islamaumaroc

الحسن الثاني باني الأمجاد ورائد الجهاد.

  المهدي القاسمي

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

إننا إذا ما تصفحنا كتب التاريخ، نجد أن جميع الملوك الذين تعاقبوا على المغرب، كانوا أوفياء لدينهم ووطنهم، الشيء الذي جعل المغاربة يتجاوبون معهم، ويبادلونهم نفس الشعور، إذ كانوا يقفون جميعا في وجه الكفر والطغيان، ولا يبخلون بغال ولا نفيس. وبذلك قامت حكومات مغربية إسلامية قوية، أسست حضارات، وإمبراطوريات، وانطلقت بالإسلام في غياهيب إفريقيا، وفي معاقل النصرانية، فامتزج الإسلام بقلوب كثير، واستساغته أفئدة وارفة، وخضعت لحكمه أجناس متعددة، تعلمت منه الأخلاق الرفيعة، والتعاليم السامية.
وقد بلغت الدولة المغربية أوج التقدم والازدهار والاستقرار منذ تولي الدولة العلوية زمام الأمر: هذه الدولة التي تنسب إلى جدها الأعلى أمير المؤمنين على ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وفاطمة الزهراء بنت الرسول صلي الله عليه وسلم، وقد عرفت هذه الأسرة – الأسرة العلوية – في القرن الثالث عشر وما بعده بأسرة شرفاء السجلماسيين، نسبة إلى مدينة سجلماسة، التي أسست سنة 757م، وكانت قاعدة لإقليم تافيلالت الصحرواية قبل أن تتحول قاعدة الإقليم إلى مدينة الريصاني.
وكان جده الحسن بن القاسم بن محمد المعروف بالحسن الداخل، قد نزل بها، واستقر فيها، عند قدومه الميمون إلى المغرب على عهد الدولة المرينية سنة 1265.
وظل ملوك الدولة العلوية منذ مبايعتهم من طرف المغاربة، يأخذون بزمام المبادرة، ويتصدرون ركب السلام، ويقودون جيوش المغرب، ويحافظون على وحدته، ويذكون روح النضال في أفراد شعبهم، ويعلمونهم أن الإسلام قوة للتوثب والإحياء والتحرر
من مفاسد الإيدلوجيات الدخيلة، فقط كرسوا كافة جهودهم للحفاظ على معالم الدين، والدفاع عن حرمات المسلمين، وحفظ الطابع الأصيل لهذا البلد الأمين، وأهم تلك المجهودات التي تحملوه عبئها، حماية حمى المغرب من هجمات الأعداء، وتحرير ثغوره من أيدي الغزاة المغيرين، وما منهم من أحد إلى وقد سجل له التاريخ بأحرف من نور عمله على استرداد ثغر أو عدة ثغور.
والدولة العلوية الشريفة في سيرة أمرائها، وسياسة ملوكها الراشدين، يستقرئ الدارس لتاريخها المجيد، أنها صانت استقلال الشعب المغربي بالعدل، وحافظت على وحدة الأمة المغربية بإرساء قواعد الحق، ودبرت أمور الرعية بالحكمة والتبصر، فخلفت كيانا مغربيا حضاريا تربى في أحضان هذه الدولة.
ولقد حمل مشعل تلك النهضة الإسلامية بصدق ووفاء جلالة المغفور له محمد الخامس، الذي يعتبر يحق مثالا للنضال والتضحية ونكران الذات، إذ نجده يقف في وجه المستعمر الغاشم، وينادي في انتفاضة قيادية لشعبه المتشبث بعرشه، وبوجوب الانعتاق من أسر الاستعمار ونيره، ورسم الخطط الملهمة لضمان هذا الانعتاق، فتحمل ما لم يسبق أن تحمله أمير ولا ملك قلبه، مستعذبا النفي والتشريد، حيث مدت له اليد الأثيمة، فنفته عن عرشه مع أسرته الكريمة وولي عهده أنذاك، وعضده الأيمن في الكفاح جلالة الحسن الثاني نصره الله، ومضحيا بحياته وعرشه، فوجد من ورائه شعبا وفيا، انبرى في اندفاعه ثورية يواصل شق الطريق الذي رسمه له قائده الهمام في واد من الدماء، مطوحا برؤوس الفتنة وبيادق الاستعمار، فعاد أمير المومنين متوجا بالنصر، يحمل إلى شعبه وثيقة الاستقلال.
ولئن كان نجم الأسرة العلوية المالكة قد تألق ولمع سياسيا واجتماعيا على عهد محمد الخامس محرر الوطن من ربقة الاستعمار، فإن صيتها قد ذاع وملأ الإسماع في أيام ابنه البار، ووارث سره الحسن الثاني، الذي اقتفى أثر والده في الجهاد والنضال واستكمال الوحدة الترابية.
فقد جاء في إحدى الفقرات من خطابه، والذي شهد فيه لأجداده، لما قدموه لشعبهم ووطنهم من أيادي بيضاء قائلا: "وتسلمت أسرتنا مقاليدنا الملك، فجعل أجدادنا الميامين من أغراضهم الأكيدة، وأهدافهم القربة والبعيدة، لم شعث البلاد، ولم شملها، وتحرير أراضيها، وإعادة وحدتها، كما تصدوا إلى تأمين اليسر والطمأنينة للشعب، والنباهة ورفعة الشأن للممكلة...وكان كل من ملوك الأسرة العلوية، يشعر شعورا قويا، بأن عليه أن يسلم ما تلقاه من سلفه إلى من سيأتي من بعده، كاملا غير منقوص، بل أكثر ثراء وأعظم شأنا..."
ومنذ أن تربع جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه الميامين، أخذ بزمام الأمور بروح المومن المجاهد، والقائد المقدر لمسؤوليته، والملك المعتز بشعبه ووطنه، والقائد الوعي بثقل العبء الملقى على عاتقه، فتحدى الأوضاع والأحداث، ووجه عنايته لكل الجهات وعلى مختلف المستويات، في إباء وطموح، حتى أصبح شعبنا من خير الأمم. فالمغاربة مدينون لجلالة الملك الحسن الثاني بطل ما حصلوا عليه من إنجازات وخطوات جبارة في طريق الإصلاح والنماء منذ توليه مقاليد الحكم.
وجريا منه على سنن آبائه وأجداده، له من العطف والاهتمام بمصالح الوطن مالا يتناوله حصر ولا قلم أ ولسان، ولو حاولنا ذلك، لما وفينا بما يتطلبه المقام، ولكن ما لا يمكن كله لا ينبغي أن يترك جله. ونكتفي في هذا المقال، بذكر بعض النماذج التي تمثل مدى عناية وأفضال جلالة الملك الحسن الثاني لمملكته الزاهرة.
ففي عهده الميمون انتعشت جميع القطاعات بالمملكة بفضل السياسة الملكية الرشيدة. ومما لا جدال فيه، أن في عهد جلالة الملك الحسن الثاني تم بناء صرح المغرب الجديد، بما في ذلك تشييد المدارس والكليات والمعاهد والجامعات، والمستشفيات، وتعبيد الطرق، وإنشاء المطارات، وإقامة السدود، والتنقيب عن المعادن والثروات الباطنية.
ولقد واكب الاهتمام بالبناء والتشييد، اهتمام كبير بالناحية الروحية من طرف باعث الأمجاد الإسلامية، والمحافظ على رسالتها الخالدة، أمير المومنين حفظه الله ونصره.وهكذا انتشرت في عهده الزاهر الكتاتيب القرآنية، كما شيد العديد من المساجد، لا في داخل المغرب، بل حتى في خارجه في معظم الدول التي تضم الجاليات الإسلامية، والجالية المغربية.
ويكفيه فخرا وشرفا، تشييده للمعلمة التاريخية: مسجد الحسن الثاني بالدارالبيضاء والتي تعتبر بحق من أعظم المنجزات التي ساهم فيها الشعب المغربي عن طواعية واختيار، مما يدل دلالة واضحة على التحام الشعب بالعرش، وذلك إحياء وترسيخا لسنة حميدة من سنن السلف الصالح، لإعلاء كلمة الله وراية الإسلام.
إننا إذ نخلد هذه الذكرى الجليلة، الذكرى الثلاثين لتربع جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه الميامين، بما يناسبها من الإجلال والاحترام، فإننا نخلد في الحقيقة ذكرى اعتلاء موحد البلاد، وضامن وحدتها، ورائد نهضتها الحديثة، على عرش أسلافه المنعمين، ففي عهد جلالة والده المنعم، وبأمر منه رحمه الله، قاد ابنه البار عملية تحرير طرفاية سنة 1958، مدشنا بذلك عملية تخليص باقي الأراضي المغربية المغتصبة. هكذا ففي سنة 1969، التحقت منطقة سيدي إيفني بباقي تراب الوطن.
وبفضل المسيرة الخضراء، معجزة القرن العشرين، التي أبنت عن عبقرية جلالته وحسن تدبيره تام استرجاع الساقية الحمراء ووادي الذهب.
كما أن قضايا الإسلام والمسلمين، تأتي في طليعة اهتماماته، فقد حضر جلالته العديد من المؤتمرات الإسلامية التي عقدت بالخارج، كما ترأس العديد من المؤتمرات الإسلامية التي عقدت بالمغرب تحت رئاسة جلالته، وبفضل حنكته وتجربته، استطاع جمع شمل الأمة العربية، وإصلاح ذات البين، وتم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتم انتخاب جلالته بإجماع من طرف ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية كرئيس للجنة القدس.
ولا ننسى الجهود التي بذلها جلالته في سبيل إرجاع دول مصر إلى حظيرة الدول العربية. وجلالته يكرس جميع جهوده والإمكانيات المتوفرة لديه لنصرة الأمة الإسلامية، فقد أرسل حفظه الله تجريدة عسكرية إلى مصر سنة 1967، وتجريدتين أخرتين إلى كل من الجولان وسيناء سنة 1973. وبفضل ما يعرف به الجندي المغربي من جرأة وبسالة واستماتة في القتال، أمكن إنقاذ مدينة القنيطرة بسوريا، وميناء بور السعيد بأرض مصر من احتلال إسرائيلي محقق.
إن الحسن الثاني، خلق وعاش للدفاع عن الدين وعن إخوانه في الدين، وكما خلق وعاش للدفاع عن كل قضية عادلة من شأن إيجاد حل لها، وأن يتوطد السلم، وتزول السخائم من النفوس، ويتقوى التفاهم والتعاون بين البشر، لأن ذلك يدخل في باب التضامن الذي أوجبه الله على المسلمين فيما بينهم، فكلما حدث حادث يعرض أرض بلد مسلم، أو يهدد سير دواليبه وأجهزته بخطر، إلى وكان جلالته سباقا لدرء الخطر وإصلاح الخلل، وما الخطوات التي خطاها اتحاد المغرب العربي في سبيل إرساء الأسس السياسية الاقتصادية، إلى دليل واضح على جهود جلالته المبذولة لتحقيق وحدة بلدانه، وتشييد صرحه عن طريق الإرادة المشتركة، والتعاون المتبادل، لأن ذلك من شأنه أن يضمن الأمن والاستقرار، والتكامل والازدهار لجميع الأقطار المغاربية.
ولا ننسى في تخليدنا لهذه الذكرى الغالية على الشعب المغربي قاطبة، الجانب الاجتماعي الذي ما فتئ جلالته في كل المناسبات يعطيه أهمية قصوى، ولا أدل ذلك من اهتمامه البالغ بقضايا الشباب، وحل مشاكله بالطرق الناجعة، حيث نجد جلالته يحرص دائما على أن يرتقي بالشباب المغربي ويكرمه، ويفسح المجال أمامه لتكون مشاركته فعالة، وسبيلا نحو تطوير المجتمع، وتحديث مقومات المغرب الجديد.
ومما يبرهن على اهتمامه وحرصه على عنصر الشباب، هو إحداثه "لمجلس الشباب والمستقبل"، هذا المجلس، الذي يهتم بمصالح الشباب، ويحرص كل الحرص على أن يستغل هذا الشباب قدراته، وطاقاته الإبداعية، فيما يعود بالنفع عليه وعلى وطنه، ذلك المجلس، الذي بعث الأمل في قلوب المغاربة قاطبة.
واهتماما من جلالته بهذا العنصر الخلاق – عنصر الشباب – نجد جلالته يعين لهذا المجلس نخبة من المثقفين ذوي الكفاءات العليا من أجل السهر على حل مشاكلهم. فقد جاء في خطابه حفظه الله حاثا إياهم على الاهتمام بقضايا الشباب قائلا" "عليكم أن تعلموا أن المغرب يواجه كل سنة مشكلة معضلة، ألا وهي تشغيل مائة ألف من الشباب المغربي كل سنة".
إن جلالته الحسن الثاني ملك شريف أصيل، عارف بأحوال المغاربة وأصولهم وتاريخهم، رضع لبان الأصالة المغربية بكل ما تحمله من عوامل موقظة للأحاسيس الشريفة، النابعة من تعاليم الإسلام المترسخة في أعماق الشعب المغربي، وهو يعمل جادا لإحياء ما اندثر من عبقريات، وإظهار ما خفي من مكرمات، خدمة لشعبه وهداية له، حتى لا يتيه جزء منه في المنعرجات المهلكة، والمنحرفات المضلة، وإلى أن يتعمق في جميع العقول المغربية.
لقد عرف جلالته على الساحة الدولية، بأنه مناضل صلب من أجل إحقاق الحق العربي، معروف أيضا لدى العالم فيها يتصل بموقفه إزاء القارة الإفريقية التي ينتسب إليها.
ومما يدل على اهتمامه البالغ بالقضايا العربية، مجهوداته الجبارة التي بذلها مع أشقائه العرب في قضايا الشرق الأوسط، تلك القضايا التي تشغل باله، وتحتل قسطا وافرا من اهتماماته. كيف لا وهو يعلم حفظه الله المخططات الرهيبة التي تستهدف نسف كيان الأمة العربية والإسلامية على السواء، وذلك بزرع الفتن والتفرقة بين الإخوان والأشقاء، وإعلان الحروب الإبادية التي تأتي على الأخضر واليابس.
إن فضائل جلالة الملك الحسن الثاني ومكارمه على الشعب المغربي خاصة، والأمة العربية والإسلامية عامة، لا يمكن أن تنحصر في قول مهما كان حجمه، وليست هذه الفضائل بغريبة عن جلالته، بل هي موروثة عن أسلافه المنعمين في كل عصر وجيل، ذلك أن ملوك الدولة العلوية قد حرصوا عير التاريخ على الاهتمام بشعبهم، والشعوب العربية والدول الإسلامية كلها.
والشعب المغربي من جانبه يحرص كل الحرص، في أي مناسبة من المناسبات، وخصوصا في هذه الذكرى الغالية، على التعبير عما ما يكنه لهذا العرش الصالح، وللملوك العلويين، من حب ووفاء.وهذا التلاحم بين العرش والشعب، جعل الأمة المغربية تقف عبر العصور صامدة في وجه الأطماع الخارجية، وقلعة من قلاع الإسلام الشامخة، وحصنا من حصونه القوية، وذلك للجهاد في سبيل نصرة الحق، وكسر شوكة التحدي المعادي للدين والوطن.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here