islamaumaroc

حقوق الإنسان انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم: "لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب البعض".

  أحمد الكتاني

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

في حجة الوداع التي جرت وقائعها في التاسع من ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة، وضع النبي صلى الله عليه وسلم دستور الدولة الإسلامية وأسس الحياة الكريمة للإنسان في كل زمان ومكان، فقد نادى في جمع عظيم يقدر بنحو تسعين ألفا بصوت جهوري، أنصتت الدنيا لتسمع قوله، وأنصت الحجر والقفر والمدر إلى الكلمة المودعة ينطق بها فم رسول الله (صلع) بعد أن أنست وسعدت به الدنيا كلها ثلاثة وستين عاما، ها هو اليوم يلمح بالرحيل بعد أن قام بأمر ربه وغرس الأرض بغراس الإيمان، وهاهو الآن يلخص المبادئ التي جاء بها من عند الله تعالى، وجاهد في سبيلها في كلمات جامعة وبنود معدودة، يلقي بها إلى سمع العالم.
كان يردد كلماته (صلع) ربيعة بن أمية بن خلف، وهو (صلع) يقف بين كل فقرة وأخرى قائلا بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه : (ألا هل بلغت اللهم فاشهد).
" أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وأن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن أب ربيعة بن الحارث، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.
أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك، فقد رضي به مما تحتقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم. أيها الناس: إن النسي زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما احل الله، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. اتقوا الله في النساء فإنكم إنما أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، إن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حقا: لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فاعقلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا : كتاب الله وسنة رسوله.
أيها الناس: اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله تعالى. أرقاكم أرقاكم. أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون وإن جاؤوا بذنب لا تريدونه أن تغفروه، فبيعوا عباد الله ولا تعذبيهم. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمون أن كل مسلم أخل للمسلم. وأن المسلمين أخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم. وستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض ما سمعه، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه بالسبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد (ثلاث مرات) ثم لم يزل (صلع) في عرفات حتى غربت الشمس.
وفي هذا اليوم المشهود امتن الله تعالى على عباده المؤمنين بقوله سبحانه: << اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا >>. وأرى من الضروري أن أحلل شيئا ما هذه الوثيقة الخالدة لكي نتبين مدى تقدمية الإسلام على سائر النظم والمبادئ شرقا وغربا، وليس معنى هذا أن أقارن بين تشريعات الله وهذه النظم البشرية التي تصيب وتخطئ، إن المبادئ التي قررها الإسلام لحفظ كرامة الإنسان وحقوقه لا تزال برونقها وصفائها أكثر بهاء من كل ما وضعه البشر ووصل إليه التقدم،إن الإسلام يقر للإنسان بحقوق الإنسان أو (الحقوق الطبيعية)، هذه الحقوق قد أنكرها بعض المفكرين إذ قالوا: إنه لا يوجد حق طبيعي للإنسان وغنما الحق ما يمنحه المجتمع أو الدولة للشخص، بمعنى أن الدولة تقرر في دستورها أو في قوانينها أن لكل فرد هذا الحق، وهكذا، واعتبارا بذلك فما لم تنص عليه الدولة من الحقوق ينبغي لأي فرد أن يتجرأ على أي حق، وقد وجه هؤلاء المفكرون إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عاشر دجنبر سنة (1948) نقدا يهدمه من قواعده، باعتبار أنه ليس هناك حق طبيعي للإنسان إلا كل ما تقرره كل دولة داخل خريطتها، بينما يقرر آخرون أن للإنسان حقا قررته له الطبيعة، وقد ظهر هذا الاتجاه قديما لدى بعض فلاسفة اليونان، كما ظهر في العصور الوسطى إحياء للتراث اليوناني، بل لقد طبق بعضهم ذلك على القانون الدولي باعتبار أن الالتزام بقوانينه يرجع إلى الالتزام بقوانين وضعتها الطبيعة، إذا أغفلتها الدول لم تستطع أن يعيش بعضها مع بعض في سلام.
وقد اختفى مذهب الحقوق الطبيعية للإنسان قليلا عقب القرون الوسطى باعتبار أنه نسبي وغير موفق، ولقد ساند هذا المذهب من بعض وجوهه مفكرون في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث يتضمن صراحة أن للناس باعتبارهم آدميين حقوقا تفضلت بها الطبيعة وعلى الإنسان مهما كان أن يحترمها.   
والإسلام قد سبق إلى المناداة بما يتفق مع الرأي الأخير لأكثرية المفكرين القائلين بوجود حقوق طبيعية للإنسان ثابتة باعتبار آدميته، فضلا عما قررته الشريعة من الحقوق المالية والشخصية بالتفصيل الذي لا مزيد وراءهن فإن الإسلام يقرر في النصوص العامة للدين، حقوق الإنسان الطبيعية تقريرا لا لبس فيه، ومناداة الإسلام بتلك الحقوق تتميز على كل التشريعات البشرية بما فيها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بما يأتي:
1) أن تلك الحقوق هي من تقرير الوحي السماوي فلا يعتريها التغيير والتبديل.
2) وان تلك الحقوق لا يقررها الإسلام من وجهة عامة نظرية كما هو الشأن في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بل يعضدها بما في تفصيلات الشريعة مما يتعلق بالحقوق الخاصة من مالية وشخصية وسياسية، حيث لا يمكن فصل الحقوق الطبيعية فصلا تاما، بل كل الحقوق كيفما كان تقسيمها وحدة متكاملة تستهدف صيانة كرامة الإنسان وتكميل ذاتيته، سواء فيما يتعلق بخالقه أو أسرته أو ملكيته أو بني جنسه.
3) وان الحقوق الطبيعية للإنسان في الإسلام لها طابع الإلزام بالنسبة إلى الإطار الإسلامي، لأنها من مقررات الدين ولأنها تتضمن جزاءات دينية ودنيوية على من يخالفها، أما الإعلان العالمي للحقوق، أو ما يأخذ منه من التشريعات فلا يعطي طابع الإلزام لأنه لا يتضمن أي جزاء للمخالفة ولا أي ضمان للتنفيذ.
وأبدأ أشرح المبادئ العظيمة التي وردت في خطبة الوداع.
(إن دماءكم وأموالكم...) قال هذا باعتبار أن الحياة حق لكل إنسان، لأن الحياة منحة لله تعالى للإنسان فلا يملك أحد أن انتزاعها بغير إرادة الله، وقد أعطى حق انتزاع الحياة من الأفراد للدولة فقط، وفق قانون الجنايات لمصلحة المجتمع، وحماية الأفراد قال تعالى : << ولكم في القصاص حياة >> وقد صور القرآن الكريم جريمة القتل تصويرا إنسانيا بديعا: << من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا >> لماذا؟ لأنه اعتدى على أمن الناس جميعا وأخل بسلامتهم جميعا، وعرض الإنسانية كلها للخطر والفوضى، ولم يكتف الإسلام بإعلان هذا المبدأ بل وأعلن مع ذلك وجوب صيانة الحياة من كل ما يقضي عليها أو يضعفها، فطلب العناية بالصحة العامة ودفع الأمراض والأوبئة عن المجتمع.
وشدد الإسلام عقوبة الزنا لما فيه من اعتداء على الأعراض وعبث بالحرمة ونشر الفاحشة في المجتمع، ينشأ عنه تفككه بعد فترة، وتدليس في الأنساب وسرقة لعواطف الآباء بالبنوة المزورة، والمال إذا اجتمع من حلال وأنفق منه صاحبه باعتدال كان ما بقي منه في يد صاحبه مضمونا تحميه الدولة وقوانينها وعلى المجتمع أن يحترم ملكية الغير، ولذلك شدد عقوبة السرقة لما فيها من اعتداء على أمن الناس والثقة المتبادلة بينهم، فجعلها قطع اليد إذا توفرت للسارق متطلباته الضرورية، ومع احترام الإسلام للملكية الشخصية، فقد جعل في الثروات الخاصة حقوقا للشعب تأخذها الدولة من تلك الثروات، لتحقيق التكافل الاجتماعي وغيره مما تحتاجه الدولة، ولذلك جاءت فريضة الزكاة وغيرها مما يقدر عليه الحاكم المسلم فرضه لصالح المجتمع.

تحريم الربا: << ألا وإن كل شيء...>>

يهدف الإسلام إلى إقامة مجتمع تعاوني يربط بين أفراده بما يجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضا كالجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ومن ثم حرم أن يتخذ الغني حاجة أخيه الفقير أو دولته المحتاجة فرصة لاكتساب المال عن هذا الطريق الذي لا خير فيه للأفراد أو المجتمع، والذي يجعل الغني في تربص دائم لحاجة المحتاجين يستغلها في زيادة ماله دون عمل يحقق به نسبته إلى المجتمع، والذي ينزع من قلبه الشعور بالوحدة ومعاني الرحمة والعطف التي هي من خصائص الإنسان الفاضل، قال (صلع) " إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زينة يزنيها الرجل وإن ربى الربا عرض الرجل المسلم " البيهقي.
على أن هذا القرار: (ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية...) يعني أن كل ما كانت عليه الجاهلية من
فخر واعتصام بالتقاليد العصبية والقبلية، وفوارق اللغة والأنساب والعرق، واستبعاد الإنسان أخاه الإنسان بأغلال الظلم والمراباة، قد بطل أمره ومات اعتباره، فهو اليوم جيفة منتنة غيبتها شريعة الله في باطن الأرض، وأصبح مكانها من حياة المسلم اليوم تحت موطئ الأقدام، إنه رجس ولى إلى غير رجعة، وعماهة أدبرت، وغاشية بادرت.

تحريم العبث بإرادة الله: 
(إن النسي زيادة في الكفر...) النسي: بالهمز معناه الزيادة، يقال: نسأ ينسأ إذا زاد، ولا يكون بترك الهمز إلا من النسيان، ويتعدى بحرف الجر كقوله (صلع): " من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه "، وكانوا يحرمون القتال في المحرم، فإذا احتاجوا إلى ذلك حرموا صفرا بدله وقاتلوا في المحرم، وسبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون على مجتمع، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن، فكانوا إذا صدروا عن منى يقوم من بني كنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له (القلمس) فيقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء فيقولون: أنسئنا شهرا، أي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، يحل لهم المحرم، فكانوا كذلك شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وأعاد كل شيء إلى موضعه.

التوصية بالنساء: << اتقوا الله في النساء...>>
كانت المرأة في الجاهلية لا تعدو أن تكون تابعة للرجل، ليس لها في نفسها قيمة، وإنما جاءت قيمتها من أن الرجل يريدها انتفاعا ومتاعا، فرفع الإسلام من قيمتها وقضى على الفوارق بينها وبين الرجل، أمام العدالة، وشرع المساواة بينهما فيما هو من خصائص الإنسان في الدارين، << ومن يعمل من الصالحات من كر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا >>. وقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في جميع الحقوق المدنية: فالزواج في الإسلام لا يفقد المرأة اسمها، ولا شخصيتها المدنية ولا أهميتها في التعاقد ولا حقها في التملك، ولا يجوز لزوجها أن يأخذ من مالها شيئا إلا برضاها، ولا يستطيع أحد أن ينك أن المرأة الغربية مازالت تعيش فيما يمكن أن نطلق عليه (الرق المدني).

الحياة الكريمة في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله:
(وقد تركت فيكم...) فقد وضع (صلع) الناس من جميع المشاكل التي قد تعترض حياتهم أمام مصدرين لا ثالث لهما، ضمن لهم الاعتصام بهما الأمان من كل شقاء وضلال، هما كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلع). وإنك لتجده يتقدم بهذا التعهد والضمان إلى جميع الأجيال المتعاقبة من بعده إلى يوم الدين، لقد شرع الله للبشرية ما يعلم سبحانه أنه متناسق وطبيعتها وفطرته، ومن ثم يحقق لهذه البشرية أقصى درجات التعاون فيما بينها والتعاون كذلك مع القوى الكونية الكبرى، شرع في هذا كله أصولا وترك للبشر فقط، استنباط التشريعات الجزئية المتجددة مع حاجات الحياة المتجددة، في حدود المنهج الكلي والتشريعات العامة، فإذا ما اختلف البشر في شيء من هذا ردوه إلى الله ورسوله، ورجعوا به إلى تلك الأصول الكلية التي شرعها، لتبقى ميزانا يزن به البشر كل تشريع جزئي وكل تطبيق، وبذلك يتوحد مصدر التشريع ويكون الحكم لله وحده وهو خير الحاكمين، وما عدا هذا المنهج فهو خروج على شريعة الله وعلى كتاب الله وعلى سنة رسول الله.

علاقة الحاكم بالمحكوم: << اسمعوا وأطيعوا... >>
في هذا النص يبين (صلع) ما ينبغي أن يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية أو الشعب، إنها علاقة السمع والطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه وشانه ومظهره مادام يحكم بكتاب الله وسنة رسوله (صلع)، فإذا حاد عنهما فلا سمع ولا طاعة، فلا مناط لولاء الحاكم وضرورة إتباعه إلا سيره على نهج الكتاب والسنة، وليكن بعد ذلك إن شاء عبدا حبشيا مجدعا، فلا يخفضه ذلك قيض شعرة عن غيره عند اله تعالى، ولقد أوضح (صلع) بهذا أنه لا امتياز للحاكم من وراء حدود كتاب الله وسنة رسوله، ولا يمكن لحاكميته أن ترفعه قيد شعرة فوق مستوى المنهج والحكم الإسلامي، إذ هو في الحقيقة ليس بحاكم ولا يتمتع بأي حاكمية، ولكنه أمين من قبل المسلمين على تنفيذ حكم الله تعالى، ومن هنا لم تتعرف الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بـ (الحصانة) أو (الامتيازات) لطبقة ما بين المسلمين في شؤون الحكم أو القانون أو القضاء.

لا رق في الإسلام : << أرقاءكم أرقاءكم >>
   عرفت البشرية منذ القدم (الرق)، وليس لدينا ما يخبرنا بأول مجتمع ضرب الرق على فرد أو فئة من الناس، بيد أنه يوجد في آثار عصور ما قبل التاريخ ما يدل على وجود الرق بصورة ما في تلك المجتمعات البدائية، ومن البديهي أن الرق لم يوجد إلا من تسلط قوي على ضعيف وقادر على عاجز وحاكم على محكوم، وكلما تطورت حياة البشر تتطور متطلباتها، وتتطور تبعا لذلك أسباب الضعف في جانب، وأسباب القوة في جانب آخر، وتتعدد روافد الرق ومنابعه ولا تتفجر إلا في البيئات الضعيفة، ولا يستفيد من تفجرها إلا الأقوياء، وهكذا عرفت الأمم الغابرة الرق، وكانت لا تتصور الحياة بغير رقيق، ولما جاء الإسلام ودك الأسوار العاتية التي كانت تحجب أنوار السماء عن أهل الأرض، ودمر الحواجز المصطنعة التي كانت لا تصل المخلوق بخالقه بدون وسيط، ولا حاجب ولا سادن ولا كاهن ولا راهب، بعد هذا شرع القرآن الكريم يصعد بالإنسان إلى معارج الكمال من مرحلة فاضلة إلى مرحلة أفضل، كيلا يصدم الإنسان فيما ألفه، ومن ثم لم يحرم الاسترقاق ولم يحرم الرقيق إلا بعد أن مهد الطريق لتحريمه وأعد نفوس السادة والأرقاء لمرحلة التحريم والتحرير، ونظر إلى المشكلة من جذورها فتعقبها بحلوله الحكيمة، وأسلوبه القويم، ليكون قضاؤه على المشكلة قضاء مبرما لا رجعة فيه، لقد حرم الله تعالى منابع الرقيق التي هي :
الحروب العدوانية،
والقرصنة اللصوصية والخطف،
والربا والميسر،
وتوالد الرقيق،
والطبقية بجميع صورها وأشكالها.
<< ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا >>. فالله تعالى خلق الناس من طينة واحدة، لم يخلقهم لإهانتهم ولا لامتهان فريق وتكريم فريق آخر، بل كرمهم وفضلهم جميعا، لقد كرم الله هذا الإنسان بخلقه على أحسن تقويم، وبفطرته التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان، وبالاستعدادات التي أودعها في فطرته والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب ويحلل، ويبلغ بها الكمال المقدر للحياة، وكرمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك، وكرمه بتسخير النواميس وجعلها موافقة لطبيعة الحياة الإنسانية، وما ركب فيها من استعدادات، ولو لم تكن هذه النواميس موافقة للطبيعة البشرية لما قامت عليه الحياة الإنسانية وهي ضعيفة ضئيلة بالنسبة إلى العوامل الطبيعية في البر والبحر، ولكن الإنسان مزود بالقدرة على الحياة فيها، ومزود كذلك بالاستعدادات التي تمكنه من استخدامها.
وقد ختم (صلع) هذا الخطاب الكريم بتذكير المسلمين بالأخوة الإسلامية فقال : (تعلمن أن كل مسلم...) إن الأخوة تكون في النسب والدين والوطن، والصفات والمبادئ والمعاملات، ولكن أوثقها رابطة وأحكمها عقدا وأثبتها مودة : الأخوة في الدين التي لا تنفصم عراها ولا تغيرها الأحداث والطوارئ، ولا تختص بقوم دون آخرين، ولا بزمان دون زمان، وللمسلم على المسلم ألا يظلمه لنفسه ولا لغيره، وشر الناس من ظلم الناس، ولا يسلمه لمكروه يحل به أو مصيبة تنزل به، ولكنه يعينه ويقف معه مؤازرا ومناصرا يعزه إذا ذل، ويكرمه إذا حل، ويشيعه إذا ولى، وينصره إذا ظلم، ويواسيه إذا احتاج وإذا أحسن شكره، وإن ساء عذره، ورحم الشاعر إذ قال :
إن أخـاك الصـديـق مـن كـان معـك              ومـن يـضـر نفـسـه لينفـعــك
ومـن إذا ريـب الـزمـان  صـدعـك              شـتـت فيـك شمـلـه  ليجمـعـك
هذا هو المسلم المعدود عضوا صحيحا من جسم أمته، ولو صحت الأعضاء كلها لبلغنا الغاية القصوى وأدركنا النهاية، ولو تساند الإخوان في المبادئ، لهان كل عسير وتم كل مراد، وصدق الله إذ قال : << ولو شاء الله لهداكم أجمعين >>.
وأراد (صلع) أن يطمئن إلى شهادة أمته بما أوصى، أمام الله تعالى يوم القيامة عندما يسألون ... فأعقب توصياته بأن نادى فيهم قائلا : " إنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ ".
وارتفعت الأصوات من حوله تصرخ : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، وحينئذ اطمأن (صلع) وشعشع الرضا في عينيه ونظر بهما إلى الأعلى مشيرا بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس قائل : اللهم اشهد، اللهم اشهد... اللهم اشهد.

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here