islamaumaroc

الجيش المغربي في عهد أبي النصر المولى إسماعيل قاهر الأعداء

  عبد الحق المريني

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

بعد وفاة المنصور السعدي دبت عوامل الضعف في صفوف الجيش المغربي لضياع كثير من القُدُرَات العسكرية في حروب داخلية مزقت وحجة البلاد. فلم يستطع لا رجالات العلم والإصلاح ولا المجاهدون، مثل السملاليين في جنوب المغرب - والدلائيين في وسطه وشرقه، والعياشيين في الشمال وفي الغرب أن يقاوموا المسيحيين المتدفقين على الشواطئ المغربية، والمغيرين عليها، رغم ما بذلوا من جهد جاهد لإيقاف زحفهم. وإذا كتب للغزاة الإسبانيين والبرتغاليين أن يحتلوا شواطئ الغرب وموانئه وحصونه، فإنهم لم يستطيعوا – كما فعل الرومان والوندال من قبل – أن يتوغلوا داخل البلاد المغربية إلا نادرا، لفترة محدودة من الزمن، نظرا للمقاومة التطوعية التي كانت تواجههم من طرف المجاهدين والمناضلين من طلبة العلم وأصحاب الزوايا ورجال القبائل.
وفي هذه الظروف الحرجة من تاريخ المغرب برز العلويون وبدأوا يتحفزون للإعلان عن دعوتهم ونشرها في ربوع المغرب، وانبرى أول ملك في دولتهم المولى رشيد يحارب الحكام الجهويين، ويوحد بين أقاليم المملكة التي فرقت بينها الإمارات الجهوية، حتى أصبح ملكا للبلاد بدون منازع يحكم المغرب من مراكش إلى وجدة.
ولما توفي المولى رشيد تولى الملك أخوه وعامله على مكناس السلطان المظفر أبو النصر المولى إسماعيل بن الشريف أعظم سلاطين العلويين قوة وأجلهم قدرا. فلما تمت بفاس كون الجيوش الحافلة والعساكر الوافرة والخيول المطهمة، ونهض من مكناسة التي اتخذها دار قرار لتمهيد البلاد وقمع الثورات الداخلية وإخضاع العصاة والمترمدين ومنازلتهم بقوة الحديد والنار. ومن حسن حظ المولى إسماعيل أنه ما ثار عليه تأثر إلا وغلبه لقوة شكيمة وشدة بأسه، فطاعت له البلاد بأسرها، وامتدت مملكته من حدود السودان جنوبا إلى ضواحي تلمسان شرقا. ولذلك قال الشاعر من أهل عصره:
ألا قم لمن شق العصا كان يبتغى      ورام هـذا المـلك بالهزم ينسخ
فـمولاي إسـماعيل باز محلق       إذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ
ولم يستطع المولى إسماعيل أن يصل إلى هذه النتيجة إلا بفضل حنكة قيادته العسكرية، وبفضل جيش جرار مدرب أعظم تدريب ومسلح بأقوى سلاح في ذلك العصر.كان الجيش الإسماعيلي العتيد مؤلفا من آلاف المتطوعين الوافدين على مركز قيادته – مكناسة الزيتون – من جميع نواحي المغرب وخصوصا من العناصر الآتية:
- جيش الأودايا: وقد كان معظمهم من عرب معقل، الذين استوطنوا الصحراء، ومن أهل سوس ومن المغافرة.وكانوا يشكلون النواة الأولى للجيش النظامي. وعلى ذكر المغفرة فقد تصاهر المولى إسماعيل مع هذه القبيلة إذ تزوج منها بامرأة اسمها للا خناتة بنت بكار المغافري التي ولدت له السلطان مولاي عبد الله. وقد كانت هذه الزوجة بمثابة مستشارة لزوجها المولى إسماعيل أزيد من ربع قرن، وكانت أيضا فقيهة وعالمة أشرفت على تربية حفيدها السلطان المشهور سيدي محمد بن عبد الله. (كتب عنها كثير من المؤرخين المغاربة، وكتب عنها الأجانب بحوثا في مجلاتهم التاريخية).
- ثم يأتي جيش النار: وهو يتألف من المغاربة والأندلسيين – النازحين من الأندلس -، ومن بعض عناصر اللفيف الأجنبي الذين وقعوا في الأسر، أو تطوعوا في صفوف الجيش الإسماعيلي.
- ثم جيش "الباخر" (البخارى): وهو جيش العبيد أو الحرس الأسود، وهم بقايا العبيد الذين أتى بهم المنصور السعدي لما دخل إلى السودان لنشر الرسالة الإسلامية في هذه الربوع الإفريقية. وقد كانوا أشد عنصر في الحركات العسكرية وخصوصا لما كان يواجه المولى إسماعيل بهم الإسبانيين والإنجليز في الشواطئ المغربية. وقد تلقى هؤلاء الجنود السود تكوينهم العسكري الأول بمكان يدعى"مشروع الرملة" غير بعيد من أبري رقراق، حيث تدربوا على استعمال الأسلحة وركوب الخيول بدون سروج، وعلى الرماية بالبنادق والمدافع، وعلى الحراسة بالليل، وعلى جميع فنون الحرب. وكانوا يدربون على قراءة القصص البطولية كقصة عنترة بن شداد العبسي في الجاهلية.
أما وحدات الجيش الإسماعيلية فكانت تتكون من المشاة (25.000) والخيالة (10.000). وكانت خيولهم من الصافنات الجياد. وكان لكل فرس قيمان: واحد من الأسارى والآخر من العبيد.وكان المشاة والخيالة مقسمين إلى فيالق، والفيالق إلى طوابير.وكان الخيالة دائما وراء المشاة لتعزيزهم في حالة الحرب. أما في حالة السلم فكانوا يقومون بدور الدرك وحراسة المراكز العسكرية. وكان للمولى إسماعيل اعتناء كبير بالخيل حيث أنه بنى قصرا سماه "قصر الخيل". ويقول أخر شعراء عصره (أبو حفص عمر الحراق) على لسان هذا القصر:
أنا قصر العتاق من الجـياد            بنانــــي الله في نحــــر الأعــادي
على يد عبده المنصور حقا           وصلت على القـصور بكــل نادي
وكيف لا أصول على المباني         وإسماعيل قـــد أسمى عمــــادي
وشيــدني بتوفيــق ويمــــن           وعــمرنــــــي بآلات الجهــــــاد
                                                             الخ...
ومن وحدات الجيش الإسماعيلي: الطبجية أي رجال المدفعية، كانوا يرابطون خصوصا في فاس وفي المغرب الشرقي، وكانوا يستعملون المدافع (الذي كان يصنع بعضها بالمغرب بعد تذويب النحاس) والمجانيق والقنابل وآلات الحصار والمتفجرات (المينات). ولما كان الجيش الإسماعيلي يفتح مدينة العرائش وضع هذه "المينات" تحت خنادق سور المدينة لفتح الثغرات فيه، ومن تم اقتحمها ودخل إليها فاتحا.
وليست هذه أول مرة يستعمل فيها الجيش المغربي الأسلحة النارية، بل سبق له أن استعملها في العهد المريني كما وقع ذلك في حصار سجلماسة من طرف الجيش المريني، وفي حصار تلمسان من طرف جيش أبي الحسن حيث كان يستعمل المجانيق التي كانت تقذف بالصواعق وبالكرات الحديدية.
ومن وحدات الجيش الإسماعيلي أيضا "المخازنية" الذين كانوا يشكلون الحرس الملكي لتحصين المدن وحراستها.
وكان المولى إسماعيل يسهر بنفسه على تدريب وحدة المتطوعين في جيشه من شباب قوي متحمس، فيدربهم على الفنون الحربية، وعلى ركوب الخيل بدون سروج، وعلى السباق والرماية. وهو الذي كان يتولى استعراضهم بنفسه ويدفع لهم رواتبهم.
وكان السلطان العلوي يمتاز بخبرة حربية ومهارة كبيرة في قيادة الهجومات ونصب الكمائن، يجعلانه يتبوأ مكانة في صف الفاتحين العالميين كالإسكندر أونابليون. فكان يستفيد حتى من طبيعة الأرض ومن العوامل الجوية كهبوب الريح الذي يساعده على توجيه غبار سنابك الخيل نحو جهة العدو. وكان أكبر بناء للقلاع العسكرية –القصابي).بناها في النقط الاستراتيجية من البلاد ما بين تازة وتارودانت. وكانت ترابط فيها حميات مكونة من المشاة والفرسان.ومن جملة هذه القلاع التي مازالت قائمة إلى الآن: قلعة أكوراي وتادلة ومديونة وسلوان (بالشمال)...
بهذا الجيش المنظم والمجهز والمدرب على فنون الحرب والعراك غزا المولى إسماعيل جميع المناطق الثائرة، وحارب أعداء البلاد وأصحاب الفتنة والعناد، وهدد باحتلال المغرب بالأوسط للوقوف في وجه زحف الأتراك الذين طردهم من بني يزناسن وتلمسان (1638 م) (ق17). وتوجه على رأسه إلى الثغور والموانئ والمرافئ المغربية لتحريرها وحصار محتليها، واستخلاصها من قبضتهم تلبية للرغبة الشعبية ولنداء شعرائه استغاثوا به واستصرخوه:
كقول أحمد بن عبد العزيز العلوي:
افتح قرى للنصارى واسب سبــيهم              وافن طغمــتهــــــم فالله قهــار
بادر وزاحم عــداة الدين في عــدد                لهم من الله أنـــــداد وأظـهار
وألق من جيشك المنصور كــل فتى              كأنه في غمارالحرب إعصار
انصر حمى الدين واكفف من يكايده               لقد سما قدركم واعتــز مقدار
فمن المعروف أنه لما اعتلى المولى إسماعيل العرش المغربي وجد البريجة (الجديدة) وآنفا في قبضة البرتغال، ومدينة طنجة في يد "الإنجليز" ومدن (المهدية) (أي المعمورة) والعرائش وأصيلة وسبتة ومليلية وبادس والجزر الجعفرية في يد الإسبان. فقام بتحرير المهدية (المعمورة) (نسبة إلى المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية) بعد 70 سنة من الاحتلال الإسباني، وبعد أن كانت محتلة من طرف البرتغال من ذي قبل. ثم توجه إلى فتح مدينة طنجة فحاصرها وضيق عليها حتى اضطر الإنجليز للجلاء عنها والفرار في البحر هائما.ولقد كتب قائد الجيش البريطاني الذي خسر طنجة سنة 1685م منوها بالقوات المغربية قائلا: "إنه لم ير أبدا رجالا أشجع من المغاربة في ساحة الحرب، ولا شعبا من الشعوب أكثر يقظة وإقداما وصبرا وقدرة على العمل من الشعب المغربي".
ولما طال حصار المغاربة لمدينة العرائش،  أرسل إليهم المولى إسماعيل جيشه العتيد لحفر الخنادق تحت الأسوار وملئها بالمواد الملتهبة والمتفجرة التي أحدثت ثغرات في الأسوار، وتبادل الجيشان المغربي والإسباني طلقات المهاريس والمدافع الثقيلة، وفرت الجيوش الإسبانية على متين سفنها، ولكنها وجدت البوارج المغربية بصددها، وبذلك دخل الجيش الإسماعيلي إلى العرائش. وأنشد محمد بن عبد السلام بن الطيب القادري قصيدة شينية مشهورة يصف فيها اندحار أعداء الإسلام أمام أبطال الجيش الإسماعيلي، مطلعها:
علا عرش دين الله كل العرائش  وهد بنصر الله حصن العرائش
وأسـلم للإسلام مـن بعد كفره  بوقع سيوف  لا برشوة رائش
وبعد ذلك هاجمت الجيوش الإسماعيلية مدينة أصيلة التي احتلها الإسبان أيضا بعد البرتغال، ونازلتها، وضربت الحصار حولها، وقد ضاق الإسبان بهذا الحصار فولوا الأدبار وانسحبوا منها عن طريق البحر.
ولما طال حصار سبتة 26 سنة، وتطلع المغاربة لاستخلاصها أنشد الشاعر عبد السلام كسوس الفاسي قصيدة يحرض ليها المولى إسماعيل على استرجاع مدينة سبتة:
رفعت منازل سـبـتة  أقـوالها           تشكو إليكم بالذي قد هــالها
عار عليكم أن تــكون أسـيرة           بجواركم وجنودكم تغـزى لها
فابعث لها أهل الشجاعة عاجلا         حتـى تــراها نازلين جبالها...
فتوجهت همة المولى إسماعيل لشن الغارات عليها وحصارها. وبقي المجاهدون المغاربة مرابطين حولها سنين طويلة تخللتها مناوشات وتحرشات متتابعة.
وأمر السلطان العلوي جيشه بشن حملة حصار شديدة حول حصن بادس. وقد أحاط الجنود به واقتحموه واستولوا عليه وكانت جزيرة بادس محل صراع طويل بين قراصنة الأتراك وقراصنة الإسبان للاستيلاء عليها لمكانتها الحربية حيث كانت صلة الوصل بين مدينتي فاس وتازة وبين الأندلس. كما حاصر الجيش الإسماعيلي مدينتي مليلية والحسيمة.
وبعد هذه الحصارات من طرف الجيش الإسماعيلي أصبح المغرب في عهده وفي عهد حفيده سيدي محمد بن عبد الله – أي حتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي – موحدا سياسيا، ومهيبا عند الدول المسيحية بسبب حنكة جيوشه، وبسالة جنوده، وقوة أساطيله.
وقد غنم الجيش الإسماعيلي في فتوحاته هذه عددا كبيرا من الأسلحة والعتاد الحربي من الجيشين الإسباني والبرتغالي، وبنى لها دارا للسلاح بمكناس (الهري)، أودع فيه آلافا من المكاحل والبندقيات والمدافع والسيوف. وكانت بهذه الدار خزائن أخرى مملوءة بالهدايا والتحف التي أهديت للسلطان، و"مطامر" لحزن الزرع والبارود. وكان يحرس هذه الدار أسارى إنجليزيون.
ولم يقف الجيش الإسماعيلي عند هذا الحد بل توجه إلى فتح "ّالسودانّ" بعد أن ضم الصحراء إلى المغرب، ووصل إلى مدينة "تكزال" ودخلها بقوة البنادق والمدافع. وكان هدف المولى إسماعيل من غزو "السودان"هو ضم الأقاليم المحيطة بالمغرب تحت راية الإسلام، وجلب عدد كبير من أبناء "السودان" الأشداء واستخدامهم في وحدات الجيش لتعزيز صفوفه.
بالإضافة إلى ذلك أنشأ المولى إسماعيل وزارة "البحر" وعهد إليها بمعالجة شؤون أسرى الحرب. وقد أسر المولى إسماعيل كثيرا منهم، ومن القراصنة من مختلف الجنسيات.وقد بنى لهم سجنا تحت الأرض، من تصميم مهندس برتغالي كان سجينا عنده. ولما تم بناء السجن أطلق سراحه.
والخلاصة أن المولى إسماعيل هو الذي قوى وحدات الجيش المغربي وأعاد إليها البأس. وبفضلها استطاع أن يرد مدنا عزيزة ومراسي نفيسة، تحكم فيها الأجانب سنين طوالا، وأن يجعل من المغرب قطرا عزيز الجانب منيع الحوزة، زاخرا بالبروج الحصينة والقلاع المشيدة، والقصبات المكينة والقصور والمغاني الرائقة. وقد تبارى كثير من شعراء العصر الإسماعيلي في تخليد الخصال العسكرية الحميدة التي كان يتحلى بها أبو النصر المولى إسماعيل، وتمجيد إبادته بجنوده وكماته الأبطال
للظالمين والعداة والمعتدين في ساحات العراك، دفاعا عن الثغور المغربية، وإعلاء لراية الإسلام خفاقة في هذه الربوع.
من ذلك قول شاعره محمد بن الطيب العلمي:
لك العز وتأييد والفـتح والنـصر            أيا ملك يصبو له البــر والبحــر
هزمت جيوش الكفر في كل مـعرك        وشيدت ركن الدين فانتفض الكفر
جنودك كالــليل البــهيم مهابـه              ولكنها أبطالــــها  الأنجم الـزهـر
وقائع أن مـرت وفـات زمــانها             سيبقى علــى مر الزمان لها ذكر

إن أمتنا والحمد لله مرصوصة الصف وثيقة البنيان، تمضي في الطريق اللاحب والمحجة البيضاء، والمسلك القويم، لا يعتريها ضعف، ولا ينتابها كلل، لأنها مطمئنة إلى مقاصدها وغاياتها، ومعتزة بقيمها الحضارية التي جعلت منها على مدى العصور والأجيال، أمة متميزة الذات، واضحة الشخصية، حاملة عبر التاريخ لرسالة الأمن والسلام، والمحبة والوئام، لقد حباها الله من الشمائل والفضائل، ومن القوة الكامنة في طوايا نفوس أبنائها، ما أتاح لها تذليل العقبات، وقهر الخطوب والملمات، فليس لنا من وسيلة تساعد على الإسراع في السير وتحقيق الخير، وامتلاك ناصية الازدهار والارتقاء، سوى وسيلة الوفاء لأعرافنا وأخلاقنا، والإخلاص للمبادئ والمثل التي تلقيناها من كتاب الله العزيز، وسنة نبيه الغراء، والاستمساك بالعروة الوثقى التي تؤلف بين القلوب وتشحذ العزائم، وتنير سبل النجاح.
                  من خطاب صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده
            الذي ألقاه يوم الثلاثاء 25 ربيع الثاني 1401هـ/موافق 3 مارس 1981م
                                 بمناسبة عيد العرش المجيد

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here