islamaumaroc

المغرب القلعة الحصينة لمقاومة الزحف الصليبي منذ أواخر القرن العاشر الهجري -1-

  مصطفى بن أحمد العلوي

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

في أواخر القرن العاشر الهجري أنهت الصليبية الحاقدة ما بقي من الوجود الإسلامي على أرض الأندلس بعد أن ظل يسودها ثمانية قرون، وتركت حضارة الإسلام بصمات رائعة على أرضها لا يزال أثرها إلى اليوم شاهدا على ذلك.
ولم يقف الصليبيون عند ذلك، ولم يكتفوا بإنهاء الوجود الإسلامي على أرض الأندلس، إنما مدوا أيديهم إلى شواطئ المغرب، يحاولون تحقيق ما يمليه الحقد الصليبي ضد الإسلام والعروبة في هاته الأرض المجاورة، والتي لا يفصلها عن الأندلس إلا مضيق جبل طارق الذي لا يزال يحتفظ باسم القائد العظيم طارق بن زياد... قائد الفاتحين الذين نشروا الإسلام بالجزيرة الإيبيرية، وأسسوا دولة الإسلام والعروبة في الأندلس وحضارتها التي دامت ثمانية قرون.
وهكذا امتدت يد الصليبيين الأسبان والبرتغال والفرنسيين إلى الشواطئ المغربية، وكأنهم يأخذون بالثأر وينتقمون من طارق وجيوشه وما خلفوه لعدة قرون، ومنه يظهر الصليبي الأعمى وعلى مر القرون والأجيال.
فعندما بدأ الضعف يسري في نظام الدولة السعدية، وظهر نزاع بين أمرائها، سنحت الفرصة للصليبيين فاحتلوا بعض الثغور الشاطئية المجاورة، بدءا من طنجة ومليلية والعرائش وأصيلة وحجر باديس في شمال المغرب، ثم مدوا أيديهم إلى الجنوب بدءا من المهدية وسلا وأنفا والجديدة وأزمور وآسفي وحصن فونتي بالسوس.
غير أن ملوك المغرب وقادته لم يتركوا الصليبيين يستقرون في الثغور التي يحتلونها، فقد كانوا بالمرصاد لكل من يحاول أن ينتقص من سيادتهم أو يعتدي على أي جزء من مملكتهم، بدءا من أحمد المنصور السعدي الذي أخذ الزمام بعد المعركة الكبرى بوادي المخازن التي وقعت في أواخر جمادى الأولى من عام 986 هـ الموافق لشهر غشت سنة 1578م، والتي قتل فيها ثلاثة ملوك: أبو مروان بن الشيخ السعدي الذي كان يقود الجيش المغربي دفاعا عن مملكته ووطنه، وسباستيان طاغية البرتغال الذي كان يقود الجيش الصليبي الحاقد، ومحمد بن عبد الله السعدي المسلوخ الذي أعطى الفرصة للصليبيين حيث استنجد بهم ضد عمه أبي مروان بن الشيخ السعدي، ولعل أثر هاته المعركة التي انهزم فيها الصليبيون زادت حقدهم اشتعالا، فقد زاد مكرهم بمن بقي من المسلمين في غرناطة مما أجبر هؤلاء على أن يهاجروا جميعا إلى أرض المغرب بتاريخ 1016 هـ حيث تفرقوا على مدنه، ولا زال أبناؤهم يحتفظ بعضهم بنسبهم إلى اليوم.
وعندما قامت الدولة العلوية أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وتم لهم جمع كلمة الأمة المغربية، والتي كانت قد توزعتها الأهواء، وشهوات الولاة أواخر عهد الأشراف السعديين، عندما تم ذلك لأبناء المولى الشريف: محمد والرشيد وإسماعيل على هذا الترتيب، التفتوا إلى الثغور التي كانت الصليبية قد احتلت بعضها، فتحررت المهدية سنة 1092، طنجة سنة 1095 هـ، والعرائش سنة 1101، وأصيلا 1102هـ.
ثم عاد الصليبيون إلى العرائش وسلا فتم تحريرهما في سنتي 87/1179 هـ.
وأخيرا، تصدى للثغور التي كانت محل غزو من الصليبيين الملك العالم سيدي محمد بن عبد الله بن إسماعيل، فقام بتنظيم حراسة تلك الثغور سنة 1200 هـ، فجهز لكل ثغر من تلك الثغور جيشا يحرسها ويحفظها. ويقيها من غزو الصليبيين، وبذلك استقر الأمر، ويئس خصوم الإسلام من تنفيذ ما عزموا عليه قبل حادثة وادي المخازن التي تمت أواخر القرن العاشر وما واكبها، وتم بعدها إفشال كل محاولة لغزو شواطئ البلاد.
ومن تلك الأحداث، نسجل بطولة الجندي المغربي وحكمة رؤسائه وملوكه. فقد ظل العرش المغربي منذ أسسه المولى إدريس أثناء القرن الثاني للهجرة يتعاقب عليه أمراء وملوك من مختلف الأسر المغربية: أدارسة ومرابطين وموحدين و مرينيين وسعديين و علويين. والميزة التي امتاز بها الجميع هي الحفاظ على شرف العرش وحرمة الوطن وسيادته ووحدته دون أن يكون تابعا لجهة ما، كيفما كانت سلطتها وقوتها من العباسيين على العثمانيين.
وحتى عندما ضعف أمر الخلافة العثمانية التي كان نفوذها منبسطا على أجزاء المغرب العربي: طرابلس وتونس والجزائر فقد ظل المغرب محتفظا بحدوده وسيادته ووحدته، يفضل حزم ملوكه وشجاعة أبنائه إلى أن احتلت الصليبية الحاقدة ولاية الجزائر في سنة 1830م، وصرح قائدهم قائلا: "الآن انتصر الصليب على الهلال) ظنا منه أن الصليبية سوف تفعل في المغرب العربي ما فعلته بالأندلس، ثم احتلت تونس سنة 1881م باسم الحماة، وبدأ حصار المغرب من شرقه وصحرائه من لدن دول الصليب: فرنسا وإسبانيا والمنافسون لهما: ألمانيا، وإنجلترا، وإيطاليا، وتم الاتفاق بين هؤلاء على التدخل في أمر المغرب بشكل أو بآخر، وذلك في معاهدات ثنائية تمت في سنوات 94/996هـ، وبدأ الغزو الفرنسي للمغرب بأسباب مصطنعة، فاحتل قرية عين صالح والتي كانت في الحدود بين المغرب وولاية الجزائر سنة 1901، وعليها قائد مغربي اسمه المهدي يحمل ظهير تعيينه من الحسن الأول رحمه الله، ووقعت أحداث أخرى شبيهة على الحدود الشرقية، وذلك ما حمل المولى الحسن الأول رحمه الله على الكثير من الرحلات في أرجاء مملكته حتى قيل في شأنه (كان عرشه على ظهر فرسه) إلى أن أدركته الوفاة في إحدى رحلاته رحمة الله عليه وفي ظروف مشبوهة، وذلك سنة 1311 هـ وبذلك أمكن لخصوم المغرب يومئذ أن يستغلوا فرص ما تم يومئذ، مما سمح لهم أن يزيدوا مد نفوذهم باسم دفاعهم عن أمن الحدود، وبذلك استمر عدوانهم إلى أن اضطر الملك الثاني (بعد وفاة الحسن العظيم رحمه الله)، المولى عبد الحفيظ إلى أن يوقع عقد الحماية مع فرنسا وإسبانيا، وذلك حفاظا على شخصية الدولة تحت حماية الدولتين الحاميتين فرنسا وإسبانيا بدعوى مساعدة المملكة على الاستقرار وإعادة التنظيم على شكل عصري حسبما يوجد في شعوب أخرى مجاورة، خصوصا تونس التي تعاقدت مع فرنسا على الحماية عام 1881. ولم يستمر عبد الحفيظ رحمه الله إلا قليلا حتى اضطر إلى التنازل عن العرش، بسبب المخالفات التي ارتكبها رجال الحماية، ومعاملتهم للشعب المغربي، ورشح أخاه المولى يوسف رحمه الله ليخلفه على العرش، وذلك في ظروف الحرب العالمية الأولى. ورغم سماحته وتنازلاته فإنه لم يدم إلا قليلا حتى توفي رحمه الله، وفي ظروف مشبوهة أيضا كما وقع بوالده الحسن الأول رحمه الله.
وهنالك اختار الله لهذا العرش مرة أخرى من يعمل على فك إساره الملك الشاب محمد بن يوسف رحمه الله وذلك بمساعدة رجال شعبه الأبطال جزاهم الله أحسن الجزاء.رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
فالمغرب موطن الرجال الشجعان الأبرار. أذاق المحتلين تحت ستار الحماية مر العذاب، فقد ظلوا يحاربون لإخضاعه لنفوذه باسم الحماية في مناطق. وباسم الاحتلال في مناطق أخرى، حيث قسموه إلى عدة مناطق: فمنطقة الوسط باسم الحماية الفرنسية. ومنطقة الشمال باسم الحماية الإسبانية، واستثنوا من هاته المنطقة مدينة طنجة، وذلك بإيعاز من انجلترا الواقعة في جبل طارق تحرس المضيق، وحتى لا تنافسها دولة قوية في حراسته مثل فرنسا.فأقرت طنجة مدينة دولية،وتلك منطقة الجنوب المغربي في موازاة جزر الكناري التي تحكمها إسبانيا أعطيت اسم الحماية تبعا للشمال.
وهناك مناطق الجهة الشرقية التي احتلها الفرنسيون من شرقي المغرب وأضافوها إلى الجزائر. ظنا منهم أنهم سيخلدون فيها إلى الأبد، وفعلا فقد ظلوا في الشقيقة أطول مدة مائة وستين عاما، ثم طردوا منها بفضل الوعي واليقظة الإسلامية، التي بثها في الشعب علماؤه المسلمون، أمثال ابن باديس والإبراهيمي وأمثالهم رحمة الله عليهم، وبأصالتهم في الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية، وبتضامن جيرانهم وإخوانهم بالمغرب العربي ومساعدتهم لهم في الكفاح، وكذلك كان وجود الصليبيين في المغرب محنة لهم وعذابا، فقد قضوا في إخضاع الأجزاء المختصة بهم أزيد من ثلاثين سنة، كان أبطال المغرب الأشاوش يقاومون الاحتلال منطقة وقبيلة قبيلة، وقد تركوا في مختلف الأقاليم كثيرا من النصب التذكارية، وسجلوا فيما كتبوه عن أعمالهم سجلات مليئة بأسماء ضباطهم وجنودهم الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل فتح تلك الأقاليم وإخضاعها لحكمهم، ولم ينته غزوهم للأقاليم إلا سنة 1934 عندما قاموا بمعارك الأطلس الصغير وجبل بوغافر.
إذن، فلم يهدأ لهم حال بعد نهاية المعارك المسلحة إلا نحو 22 سنة تقريبا من 1934 إلى 1956، وحتى هاته الفترة لم تكن خالية من مناوئة نظام الحماية، فمن سنة 1930 التي صدر فيها الظهير البربري، برزت أعمال المقاومة السياسية عندما قامت جماهير الشعب المغربي بالتظاهر وقراءة اللطيف المعروف "اللهم يالطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، لا تفوق بيننا وبين إخواننا البرابر"، لأن القصد من هذا الظهير هو التفريق بين القبائل العربية والقبائل البربرية التي صدر الظهير باحتكامهم للعرف بدل الشريعة في بعض المسائل الأخرى، ومنذ ذلك التاريخ بدأ العلماء الشباب المثقف ينظمون أنفسهم في خلايا انتهت إلى تأسيس الحزب الوطني والحركة القومية بزعامة الأستاذين علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني رحمهما الله، وذلك عام 1936م
ومن الرموز التي تستحق الذكر في هذا المقام، التقاء صنفي رجال المقاومة:
• المقاومون الأولون لدخول الاستعمار المقنع بالحماية، والذين دامت مقاوتهم من 1900 إلى 1934 وفي جميع أجزاء الوطن العزيز.
• والسياسيون الذين زرعوا بذور المقاومة التي برزت عندما اعتدى المستعمرون على رمز السيادة جلالة الملك محمد الخامس وأسرته في الخمسينيات.
فقد التقى الصنف الثاني ببعض رجال الصنف الأول في سجون الاستعمار بإقليم الراشيدية وكلميمة، ففي الراشيدية جيء ببعض أبناء مدغرة من الذين درسوا في جامعة القرويين وانخرطوا في الحزب الوطني، وشاركوا في التعليم الحر، وأسسوا مدارس حرة وأحضروا إلى السجن وقيدوا بقيود حديدية سبق أن قيد بها بعض رجال مقاومة دخول الاستعمار لأقاليم الجنوب، وعلى سبيل المثال أذكر منهم السادة" محمد بن عبد الله الهاشمي، ومحمد بن العربي العابدي، وأخوه أحمد رحمه الله، وأحمد بن المهدي، ومصطفى بن أحمد، وكلهم من خريجي جامعة القرويين، ومن الحزب الوطني يومئذ، وقد حكم عليهم بسنة سجنا قضوها في سجن "كلميمةّ الذي وجدوا فيه إخوانهم من رجال القرويين أمثال الهاشمي الفلالي، وإبراهيم الكتاني رحمه الله، وعبد العزيز بن إدريس رحمه الله، ورشيد الدرقاوي، وعبد الهادي الشرايبي رحمه الله، وعلي العراقي، وأحمد بن الحاج، ومولاي محمد بن هاشم رحمه الله، ومولاي على الإدريسي، وغيرهم وآخرون.وعندما وصل أولئك إلى كلميمة وجدوا جنازة الأستاذ الشهيد محمد القري الذي مات تحت عذاب الضابط عيار، وكان آخرون على وشك الاستشهاد مثل المجاهد الهاشمي الفلاح حفظه الله.
وعندما نقل الإخوة أهل فاس إلى سجن عين علي ومومن، نقل المدغريون إلى السجن المحلي بكلميمة لقضاء بقية السنة، وبها وجدوا رجلا اسمه مولاي عسو مقيدا بالحديد، وهو من رجال المقاومة الأولى، لأنه كان في جيش الزعيم زايد احماد، ولما أنهى مدة سجنه وأطلق سراحه، قيد بذلك القيد رجل من مدغرة هو أحمد بن التهامي من جراء أنه طلب من أحد المسجونين العاديين شراء ورقة وظرف وطابع بريد ليكاتب أهله، ليرسلوا له ما يقيم به أوده نظرا لهزال ما يقدم للمساجين من طعام.
وهكذا يظهر أن المقاومة بالمغرب لم تقطع ولو سنة ولا شهرا ولا يوما، وذلك نظرا لما في قلوب المغاربة من عزة وإيمان بالقيم الإسلامية، وشعورا بخطورة الخضوع لحكم أجنبي صليبي يعمل على مسخ أمة أصيلة مومنة بعقيدتها، ومنهج دينها الحنيف.
ومرت الأيام بأحداثها، وقامت الحرب العالمية الثانية 1939-1945، وما كادت تنتهي حتي تقدمت نخبة من شباب المغرب المثقف بعريضة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، ورفعت العريضة لجلالة الملك، وقد شارك في تحرير نصها رحمه الله، ورفعت نسخ منها للمقيم العام وممثلي بعض الدول مثل: إنجلترا وألمانيا وغيرهما من الدول التي كانت لها قنصليات بالمغرب يومئذ، ومما يجب ذكره هنا، أن الفرنسيين تريثوا في رد الفعل من 11 يناير إلى 29 منه، فكانت تلك الفترة خيرا لصالح القضية، ففي تلك الفترة أمضيت آلاف العرائض المؤيدة للمطالبة بالاستقلال، ويمكن القول بأن 70% من المغاربة أمضوا عرائض التأييد، و بالرغم من ذلك، فإن الفرنسيين قاموا بحملة قمع شرسة مست جميع المثقفين من الشباب والشيوخ.
ففكرة الإعلان بالمطالبة بالاستقلال، كانت مسبوقة بمؤتمر أنفا الذي عقده الحلفاء وحضره قادتهم" روزفلت، وتشرشيل، ودوكول، وحضره المغفور له محمد الخامس، الذي طلب منه تأييد المغاربة لحملة تحرير غربي أوربا من سلطات المحور يومئذ، وقرروا فيه حرية سائر الشعوب التي تشارك في حرب المحور وتحرير الشعوب من سطوته، وفعلا شارك الجنود المغاربة في تلك الحروب مشاركة فعالة في تلك الحروب مشاركة فعالة في تحرير فرنسا وألمانيا وغيرها، غير أن المستعمرين الفرنسيين بعد ذلك تنكروا لهاته الحقيقة، وقاموا بعد تحررهم من سلطات المحور بتشدد سلطاتهم في مستعمراتهم، خصوصا شمال إفريقيا بمجموعه، وعينوا على رأس سلطانهم في المغرب جنرالات، وسجنوا ونفوا وشردوا الكثير من رجال الوطنية بالمغرب، وأظهروا من القوة والبطش ما لم يكن في الحسبان، غير أن ذلك لم يزد إلا في قوة يقين رجال الوطنية وعلى رأسهم جلالة الملك محمد الخامس، الذي زار مدينة طنجة الدولية سنة 1947، واحتفل أهلها بملكهم الذي زارهم لأول مرة في ذلك العهد، وخطب فيهم، وأعلن أن المغرب جزء من الأمة العربية، وأنه يجب أن يصبح عضوا في الجامعة العربية، وذلك ما زاد في تصلب المستعمرين وغطرستهم.وفي سنة 1950 رحل جلالة الملك إلى فرنسا قصد التفاوض على ما فيه مصلحة أمته، غير أن تعنت المستعمرين جعل الرحلة فاشلة، ولما يئسوا من إخضاع محمد الخامس لإرادتهم، وقبول ما عرضوا عليه من إصلاحات في نطاق الحماية البغيضة، بدأوا في تخطيط خطتهم المجرمة، ومهدوا لها باعتقال كثير من رجال الوطنية، فنفوا وسجنوا وشردوا، وما وصلت سنة 1953 ،حتى شرعوا في عقد مؤتمرات إقليمية، يجمعون فيها عملاءهم، ويخطبون أما جماهير الناس، واستعملوا بعض المتصوفة للطعن في سلوك العاهل الكريم زورا وبهتانا، وذلك ليستميلوا الجماهير الجاهلة في ظنهم. وما إن جاء شهر غشت، حتى اختاروا شخصا يخلف – في زعمهم – الملك على عرش أسلافه، وتجاهلوا ما قام به أولئك السلف من أعمال دفاعا عن بلادهم وعرشهم ودينهم.وقد كان هدفا للصليبيين مما سلف ذكره.
وفي 20 غشت طوقوا القصر الملكي بالقوة، واخذوا العاهل الكريم وأسرته إلى المنفى، وظنوا أن ذلك عمل سيقبله الشعب مرغما كما قبل نفي زعماء الشباب قبل ذلك، ولم يعلموا أن الملك الصالح هو رمز السيادة والقيادة الإسلامية، والتي يضحي من أجلها كل أفراد الشعب بدون استثناء، ومما مهدوا به لعملهم الشنيع هذا، أنهم جمعوا كبار الشخصيات الوطنية ووضعوهم تحت حراسة مشددة في حصن بعيد عن الناس (اغبالو نكردوس)، ولم يعلموا أن فعلتهم النكراء سوف تدفع كل المغاربة صغارا وكبارا مثقفين وأميين أغنياء وفقراء. ولا بد أنهم آخذون بثأرهم ممن مسهم في أعز عزيز عليهم: ملكهم الشاب المناضل محمد الخامس.
فهذا رجل فقير بسيط عامل يقوم بأول عملية رائعة انتقاما من العميل الذي قبل أن ينصبه الأعداء على عرش يفديه الجميع بالأنفس، هذا علال بنعبد الله الشهيد، يعطي للأعداء درسا بليغا في فداء العرش والجالس عليه باختيار الشعب لا يفرضه من الخصوم، جاء إلى المشور، وهجم على صنيعة الاستعمار، حتى سقط هذا بفرسه على الأرض. واستشهد الفدائي علال رحمة الله عليه برصاص المستعمرين، وكان حدثا رائعا خلده الشهيد، وأشعر العدو بأن عمليتهم فاشلة من أساسها، لأنها جاءت ضد عقيدة الأمة وإيمانها بالحياة والحرية.
أما رمز الشرف والسيادة فقد نقل إلى مدغشقر،حيث بقي هناك سنتين وثلاثة أشهر، كما كان الأطفال يتغنون به تطلعا منهم لرجوع سيد البلاد منتصرا (عامين وثلاثة أشهر، ابن يوسف راجع بالفور).
وفعلا، ما حلت سنة 1955، حتى خضع المستعمرون لإرادة الله وإرادة الشعب المغربي البطل، ورجع العاهل الكريم إلى عرشه معززا مكرما، وهو يتلو قول الله العلي القدير:( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور).
ولا بد من الإشارة إلى بعض الأسباب هذا الانتصار للحق والمتمسكين به، فلم يمض إلا أسبوعان على الفعلة الشنعاء، حتى بدأت المقاومة بحوادث فردية هنا وهناك، وعجز العدو عن معرفة القائمين بها، فمثلا انفجرت قنبلة بالسوق المركزي بالدارالبيضاء كان لها أثر مهول، أعقبتها قنبلة أخرى بالسكة الحديدة قرب العاصمة، واستمرت الأعمال كذلك، تعرض لها كثير من الخونة الجبناء الذين ساروا في ظل العدوان، حتى أصبح الأمر الأكبر من أن يحيط به رجال أمن الاستعمار وخبراؤه.
وأذكر أنني حضرت عدة حوادث عفوا وأنا في طريقي من مقر سكناي بدرب العفو إلى المدرسة الحسنية  التي كنت أعمل بها معلما ومسؤولا، وآخر حدث شاهدته، إلقاء قنبلة يدوية على سيارة عسكرية بشارع بني مكيلد، فنزل من نجا منهم من أثرها إلى الأرض، وشرعوا يضربون المارة برصاص، ولكن الله سلم، وفي نفس اللحظة، وقع انفجار بقنبلة في ملتقى طرق يعرف ب (سبع شوانط) وكانت في حجم قنينة الغاز كان يجرها صاحبها وهو راكب دراجة نارية، فما كان منه وقد عرف وقت انفجارها، إلا أن قطع الحبل الذي يجرها به، وما إن التفت الناس إليها  وقد نجا صاحبها حتى انفجرت وخلفت قتلى وجرحى كثيرين، كما تمت عملية أخرى في نفس الوقت في حي آخر، كان ذلك يوم 14 يوليوز 1955 وهو عيد الجمهورية الفرنسية.
وهكذا قضى الحاكمون يومئذ أياما وشهورا في حيرة وقلق من جراء أعمال مقاومين تتم أعمالهم ولا من يعين الحكام على اكتشاف القائمين بها ولا المدبرين لصنعها، لأن الشعب كان في تضمان ووحدة أدهشت الخصوم.في هذا التاريخ انصاعوا للاستجابة لمطالب الشعب.
وقد كتب في ذلك اليوم عازما على السفر إلى طنجة، وبعد أسبوعين سافرت إلى مدريد، وهناك بشرني الأخ المرحوم المناضل الحاج أحمد بلافريج رحمه الله، بطل الفرنسيين من الحزب تعيين لجنة من رجاله للتفاوض على أساس رجوع بطل الأمة محمد الخامس إلى عرشه والاستقلال.
وكان التفاوض.وعاد رمز السيادة وبطلها إلى عرشه، وسافرت الوفود إلى باريز لاستقبال الرجل العظيم وأسرته، وأخص بالذكرى ولي عهده المحبوب جلالة الحسن الثاني الذي كانت صحف ماس نشرت صورة في فترة نفيه ووالده، وعلقت عليها أنه العدو رقم: 1. ذلك أنهم كانوا يشعرون بمواقفه المعززة لوالده حفظها الله.
وأسجل هنا للتاريخ حدثا صغيرا، ولكنه رمز قوي، أرويه عن رجل كان رواد القصر الملكي يومئذ، هو العلامة الشيخ أحمد التيجاني رحمه الله، فقد كانت مفاوضة تجري بين القصر الملكي والإقامة العامة. وكان الواسطة فيها، هو المرحوم الشيخ الفقيه محمد العمري رحمه الله، وجاء يحكي للملك ما حدث به المقيم.وغلبه البكاء، لما شعر به من ضغط الجنرال في حديثه، فما كان من ولي العهد حفظه الله وكان واقفا يستمع إلى الشيخ يحدث والده جلالة الملك، فاستأذن والده، وقال (إئذن لي سيدي في أن أذهب لأحاور هؤلاء، أنا الذي لا أبكي). وأذن له.
رحم الله ملكنا ورمز وطنيتنا محمد الخامس، وحفظ وارث سره جلالة الحسن الثاني وأعزه ونصره وأدامه حصنا حصينا لأمته وعرشه ووطنه، آمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here