islamaumaroc

فهرسة المخطوط العربي في بعض البلدان المتوسطية: خزانات الفاتكان والوطنية الفرنسية والأسكوريال نموذجا

  أحمد شوقي بنبين

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

يعتبر المخطوط جزءا مهما من تراث الأمة العربية، ووثيقة هامة من وثائق وجودها الحضاري، وإن ما خلفته الحضارة العربية الإسلامية من مخطوطات يعد أعظم ذخيرة فكرية مما خلفته أية حضارة أخرى في العالم. وقد شاء القدر أن تملك الشعوب الغير العربية أكثر مما يملكه العرب من تراثهم المخطوط، وقد حظيت الدول الأوربية والمتوسطية منها على الخصوص بحصة الأسد من هذا الموروث الثقافي الذي لا يشك في أنه كان من بين الركائز الأساسية التي قامت عليها نهضتهم.
وإذا كانت الفهرسة عاملا من عوامل الحفاظ عل أصول التراث المخطوط الذي خضع – كما نعلم بحكم تعاقب العصور – لألوان من التغيير وأنواع من التحريف، فإن علماء الغرب بعد تجميعه وصيانته فقد دعوا إلى فهرسته لتيسير سبل الانتفاع به والاستفادة منه.
كيف بدأت فهرسة المخطوط العربي في الدول المتوسطية التي كانت من السباقين إلى تجميع هذا التراث؟ ما هي العوامل التي دعت إلى هذه العملية العلمية؟ ومن تصدى لفهرسته في مكتبات هذه الدول. هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا العرض الوجيز. 
وبما أن الخزانات المحتوية على المخطوطات العربية كثيرة، وفهارسها متعددة، ارتأينا أن نقتصر على ثلاثة منها لأنها كعبة الباحثين في التراث العربي المخطوط، وقبلة المستشرقين المهتمين بفكر وثقافة الشرق، وذلك لرصيدها الغني من المخطوطات الشرقية، ما كان لعلماء أوربا أن يدركوا فكر الشرق وحضارته دون تنظيمها وفهرستها والبحث فيها باعتبارها الوعاء الواسع لهذا الفكر وهذه الحضارة.
والخزانات الثلاث التي تم الاختيار عليها والتي كانت من المؤسسات الأولى التي حظي رصيدها المخطوط بالتنظيم والفهرسة هي خزانة الفاتيكان بروما، الخزانة الوطنية الفرنسية بباريس، وخزانة الاسكوريال بمدريد.
وقبل البحث في الظروف والعوامل التي دعت إلى الاهتمام بالمخطوطات العربية وفهرستها في هذه المكتبات يجدر بنا أن نشير إلى جهود القدماء وفي هذا المجال، حيث نلاحظ أن الطرق التي استخدموها في الفهرسة قد تركت بعض آثارها في الفهارس الحديثة. ومن غريب الصدفة أن يكون أقدم فهرست وضع كان في بلد من البلدان المتوسطية ويتعلق الأمر بالفهرست البيبليوغرافي الذي وضعه الشاعر اليوناني كاليماخوس (Callimacus) في القرن الثالث قبل الميلاد لأهم خزانة في العصر القديم خزانة الإسكندرية(1). ويعتقد الأخصائيون أنه أول فهرست منهجي وضع في التاريخ باعتبار الطريقة العلمية التي لجأ إليها كاليماخوس في تقسيمه المعرفة تقسيما علميا وتصنيف الكتب حسب هذا التقسيم(2).
أما جهود القدماء من العرب في وضع الفهارس، فإن كتب التاريخ والحضارة تحدثنا بأن الفهرسة بدأت مع بداية الخزانة المنظمة في المجتمع الإسلامي. وإذا كان أقدم ما وصلنا منها يرجع إلى القرن السابع الهجري فإن خزانة بيت الحكمة كان لها فهارس، وأن المأمون العباسي كان يطلبه من حين لآخر.
وفي العصر الحديث فإن فهرسة المخطوطات العربية المحفوظة بالخزانات الأوربية لم تتم ممارستها في البداية على يد المستشرقين الذين اهتموا بدراسة وتدريس اللغة العربية، وتأليف الكتب في نحزها وصرفها لتلامذتهم في مختلف الدول العربية بل مارسها المشارقة الذين كانوا يتقنون اللغة العربية بالإضافة إلى اللغات السامية والشرقية واللغات الهندية الأوربية، وكان هؤلاء المشارقة يتكونون بالدرجة الأولى من الهوارنة اللبنانيين الذين سمح لهم اتحاد كنيستهم بالفاتيكان في أواخر القرن السادس عشر (1575 م) بالنزوح إلى روما لدراسة اللاهوت، فأصبحوا من العلماء الكبار في الكنيسة الكاثوليكية، بعضهم عاد إلى لبنان وأسس فيها المدارس بمساعدة البابوية والبعض استقر في أوربا يتعاونون مع الفاتيكان في ترجمة العديد من الكتب اللاهوتية الكاثوليكية إلى اللغة العربية، ثم توزع هذه الترجمات بين النحل الأخرى من نصارى الشرق الأوسط، ولم يقتصر نزوح المشارقة إلى روما فقط بل رحلوا إلى فرنسا كذلك حيث بنى لهم هناك كولبير Colbert وزير الملك الفرنسي لويس الرابع عشر مدرسة لتعليمهم بالمجان(3). فتخرج فيها لبنانيون وسوريون تركوا آثارهم في الثقافة العربية بهذا البلد، ولما تجمع لدى أوربا منذ القرن السابع عشر ذاك الرصيد الضخم من المخطوطات الشرقية وزخرت خزاناتها بمجموعات من الكتب من إهداء الملوك والوزراء والسفراء والقناصلة والتجار والرحالة اضطرت إلى فهرستها وتنظيمها. فولت الأمر هؤلاء المشارقة الذين كانوا أول من تصدى لفهرسة التراث العربي المخطوط المكنوز في هذه الخزانات، وهكذا تولى بطرس دياب الحلبي فهرسة مخطوطات الخزانة الملكية الفرنسية (الخزانة الوطنية حاليا) كما تولى بعده نفس المهمة باروت السوري الذي كان مترجما في مكتبة الملك، وبعدهما فهرس هذه المخطوطات الأب يوسف العسكري الهاروني، اشتغل هؤلاء الثلاثة بالمخطوطات العربية في فرنسا قبل أن يشتغل بها عدد من المستشرقين أمثال : Renaudot  و d’Herbelot و de Slane و Vojda و Sauvan وGuidon وسواهم. وفي إيطاليا كانت أسرة السماعنة المارونية أول من تصدى لفهرسة التراث العربي المخطوط، سواء في الفاتيكان (Vaticane) أو في غيرها من المكتبات، فكان يوسف شمعون واضع أول فهرست لمخطوطات الفاتيكان، وتبعه في هذا ابن شقيقه عواد السمعاني الذي فهرس مخطوطات كل من الفاتيكان والمكتبة الطبية4 بمدينة فلورنسا (Florence). فاشتغل هؤلاء المشارقة بالمخطوطات العربية قبل أن يشتغل بها جويدي (Guidi) ونالينو (Nallino) وجورجيوليفي دلافيدا (Georgio levidella vida) وغيرهم. وفي إسبانيا كان ميخائيل الغزيري أول من فهرس المخطوطات العربية المحفوظة بدير الاسكوريال قبل أن يهتم بها H. Derenbourg و Renaud و Provençal وسواهم. وإذا كان العامل الديني هو الحافز في البداية إلى الاهتمام بالمخطوطات الشرقية فإن التفتح على الشرق والوقوف على الثقافات الأخرى خارج أوربا المسيحية الذي دعت إليه الحركة العقلانية في الفكر الأوربي في عصر التنوير من جهة وفرضته أهداف أوربا السياسية الاستعمارية من جهة أخر، جعل الوقوف على المخطوطات الشرقية بما فيها العربية أمرا ضروريا لتحقيق هذه الأهداف، فليس إذن من الصدفة في شيء أن يكون صدور الفهارس الأولى للمخطوطات العربية المحفوظة بإيطاليا وفرنسا وإسبانيا في القرن الثامن عشر الميلادي.
أما في القرن التاسع عشر حيث ظهر أكبر نجوم الاستشراق الذين عملت أوربا على تكوينهم في المدارس المتخصصة في اللغات الشرقية كمدرسة اللغات الشرقية الفرنسية التي أسست في عهد نابليون بونابرت فإن الاشتغال بكتب التراث العربي دعا إلى فهرستها فهرة علمية قل عمليتي التحقيق والنشر. إذ ذاك رأينا كبار المستشرقين يفهرسون المخطوطات العربية كما صنع دوسلان Deslane بالنسبة للمخطوطات العربية بفرنسا ودرنبورغ Derenbourg بالنسبة للمخطوطات العربية المحفوظة بخزانة الاسكوريال. وإذا كانت مخطوطات اللغة العربية تفهرس في البداية ضمن مخطوطات اللغات الشرقية كالتركية والفارسية والسريانية وغيرها كما تفهرس إلى جانب مخطوطات عربية مكتوبة بحروف لغات أخرى كالعبرية والسريانية وهي التي تسمى بالمخطوطات الكرشونية أو مخطوطات أجنبية بحروف عربية كالخاميادو(5) في إسبانيا، فإن مخطوطاتنا العربية أصبحت تحظى منذ القرن التاسع عشر بفهارس خاصة، ويرجع ذلك في رأيي إلى سببين رئيسيين :
أولهما : تكاثر مجموعات المخطوطات العربية من مكتشفة ومنسوخة بحيث على الرغم من ظهور الطباعة بحروف عربية في الغرب والشرق فإن نساخة المخطوطات بقيت مزدهرة حتى بداية القرن الحالي، بينما مخطوطات اللغات الشرقية أصبحت نادرة ولا يتداولها إلى المختصون.
ثانيهما : الاهتمام العلمي بمخطوطات العربية لتحقيقها والاستعانة بها للوقوف على تاريخ وحضارة الدول العربية استعدادا للاستيلاء عليها. وكان صدور هذه الفهارس بلغات الغرب كاللاتينية والإيطالية والفرنسية والإسبانية وسواها، ولم تكن عبارة عن كتب مطبوعة فقط بل نشر بعضها في مجلات استشراقية معروفة لدى المختصين.
لنعرض الآن باختصار لفهارس خزاناتنا الثلاث التي تمثل أحسن النماذج لمكتبات الدول المتوسطية.

*) المكتبـة الفـاتيكـانيـة
   يرقى عهد المكتبة الفاتيكانية إلى عصور البابوية الأولى، لكنها لم تدخل في طورها التاريخي إلى حين وضع لها نظامها الخاص في القرن الخامس عشر، خاصة في عهد البابا نيقولا الخامس، فأخذت تزداد وتتسع حتى أناف عدد مخطوطاتها على سبعين ألف مخطوط بين لغات شرقية وغربي. ومعظم المخطوطات الشرقية أتاها من لبنان وسوريا ومن الأديرة المسيحية الموجودة بمختلف الدول الشرقية سواء عن طريق الإهداء أو الاقتناء. ولم يبلغ القرن السابع عشر نهايته حتى تجمعت لدى مكتبة الفاتيكان عشرات الآلاف من المخطوطات إلى جانب المطبوعات(6) فنادى البابا أفليمندوس الحادي عشر على أحد الموارنة العلماء يوسف شمعون السمعاني(7) وعينه أمينا عل خزانة الفاتيكان فوضع أول فهرست شامل لنخطوطاتها. وإذا نعت السمعاني فهرسته هذا " بالمكتبة الشرقية "(8) (Bibliotheca Orientalia ) فإنه لم يقتصر فيه على الكتب الشرقية بل أحصى فيه كتب العرب  والسريان والأقباط واليونان واليهود وغيرهم. ثم قام بعده ابن شقيقه اسطفان عواد السمعاني بوضع فهرست آخر للمخطوطات الفاتيكانية بعنوان : فهرسة المخطوطات بمكتبة الفاتيكـان الرسولية : Bibliotheca Apostolicae Vaticana Codicum Manuscriptum Catalogus (9 وقد ظهر الفهرست في ثلاث مجلدات خص الجزء الأول منها بالمخطوطات الشرقية بما فيها العربية والكرشونية (أي المخطوطات العربية المكتوبة بحروف سريانية)، ومن يقرأ في هذا الفهرست يجد أنه فهرست تحليلي بمعنى أن السمعاني يشرح المخطوطات يقرأ المخطوطات الفاتيكانية شرحا وافيا حيث يأخذ كل مخطوط بمفرده ويعطي فكرة عن محتواه ثم يعدد مواضيعه ويختم بطاقته بالتعريف بالمؤلف.
وبعد هذين العالمين الشرقيين(10) تولى فهرست مخطوطات الفاتيكان ثلة من المستشرقين إيطاليين وألمان وسواهم، نذكر منهم دي هامر (De Hammer) الذي فهرس ما دخل المكتبة الفاتيكانية من المخطوطات الشرقية بعد فهرسة عواد السمعاني وذلك في بحث عنوانه :
رسالة في المخطوطات الشرقية في المكتبة الفاتيكانية(11) واهتم بها أخيرا المستشرق الإيطالي الكبير "جورجيوليفي دلا فيدا " (Georgio leve Della Vida ) الذي وضع فهرسة المخطوطات العربية الإسلامية ممهدا لها بمقدمة ضمنها الشروح الضرورية للاستفادة من الكتاب، خاتما فهرسته بكشافات عديدة، منها ما هو بأسماء المؤلفين، ومنها ما هو بعناوين الكتب والرسائل موزعة على أنواع العلوم والفنون.
هكذا توالت فهارس خزانة الفاتيكان التي كانت في بدايتها فهارس عامة تحصي مخطوطات جميع اللغات بدون استثناء، ثم أصبحت تخص المخطوطات الشرقية بما فيها اللغات السامية بمجلدات خاصة. ثم تلتها فهارس تهتم بالمخطوطات العربية بما فيها المخطوطات المسيحية، وأخيرا خصت المخطوطات العربية الخاصة بالمؤلفين المسلمين بفهارس منفردة وهو العمل الذي قام به " ليفي دلا فيدا.

*)
 
الخزانة الوطنية الفرنسية
ترقى المكتبة الوطنية الفرنسية إلى عهد الملك فرانسوا الأول (1er François) الذي أمر بنقل الخزانة الملكية من مدينة بلوا (Blois) إلى فانتنبلو (Fantainebleau) بوضاحي باريس خلال النصف الأول من القرن السادس عشر 1544 م. وحسبأول قائمة لهذه المكتبة كان عدد المخطوطات الشرقية أربعين مخطوطا لا يتجاوز عدد العربية منها الستة. وفي عهد الملك لويس الرابع عشر ازداد عدد المخطوطات الشرقية بسبب انفتاح هذا الملك على الدول الشرقية وربط العلاقات الطيبة معها. ومعظم هذه المخطوطات كان من شراء البعثات التي كان يرسلها إلى الشرق أو من هدايا العلماء والسفراء والقناصلة والرحالة سواء للملك أو لوزرائه وعلى الأخص منهم ريشليو (Richalieu) ومازاران (Mazarin) وكولبير (Colbert)(13).
وبعد الثورة الفرنسية ازداد رصيد الخزانة من المخطوطات التي صودرت من مكتبات الأديرة والكنائس والمعاهد الدينية. وفي القرن التاسع عشر دعوة الحق، س 31، ع 281، دجنبر 1990  ص 114
اقتنت الخزانة أكبر عدد من المخطوطات العربية لما كان (de Sacy) دوساسي أمينا على قسم المخطوطات، وليس هذا غريبا إذا علمنا أن هذا الرجل كان زعيم الاستشراق الأوربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتتلمذ عليه أكبر مستشرقي أوربا في ذلك العصر. وإذا كان قد تعاقب على أمانة قسم المخطوطات الشرقية بالمكتبة الأهلية الفرنسية عدد من أبرز مستشرقي فرنسا أمثال (de Parceval) دوبرسوفال (1835 م) و (de Sacy) و (Vijda) وآخرون، ووضعوا لها اللوائح والكشافات والفهارس، فإن أول من تصدى لإحصائها وفهرستها منذ القرن السابع عشر مشارقة من سوريا ولبنان(14)، وهكذا وضع أول قائمة للمخطوطات الشرقية بطرس دياب السوري، كما اهتم بها كذلك يوسف العسكري الماروني وباروت السوري، وإذا تأخر طبع ونشر أول فهرست للمخطوطات الشرقية إلى القرن الثامن عشر فإن المعتمد كان تلكم القوائم التي سطرتها أيادي هؤلاء المشارقة.
وحتى لا أطيل عليكم فإن المخطوطات العربية كانت تفهرس ضمن المخطوطات الشرقية كما رأينا ذلك في خزانة الفاتيكان(15) ثم أصبحت تخصص لها فهارس خاصة كما صنع دوسلان (De Slane) وزوتنبرغ (Zotenberg)16 في نهاية القرن التاسع عشر، وفي هذا العصر وضع المستشرق الفرنسي تروبو (G. Troupeau) فهرستا من جزئين، خاصا بالمخطوطات العربية المسيحية(17).
كما بدأ فاجدا (Vajda) المتوفى قبل سنوات فهرستا تحليلا شاملا للمخطوطات الإسلامية18. وتدرس الخزانة الوطنية إمكانية إصدار فهرست خاص بالمصاحف القرآنية التي تملك منها الخزانة عددا كبيرا، كما يأمل المسؤولون في قسم المخطوطات الشرقية أن تخصص الكتب العربية والفلسفية والفلكية والطبية المكتوبة بحروف عبرية بفهرست خاص كما هو الشأن بالنسبة للمخطوطات العربية المسيحية والمصاحف القرآنية.

*)
خزانـة الاسكـوريـال
هذه الخزانة جزء من بناء كبير أقامه ملك إسبانيا فيليب الثاني في ضواحي مدريد تخلدا لذكرى انتصاره على الفرنسيين في موقعة سان كانتان (St Qentin) في أواسط القرن 16م وتنويها بالقديس لورنزو (St Lorezo) الذي استمد عونه في هذه
دعوة الحق، س 31، ع 281، دجنبر 1990  ص 115 المعركة لهذا كان اسمها الرسمي : "المكتبة الملكية لدير القديس لورنزو بالاسكوريال".
تضم هذه الخزانة مجموعات كبيرة من المخطوطات في مختلف اللغات السامية، وقد ضم إليها مؤسسها الملك فيليب الثاني (Philipe II) ما بقي من مخطوطات المدن الإسلامية كغرناطة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية ومرسية وغيرها. كما ضمت إليها على عهد فيليب الثالث خزانة السلطان السعدي مولاي زيدان، فبلغ عدد مخطوطاتها العربية حوالي الخمسة آلاف مخطوط(19).
وخزانة السعديين هذه هي التي اختطفها القراصنة الإسبان ووضعوها بين يدي الملك الذي أمر بوضعها بقصر الاسكوريال، وقد أدى هذا الاختطاف إلى خلق مشكل دبلوماسي بين ست دول(20) لم يكن حله بالشيء اليسير.
وعلى الرغم من غنى هذه الخزانة وأهمية رصيدها بالنسبة لتاريخ إسبانيا فإن المسؤولين كانوا بإيعاز من الفاتيكان يخفون هذا التراث عن نظر الباحثين والمطلعين، كأنما كانوا يخشون أن يبث روح التفكير الإسلامي. وقد كان الكتاب المسيحيون أنفسهم يعرضون عن هذه المصادر التي تتحدث عن تاريخ إسبانيا وحضارتها أيام الدولة الإسلامية ويقتصرون على المصادر القومية النصرانية، وإخفاء هذه المخطوطات عن نظر الباحثين هو الذي جعلها تبقى دون فهرسة مدة تزيد عن قرنين من الزمان. ولما أودت الصاعقة التي سقطت على الاسكوريال بالآلاف من المخطوطات العربية اضطرت إسبانيا بعد مرور قرن من الزمان على هذا الحريق إلى فهرسة ما بقي من مخطوطات، فنادت على شرقي ماروني كما صنعت الفاتيكان وباريس من قبل، لتنظيمهما وتصنيفهما فكان ميخائيل الغزيري واضع أول فهرست علمي كبير للمجموعة العربية بالاسكوريال. وقد ظهر هذا الفهرست في جزأين مع مقدمة باللاتينية عن قيمة المخطوطات العربية وعنوانه: المكتبة العربية الإسبانية بالأسكوريال(21). واعتبارا لأهمية هذا الفهرست فإنه قد تمت ترجمته إلى اللغة العربية في عهد السلطان المولى سليمان العلوي باقتراح الأديب المغربي محمد بن عبد السلام السلوي وزير السلطان المذكور. وتحتفظ الخزانة الحسنية بالرباط بالنسخة الوحيدة لهذه الترجمة.(22)     
وعلى الرغم من تعاقب ثلة من كبار المستشرقين أمثال درنبورغ(23) (Derenbourg) وليفي بوفنسال (L. Provençal) وسواهم عل إعادة فهرست الاسكوريال وإصدار القوائم في الصحف دعوة الحق، س 31، ع 281، دجنبر 1990   ص 116
الأوربية وبلغات مختلفة فإنه قد بقي لفهرست الغزيري قيمته، هذا الفهرست الذي أثر مباشرة بعد ظهوره في مؤلفات العلماء من المستشرقين أمثال يوسف كوندي(24) ودوزي (Dozy(25 وظل أكثر من قرن من الزمان مرجعا فريدا لهذه المجموعة العربية.
هذه فهارس خزانات بعض الدول المتوسطية اخترناها كنماذج لفهرسة المخطوط العربي في الخزانات الأوربية. وطبيعة مثل هذا الموضوع تفرض على المتطرق إليه الدخول في تفاصيل تقنية ربما همت الأخصائيين بعلوم المكتبات أكثر من غيرهم من علماء الفيولوجيا المهتمين بنشر التراث المخطوط. لذلك ارتأينا أن نتلافاها دفعا للملل ووقوفا عند القواعد العامة والواضحة لفهرسة المخطوطات. وعلى الرغم مما تفرضه هذه العملية على المختص بها وممارستها من عناء ومشقة، فإن الفهرسة قد لعبت دورا كبيرا في الحفاظ على التراث المخطوط وصيانته، وبالتالي في الكشف عنه، ولولاها لما استطاع العلماء مهما كان لهم من إمكانات مادية ومعنوية أن يقفوا على كثير مما هو مكنوز من ملايين المخطوطات في بقاع المعمور، فهي الوسيلة الوحيدة والمثلى لتذليل الصعاب، وتيسير السبل للعلم به والاشتغال به، يقول حاجي خليفة رحمه الله :
"العلوم والكتب كثيرة، والأعمار عزيزة قصيرة، والوقوف على تفاصيلها متعسر بل متعذر، وإنما المقصود ضبط مقاعدها"(26).
الرباط أحمد شوقي بنبين  

(1)  شذرات من هذا الفهرست محفوظة بخزانة المتحف البريطاني.
(2)  عنوان الفهرس : قوائم جميع المؤلفات الهامة في الثقافة اليونانية وأسماء مؤلفيها.
    وكان هذا الفهرس مصنفا تصنيفا دقيقا  بحي اشتمل على 120 لفافة بردية وقسمت لفائف المكتبة إلى ثمانية أقسام :
   1- المؤلفون المسرحيون 2- شعراء الملاحم والأناشيد 3- المشرعون 4- الفلاسفة 5- المؤرخون 6- الخطباء 7- أساتذة علم الخطابة 8- مؤلفون متنوعون. 
(3)  J. Gaulmier : Volney et la pédagogie de l’Arabe : BEO : 1945-46 – XIP. 11
(4)  فهرست المخطوطات الشرقية بالمكتبات الطبية بلورنسيانا Laurenziana فلورنسا Florence 1742.
(5) الخاميادو : اللغة الإسبنية المكتوبة بحروف عربية بيد آخر مسلمي إسبانيا.
(6)  تمتاز هذه الخزانة بمجموعاتها الهامة من الطبعات الاستهلالية (Incunables).
(7)  خريج مدرسة الموارنة بروما عام 1768، ترجم للبابا عددا من كتب اللغات السامية إلى اللاتينية، كما يتقن بالإضافة إلى هذه اللغات اليونانية والفرنسية والإيطالية.
(8)  نشر الفهرست ما بين 1719 و 1728 في أربعة مجلدات
(9)  نشر بروما عام 1756 وعواد السمعاني هذا هو الذي نقل تاريخ ابن العبري إلى اللاتينية.
(10)  لم يفهرس هذان العالمان مكتبة الفاتيكان وحدها بل وضعوا فهارس مكتبات أخرى بإيطاليا، فقد وضع يوسف السمعاني فهرستا للمخطوطات الشرقية المكنوزة في الخزانة النانية (Naniana) بالبندقية، وفهرس عواد السمعاني المخطوطات الشرقية (العربية التركية والفارسية) المحفوظة في المكتبة المديشية بمدينة فلورنسا.
(11)  نشره في فهارس المكاتب الإيطالية. المجلد 46 عام 1827.
(13)  كانوا يرسلون ما يسمى بالبعثات الأثرية إلى الشرق. (Missions Arthéologiques)  بحثا عن الآثار القديمة بما فيها المخطوطات، وإن عددا كبيرا من مجموعات هؤلاء الوزراء قد انتهى إلى الخزانة الوطنية حاليا.
(14) ليس هذا غريبا إذا علمنا أن أساتذة اللغات الشرقية في الكوليج الفرنسي (Collège de France)  القرن 16 كانوا من الموازنة أمثال جبرائيل الصهيوني، إبراهام الإشبيلي، اليعمري، وبطرس ديبي، وكانوا يدرسون بالخصوص اللغتين العربية والسريانية.
(15)  كشاف فاجدا يتضمن مخطوطات عربية كانت ضمن المخطوطات العربية والفارسية والتركية والملايو البولينزية (Mallayo Polynisien)
(16)  هو الذي وضع فهرست المخطوطات الإتيوبية (الجعزية والإمهارية).
(17)  صدر عام 1972 و 1974.
(18) تواصل اليوم هذا العمل الأمينة المتخصصة "سوفان" (Yvette Sauvan) المسؤولة عن المخطوطات العربية بقسم المخطوطات بالخزانة الوطنية، وقد تقرر طبع ونشر هذا الفهرست منذ سنة 1970 بعناية المكتبة الوطنية بتعاون مع معهد الأبحاث وتاريخ النصوص (IRHT) التابع للمركز العلمي بباريس.
(19)  يعتقد عبد الله عنان أن عدد المخطوطات بلغ عشرة آلاف، أنظر البحث الذي نشرناه بعنوان : خزانة مراكشية بالاسكوريال : مجلة كلية الآداب الرباط : العدد 9 سنة 1982.
(20)  المغرب، إسبانيا، فرنسا، البرتغال، الأقاليم المتحدة (هولندة) والدولة العثمانية.
(21)  Biliotheca arabico-hispana escuriolensis Brill Leiden.
(22)  محفوظ تحت رقم 6972.
(23)  Les manuscrits arabes de l’escruial. 1884 H. Derenbourg.
(24)  كوندي : تاريخ دولة العرب في إسبانيا 1810.
(25) تاريخ المسلمين في إسبانيا 1861 في أربعة أجزاء.
(26)  كشف الظنون : المقدمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here