islamaumaroc

خطاب جلالة الملك محمد الخامس بمناسبة تنصيب الملك الحسن الثاني وليا لعهد المملكة

  محمد الخامس

العدد 282 شعبان 1411/ مارس 1991

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
شعبنا الوفي،
نتوجه إليك بالخطاب في هذه اللحظة السعيدة من تاريخنا الوطني، فنشكرك على ما أعربت عنه وتعرب في مختلف المناسبات من تعلق بأهداب العرش الشريف والالتفاف حول ملكك الذي استحوذت على جملة تفكيره وهيمنت على كافة نشاطه فأصبح لا يفكر إلا فيك ولا يسعى إلا في إصلاح حالك وإعزاز جانبك ورفع مستواك، وإن هذه الثقة التي مازلتَ تولينا إياها لهي النبراس الذي نهتدي بسناه في حل ما يعترض من المشاكل ويواجه من الأزمات متفائلين معها بالمستقبل السعيد والعيش الرغيد متخففين من الوصول بالبلاد إلى ما تصبو إليه من ازدهار ورخاء وتتوق إليه من مجد وعظمة ورقي وكمال: ولقد سررنا كل السرور بما تقدمت به من متمنيات وأفصحت عنه من رغبات، بإسناد ولاية عهدنا إلى نجلنا البار الأمير مولاي الحسن أصلحه الله، وكان السرور أتم والفرح أعم لكون هذه الرغبات جاءت تلقائية عاطفية وجدانية دفع إليها شعور باطني عميق وإحساس نفسي نبيل وإن الأمة المغربية أجمعت عليها من غير استثناء ممثلة في مجلسها الوطني وأحزابها السياسية وهيئاتها العلمية ومنظماتها النقابية ومؤسساتها المهنية وجماعاتها الشعبية. فطيلة أسابيع تلقى القصر الملكي آلاف  العرائض والرسائل والبرقيات في تأييد الملتمس الذي تقدمت به حكومتنا في هذا الشأن، حتى صارت قضية ولاية العهد بمثابة استشارة شعبية تلاقت فيها أماني الملك والشعب في نقطة سواء. فإزاء هذه الرغبات الملحة والملتمسات القوية، قررنا تنصيب ابننا الأمير مولاي الحسن فيما رشحناه له صغيرا تنصيبا رسميا شرعيا قانونيا، فهو ولي عهدنا ووارث عرشنا والقائم بأمر المًلك والمضطلع برئاسة الدولة من بعدنا، ولم نكن شهد الله لنقدم على توليته وإسناد تبعة العهد إليه ومسؤوليته لو علمنا أنه غير أهل له ولا كفئ للنهوض بأعبائه، فإننا إن فعلنا ذلك نكون مسؤولين أمام الله والتاريخ عما يظهر منه من تهاون ويقع من أخطاء، ولكننا رشحناه لولاية عهدنا منذ الصغر لما لاح لنا فيه يومئذ من مخايل الصلاح وبوادر الاستقامة، ثم التقت اليوم رغبة الأمة مع رغبتنا فيه، بعدما لمسنا جميعا فيه من حزم وآنسنا من عزم وعلمنا ماله من غيره وعرفناه ما له من حنكة ورأينا من اقتدار. لقد رأيت منه أثناء أزمات العهد البائد والاصطلاء بحر المكائد والشدائد ما يثلج الصدر ويقر الناظر من غيرة على الوطن وإخلاص للشعب ودفاع عن الحقوق وذياد عن الكرامة وكفاح من أجل السيادة، ثم وجدت منه أثناء المحنة الكبرى خير معين على اجتياز صراطها وأكبر مساعد على حمل أثقالها، فكان البار بإخوته الحاني على أسرته يؤنسهم في الوحشة وينسيهم ألم البعاد والغربة، ويجد اللذة في مرضاتهم، وينشط في قضاء حاجاتهم، ويزيدهم بثباته وصبره إيمانا مع إيمانهم، كل هذا مع شديد حنينه إلى بلاده وتتبعه لسير الأحداث فيها، ويقينه بأن العاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا غرور، فقد ربيته على تعاليم الإسلام وطبعته بمكارم الأخلاق وأدخلت في روعه الجد والرجولة وعلمته أن اللذة الحقيقية إنما هي في خدمة الوطن والسهر على مصالح سكانه ثم أخذته بالتدريب وعجمت عوده بالتجريب فلم تخب فيه الظنون ولا بدا منه غير المرجو والمأمول، ورأى الشعب منه ما رأيت وعلم مثل الذي علمت حتى أقتسم وإياي فيه الرأي وشاطرني النظر، فنما في قلبه حبه وعظمت في نفسه الثقة به، وإنني في هذه الساعة العظيمة أدعو الأمة إلى شد أزره وتعليق الأمل عليه فقد أعطى القوس باريها وأسكن الدار بانيها. ولتجعل من ثقتها بنا ثقة به، ومن التفافها حولنا التفافا حوله، وتوجيها إليه.
فأنا شهيد على إخلاصه ضامن لنصحه وجميل وفائه، وإن من بشائر الرضى وآيات القبول أن تقترن في هذا الحادث السعيد ثلاثة أعياد وتلتئم ثلاث مسرات، مسرة بعيد الأضحى المبارك الذي هو عيد الإسلام الأول وموسمه الأجل، ومسرة بعيد ميلاد الأمير الذي كان فاتحة نهضة وبادرة يقظة، ومسرة بعيد تنصيبه الذي طالما كان أمنية البادي والحاضر ورغبة القاصد والصادر ولا جرم أن اجتماع هذه المسرات بهذه الأعياد سينسيكم ذكرى الواقعة المؤلمة التي حلت بنا في هذا العيد منذ أربعة أعوام يوم نفينا من البلد وأبعدنا من عرش الآباء والأجداد فالحمد لله الذي مسح آية الباطل بآية الحق، ومحا بصبح الحرية و الانعتاق ظلام العبودية والرق.
وها نحن باستجابتنا لرغبتك خطونا خطوة كبرى في تقعيد قواعد الملك وإقامة بنيانه على أساس متين، فهذا التنصيب الذي لن يخفف شيئا من عبء الأمانة التي طوق الله بها عنقنا سيزيد ولا شك من مسؤولية ولي العهد ويقوي عزمه على خدمة البلاد وأهلها أكثر من ذي قبل، وهو داخل في إطار تنظيم الدولة العام الذي كنا وما نزال حريصين على تحقيقه وإبرازه في أحسن مظاهرة وأكمل وجوهه، فقد عاهدنا الله على أن لا ندخر وسعا في تحسين أحوال الأمة وإصلاح نظم الحكم فيها وآلينا على أنفسنا أن نصل سواد الليل ببياض النهار في العمل على نفعها والسعي في جلب الخير إليها إلى آخر رمق من حياتنا محافظين على ما انحدر إلينا من ماضينا المجيد من القواعد السليمة والعادات القويمة ومقتبسين من أحسن ما اهتدى إليه المصلحون في الحاضر من القوانين التي تبسط الأحكام وتقيم العلائق بين الرئيس والمرؤوس على صرح التعاون والمودة والاحترام بهمة لا تعرف الملل وعزيمة لا يتطرق إليها الكسل، حتى نصل بشعبنا الوفي إلى ذروة الكمال، ونبلغ به مصاف الدول الديمقراطية العظيمة.
وأنت يا بني،
ها قد أفاء الله عليك من عوارف إنعامه وأضفى عليك سوابغ قبوله وإكرامه وألف بين القلوب على حبك وأطلق الألسنة بمدحك والثناء عليك، فاحمد الله الذي شرح للإيمان صدرك ورفع بالأخلاق قدرك، ونشر بالتضحية في الخافين ذكرك، وإياك أن تحيد عن صراط الإسلام القويم أو تتبع غير سبيل المومنين فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان، ولا حلية في المحافل كالتقوى، واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وتقرب منه بالأعمال الصالحة ذراعا، يتقرب منك توفيقك باعا، واجعل القرآن المصباح الذي تستضيء به إذا ادلهمت الدياجي واشتبهت عليك السبل، وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة، أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده.
يا بني،
أوصيك بالمغرب بلدكم الكريم ووطنك العظيم، مستقر الجد والوالد، ومستودع الطارف والتالد، خميلتك التي ارتضت بنسائمها رئتاك، وتملت من محاسنها مقلتاك، وتغنت بألحانها شفتاك، فحافظ على استقلاله ودافع عن وحدته الجغرافية والتاريخية، ولا تتساهل في شيء من حريته ولا تتنازل عن فلامة ظفر من تربته، وإياك أن تقبل المساومة على أمنه وسلامة سكانه، وإذا داهمته الأخطار أو تهددته الأعداء فكن أول المدافعين، ويسر في طليعة المناضلين كما أريتني يوم تعرضت معي للبلاء فبدوت بطلا كامل الرجولة شهما تام المروءة واخترت معي من أجل هذه البلاد شظف حياة الشرف على رغد عيشة الاستخذاء، وارجع بين الفينة والأخرى إلى التاريخ يحدثك عن همم أجدادك وعزائم أسلافك، وكيف أخلصوا النية لله في حماية هذا الوطن وحياطته من الأهوال والأخطار، فجندوا الجنود وأعدوا العدد لاسترجاع مراسيه وتحصين ثغوره ودري الطامعين وصد المغيرين، فكن يا ولدي خير خلف لخير سلف، وليكن عملك لوطنك ومحافظتك على استقلاله ووحدته أمرا يقتضيه منك شرف المسؤولية وتفرضه عليك تقاليد الأسرة في آن واحد.
وكن يا بني ديمقراطي الطبع شعبي الميول والنزعات، فأنت تعرف أن أسلافك الأكرمين ما وصلوا إلى الملك قهرا ولا اقتعدوا العرش قسرا، وإنما كان تقدمهم إلى السلطان ضرورة دعت إليها مصلحة الوطن العليا أوى منهم الشعب إلى ركن ركين ولاذ بحصن حصين، واجتمعت عليهم كلمته بعدما وزعته الأهواء وشتتها الفتن، فحموا الذمار، ونفوا العار، واجتهدوا في رتق الفتوق ورأب الصدوع، وحماية البلاد من المطامع ووقايتها مما يتهددها من أخطار، متعاونين مع أمتهم مقتسمين وإياها الحلو والمر والسراء والضراء. فاحرص يا ولدي على تتميم رسالة أسلافك والمحافظة على الأمانة التي من أجلها دعوا إلى الملك وتبوأوا أريكة السلطان، وكن من الشعب وإلى الشعب يسعك ما يسعه ويضيق عنك ما يضيق عنه، ولا تبخل عليه براحة ولا تضن عليه بمجهود، وآثره على قرابتك الوشيجة وبطانتك المقربة، فإنه أسرتك الكبرى، وعشيرتك العظمى. وتذكر أن جدك الحسن الأول كان عرشه على ظهر فرسه، لكثرة تنقله في البلاد ومشيه في مناكبها متفقدا للرعية سامعا للشكاة مستأصلا لجراثيم البغي والفساد.
فكن للناس بمثابة الأب الرؤوف والأم الرؤوم ترحم الكبير وتحنو على الصغير وتقضي الحاجات وتعين على النائبات وتدخل الفرح بالرعاية والعناية على القلوب.
واعلم يا بني أن الحكم خطة يبتلي بها الله من يشاء من عباده، فواحد قدرها ورعى بها الحقوق وصان الحرمات، فرجحت بها كفته وكان من المفلحين، وآخر بطر بها وأشر، وطغى واستكبر، فخف بها ميزانه وكان من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكن من الذين رجحت كفتهم، ولا تكن من الذين خفت موازينهم، ولن يتأتى لك ذلك إلا إذا أخذت من أمرك بالحزم، واستعنت على الرأي بالعز، وعملت عمل اليوم في يومه ولم تؤخره إلى غد، وعظم من عظم في عينك بالحق، وصغر من صغر بالباطل، وبدأت بالأوكد قبل الأكيد، وقدمت الأوجب على الواجب، فإنه لا تقبل النوافل حتى تؤدى الفرائض، وبدأت بنفسك قبل أن تتجه بالنصح إلى غيرك وكنت مخلصا في سرك وعلانتيك، عادلا في رضاك وغضبك، ومقتصدا في يسرك وعسرك، مسويا بين الرعية في الحقوق والواجبات، فإنك منهم بمنزلة الأب وهم بمنزلة الأبناء، واحذر من المزالق قبل وضع القدم، فإن زلة الملوك لا تقال.
يا بني،
وأنت اليوم كبير الأسرة المالكة وعماد صرحها، وكما تقتضي ولايتك لعهدي أن تخلفني في الأمة تقتضي منك أن تخلفني في أسرتي، وإن لهذه الأسرة عليك من الحقوق مثل الذي للأمة عليك، فكن أمينا على مجدها، غيورا على شرفها، حفيظا لسؤددها وعزها، وصل رحمها، وحقق أمانيها، ولب في دائرة المعروف رغائبها ومطالبها، واعمل على أن تكون مثلا أعلى لأمتك علما ونبلا، واستقامة وفضلا، وأوصيك على الخصوص بأسرتك القريبة، وبطانتك الوشيجة، من إخوان وأخوات، وأمهات، وكل من يلابسنا في حياتنا الداخلية ويقاسمنا معيشتنا البيتية الخاصة، فهؤلاء كن منهم بمنزلتي منهم، تجبر خواطرهم وتدخل السرور على قلوبهم، وتجعل عزك عزهم، وسنائك سناءهم، ولا تستأثر بشيء مما أفاء الله عليك إلا ما جعله القانون خالصة لك من دونهم، ولا تنس يا ولدي أن المغرب من بلدان الإسلام وأنك واحد من المسلمين، فضع نصب عينك تلك الأخوة السامية التي بشر بها الإسلام ودعا إليها، وبين حقوقها وواجباتها وبذر حياتها في قلوب معتنقيه حتى أصبحوا بنعمته إخوانا وإن تباعدت أنسابهم وتناءت ديارهم، ولا تنسى ما حاط دينك هذه الأخوة به من سماحة وسجاحة ورحابة صدر وسعة فكر وبر وإقساط حتى مع الذين لا يعتنقونه، فاحرص، يا بني على تثبيت دعائم هذه الأخوة وتقوية أواصرها، وكن والمسلمين كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وكن شديد الاهتمام بقضاياهم تنصرها في المحافل الدولية وتدافع عنها في المجامع الأممية، واعمل على أن تجعل من المغرب بحكم موقعه الجغرافي صلة وصل بين الشرق والغرب، وأداة ربط بين الحضارتين العربية والأوربية.
يابني،
هذه نصيحتي إليك أقدمها لك أمام الملأ جهارا، بعد ما أسررت بها إليك مرارا وتكرارا، ويقيني أنك ستعمل بها لما أعهده فيك حسن السمع وجميل الطاعة، ورضاي يا ولدي يحفك في حالك ومآلك، ودعواتي الصالحة تلاحقك في حلك وترحالك، ورجائي في الله سبحانه وتعالى أن ينير بصيرتك، ويطهر سريرتك، ويسدد خطاك ويهديك سبيل الرشاد.
 
                          الثلاثاء 10 ذي الحجة 1376 – 9 يوليوز 1957   

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here