثاني، والوارد فيها: (يا بني، عليك بالرجوع إلى كتاب الله إذا ادلهمت عليك المدلهمات) إلا خير دليل على أن العرش العلوي، يستمد نجاحه وتوفيقه في تسيير شؤون الدولة، من المنهج الإسلامي الذي كتب الله لهذه الأمة أن لا تنفك عنه في جميع خطواتها.
فلا عجب عندئذ أن يتخذ المغاربة ذكرى العرش عيدا وطنيا تتجمع فيه قلوب المغاربة نحو الجالس على العرش، مباركة له خطواته في كل ما يقوم به، في اليسر والعسر، مدينة له بالإخلاص والوفاء، عن طريق الطاعة، في العسر واليسر والمنشط والمكره.
فبارك الله في عرش المغرب، الذي هو ملاذ المغاربة، ينقذهم من الوقوع في المصيدات التي تنصب عن طريق أعداء الإسلام، الذين لا يرضيهم ما وهب الله لهذه الأمة من وافر الخصال، وكريم الفضائل، وشيم الأخلاق، المنبثقة عن الروح الدينية التي نادتهم إلى مد يد البيعة للجالس على العرش بالطاعة والإخلاص، واعتبارا وفائهم لها واجبا مقدسا يفرضه الدين دون مناص، واعتبار وفائهم لها واجبا مقدسا يفرضه الدين دون مناص، وأن هذا مما وفر لهم عبر تاريخ، ومختلف العصور، الأمن والطمأنينة ورغد العيش على مر الأيام والدهور.
فبارك الله لمولانا في عيد عرشه، وحفظه بما حفظ به كتابه، وأقر عينه بولي عهده سيدي محمد، وبصنوه المولى الرشيد، وبسائر الأمراء والأميرات، إنه مجيب الدعوات.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here