islamaumaroc

من العطاء الفكري الحسني

  الحاج أحمد ابن شقرون

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

إن العطاء الفكري، الذي جاء به مولانا الحسن الثاني نصره الله، باد للعيان ومنتشر في كل مكان، ومستقر في كل جنان، وجار على كل لسان، والذي يفرض نفسه في المقدمة، هو حدث القرن، أعني حدث المسيرة الخضراء، إلى قلب الصحراء، لأنه من المبرات التي لا تزدهر إلا في عقل ملكنا الهمام، وإمامنا الضرغام، الذي عاش يشيد، ويبني، في كل لحظة، ويجود بالخير العميم، للمغرب والمغاربة على الدوام.
وخير ما توصف به هذه المسيرة، ما جاء في الخطاب الذي وجهه إلى الأمة، بمناسبة الذكرى الثامنة لانطلاق المسيرة الخضراء، حيث قال حفظه الله: ( المسيرة الخضراء مكنتنا من الصحراء، وحينما أقول مكنتنا من الصحراء، أقول مكنتنا من الصحراء فعلا، ولكن بكيفية خارقة للعادة، مكنتنا دون سلاح، مكنتنا دون هجوم، مكنتنا دون إصابة في الأرواح، والأموال، مكنتنا من جزء عزيز علينا من ترابنا الوطني، وليس في يدنا إلا كتاب الله، ورايتنا الحمراء، التي تتوسطها النجمة الخضراء).
ولقد أمر حفظه الله، ببناء السدود، وحماية الحدود، فكان له ما أراد. وأحيى كراسي العلم بالقرويين بفاس، ومراكش، وتطوان. وأنشأ أربعة عشر مجلسا علميا عبر المملكة، معتزة بالعمل تحت رئاسة مجلسه العلمي الأعلى. وأنشأ أكاديمية المملكة المغربية، وكونها من نخبة رجال العلم في العالم. وأمر ببناء مساجد لا تحصى، في طول البلاد وعرضها، بل إنه أمر ببناء مساجد خارج المملكة، لما طبع عليه من إيمان عميق بالله، وسعي في نشر تعاليمه الحنيفية السمحاء في العالم.
وهذا مصحفه الحسني، ينطق بذلك، ويعبر عنه أحسن تعبير، ويرى الجميع ما يقوم به جلالته من الأعمال البناءة، في جميع المجالات الحضارية، والفكرية، والثقافية، وغيرها. وأنشأ دار الحديث الحسنية للعناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو حفظه الله نسيج وحده، في مواصلة الدؤوب على العمل المثمر، الذي خطا بالمغرب الجديد، خطوات موفقة، إلى الأمام، فأصبح فخورا، بما وصل إليه في جميع المجالات بفضل بانيه العظيم، ومؤطر أمجاده، مولانا الملك الحسن الثاني نصره الله.
إن مبادرات جلالته الواسعة، التي تحدث عنها، وعن آفاقها، كثيرون، لن تحيط بها أقلام البلغاء، ولا ألسنة الفصحاء، ولا روائع الشعراء، لأنه مما وهبه الله من جودة فكر، وقدرة على الإبداع، أصبح عطاؤه الثر من السعة، والقوة، والشمول، ضاربا في عنان الكمال، وجامعا شتى مجالات التنمية، التي برزت للعالم في مدى ثلاثين سنة، تربع فيها على عرش أسلافه الغر الميامين. لأن اسم جلالة الحسن الثاني نصره الله ، يقترن دائما بالمواقف الشريفة.
فإذا تحدث فاقتبس من نطــقه  ما شئت من غرر تجيء بمنتقى إن الله تعالى ألان له اللغات، واللغة العربية الفصحى بالطبع في المقدمة، كما ألان لسيدنا داوود الحديد، فهو إذا أخذ يتكلم في أي موضوع، من الموضوعات العامة أو الخاصة، بهر وأمتع، بأسلوبه الأخاذ، والعالم كله يعرف هذه الحقيقة، التي تدل على عمق ثقافته، وبالغ حكمته، واتساع أفقه، وحاضر بديهته، في جميع نواحي المعرفة، والبطولات النادرة، التي هي مفخرة العصر، وآية السمو البشري، والتكوين المثالي، والعمل النموذجي، الذي يتفضل الله به على من شاء من عباده، العباقرة الأفذاذ، الذين لا يجود بهم الزمان إلا نادرا، وفي مقدمتهم جلالة الحسن الثاني الذي هو مفخرة العبقرية العالمية. لقد تفضل فنشر على العالم الإسلامي، رسالة القرن الخالدة، التي ضمنها نصائحه الغالية، من كتاب الله تعالى، وسنة نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وعليه، فإذا وقفنا وقفة تأمل، مغمورة بعميق الإيمان، نتدبر رسالة ملكية أخرى، وجهها حفظه الله إلى العلماء، تلك الرسالة، التي حلل فيها بعمق، ما يهدف إليه الغزو الفكري، من مس بقيمنا الروحية وكياننا الأخلاقي، المستمد من تعاليم الإسلام، بما يود أن يوقعنا فيه من انحراف وشعوذة، فإننا نجده يقول فيها حفظه الله:
" إن شعورنا بعبء المسؤولية، الملقاة على عاتقنا كأمير للمؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، يجعلنا حريصين أشد ما يكون الحرص، على وحدة صف هذه الأمة وحمايتها من الانحراف والشعوذة – ويؤكد – رعاه الله – على أن الغزو الأجنبي، لم يبق معتمدا على الأساطيل، والجيوش، بل أصبح يهدف إلى الاستيلاء على العقول، واسترقاق الأرواح بما يجيء به من قيم براقة المظهر، ملغومة المخبر".
وفي معرض نصيحته الغالية يروي الأثر القائل: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
ويمضي – حفظه الله – في نصيحته الملكية السامية فيقول:
( معشر العلماء الأجلاء، أنتم ونحن معكم مسؤولون عن تقويم ما اعوج من أخلاق هذه الأمة،
وذلك بالرجوع إلى ما ورثناه، من صفاء في العقيدة، وتمسك بكتاب الله، واقتداء بسنة رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويتلو قول الله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا)
ويشيد بوحدة الدين، عن طريق وحدة المذهب المالكي وذلك بالالتفاف حول راية إمام دار الهجرة – رضي الله عنه – الذي كفنانا شر الانقسام، ومحنة الجفاء والخصام، كما يشيد بوحدة الصف حول قضيتنا المصيرية: قضية صحرائنا المسترجعة، ويقول: (لولا وحدة صفنا لما كانت المسيرة الخضراء، ولما عادت إلى أهلها الصحراء).
وهكذا ينثر علينا درره الغالية، في شؤون ديننا، وأخلاقنا، ووحدة مذهبنا، وقضية صحرائنا، ملك العلماء وعالم الملوك: مولانا الحسن الثاني، نصره الله وهو يخاطب علماء مملكته الملتفين حول عرشه، والمعجبين بحكمته.
ويطيب لي أن أختم هذه الكلمة، بدرر غالية لجلالته، جاءت في خطاب العرش، للذكرى الثانية والعشرين لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين، حيث قال حفظه الله:
(فظروف قيام العرش العلوي، لها خصوصيتها، التي جادت بها العناية الربانية، وأسبلت عليها ميسمها المنفرد الممتاز ... وما قام عماد عرشنا بوسائل الضغط والإكراه، ولا تحت ظلال الرماح... وإنما قام عرشنا بعفو الضمائر، ومن إملاء النفوس، ووحي السرائر، فطربت له القلوب راضية، وامتلأت بالاعتزاز، وطفحت بالهناء والاطمئنان.
"(ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)".

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here