islamaumaroc

منهج الصحوة الإسلامية في الرسالة الملكية

  أحمد أفزاز

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

من حين لآخر نعود إلى رسالة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، فنجد فيها التوجيهات الفكرية العميقة الدلالة، للقيام بنهضة إسلامية جديدة تقوم على أساس أصول ومبادئ الشريعة الإسلامية التي نعتقد أنها شريعة إنسانية في نظرتها للحياة، أزلية مع الإنسان، قابلة للتطبيق في كل الأزمان.
ونقف قليلا مع إحدى الفقرات الواردة في الرسالة الملكية السامية والشعب المغربي المسلم يعيش الذكرى الثلاثين لاستلام قيادة هذه الأمة من طرف قائدها ورائدها جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله ونصره.
تقول الرسالة في الصفحة التاسعة:"فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العالم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية، وأن يشملوهم بالرعاية الكافية حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء، كما أن من واجب دعاة الإسلام أنفسهم أن يجتمعوا على كلمة سواء، ويدعموا فيما بينهم روابط التضامن والإخاء وأن يعملوا على أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله يسودها طابع التعاون والصفاء".
وقفتنا مع هذه الفقرة تذكرنا بالدعوة الملكية السامية إلى عقد الدورة الأولى للجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية التي استضافها جلالته لمدة أسبوع كامل في شهر صفر الخير 1411 هـ (متم غشت وأوائل شتنبر 1990 م).
لقد جاءت الدعوة الكريمة لعقد هذا اللقاء الإسلامي لربط أواصر التعاون، ومد حبال التواصل الفكري بين العلماء والدعاة ورجال الفكر الإسلامي من جهة، وبين الشباب المتحمس للعمل الإسلامي والمحتاج إلى معرفة عميقة بفقه الدعوة الإسلامية، لاختيار الأساليب المناسبة لتحقيق الأهداف، بجعل الإسلام نظام حياة شامل وجامع، ولعل هذا ما جعل الملتقى الإسلامي للصحوة يأخذ شعار قول الله تعالى: «ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [النحل: 125] كنقطة انطلاق للعمل الإسلامي المنظم المنضبط بالمقاييس والمعايير الشرعية.
وقد كان هذا التوجه الفكري هو منهج العمل الدعوي الذي ركز عليه أمير المؤمنين في الرسالة الملكية للأمة الإسلامية.
فوجه حفظه الله الخطاب في البداية إلى القادة المسلمين الذين جعلهم الله مسؤولين عن شؤون شعوبهم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" كما يقول رسول الله (ص)، فالشعور بالمسؤولية الإسلامية من طرف رؤساء الدول الإسلامية وقادتها يعتبر بداية المسيرة الإسلامية في التوجه إلى الله عز وجل وإلى تحكيم شريعته. وإذا نقص الإحساس بهذه الأمانة من طرف القادة المسؤولين فإن الأمر ينعكس سلبيا على العمل الإسلامي، لأن القيادة الإسلامية تعتبر بمثابة القلب في جسم الإنسان وبصلاحها وشعورها بمسؤوليتها يصلح معها سائر الجسد، ولهذا كان الخطاب الملكي موجها في المقدمة إلى القادة المسلمين.
ويوجه الخطاب في المرحلة الثانية إلى الزعماء البارزين وهم رجال الأمة الإسلامية الذين مكنهم الله ليعملوا ويساعدهم القادة المسلمون في تثبيت أحكام هذا الدين واستنهاض همم أبنائه للانطلاق في إعادة البناء الإسلامي وتركيز أصوله وقواعده وأحكامه، وتعاون الزعماء البارزين مع القادة المسؤولين في هذا الميدان يتم بأمرين اثنين:
1 – فتح الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية، وذلك برفع وإزالة جميع القيود التي يحتمل أن تكون حائلة بين العلماء والدعاة وبين القيام بواجب التوعية والدعوة الإسلامية، فالعالم والداعية ما داما يسيران وفق المنهج الرباني في توجيه الخطاب وفي تركيز التربية والخلق الإسلامي، فكل الطرق يجب أن تفتح أمامهما لأداء رسالتهما والقيام بمسوليتهما، فميدان التوجيه الإسلامي غير محدود بمكان معين ولا بظرف مخصص، وهذا من صفات الكمال التي أضفاها الله عز وجل على هذا الدين عندما قال:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) [المائدة: 3]، فما دام الدين كاملا في أفقه وفي عمقه، محيطا بجميع مناحي الحياة الإنسانية فكل الطرق يجب أن تفتح أمام القائمين بالدعوة إليه، وكل المسالك يجب أن تعبد من أجل تحقيق بعث إسلامي جديد يعيد الفرع إلى أصله والجزء إلى كله.
2 – والأمر الثاني الذي دعت إليه الرسالة الملكية وجعلته من واجبات القادة المسلمين والزعماء البارزين هو شمولهم بالرعاية الكافية للعلماء والدعاة حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء.
هذا الأمر في التوجيه الملكي السامي وهو يخاطب به الأمة الإسلامية في شخص قادتها وزعمائها هو إضفاء الرعاية الشاملة والعناية الكاملة للقائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية وذلك بتيسير كل السبل، وتقديم جميع الوسائل المادية والأدبية حتى يؤدي العالم أو الداعي رسالته في أحسن الظروف وأكملها، وكلما توفرت الإمكانيات المساعدة كانت الفائدة عامة، وتم تبليغ الرسالة إلى الخاصة والعامة.
ومن مشمولات الرعاية الكافية تسهيل اللقاءات وتبليغ الدعوات لجميع الفئات، واختيار أماكن التجمعات والاتصالات على جميع المستويات، فلا يقتصر العالم أو الداعية بإعطاء دروس التوعية في المساجد وحدها، بل عليه أن ينتقل إلى أماكن تجمع الطلبة في الجامعات والثانويات، وقاعات المحاضرات في المؤسسات العامة والخاصة، لتبليغهم الرؤية الصحيحة للفكر الإسلامي، والحلول التي يقدمها المنهج الإسلامي لمواجهة المشاكل المعاصرة في مختلف مناحي الحياة الإنسانية ورد الشبه التي يقدمها أعداء الإسلام كعائق في طريق تقدم المسلمين.
ومن وسائل الرعاية الكافية جعل وسائل الإعلام السمعية وحدها والسمعية البصرية لتكون منبرا للبعث الإسلامي المنتظر.
إن تأثير الإعلام في سلوك الإنسان أصبح يأخذ اهتمامات الباحثين على مستوى الجهات الأربع، بعدما أصبح وجوده بجانب الإنسان مفروضا عليه وبدون استئذان، ولما كان الإنسان المسلم محكوما ومأمورا بالالتزام بتطبيق المنهج الإسلامي في حياته، كان استخدام الإعلام وسيلة للدعوة الإسلامية أمرا محتما، ويقتضي هذا أن يلتزم البث الإذاعي والتلفزي والنشر الصحفي اليومي أو الأسبوعي بمناهج التوجيه الإسلامي، حتى يتم صنع المسلم على نموذج إسلامي موحد في مكوناته الأساسية وخصوصياته الرئيسية.
إن التقدم التقني في مجال الإعلام جعل منه الأداة الفعالة لتوجيه الإنسان، وأحكام الإسلام لا ترفض التعامل مع التقدم العلمي، ولكنها توجهه وتستعمله لخير الإسلام والمسلمين، ولنشر الدعوة إلى الله بجميع الإمكانيات المتوفرة.
وإذا كانت الجملة الأولى من الفقرة التي أشرنا إليها تحدثت عن واجبات القادة والزعماء، فإن الجملة الثانية خاطبت العلماء والدعاة، وفرضت عليهم الالتزام بأمور ثلاثة:
1 – الاجتماع على كلمة سواء ويقتضي هذا أن تكون للعلماء والدعاة قاعدة أصلية موحدة، وأن يتفقوا على حد أدنى لا يمكن الاختلاف حوله. « تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» [آل عمران: 64] كما يقول الله عز وجل، فالأصول الإسلامية في عقيدة أهل السنة لها حدود معينة، وأحكام العبادات مجموعة ومشروحة في عدة أمهات الكتب الفقهية، ومادامت المملكة المغربية مالكية المذهب فدائرة الخلاف ستكون معدومة إلا فيما أحدثته المدرسة الفقهية المغربية داخل المذهب من اجتهادات جرى العمل بها. ونفس القول ينطبق على أحكام الأسرة والمعاملات إلا ما اجتهد فيه الفقهاء المغاربة وصدر به قانون ملزم موحد كقانون الأحوال الشخصية مثلا، فهذه كلها ميادين يمكن أن يعتبر العلماء والدعاة أنها موحدة بينهم وهم مجتمعون فيها على كلمة سواء.
2 – تدعيم روابط التضامن والإخاء، وهذا الأمر له أهميته في ميدان الدعوة الإسلامية ذلك أن القائمين على هذا الأمر يجب أن يكونوا متضامنين فيما بينهم يكمل بعضهم البعض، ويوجه كبيرهم صغيرهم، ويتحاورون ويتذاكرون فيما يؤدي إلى تحقيق الأهداف التي يقصدونها بعلمهم، ولعل اللقاءات العلمية والندوات الإسلامية التي تتم على المستوى الجهوي أو الوطني من شأنها أن تزيد في تدعيم روابط الأخوة الإسلامية بين العاملين في ميدان الدعوة إلى منهج الله.
3 – والأمر الثالث الذي تركز عليه الجملة الأخيرة وتعتبره من الواجبات الملقاة على عاتق الدعاة هو أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله يسودها طابع التعاون والصفاء.
الإخلاص في العمل أمر مطلوب على كل المستويات، وفي كل المجالات بدون استثناء، وإذا كان العمل خالصا لوجه الله تعالى كان الجزاء فيه أعظم، وقد حث الإسلام المؤمن على الإخلاص في عمله، والقصد به وجه الله تعالى في عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية، وإذا كان الإخلاص مطلوبا من العموم فهو من العلماء والدعاة أشد طلبا وأقوى التماسا، لأن التوعية الإسلامية من المتخصصين في أمورها تهدف إلى التفقه في الدين والدعوة للالتزام بأحكام شريعة رب العالمين ولا يمكن أن يراد بها إلا وجه الله تعالى، والأمر الهام في هذا الجانب هو أن تكون ممارسة التفقه في الدين من المختصين والعارفين بأحكام هذا الدين، فالقرآن وهو المصدر الأول لأحكام الإسلام يوجه المسلمين إلى سؤال أهل العلم في كل ما يجهلون من أحكام الدين يقول تعالى: ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (الآية 43 سورة النحل).
لعل في هذا التحليل السريع لفقرة واحدة من رسالة أمير المؤمنين، وقد وجهها للمسلمين منذ إحدى عشرة سنة يثبت التوجيهات العميقة للرؤية الحسنية للصحوة الإسلامية التي تضع المنهج السليم لكل عمل إسلامي هادف ورائد، كما جاء به القرآن، وبلغه رسول الله (ص).
وجاءت الدراسات والأبحاث التي قدمها العلماء والدعاة القادمون من مختلف جهات العالم الإسلامي والغربي في الملتقى الإسلامي الكبير، "الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية" مجموعة تحليلات بعض الأفكار التي تضمنتها الرسالة الملكية بمناسبة بداية القرن الخامس عشر الهجري. وما يزال جانب كبير منها محتاجا لمزيد من التأمل والتدبر والاستبناط والاستنتاج لوضع مسيرة الصحوة الإسلامية في الطريق الصحيح القويم، بعيدة عن كل غلو أو إفراط جزى الله أمير المؤمنين ووفقه لخدمة هذا الدين آمين.


إن الإسلام يقصد أول ما يقصد إلى جمع الشتات، ولم الشعث، وإشاعة التسامح، هذه كانت سبيله على امتداد تاريخه الطويل، وستظل بحول الله كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن واجبنا أن نبحث عن جميع الوسائل الكفيلة بإظهار عزمنا على التمسك بوحدتنا مع احترام ما قد يوجد بيننا من تنوع في المشارب والمسالك، مقتنعين بأن تشبث كل منا بما له من خصوصيات أمر مشروع، شريطة ألا يكون سببا في تفريق الكلمة، وتشتيت الصف، إننا إن سلكنا هذه السبل، سنعطي الإسلام نفسا جديدا، وسنظهره في صورته الحقيقية للعالم أجمع.  
                                من رسالة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده   
                                          الموجهة إلى إخوانه قادة العلم الإسلامي
                                 يوم السبت 3 محرم 1408هـ/موافق 29 غشت 1987م.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here