islamaumaroc

الاجتهاد مظهر الأصالة والمعاصرة في الفكر الإسلامي .

  يوسف الكتاني

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

لن أحاول في هذا العرض أن أقدم دراسة أكاديمية عن الاجتهاد وخصائصه ومقوماته وشروطه، وحاله ومجالاته وغيرها، مما يتصل بالاجتهاد كمصدر من مصادر الشريعة الإسلامية، لكون المفكرين والدارسين والباحثين الإسلاميين أشبعوا الموضوع دراسة وكتابة وتنظيرا.
كما لا أحب أن أغرق في تلك الشروط والقيود التي قضى بعضهم ردحا من الزمن في تسطيرها وتفصيلها، والإلحاح على ضرورة توفر كل من يروم ممارسة حقه في الاجتهاد عليها والاتصاف بها.
وإنما أريد من وراء عرضي هذا، أن أثير الانتباه أولا إلى ضرورة العمل الجاد من أجل أن تعود الأمة الإسلامية إلى ممارسة حقها، في الاجتهاد كمصدر تشريعي أغنى وأعطى الكثير، وأجدى على المسلمين في أيام نهضتهم، وجعلهم يلائمون بفضله بين دينهم وحياتهم، ويحقق هذه الخاصية التي امتازت بها شريعتهم وهي صلاحيتها لكل زمان ومكان.
كما أنني أحاول ثانيا التحدث عن الوسائل المؤدية إلى الاجتهاد، والتي تستعمل لتحقيقه والوصول إليه سواء ما عرف منها قبل هذا التاريخ، أو هذه الوسائل التي استحدثت اليوم والتي قد تؤدي إلى خير.
وإنني لألح على ضرورة اتخاذ الوسائل الكفيلة بممارسة الاجتهاد، حتى تعود الحياة الإسلامية إلى مؤسساتنا ومجتمعاتنا، وحتى نقضي على هذه الازدواجية التي طغت على سلوكنا فغيرته عن وجهته الصحيحة، وعلى حياتنا فأبعدتها عن الطريق المستقيم، فلم نعد من الشرق ولا من الغرب، وإنما أصبحنا بين  بين، والتحقنا بصفوف المقلدين والتابعين كما تحدث الرسول الكريم بقوله : (لتتبعن سنن من قبلكـم شبـرا   
بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قيل: اليهود والنصارى؟ قال فمن إذن؟. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
إن ما ترتب عن إقفال باب الاجتهاد من قضايا ومشاكل، كان في مقدمتها تخلف المسلمين وعدم التزامهم بأوامر دينهم، والمتمثل في هذه الازدواجية التي يعيشها عالمنا العربي والإسلامي، والقائم على التزامنا بالإسلام في العبادات، وابتعادنا عنه في أغلب المعاملات وشؤون حياتنا، إذ لا يعقل أن تبقى هذه الازدواجية التي يأباها الله ورسوله طاغية على حياتنا، نقيم صلواتنا، ونؤدي زكاتنا، ونأتي حجنا، وتقوم حياتنا على هذه القوانين المستوردة، والتي تبيح ما حرم الله، وتحل ما حرم الله، كانتشار الخمور بيعا وتجارة، وتناولا وتداولا، وفشو الزنا بجميع أنواعه وأشكاله، والتعامل بالربا، وفسح المجال لمتعاطيه والمتاجرين فيه والمستغلين، وانتشار دور القمار، وغيرها من المحرمات الأساسية في ديننا، والتي تعتبر دخولها جزءا من مميزات أكثر الدول العربية والإسلامية، لقد ترتب على هذه الازدواجية أن أصبح الجيل الحاضر من شباب المسلمين أحد فريقين :
فريق : يعتقد أن الإسلام دين عبادات فحسب، وأن المعاملات وشؤون الحياة تنظمها القوانين الوضعية الدخيلة، والتي وحدها الكفيلة بتنظيمها وتقنينها، وهذا المفهوم العكسي للإسلام وروحه ونصه ناتج عن الغزو الأجنبي لبلادنا وسيادة قوانينه وأوضاعه على حياتنا.
والفرق الثاني : وهو المتمثل في شباب الصحوة الإسلامية والذي ساعدته ظروفه على الإلمام بالثقافة الإسلامية والتعرف على روح الإسلام ومقاصده، وهذا الفريق هو الذي يؤمن بأن الإسلام دينا ودنيا، حكم نظام، سلوك وقدوة، وهذا الفريق من الشباب هو أمل المسلمين وعدتهم في مستقبل الإسلام وعودته نقيا صافيا كما كان وكما أنزل، وأنه يجب أن يسود حياتنا في البيت، والمدرسة والجيش، والشارع والمحكمة وفي السلم والحرب، وفي سائر ظروف الحياة، وبالتالي هو قدرنا وحياتنا وهويتنا.
إذن من هنا تكون الدعوة الصادقة والملحة لضرورة عودة الأمة الإسلامية إلى ممارسة حقها في الاجتهاد، أو عودة الاجتهاد إلى المجتمع الإسلامي للملاءمة بين دينه وحياته، والقضاء على هذه الازدواجية بين العبادات والمعاملات، لاستعادة المسلمين لمكانتهم وريادتهم في الحياة الإنسانية كلها، كما أرادهم الله وأناط بهم مسؤولية الدعوة إلى دينه إلى كافة الناس في الأرض جميعا.

تحرير الإسلام للعقل البشري
لقد رفع الإسلام عن العقل البشري الحجر والوصاية التي فرضتا عليه أزمانا وأحقابا، وأطلقه من إساره وقيوده التي اصطنعها الطغاة واللاهوتيون، وسرحه جور التقليد والتعقيد إلى عدل الإسلام وحريته، وحرض الإنسان بمختلف صنوف التحريض على التفكير والتأمل، والنظر واستيعاب عجائب هذا الكون الذي يحيط به، وحمل العقل المسلم هذه الأمانة إلى البشرية كلها، فتفجرت بفضل ذلك ينابيع العلوم والفنون، والإدراك والابتكار، والاجتهاد الذي يعتبر في عرف الإسلام إطلاقا لقوى العقل، وجعل ذلك دينا، فوحد بين حقيقتين ظلتا على مدى الزمن خصومة حادة وحد بينهما وجمعهما في إسماح وتآلف، وهما الحقيقتان الدينية والعقلية كما أكد ذلك الإمام الغزالي بقوله :
"الدين عقل من خارج، والعقل دين من داخل" الأمر الذي وحد مفهوم كل الاتجاهات والمدارس الفكرية والإسلامية، سواء كانت عقائدية، أو لغوية، أو غيرهما، إذ هنا تكمن خاصية التطور في شريعة الإسلام، يؤكد ذلك ويظهره أن الشريعة الإسلامية التي تستند قوانينها ومبادئها إلى القرآن والسنة كمصدرين أساسيين، لم تنص إلا على بعض الأحكام التفصيلية فيما يخص أو يتعلق بالحدود، والمواريث، وتنظيم الأسرة، ومعنى ذلك أن الإسلام لم يفصل إلا في مبادئ العقيدة والعبادات، وترك مجال المعاملات وهي مجال القوانين في عصرنا الحاضر، فلم يرد في القرآن السنة إلا المبادئ العامة التي هي أساس كل تقعيد واستنباط واستلهام، وهذا هو السر في هذه الثروة الفقهية الضخمة الثرية التي استنبطها الفقهاء والعلماء على مر العصور، منذ ظهور الإسلام، لما استجد من الوقائع في الحياة، ولما عرض ويعرض من القضايا والمسائل، كما امتازت هذه القوانين والقواعد المستنبطة نفسها بكونها متطورة مختلفة من عصر إلى عصر، وفي المذهب الواحد نفسه، باختلاف المجتهدين والأزمنة والأمكنة جميعا.

الاجتهاد مظهر صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان

ومن هنا يكون الاجتهاد الذي هو استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي، أي استنباط الحكم من دليله أي استخراج الحكم من الحجة ناشئا عن الملكة، يكون في شريعة الإسلام ضرورة حتمية مواكبة لحياة المسلمين لا في عصر دون عصر، ولا في زمان دون زمان، ولكن في كل العصور، وفي جميع الأزمنة، حتى يبقى المجتمع الإسلامي متطورا متجددا يجمع بين المادة والروح، ويلائم بين العبادة والمعاملة، ويعمل المسلم فيه لمعاشه كما يعمل لمعاده، باعتباره النافذة الضرورية في حياة المسلمين، لتجد قضاياهم ومشاكلهم ووقائع حياتهم قواعد وحلولا لها، تطبيقا لخاصة الإسلام وقاعدته الأساسية وهي صلاحيته لكل زمان ومكان، باعتباره الدين الخاتم والصالح للإنسانية كلها، وذلك لا يتحقق إلا بممارسة الاجتهاد المستمر. يؤكد هذه الحقيقة الإمام الشهرستاني في "الملل والنحل" بقوله :
"إن الحوادث والوقائع مما لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا انه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور ذلك، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".
ويعلل الإمام الخطابي ذلك "بأن الله لو نص على كل حادثة من الحوادث وكفى الناس مؤونة الاجتهاد والاستنباط لماتت الخواطر، وتبلدت الأفهام، وسقطت فضيلة العلماء، فأمرٌ بين غير خاف، وأيضا فلو جاء التوفيق في كل حادثة تحدث إلى آخر الدهر لاشتد حفظه، ولامتنع على الناس ضبطه، ولأدى ذلك إلى الضيق والحرج عمن أمروا لتعدد عصره، والعجز عن ضبطه وحفظه".
إن توالي الحوادث والوقائع المستجدة والمعاملات المستحدثة، وذلك كله من طبيعة الحياة واستمرارها  ودوامها، يجعل تلك الحوادث والوقائع كلها محتاجة إلى أحكام وقواعد، وإلى استنباط إيجاد الحلول الملائمة لها، والوسيلة الوحيدة إلى ذلك هو الاجتهاد الذي هو حياة الأمة الإسلامية، ومظهر حيويتها واستمرارها، والباب الوحيد للملاءمة بين دينها وحياتها، واستمراره ضرورة لاستمرارها وبقائها، مصداقا لما أكده الشاطبي في "الموافقات" :
"إن الاجتهاد لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف وذلك عند قيام الساعة".
ومن هنا كان الاجتهاد واجبا في حق الأمة الإسلامية، كما ذهب إلى ذلك أئمة الإسلام أمثال : الشاطبي، والشوكاني، والبغوي، والعز بن عبد السلام الذي اعتبره ضرورة، وطالب الأمة بممارسته حيث يقول :
"إن وقعت حادثة غير منصوصة أو فيها خلاف بين السلف فلابد فيها من الاجتهاد من كتاب أو سنة، وما يقول سوى هذا إلا صاحب هذيان".
ومستند المسلمين ودليلهم إلى وجوب الاجتهاد واستمراريته وممارسته، الحديث الشريف الذي وجه فيه الرسول الكريم معاذا عندما بعثه قاضيا على اليمن قال : "كيف تقضي إذا عرض عليك قضاة؟
فقال : أقضي بكتاب الله
قال  : فإن لم تجد في كتاب الله؟
قال  : فبسنة رسول الله
قال  : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟
قال  : أجتهد رأيي ولا ألو
فضرب رسول الله صدره وقال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله".
ومن هنا لم يكن علماؤنا في مختلف عصور الإسلام يترددون أو يحجمون عن الاجتهاد، وعن إلحاق الحكم الشرعي بكل حادثة جديدة عرضت لهم ولم تكن معروفة للسلف، مستدلين على ذلك الحكم استدلالا سليما من أصول الشريعة بواسطة قواعد الاستنباط التي يرشد إليها علم أصول الفقه، والمستمد من كتاب الله الذي هو أصل الأصول التي لا تنتهي إليها أنظار النظار، ومدارك أهل الاجتهاد كما ذهب إلى ذلك الإمام الشاطبي في موافقاته والذي اعتبر المجتهد في كل من اتصف بوصفين :
أحدهما : فهم مقاصد الشريعة وكمالها.
وثانيهما : التمكن من الاستنباط،بناء على فهمه فيها، سواء كان يجتهد لنفسه أم لغيره، مما يعني ضرورة معرفة المجتهد المعاصر للموضوع المستحدث الذي يجتهد في استنباط أحكامه الشرعية.
أي أنه ينبغي الاجتهاد في حسن فهم الأحكام الشرعية القائمة، والتعرف على عللها من أجل حسن تطبيقها على ظروف مجتمعاتنا المعاصرة.
ثم الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعي الجديدة التي تنظم المعاملات المستحدثة، والتي لم يكن للسلف بها عهد، ولم يكن لها في الشرع حكم قائم لازم لا يستغني عنه المسلمون في كل زمان.

الاجتهاد فرض على الأمة الإسلامية
ومن هنا أجمع العلماء وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي إلى القول :  بأن الاجتهاد فرض لازم للأمة الإسلامية واجب عليها، يقوم به الفرد الذي توافرت فيه شروطه أو كل جماعة إسلامية في كل جيل ممن استكملوا أدوات الاجتهاد، وتهيأت لهم أسبابه من علماء المسلمين، والاجتهاد مرهون بالتكليف لأنه ضرورة من ضرورات الحياة الإسلامية لابد له منها، ولأن الحاجة إليه باقية ما بقيت الحياة، وقد أكد هذه الحقيقة القائمة التابثة في حياة الأمة الإسلامية الهدي النبوي الشريف بقوله :
(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس مائة كل سنة من يجدد لها أمر دينها) ولذلك ذهب الإمام الشوكاني إى القول، بناء على التوجيه النبوي الكريم : بأنه لا يصح أن يخلو عصر من وجود مجتهدين، كي لا تتعطل الشريعة عن التطبيق، وهذا هو المراد من قوله (صلع) وإرشاده لأمته.
وإذا كان الاجتهاد مرهونا بالتكليف، فهو قائم على المصلحة التي لا تقوم على الهوى، ولا على بناء الحكم الشرعي على ما يستحبه المجتهد دون دليل، وإنما هي المصلحة التي يشهد لها الشرع بالاعتبار، والتي لا تصادم نصوص الشريعة، أي هي المحافظة على مقصود الشارع، والتي ترمي إلى أن تحفظ عليهم نفسيتهم ودينهم وعقلهم وسلامتهم ومالهم كما ذهب إلى ذلك الغزالي في المستصفى.
إن مراعاة مصالح الناس هي مقصد الشارع الحكيم، ولذلك لم يتوسع الإسلام في تفصيل أحكام المعاملات المالية والاقتصادية، والنظم الإدارية، والعلاقات الدولية وغيرها، لتطور الاجتهاد بتطور البيئة واختلاف الزمان والمكان، وإنما دل على ذلك بوجه عام حتى يكون المسلمون في سعة من استنباط الأحكام، في ضوء المصلحة ودون حرج أو خروج على القواعد العامة للشريعة، كما أكد على ذلك الإمام الشوكاني بقوله في "إرشاد الفحول" :
"إن الله لم ينص على جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة بل جعلها ظنية قصدا للتوسع على المكلفين".
ومن هنا كان تغير الأحكام لتغير المصلحة العامة كما أكد ذلك بن القيم قائلا :
"السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة" إذ جميع الأحكام الناتجة عن الاجتهاد ومراعاة المصالح تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس، وهي في الحقيقة مهما تبدلت فإن المذهب الشرعي فيها واحد، وهو إحاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد، وهو ما كان عليه اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، قائما على المصلحة العامة، كما هو الشأن في كثير من اجتهاداتهم كالتسعير، فإنه كان منهيا عنه على عهد الرسول الأكرم ثم أبيح فيما بعد، وكالطلاق الثلاث يعتبر واحدة، ثم اعتبره عمر ثلاثة عقابا للمطلق وتبعاللمصلحة الظاهرة آنذاك.

التجديد والتغيير
ولابد هنا من توضيح الأمر بالنسبة لفريقين من الناس :
فريق : يقف جامدا يأبى كل تطور أو تجديد، ومن تم فتح باب الاجتهاد.
وفريق : لا يفرق بين أمر التجديد والتغيير، ويرى هؤلاء أنه لابد من تغيير شامل لم وجدوا عليه أنفسهم وذويهم مجاراة لأحوال العصر، وخضوعا لناموس التطور، معتقدين أن هذا هو التجديد المأمور به والذي لا مندوحة عنه لفرض الوجود وضمان الاستمرار.
وأساس الغلط عند الفريقين ينشأ من عدم التفرقة بين المدلولين، فإن التجديد ليس هو التغيير بل التجديد في الدين يكون بإظهاره بالمظهر اللائق، وعرضه على أحسن وجه، وذلك يقتضي المحافظة على جوهره، وعدم تغيير شيء من أوضاعه، وهذا هو المراد بالتجديد الذي يقوم به أولو الأمر من الأمراء والعلماء، كما فعل عمر بن عبد العزيز لما انحرف الناس عن الجادة في بعض أمور الدين فردهم إليها، وكما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية حيث نادى بالرجوع إلى صفاء العقيدة والتمسك بحبلها المتين.
ولما كانت أصول الإسلام هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، تحددت مهمة التجديد وانحصر نطاقه، فما كان من قبيل العبادت والأحكام التي نص عليها الكتاب أوالسنة أو أجمعت عليه الأمة، فالتجديد فيه يكون بالرجوع بالأمة إليه إذا انحرفت عنه أو اتبعت بديلا، أي إذا غيرت منه شيئا وتركت العمل به، وبالتالي، فلن يكون في العبادات وأحكامها تغيير كالصلاة والحج وغيرها، وكذلك الشأن في أحكام الزواج والإرث، والبيع والإجارة، فمن غير في شيء من ذلك فقد عهد إلى هدم الدين لا إلى تجديده.
أما ما لم يرد به نص ولم يتقرر له حكم فيما سلف مما يحدث بحكم التطور وتقلب الزمن، فإن على العلماء والفقهاء أن يجدوا له حكما بواسطة قياسه على ما ثبت، وإلحاقه بما عرف، وهذا من التجديد أيضا لأنه بمقتضى بنائه على أسس الدين وقواعده المعتمدة فيه، يعتبر استمرارا له ونموا.
على أن التغيير لم يرد في القرآن إلا بمعنى الانحراف والزيغ عن السبيل كما قال تعالى :
<< إن الله لا يغير ما بقوم حتى يعيروا ما بأنفسهم >> أي لا يمنعهم رفضه ولا يحجب عنهم رضاه إلا إذا بدلوا نعمة الله وكفروا وارتكبوا ما يستوجبون نقمته وعذابه، ومن ذلك الآية الأخرى << ذلك بأن الله لم يكن مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم >>، مما يتبين معه أن التجديد ليس هو التغيير، وأنه أكثر ما يتعلق بالأحياء، وأساليب التبليغ، وبلورة الأحكام العملية في قوالب تتمسك بالأصالة منسجمة مع النظرة المتغيرة للإنسان ومتطلبات الحياة، كما أوضح ذلك المرحوم عبد الله كنون.

وسائل الاجتهاد :
الاجتهاد الفردي والجماعي
لقد كان السبب الأساسي في الوصول إلى مرحلة الجمود والتبعية للأجنبي، غياب الشريعة الإسلامية عن منهج الحياة وأسلوبها، حتى إذا جاء القرن الرابع عشر الهجري سلخت من الشريعة كل مجالات المعاملات، ونقل الفكر الغربي إلى البلاد الإسلامية ليكون هو فقه المعاملات الجديد، والناظر إلى الجهد الفقهي منخلال فتاوي دار الإفتاء في الأحوال الشخصية، والوقف والعبادات، يجدها ثرية غنية، بينما في النظام السياسي والمعاملات، نلجأ إلى أهل المدارس الحديثة، ولو نظرنا إلى كل المؤلفين والباحثين عبر المائة سنة الماضية، وإمكانية ما لو أنهم بذلوا جهودا في هذا المجال، لوجدنا أنفسنا أمام سياق فقهي عظيم، وهذا هو سبب لتخلف والجمود وحالة التصلب الفكرية التي واجهت أمتنا عندما عزلت الشريعة بفعل فاعل عن الواقع، وتوقف الاجتهاد العلمي في مجال التجديد الفقهي.
ولا يجب أن نغفل أن هناك مجددين ومجتهدين كثيرين على مر المراحل المختلفة، ولكن لم يكونوا
بالقدر الذي يوصل حركة الاجتهاد ويصيغ من الشريعة ما يناسب الواقع.
وهذه الجهود امتدت عبر مدرسة القضاء الشرقي وشيوخ الأزهر أمثال : الشيخ المراغي، وشلتوت والسنهوري، وعبد الحميد بن متولي، وغيرهم كالشيخ محمد عبده، والشيخ جمال الدين الأفغاني من الرواد في مختلف البلاد الإسلامية كالشيخ عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ رشيد رضا، والشيخ محمد الكتاني، والشيخ عبد العزيز الثعالبي، والشيخ عبد الحميد بن باديس وسواهم من دعاة التجديد والإصلاح الذين نبهوا الأمة الإسلامية إلى ضرورة العودة إلى ممارسة حقها في الاجتهاد للملاءمة بين دينها وحياتها، وكانت حركاتهم وصيحاتهم وكتبهم ونداءاتهم الناقوس الذي جلجل في آذان شعوبنا، وأيقظها من سباتها، وأنهضها من غفوتها، ودفعها للبحث عن نفسها، وتغيير واقعها المرير.
وهكذا لم يخل عصر من العصور، ولا زمن من الأزمنة الإسلامية من مجتهد من المجتهدين ولو على قلتهم وندرتهم في العصور الأخيرة، بسبب تيار الجمود والجحود الذي طمس نور التجديد والاجتهاد، ولم يستطع القضاء عليه بفضل الإرادة الثابتة والمصصمة لأولئك الرواد، للعودة إلى الاجتهاد، والتوسع في الدين، وإذكاء روحه في النفوس والقلوب عن طريق العودة إلى الأصول، والامتثال للضروريات الدينية، وإحياء القيم الإسلامية. لقد أكد هؤلاء الرواد أن الاجتهاد ضرورة من ضرورة بقاء الأمة الإسلامية واستمرارها، باعتبار الإسلام دينا يخاطب العقل، ويدعو إلى استعماله، مثنيا في الكتاب الحكيم على أولي الألباب وعلى الذين يعقول والذين يتفكرون وأن البقاء والاستمرار للإسلام كدين خاتم لا يتحققان إلا بهذه الوسيلة، وإلا انقطعت ما بين الدين والحياة من روابط، وانفصل أحدهما عن الآخر، وسلكت الحياة طريقا ينكره الدين وهذا يؤدي إلى خمود شعلة الإيمان في القلوب كما ذهب إلى ذلك الدكتور علي فؤاد باشكيل من الرواد المعاصرين الأتراك، في بحثه عن الاجتهاد باعتباره مفتاح قضية المسلمين.
ولم يكتف هؤلاء الرواد العلماء بدعوة الأمة إلى ممارسة حقها في الاجتهاد، بل مارسوه هم أنفسهم سواء عن طريق الفتوى، أو عن طريق كتاباتهم وأجوبتهم لما يعرض عليهم من مشاكل العصر ووقائعه، وناهيك بفتوى الشيخ محمد الكتاني في أوائل القرن الماضي عن الجنسية والتجنس، حيث ذهب إلى تفكير المتجنسين من المسلمين، باعتبار المتجنس يستظل بظل الكافر، ويحتمي بحماه، مستدلا على ذلك بالآية الكريمة << ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا >> لقد كانت هذه الفتوى الاجتهادية العظيمة ضربة كبرى لسلاح خطير وشر مستطير، أخذ يستشري في المجتمعات الإسلامية، ويمهد لاستعمارها، بتخطيط وتصميم من لدن أعداء المسلمين، واستطاعت هذه الفتوى أن تقف في وجه تيار التجنس وتقضي عليه، مما دعا كثيرا من علماء المسلمين في تونس والجزائر والشام ومصر وغيرها، إلى الاقتداء بها ونشرها والعمل بما جاء فيها، مما جعل فتوى تحريم جنسية غير المسلمين عملا تجديدا اجتهاديا رائعا جمع بين الأصالة والتجديد، في وقت كانت الأمة الإسلامية في حاجة إليها.
وكفتوى المرحوم عبد الله كنون الذي لا يرى الإحرام بالطائرة، وإنما يحرم من جدة بناء على الحديث الشريف (هو لهن ولمن أتى عليهن إلى يوم القيامة) وكان يشاركه الرأي في هذا الموضوع العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور، كما نجد فتاوى اجتهادية عظيمة للشيوخ : الأفغاني وعبد ورشيد رضا والواكبي،  وذلك في أهم الوقائع والأحداث التي كانت جارية في عصرهم، غير أن هذه الاجتهادات الفردية لم تعد متفقة مع عصر الصحوة الإسلامية، وتعدد دول الإسلام، واختلاف أنظمة حكمها، وتعدد أساليبه، ورغبة جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلامي إلى آراء وفتاوى موحدة في شؤون دينهم ودنياهم.
الاجتهاد الجماعي
لقد عرفت العقود الأخيرة من القرن الهجري الماضي أنواعا من الاجتهاد الجماعي صدرت عن الهيآت العلمية، والروابط الإسلامية، والجمعيات الفكرية في مختلف دول الإسلام، وكانت هذه الفتاوى صدى لدعوات المصلحين للعودة إلى الاجتهاد، وذلك مثل الفتاوى الصادرة عن الأزهر الشريف.
والمجتمع الفقهي بمكة المكرمة
ورابطة علماء المغرب،
والمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر وغيرها.
إلا أن هذه الفتاوى أو بعضها اصطدمت بمعارضة الهيئات الإسلامية، كما وقع في فتوى المجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر بجواز استبدال ذبائح الهدي بثمنها، عندما قرر المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي سنة 1395 هـ عدم جواز ذلك ردا على الفتوى المذكورة، بل أصبح العصر مطبوعا بطابع الجماعة، كما أن الحكم لم يعد للفرد بل غدا الحاكم شخصا معنويا ينبثق من روح الجماعة، وهذا هو منطق الإسلام، إذ كان أول من ندد بالاستبداد، وحمل على الطغيان، وأنشأ نظام الشورى، وجعل يد الله مع الجماعة، ودعا إلى الاعتصام الجماعي بحبل الله << واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا >>.
كما كان من نتائج وآثار الصحوة الإسلامية التي تعتب ظاهرة العصر في العالم الإسلامي، شعور المسلمين بالذنب إزاء الفرقة التي أصابت شعوبهم، وبددت كلمتهم، وشتتت صفوفهم، حتى أصبحوا دويلات لا حول لها ولا طول، بالرغم من موقعهم الاستراتيجي وإمكاناتهم المادية والطاقية، وكثرة عددهم، حتى أصبحت الوحدة، اليوم هدفهم وغايتهم لكي يصبح أمرهم بيدهم.

مجالات معاصرة الاجتهاد
لقد أخطأ من قال : إن باب الاجتهاد أغلق، أو دعا إلى إغلاقه، متذرعا بشتى الوسائل والأسباب، ذلك أن نشاط الفتوى لم ينقطع أبدا طوال تاريخ الفكر الإسلامي، وما زال المفتون في جميع أنحاء العالم الإسلامي يجيبون المتسائلين، ويصدرون فتاويهم في كل حين، وكذلك ظل القضاء الشرعي قائما مستمرا، حيث ظلت الأحكام الشرعية تتوالى في الصدور، وهي مثل الفتوى دائما تحمل بين طياتها الجديد، الذي يحل مشاكل الناس، ويفصل في منازعاتهم مثلما تطمئن الفتاوى المستفتين المسلمين، وتهديدهم إلى ما ينبغي عمله وتطبيقه، وإنما الذي توقف أو كاد هو الاجتهاد الجماعي، نظرا لحال الدول الإسلامية وتفرقها، واختلاف أنظمتها، وقلة العلماء المجددين والمفكرين، وانحسار دورهم بسبب الاستعمار الذي غزا دولنا بجيوشه ونظمه، وقوانينه وعاداته الغريبة عن مجتمعاتنا وكياننا، وعمل على عزل الدين عن الدولة، فقامت هذه الازدواجية التي مازلنا نعاني منها في حياتنا، بالتزام الإسلام وتطبيقه في العبادات، وبالابتعاد عنه في ميدان المعاملات التي تعتبر في نظر الإسلام روح الحياة وأساسها، لقيام العلاقات الإنسانية عليها، من باب تقليد المغلوب للغالب كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون، واستبدلنا مؤسساتنا الدينية ونظمنا الإسلامية بهذه المؤسسات والنظم التي تقوم كلها على الربا والاستغلال، كالبنوك بأنواعها المختلفة، والبورصات، ومؤسسات التأمين، والقرض، والقمار وغيرها، مما يتعارض مع أسس ديننا وأحكامه، وهذه في رأيي ومثيلاتها هي المجالات المعاصرة التي ينبغي أن تتصدى لها جهود وعمل الفقهاء والمجتهدين والمفكرين في العالم الإسلامي اليوم، حتى ترتفع هذه الازدواجية بين العبادات والمعاملات، وهذا التناقض من حياة المسلمين الذين أخذ شعورهم بالذنب يتعاظم من جراء ذلك، بفضل روح الانبعاث التي أخذت تنمو فيهم، لانتشار التعليم والثقافة، وعودة الوعي لتصحيح المسار ومحاولات بعض الدول مراجعة تشريعاتها وتنظيماتها على هدي الكتاب والسنة، وظهور بعض المؤسسات الإسلامية التي تساعد على ذلك وإن كانت قاصرة في تكوينها وعملها، وعدم الالتزام بضمان تنفيذ قراراتها، كمحاولة مجمع البحوث الإسلامية الذي بدأ دراسة التأمين بأنواعه لمعرفة مدى اتفاقه واختلافه مع أحكام الشريعة الإسلامية، ون العجيب أنه بدأ تلك الدراسة والمناقشة منذ أزيد من عشرين سنة، وما زال إلى الآن لم يصل إلى حل أو نتيجة مرضية، وهذا في رأيي هو عين القصور، وإلا فلا معنى أن يجتمع عشرات العلماء والمفكرين من أنحاء مختلفة لدراسة موضوع بعينه، ولم يصلوا فيه إلى حل بالتحريم أو بالإباحة، حتى يستريح المسلم في عالم اليوم من هذه المعاناة وهذا الشعور الذي أخذ يطغى وينتشر، بسبب الإيمان بشيء وإلزامه بتطبيق شيء آخر يعتقد يعتقد حرمته، وننوه هنا بالمبادرة الطيبة المتمثلة في شركة التأمين الإسلامية المحدودة، التي أنشأنها بنك فيصل الإسلامي السوداني بالخرطوم، برأس مال طرح للمساهمين شريطة عدم إفادتهم من فائض عمليات التأمين، وإنما يعود عليهم عائد استثمار رأس المال.
إن مؤسسات التأمين في أغلب أنواعها تقوم على وسائل وأنظمة، يطبعها الغرر والغبن والربا، كما أنها لا تخلو من شبهة المقامرة، وتتنافى أعمالها مع طرق الكسب الطبيعية والمشروعة، ولذلك اختلفت آراء وأنظار العلماء فيها، مما يحتم توحيد الرأي حولها بما يتفق وروح الإسلام وتعاليمه.
ومثل التأمين بجميع أنواعه من تعاوني وتجاري وغيرهما نجد مؤسسة أخرى تطغى على مرافق مجتمعنا، وتستقطب نشاطه، وهي البنوك القائمة على الربا والاستغلال، والتي شهد هذا الجيل محاولة جادة لتغييرها، وإحلال البديل محلها، بقيام البنوك الإسلامية التي تقوم على أساس الشريعة الإسلامية وهديها، والتي أثبتت تجربتها مصداقيتها ونجاحها حتى امتد نشاطها إلى أوربا.
ويوجد الآن حوالي ثلاثين بنكا ومؤسسة مالية إسلامية منتشرة في أرجاء العالم، إلى جانب مؤسسات أخرى يتم إنشاؤها في كثير من الدول الإفريقية والأسيوية، وفي الدوائر المالية الدولية الرئيسية، خاصة وأن هدف المصرف الإسلامي هو التوفيق بين ممارسة النشاط المصرفي في العصر الحديث، وبين الشريعة الإسلامية، وأن يوفر للمسلم وسائل استثمار مدخراته وفق أحكامها.
إن هذه التجربة الناجحة تؤكد أن المسلمين يستطيعون، لو هداهم الله وأرادوا، أن يقيموا في دولهم مؤسسات مالية واقتصادية تتفق ومبادئ دينهم، ويكون لها الأثر الأكبر في حياتهم، وحبذا لو سارعت الدول الإسلامية إلى تبني هذه التجربة الرائدة، ودعمها ونشرها وتوسيعها، اقتداء بالدول التي تبنتها واعتمدتها بعد التحقق منها ودراسة نظمها.
كذلك نجد البورصات، باعتبارها أسواقا مالية لتحديد قيم السندات والأسهم، وكافة الأوراق المالية، نجدها مجالا آخر ينبغي أن يستهدف نشاط الاجتهاد ومجالاته وكذا الأمر بالنسبة لمؤسسات القرض بجميع أنواعها وأصنافها لاضرار المسلمين للتعامل معها، واستعمال أموالها، والعقود الاقتصاديةالحديثة كعقد التوريد، والبيع بما يسفر عليه سعر البورصة، وبيع العقار قبل بنائه حسب المخطط، والشفعة فيما يقبل القسمة، وثبوت هلال رمضان برقيا أو هاتفيا، وأطفال الأنابيب، وقطع الغيار البشرية، كاستبدال القلوب والكلي والعيون، وزراعة الأنسجة، وبنوك الحليب، والأطعمة المستوردة من البلاد الأجنبية، والتنظيم العائلي أو تحديد النسل، واستعمال الحاسوب في جمع القرآن والسنة تسهيلا للاستدلال بهما، ووضع الودائع في البنوك الأجنبية وحكم الفوائد عنها، كل ذلك يدعونا الجدي، والعمل المستمر، ورعاية هذه المحاولات الفردية والجماعية، في مجالات مهمة تستقطب حياة المسلمين، لما لها من مساس بدولهم وأنظمتهم، وتأثير في حياتهم ومجتمعهم، إنها تحتاج إلى رأي جماعي واجتهاد موحد تقوم به مؤسسة إسلامية، تجمع أهل الرأي وعلماء الإسلام في مجتمع واحد، يتفرغ لدراسة هذه الأمور، واستخراج الحكم المناسب لها، وتقديم البدائل والحلول المتفقة مع مقاصد الإسلام، وروح الشريعة، والملائمة في نفس الوقت مع ما تقتضيه ظروف الحياة وروح العصر، وذلك بإقرار ما هو صالح ومتفق مع الشريعة، وإلغاء ما يتعارض مع أحكامها حتى تستقيم حياتنا وتنتظم أمورنا.

مجمع الاجتهاد للعالم الإسلامي

ومن هنا أخذت الحاجة إلى مؤسسة اجتهادية جماعية تضم جميع ممثلي دول الإسلام وشعوبه، تتدارس أحداث المسلمين ومشاكلهم، وتتلمس لها الحلول والقرارات، وقد عرف منطلق القرن الهجري الماضي دعوة كريمة من عالم مسلم كبير هو بديع الزمان سعيد النورسي من أجل إنشاء مجلس شورى للاجتهاد كما أكده وأوضحه في كتابه " الاجتهاد في العصر الحاضر".
وكم يكون لي الشرف أن أبادر بدوري إلى تجديد هذه الدعوة الكريمة، والمسلمون أشد ما يكونون حاجة إلى الوحدة سياسيا وفكريا وتشريعيا، خاصة وأن هذا المجلس سيكون أوسع وأشمل وأكثر اختصاصا من هذه المجالس والمجامع الموجودة في العالم الإسلامي والتي تعتبر بدورها طريقا ورافدا لهذا المجلس.
ولهذا أقترح إنشاء مجمع الاجتهاد للعالم الإسلامي، ويعتبر هذا المجمع العقل المدبر والدماغ المفكر في العالم الإسلامي كله، لانتظام سائر الدول الإسلامية فيه ويتكون من :
1- ممثلين لكل دولة إسلامية بنسبة 3-5 من كبار علمائها المرموقين ذوي الكفاءة والاقتدار.
2- يختص هذا المجمع بالنظر في سائر قضايا المسلمين ومشاكلهم وجميع ما يتصل بحياتهم الفكرية والسياسية وإصدار القرارات الموافقة لأحكام الشريعة ومقاصدها.
3- يكون أعضاء المجلس متفرغين لعملهم المتواصل بالمجمع الذي يعقد دورات فصلية تختم كل سنة بدورة عامة تعلن فيها قراراته.
4- تصدر قراراته بالأغلبية المطلقة لأعضائه.
5- يكون للمجمع مقر بمكة المكرمة، ويشرف على تسييره وإدارته رئيس وهيئة منتخبة من بين أعضائه بالتناوب مرة كل سنتين.
6- يكونوا ممثل كل دولة فروعا للمجلس في كل دولة إسلامية يكون أداة وصل بينها وبين الجمع، يتلقى المشاكل والمسائل ويحيلها على المجلس للبت فيها.
7- تلتزم الدولة المشاركة في المجمع بتطبيق قراراته والعمل على تنفيذها واحترامها وعدم مخالفتها.
8- يصدر المجع مجلة دورية أو سنوية تنشر قراراته باللغات المنتشرة في العالم الإسلامي.
وأخيرا أحب أن أنوه بأن أسباب الاجتهاد اليوم أسهل وأيسر منها فيما قبل، وذلك بفضل تدوين علوم القرآن والسنة، ومعرفة حالة الرواة، واستقرار علم الأصول ومعرفة طرق الاستنباط المعتمدة، مما يجعل أغلب العقبات التي اعترضت المجتهدين في السابق مهدت الآن وأزيلت. كما أن المصادر الرئيسية للأحكام الشرعية قد استنبط منها الفقهاء الأوائل جل ما يمكن استنباطه من أحكام شرعية مستحدثة، إذ أن الاستنباط في عصرنا يمكن عن طريق الأصول المكملة كالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها.
<< يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم >> صدق الله العظيم.

مصادر البحث ومراجعه :

- القرآن الكريم      - سنن أبي داود
- تفسير القرطبي     - إحياء علوم الدين للغزالي
- صحيح البخاري     - المستصفى للغزالي
- أعلام السنن للإمام الخطابي – شرح صحيح  - الملل والنحل للشهرستاني 
   البخاري      - إرشاد الفحول للشوكاني
- الموافقات للشاطبي       - رسائل ابن عابدين
- إعلام الموقعين – ابن القيم      - الاجتهاد في العصر الحاضر سعيد النورسي
- الاجتهاد والتقليد رضا الصدر      - موقف الدين من العلم الدكتور فؤاد باشكيل
- جامع بيان العلم وفضله – ابن عبد البر    - موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه أبو الأعلى
- الأحكام في أصول الأحكام – ابن حزم       المودودي
- مقدمة ابن خلدون       - منطلقات إسلامية عبد الله كنون
- الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في  - الحاجة إلى الاجتهاد اليوم ومجالاته للكاتب
   كل عصر فرض للسيوطي


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here