islamaumaroc

حديث "السلطان ظل الله في الأرض" حديث متواتر -4-

  صهيب بن محمد الزمزمي- ابن الصديق

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

في اعتقادي أن الأحاديث التي يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على الولاة، والسمع والطاعة لهم في المنشط والمكره، تتضمن الدلالة على معنى هذا الحديث، وتستلزم وجوب إكرام الولاة وتحريم إهانتهم، تمكينا لهم من تحقيق العزة والمنعة للعباد والبلاد.
فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" من رأى من أميره شيئا يكرهه، فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية" رواه البخاري (7053) ومسلم (1849).
وعن ابن هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"...ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني". رواه البخاري (7131) ومسلم (1835).
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أوجب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية..." رواه البخاري (2955) ومسلم (1839).
وعن عوف ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فيلكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة..." رواه مسلم (1855).
ففي هذه الأحاديث إلزام للأمة بإسلاس قيادها للسلطان، وتحذير لها من مغبة عصيتنه والخروج عن طاعته، كما أنها تنطوي على إشعار بما للسلطان من الدور الهام في استتباب الأمن والاستقرار، وحماية الأنفس والأموال والديار. وبذلك، تكون الأحاديث المذكورة شاهدة لحديث:
"السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه الضعيف، وبه ينتصر المظلوم..."
ومن المعلوم أن الخبر إذا اعتضد بعموم كتاب أو سنة أو قياس أو معنى عقلي، يقبله العلماء، ويحكمون بصحته، سواء تعلق الأمر بالفضائل أم بالأحكام.
قال أبو الحسن ابن الحصار في "تقريب المدارك على موطأ مالك":
"قد يعلم الفقيه صحة الحديث – إذا لم يكن في سنده كذاب – بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به" (1).
وتحضرني ثلاثة أحاديث صححها العلماء من غير جهة السند:
1) عن عبد الرحمن بن سمرة قال:خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال:
"إني رأيت البارحة عجبا..." وذكر حديثا طويلا تجد نصه كاملا في " الجامع الصغير" للسيوطي.
وقد ضعفه – من جهة السند – ابن الجوزي والحافظ العراقي والهيثمي كما جاء في (فيض القدير" للمناوي، إلا أنه تابع من صححه من جهة المعنى فقال:
قال جمع من الأعلام: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، فينبغي حفظه و استحضاره والعمل عليه....وقال ابن القيم: كان شيخنا يعظم أمر هذا الحديث ويفحم شأنه ويعجب به و يقول: لأصول السنة تشهد له..."(2).
2)عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" رواه مالك في "الموطأّ. وقال عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (16/218-219):
هذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده، وهو عندي صحيح، لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به...).
فعلق عليه الحافظ بقوله في "التخليص" (1/10):(فرده من حيث الإسناد، وقبله من حيث المعنى).
3) عن معاوية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين". قال الحافظ في "الفتح"(1/165):
(وقد أخرج أو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعـيف وزاد فيه: "ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به". والمعنى صحيح، لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيها ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير).
وإذن، فالطريقة التي اتبعناها في تصحيح الحديث سليمة ليس عليها أي اعتراض إن شاء الله تعالى. وقد كان بعض المحققين يسمي هذه بطريقة "قبول الأخبار بالاستدلال " ليعادل ما بحثه الأصوليون في مسألة "رد الأخبار بالاستدلال).         
على أن الحديث بلفظ: "السلطان ظل الله في الأرض، فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله"، ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة سنده بدون مراء، فقد رواه عن أبي عاصم في "كتاب السنة" (1024) عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم يقول... فذكره بهذا السياق، وقال الشيخ الألباني في تخريجه: "حديث حسن". وصححه العم الدكتور ابراهيم ابن الصديق في بحث مستفيض (3)، فلم يبق – بعد – مجال لأي توهين أو تضعيف فيما يرجع إلى السياق المذكور.
وحسبنا هذا القدر من الحديث، فإنه كاف بابه، واف بالغرض الذي سبق من أجله، كما أنه قد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا لا يشك فيه من اطلع على الأحاديث المروية بلفظه أو معناه. وإليكم بيان ذلك باختصار:
أولا: الجملة الأولى من الحديث، وهي: "السلطان ظل الله في الأرض"، وردت من طريق سبعة من الصحابة هم:
 (1) أبو بكرة، روى حديثه الطبراني والبيهيقي في "شعب الإيمان" وابن عاصم في "السنة" بلفظ "السلطان ظل الله في الأرض، "فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله".
2) أبو هريرة، رواه أبو محمد بن يوسف في "جزء من الأمالي"، ومن طريقه ابن النجار.
3) أنس، رواه أبو الشيخ والخطيب في: غريب الحديث".
4) أبو عبيدة، رواه ابن عاصم في "السنة (1013).
5) عمر، رواه أو نعيم في "فضيلة العادلين من الولاة".
6) ابن عمر، رواه الحكيم والبزار والبيهيقي.
7) أبو بكر، رواه أبو الشيخ بلفظ "السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض"(4).
ثانيا: الجملة الثانية من الحديث، وهي: "فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله"، قد جاءت بهذا اللفظ أو بمعناه من طريق سبعة من الصحابة هم:
1) أبو بكرة، جاء في حديثه المذكور سابقا تحت رقم "1"
"...فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله".
2) أبو هريرة، جاء في حديثه المشار إليه برقم "2":
"...ومن أكرم سلطان الله في الدنيا أكرمه الله يوم القيامة".
3) أبو ذر، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون بعدي سلطان فأعزوه، من التمس ذلة ثغر؟؟غرة في الإسلام، ولم يبق منه توبة حتى يعيدها كما كانت". رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/165)، وابن عاصم (1079)، وقال الألباني في الخريجه: "إسناده صحيح".
4) معاذ، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنا على الله عز وجل: من عاد مريضا...أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره..." الحديث، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد: (رواه أحمد البزار والطبراني في "الكبير" والأوسط"، ورجال أحمد رجال الصحيح خلا ابن بهيعة، وحديثه سحن، وفيه ضعف)، وقد صححه الحاكم في "المستدركّ (1/212، و 2/90) ووافقه الذهبي.
5) أبوعبيدة، في حديثه المشار إليه برقم "4":
"لا تسبو السلطان..."
6) أبوأمامة، لفظ حديثه: لا تسبوا الأئمة، وادعو الله لهم بالصلاح، فإن صلاحهم لكم صلاح". رواه الطبراني.
7) عياض بن غنم، قال لهشام بن حكيم – وهو صحابي أيضا: ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به"، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه". رواه أحمد والحاكم وبان أبي عاصم، وهو صحيح بمجموع طرقه كما قال الألباني في تخريج "السنة"(1/521-523).
8) وعن أنس قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا، فإن الأمر قريب" رواه ابن أبي عاصم (1015) وقال الألباني: "إسناده جيد". ومعنى ذلك أنه أقوى من الحسن لذاته وأنزل رتبة من الصحيح، كما أفاده السيوطي في "تدريب الراوي" (ص 104-105).
وفي هذا الخبر دليل على أن التوصية بتعظيم السلطان وإكرامه وعدم إهانته، كانت منتشرة بين كبار الصحابة يوصون بها صغارهم. ويبعد – في العادة – أن يتواطؤوا على هذا المعنى من غير أن يكون لهم به علم من النبي صلي الله عليه وسلم.
                                                   -3-

قال السيوطي في "تدريب الراوي" (ص 374-375):
(قد قسم أهل الأصول المـتواتر إلى لفظي، وهو ما تواتر لفظه، ومعنوي...وذلك أيضا يتأتى في الحديث، فمنه ما تواتر لفظه كالأمثلة السابقة، ومنه ما تواتر معناه كأحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عنه صلي الله عليه وسلم نحو مائة حديث، فيه رفع اليدين في الدعاء، وقد جمعتها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكل قضية منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع).
والمتبادر من كلام السيوطي أن التواتر المعنوي لا يحصل إلى بمثل العدد الذي ذكره، بيد أن المنصوص عليه في كتب الأصول أن التواتر قد يتحقق بما دون ذلك العدد بكثير، ففي "جمع الجوامع" لابن السبكي" (والمتواتر معنى أو لفظا وهو خبر جمع يمتنع تواطؤهم على الكذب عن محسوس...ولا يكفي الأربعة... وما زاد عليها صالح من غير ضبط).
ومن ثم، فإن السيوطي، نفسه حين جمع كتاب "الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة" أَوْرَدَ فيه نحوا من أربعين حديثا لم يبلغ رواة كل واحد منها عشرة من الصحابة، وفي تضاعيف ذلك ساق حديثا من رواية ستة من الصحابة، وثلاثة أحاديث من رواية خمسة من الصحابة، وحديثا من رواية أربعة، وحديثين من رواية ثلاثة، وحديث من رواية صحابي واحد فقط! وهذه أرقامها في الكتاب المذكور(45، 68، 75، 87، 88، 89، 90، 95).
وفي ضوء ما سبق، لم نر أي مانع من الحكم على حديث "السلطان ظل الله في الأرض..." بالتواتر...، لأن معناه قد جاء من رواية أحد عشر صحابيا بألفاظ متقاربة، منها ما هو صحيح السند، ومنها ما هو ضعيف السند، غير أن وجود الضعيف بينها لا يقدح في صحة حكمنا على الحديث ولا يوهن من قوته، إذ المدار في التواتر على حصول العلم –الضروري أو النظري بثبوت الخبر نتيجة لكثرة رواته، فمع وجود هذه الكثرة لا يجب أن تكون جميع الأسانيد صحيحة، فقد أشار السيوطي في"تدريب الراوي" (ص83) إلى أن الحكم للحديث بالتواتر لا يمتنع إذا وجدت الطرق المعتبرة لذلك.وفي موضع آخر من الكتاب (ص 371) اختار أن أقل عدد يحصل به التواتر هو عشرة. كما حكى في الكتاب نفسه (ص64) أن المتواتر لا يعتبر فيه عدالة.
وتوجد عدة أحاديث من هذا القبيل اعتبرت متواترة من طرف بعض العلماء لنفس السبب الذي أومأنا إليه آنفا، ولنذكر منها على سبيل المثال، حديث:
"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وحديث: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
وحديث: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"
وحديث: "أول ما خلق الله النور المحمدي" !
وأحاديث: "الأمر بالطاعة للأمة والنهي عن الخروج عليهم".
وحديثنا، يتميز على بعضها بكونه قد حفته قرائن، وتعزز بشواهد لا تبقي شكا في أنه حديث متواتر...

(1)"تدريب الراوي" ص 25.
(2) "فيض القدير" (3/25).
(3) "دعوة الحق" العدد 280.
(4) "الجامع الصغير" للسيوطي "كتاب السنة "لابن أبي عاصم، "السلسلة الضعيفة للألباني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here