islamaumaroc

المدارس العتيقة في سوس والملوك العلويون

  الحسين وجاج

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

في عيد العرش المجيد، يحلو الحديث حول الأصالة والقيم والأنشطة المنجزة والتي تنجز باستمرار، ليبقى المغرب كما كان دائما موطن العقيدة والإحسان، وبلد العلم والإيمان، ورائد الحرية والسلام.
وإنه لمن فضل الله عليه، أن أكرمه عبر عصور تاريخه بقادة صالحين ومصلحين، يدعونه إلى الخيرات، ويدربونه على إنجار الأعمال الصالحات، فكان كما يريدون شعبا مومنا بربه، عاملا لحماية عقيدته ومقدساته، وباذلا كل ما في وسعه للدفاع عن أمته وأصالته، وقائما في تنمية تاريخه وتراثه.
وإن الحديث عن هذا التراث، وهذا التاريخ يدعونا ونحن في الجنوب المغربي أن ننقب عن المدارس العتيقة الأصيلة وتشجيعات الملوك العلويين لهذا النوع من التراث فنقول:
إن من المعروف تاريخيا أن أول مدرسة في بوادي المغرب هي مدرسة "أبي محمد وكاك" التي تسمى بالرباط، والمؤسسة في أول القرن الخامس في زاوية أكلو بضواحي تزنيـت، وأبو محمد وكاك من تلاميذ أبي عمران الفاسي الملتزمين بنشر العلم والدين، والقائمين بواجبهم في تربية المسلمين، وإعلاء كلمة رب العالمين، والعاملين معه وبعده في تركيز نهضة علمية ممتدة إلى جزولة، حيث استفاد منها عبد الله بن ياسين، الذي كان يسرب من غنائمه في الصحراء، ويقبل على الفقهاء للأخذ عنهم في تلك الجهات (1).
وإن هذه النهضة العلمية المركزة في الجنوب المغربي بفضل توجيهات أبي عمران الفاسي لأبي محمد وكاك ومعاصريه، لهي التي مهدت السبيل لعبد الله بن ياسين ومن بعده، وساعدت على انتشار الفقهاء في جزولة، والإقبال على تشييد المدارس العلمية العتيقة، وتنظيم اللقاءات الدينية بين الرجال والنساء، وإذكاء التنافس بين السكان المتجهين بالتدريج نحو إنشاء الكتاتيب القرآنية والمدارس العلمية في مختلف القبائل والمداشر، حتى أصبحت سوس كلها تسير علميا في ركب فاس وسبتة وسجلماسة وأغمات وسلا وطنجة وتادلة، باذلة كل ما في وسعها لنشر العلم والدين، ونفع الناس أجمعين.
ورغم أن مدرسة وكاك هي الأولى كما يقول المؤرخون في لفت الأنظار وتحريك الحماس إلى تشييد المؤسسات المهتمة بالعلم والدين، فإن هناك ما يدل على أن حركة علمية أخرى سابقة في سجلماسة وأغمات، وإن الازدهار العلمي السائد فيها خلال القرنين الثالث والرابع، لا بد وأن تستفيد منه سوس القريبة منهما، وأنت يتهيأ هناك جو يساعد فيما بعد على حركة أبي عمران ووكال وعبد الله بن ياسين التي جددت النشاط العلمي، وفتحت الباب واسعا أما أفراد من أحفاد وكاك وسيدي وساي، وأسلاف الأغرابوئيين، وأبي يحيى الجرسيفي خريج الأندلس، وعمه سعيد بن النعمان، وابن عمه الجزولي الجرسيفي وغيرهم من الذين خدموا العلم بإخلاص فيما بعد حتى قبل: "إن هناك في سوس مدفنا لعدد كبير من البنات يحفظن المدونة فضلا عن الرجال".
وإذا كانت الحياة العملية في سوس يسودها الغموض قبل القرن التاسع، فإنها في القرن المذكور مزدهرة ازدهارا كبيرا، وانتشرت العلوم والفنون في سملالة وبعقيلة ورسموكة، وآيت حامد، واقا، وغيرها، مما جعل القرن العاشر يطلع بحركة علمية رائعة، دفعت العلماء إلى الميدان الحيوي والمعترك السياسي، فشاركوا في الأمور العامة، وهذبوا الشعب بالخلق الإسلامي الكريم، وعلموه كيف يحافظ على أصالته وعزته، وكيف يعتز بلغته وعقيدته عبر العصور، وكيف يسير في نفس الدرب في عهد الدولة العلوية التي كانت سعد السعود على السوسيين خاصة، وعلى المغاربة عامة.
ففي عهد ملوك الدولة، تجددت الحياة العلمية في سوس، وأقبلت القبائل على إنشاء المدارس العلمية في كل مكان، وأعطت للعلماء مكانة خاصة بهم، بحيث يعتبرون حراس الوحدة المغربية، وسياجا متينا دون الثوار الذين يحالون من حين لآخر شق عصا الطاعة أمثال:"بوحلاس" الذي ثار في مفتتح إمارة المولى سليمان فتصدى له العالمان: الأستاذ على بن إبراهيم الأدوزي، والأستاذ محمد بن أحمد التاسكاتي، وقاوماه مقاومة عنيفة، مستعينين بفقراء أدولتيت وغيرهم من المجاهدين، حتى قضى عليه في بلدة العوينة، وتركت جثته في العراء جزاء له خيانته لملكه ونقضه لبيعته. (2)
وقد شجع هذا التقدير العلوي العلماء، وأقبلوا على عمارة المدارس ونشر العلوم، وتحركت القبائل بدورها نحو الاهتمام بأمور العلم والدين، وتعاون الجميع على تركيز الأصالة وتجديد الحضارة، وخدمة الشرع واللغة، وإنارة الساحات بنور القرآن الكريم، وتعاليم السنة النبوية المطهرة، وحماية الوطن من كافة الدخلاء والمغرضين (3).
وقد نال هذا التجديد المدشن في تامكروت منذ المولى الرشيد أوجه في عهد سيدي محمد بن عبد الله ومولاي الحسن الأول ومحمد الخامس رحمهم الله، ووارث سره مولانا الحسن الثاني نصره الله، ففي عهدهم وقع إقبال عظيم على الإنشاء والتجديد، وفي أيامهم سار موكب العلم والعلماء في درب التكريم والتقدير.
وحينما زار المولى الحسن الأول سوس سنة 1299 هـ وسنة 1303هـ، لم يغب عنه الدور الذي تقوم به المدارس العلمية العتيقة وعلماؤها لصالح الدولة والعلم والدين، فلاقى كل العلماء بتجلة وإكبار، وقدم أربا العلم على أرباب الرئاسة فتأتى له بذلك أن تفتح له كل الأبواب، وغمرت محبته كل جوانح الأهالي، واستطاع أن يطهر الشواطئ من الدخلاء، ويحرر التراب الوطني من المدنيين والمستعمرين دون أن يضطر إلى استعمال أي سلاح، الأمر الذي جعله رحمه الله لا يولي قائدا حتى يسأل عنه العلماء الذين يحضرون دائما في ركابه، مثل السيد أحمد بن إبراهيم السملالي ونظرائه.
وبمثل هذه المعاملة الكريمة من المولى الحسن الأول ومن أتى بعده – رحم الله الجميع – اكتظت المدارس، وزخرت المعارف، وتوالت البعثات إلى تامكروت، وفاس ومراكش والأزهر الشريف، وتنافست القبائل على إشادة المدارس العلمية والكتاتيب القرآنية وعلى تنظيمها والقيام بها، بما خصص لها من ثلث الأعشار، وحبس عليها من الأثرياء، وبالهبات التي ترد عليها من صميم أموال السكان، الذين يدفعون ذلك كله سنويا بنظام خاص، وفي يوم معين، مما جعل عدد هذه المدارس يناهز المائتين كما ذكر المريشال ليوطي في بعض خطاباته (4).
وإن مما يحمد الله عليه، أن يبقى أمر هذا التعاون بين الملوك والعلماء والسكان ممتدا عبر العصور، وأن تستمر العلوم العربية في سوس متماسكة الحلقات، تحوطها جهود، وتبعثها قرائح، ويمدها الشعب والعرش بتنشيط ماي وأدبي عظيمين، مكناها – رغم الخمود الساري على كل العلم العربي في المغرب منذ صدر القرن الثالث عشر – من أن تواصل حركتها في صمود، وأن تتجاوز أمواج علومها الأطلس الكبير إلى قبائل الحوز، بفضل التمكديشيين الذين أسسوا من سنة 1242هـ مدارس مزوضة وأبي السباع، وكدميوة ومسفيوة، والرحامنة وغيرها من القبائل التي تشبعت بدورها بروح العمل التعليمي الذي يبشرها به العلماء التمكديشيون، وأن ما عثرنا عليه من ظهائر التوقير والتكريم التي تحمل طابع الملوك العلويين، والخاصة بعلماء المدارس العلمية العتيقة في كل من سوس وحاحا والشياظمة والحوز، لتدل دلالة صادقة على الاهتمام الذي يوليه هؤلاء الملوك لهذه المدارس وعلمائها المجاهدين والساهرين دوما على وحدة هذه الأمة، القائمة على العلم والدين، والحب المكين بين المبايِعين والمبايَعين،والتقدير الكبير لأمراء المومنين.
وقد أبى كل من الملك الراحل مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه، ووارث سره مولانا الحسن الثاني نصره الله، إلى أن يعملا في هذا الاتجاه، ويشجعا التعليم الأصيل في مؤسساته العتيقة، وفي معاهده الخاصة، فانتشر ي جل الأقاليم الخاصة، أقاليم سوس، التي نورها محمد الخامس بتارودانت، ومعهد الحسن الثاني في تزنيت، وفروعهما في كل من أكلو وماسة وسيدي بيبي وآيت ياها وتالوين، وتمنار وغيرها من المراكز التي حببت إلى الشباب الإقبال على العلم والدين والتخلق بالخلق الإسلامي العظيم.
وإذا كان مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه قد نظم القرويين ونشر علومها في المعاهد الإسلامية، فإن مولانا الحسن الثاني سار في نفس الدرب، وأنشأ عددا من المعاهد الأصيلة، وجدد نظام القرويين في شكل الجامعة، ووزع كلياتها في كل من فاس وتطوان ومراكش وأكادير، وأسس الدراسات الإسلامية العليا بدار الحديث الحسنية ومختلف الكليات.
وقد ذكرت الزيارة الملكية لأكادير بهذا التعاون الواصل بين الملوك والعلماء عبر العصور، وجعلت التاريخ يعيد نفسه، وشجعت المناسبة الكريمة جميع العلماء ليقوموا بواجبهم التاريخي والوطني، ويعمروا المساجد بتلاوة القرآن الكريم والدعوات الصالحة، ليحفظ الله أمير المومنين الحسن الثاني، ويمكنه من تحقيق طموحاته الشاملة لآمال المواطنين وكافة المسلمين.
وكم كان سرور العلماء عظيما حينما قرر مجلس جامعة القرويين المنعقد في دورته الثانية بكلية الشريعة بأكادير برسم السنة الجامعية 98/1990 ما دعا إليها مولانا الحسن الثاني أعزه الله منذ سنة 1961 من الاهتمام بطلبة المدارس العلمية العتيقة، وفتح المجال أمامهم ليواصلوا تعليمهم في التعليم العالي بالكليات التابعة لجامعة القرويين، وأجمع أمره على إنصاف هذا النوع من المواطنين بإحداث أقسام للكفاءة في الشريعة على غرار أقسام الكفاءة في الحقوق المطبقة كليات الحقوق منذ بداية الاستقلال إلى الآن.
وهكذا سارت بحمد لله الحركة العلمية الأصيلة في جنوب المغرب منذ القديم إلى الآن بفضل الارتباط الروحي المتين بين الملوك والعلماء عبر القرون، وبفضل هذا التواصل المتجدد في كل عصر على الشكل المفيد والمعين على نشر العلوم الإسلامية بين المومنين.
(إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)

لقد انطلقنا – منذ أناط الله بعهدتنا السهر على شؤونك – من اعتقاد راسخ مكين في قرارة نفسنا، وفحوى هذا الاعتقاد أن الرعية وديعة الله عند راعيها، ومن ثم كان اهتمامنا الملازم الذي لمست حرارته وتلمسها باستمرار في كل مبادرة نتخذها، وفي كل ممارسة نسخر لها قصارى كفايتنا وعنايتنا.
لقد منحنا مصالحك في جميع الظروف كامل رعايتنا، وآثرناها بالأسبقية والتقديم، قياما من بالواجب المتحتم، وحرصا منا على تأمين وتوفير رخاء العيش وطيب الحياة، والازدهار والرفاهية والأمن والاطمئنان لأجيالك المعاصرة، وللأجيال اللاحقة الواردة من ذريتك وأعقابك.
               من خطاب صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده،
                 الذي ألقاه في 2 رجب 1407 هـ/موافق 3 مارس 1987م.
                                       بمدينة الرباط.
                 بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد.

1) سيدي محمد المختار السوسي – سوس العالمة ص: 18.
(2) (نزهة الجلاس في أخبار أبي أحلاس) لمحمد بن أحمد الأدوزي مخطوط
(3) سيدي المختار السوسي (سوس العالمة) ص: 23.
(4) ( سيدي المختار السوسي (سوس العالمة) ص: 24.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here