islamaumaroc

الترجمة في خدمة التنمية الفكرية.

  عبد الله العمراني

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990

الترجمة كائن حي، ولدته أم رؤوم هي اللغة البشرية الأولى، وأنجبه أب حنون هو الرمز أو الخط. وبمرور الأيام والليال، وتعاقب القرون والأجيال، نما الكائن الحي بتكاثر الخطوط وتنوع أشكال الكتابة، وبتوالد اللغات وتعددها واتساع نطاق انتشارها وسيادتها في ربوع الكون الفسيح.
إزاء هذا التوالد والتكاثر، صقر – في البداية – كل قوم اهتمامهم على لغتهم وكتابتهم، وصعبت قراءة لغتهم على غيرهم، كما صعبت عليهم هم قراءة لغة غيرهم. من هنا برزت الحاجة إلى حل رموز اللغات وفك ألغازها المستعصية. وهنا تنبه النابهون فيكل شعب إلى أهمية تعلم لغة الشعوب الأخرى إلى جانب لغتهم، فتعلموها وعلموها، ولمسوا فائدة ذلك التعلم والتعليم في ميادين التعامل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ورأوا أن من الضروري الاستفادة من تعلمهم على نطاق أوسع، فسعوا سعيهم الحثيث وتمكنوا من إحداث أمور ذات بال:
أولها: التدوين بغية الحفاظ على الذكريات والمكتبات والأحداث التاريخية من جهة، ومن جهة أخرى، ابتغاء التعارف والتواصل بين الجيران، وإفهام الأقربين والأبعدين – زمانا ومكانا – فحوى المدونات من كتب ورسائل وما أشبه.
وثانيهما: الترجمة بقصد نقل معاني لغة إلى أخرى، وتيسير محتوياتها على الراغبين فيها من غير الناطقين بها، وتقديم تلك المحتويات لقمة أدبية – علمية سائغة لهم يسهل فهمها وهضمها.
وثالثها: تأسيس (بيوت الحكمة) و (دور العلم) و (المعاهد) و(المجامع) لتعليم الترجمة كي تصبح علما أو فنا ذا كيان خاص، ولتصل إلى مستوى أفضل راق. ولتحقيق هذا الهدف، برزت في ميدان التربية والتعليم طائفتان"
إحداهما: كانت ترى وجوب إدخال الترجمة في برامج التعليم.   
والأخرى: رأت أن لا حاجة تدعو إلى البرمجة، بل يكفي أن تعلم الترجمة عفويا، وبطريق غير مباشر هو طريق تعلم اللغة ذاتها، والإحاطة علما بقواعدها وأساليبها. كان النصر في النهاية حليف الطائفة الأولى، إذ صارت الترجمة تعلم كجزء من مادة، أو كمادة مستقلة. وهكذا أنشئت في النهاية مدارس وكليات خاصة، تكرس لها جهودها، وتعزز تلك الجهود بدراسة مواد علمية تكميلية تنبه العالم المتحضر – إذن – إلى ما تسديه الترجمة للتنمية الفكرية من خدمات وتجلبه من فوائد علمية وأدبية تستفيد منها الشعوب القارئة المتطلعة إلى مستقبل باسم. وأهم تلك الفوائد:
1) تعلم اللغة أو اللغات المراد ترجمة نصوصها، ودراستها دراسة مستفيضة، تعود بالنفع العميم على الدارسين خاصة، وعلى المجتمعات عموما.
2) التعرف على الشعب أو الشعوب التي تتحدث تلك اللغات وذلك بالتعرف على بيئتها وتاريخها، والإطلاع على أعرافها وتقاليدها، والإلمام بحضارتها وثقافتها. ولا ريب أن كل ذلك يخدم فكرة التعايش السلمي، والتعاون والتفاهم الدوليين.
3) التعريف بالمنتجات الفكرية والمعالم الحضارية لشعب ما، ونقلها إلى شعب أو شعوب أخرى لا تتحدث اللغة المنقول عنها، وبذلك يتم توسيع المدارك، وتحسين المستويات الثقافية، وفتح مجالات واسعة توحي بأن بالعالم شعوبا متفاهمة متآخية تفكر وتعمل وتعيش بطرق متماثلة، وبكيفيات وأساليب منوعة قد تتباين من حيث الوسائل، ولكنها تتفق من حيث الغاية وهي التقدم والرقي والازدهار المادي والمعنوي.
4) تكوين تراجمة مهرة يركن إليهم ويوثق بنقولهم وترجماتهم المباشرة أو غير المباشرة، المسموعة أو المقروءة.
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن للترجمة طريقتين، أو أن الترجمة نوعان:
أولا: الترجمة الحرفية: وهي أن تترجم كل كلمة من اللغة المنقول عنها إلى ما يماثلها من كلمات اللغة المنقول إليها، بيد أن تحقيق الترجمة الحرفية على الوجه الأكمل، تحول دونه حوائل أو صعوبات أهمها:
أ) أن بعض مفردات اللغة المنقول عنها، لا يوجد له مقابل في اللغة المنقول إليها، والعكس صحيح.
ب) أن خصائص البنية أو التركيب في لغة ما، قد تختلف عن خصائص البنية أو التركيب في لغة أخرى، ذلك أن الخصائص لا تتماثل دائما، وخصوصا إذا كانت اللغتان متباعدتين تنتمي كل منهما إلى أصل مختلف، كاختلاف السامية عن الآرية، واللاتينية عن الجرمانية.
ج) أن الترجمة الحرفية قد تكون من وجهة نظر أرباب اللغة المنقول إليها ركيكة الأسلوب، مهلهلة النسج، تبدو عليها آثار الترجمة، ويسودها الغموض أحيانا.
د) أن النصوص التي تتم ترجمتها بهذه الطريقة الحرفية، تظل دوما في حاجة ماسة إلى ترجمتها من جديد، بطريقة أكثر دقة وسدادا.
ثانيا: الترجمة الحرة: وتبدأ بأن يقرأ المترجم النص مرة بعد أخرى قبل أن يقرأه جملة جملة متأملا في المعاني والأفكار والمصطلحات والتراكيب التي تناسب النص في اللغة المنقول إليها. ثم يشرع في الترجمة مراعيا الدقة والأمانة في النقل، مع المحافظة على المعاني الأصيلة للنص المترجم، وعلى خصائص اللغة المنقول إليها وأساليبها وقواعدها، وذوق أهلها الأدبي... إلى غير ذلك مما تتطلبه الترجمة الحرة النزيهة السليمة.
هذا، وينبغي أن لا يعزب عن بال المترجم أن اللغات التي تتباين في قواعدها وأساليبها، تتفاوت فيما بينها من حيث الرشاقة والأناقة والزخرف اللفظي. فاللسان العربي – مثلا – كثيرا ما ترتكز أساليب بعض كتابه على الظاهرات البيانية من مجاز وكناية وتمثيل، أو المحسنات البديعية من لفظية كسجع وجناس، أو معنوية كتورية وطباق. أما اللغات الأوربية الأخرى فهي أقل توشية وزخرفة، وبالتالي فهي أقل إسهابا وإطنابا. فعلى المترجم أن يراعي هذا، ويعتمد المساواة في الأسلوب، متفاديا الإيجاز المخل، أو الإطناب الممل، ومكتفيا فقط بالعبارة الموفية بالغرض المقصود، اللهم إذا كان متأكدا من أن اللغة المنقول إليها تتوفر على مثل تلك الظاهرات البيانية أو البديعية، حينئذ يمكنه أن يستعمل ما يشبه تلك الظاهرات بكل ثقة واطمئنان.
وهكذا يمكن أن يقال في الأمثال، فإذا كانت متشابهة في اللغتين، ترجم المثل بمثيله في اللغة الأخرى ولا حرج. فمثلا: إذا أردنا ترجمة المثل العربي (إن الطيور على أشكالها تقع) قلنـا فـي الإنجليـزيـة: Birds of a feather flock together وقلنا في الإسبانية: Dios los cria y ellos se juntan أما إذا كانت الترجمة صعبة أو متكلفة، فيحسن بالمترجم حينئذ ألا يلجأ إلى ترجمة حرفية ركيكة، بل ينبغي أن يعمد إلى الترجمة الحرة فيترجم النص حسب المعنى المراد منه.
من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – تتبع حركة الترجمة في بلدان الحضارات الشرقية أو الغربية، ومن الصعب – إن لم يكن من المستحيل – كذلك تحديد بداية زمنية لتلك الحركة، ولن تكفينا الإشارة هنا إلى بعض المراكز الثقافية العالمية التي مارست الترجمة، ودفعت عجلة التقدم العلمي والنماء الفكري إلى الأمام.
نشير هنا إلى الفتوح الإسلامية وما أتاحته من تمازج الشعوب واحتكاك الثقافات المختلفة من مصرية وإغريقية (يونانية) وفارسية وهندية وصينية. إزاء هذا التمازج والاحتكاك رأى المسلمون أن لا مندوحة لهم عن الترجمة التي تتيح لهم الإطلاع على الثقافات المنوعة، ثم تقييمها وإجراء الموازنة بينها وبين الثقافة العربية الإسلامية.
ففي دمشق عاصمة الدولة الأموية بالمشرق، كان الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (ت. 704 م) أول من اهتم بترجمة الكتب العلمية التي كان يهواها ويميل إليها في علوم الكيمياء والطب والتنجيم. وفي بغداد جاء الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور (754-775م) فأسس بيت الحكمة، وجلب له نوادر الكتب، وقرب العلماء وشجع المترجمين. وفي عهد الخليفة العباسي السابع المأمون (813-833م) بلغت حركة الترجمة أوج تقدمها.
وكانت الترجمة إلى العربية من اللغات الحية المعاصرة حينئذ، كالسريانية والإغريقية. وقام بالترجمة عدة مترجمين اشتهر منهم على الخصوص آل بختيشوع الذين أهمهم أولهم: جورجيس بن بختيشوع، وآل حنين ابن إسحاق العبادي الجيري الذي كان شيخ المترجمين، كما كان أعلم أهل زمانه بالسريانية والإغريقية والفارسية، علاوة على العربية التي تتلمذ فيها على النابغة العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي.
ومن الذين ترجموا إلى العربية من السنسكريتية (الهندية) مُنْكَه الهندي، وابن دهن الهندي. أما الذين ترجموا إليها من اللغة النبطية (الكلدانية)، فنجد من بينهم العالم أحمد بن وحشية النبطي المتوفى حوالي سنة 800م... كل هؤلاء – وغيرهم – كانوا أعلام ترجمة أثروا الفكر العربي بما أسدوه للغة الضاد من ترجمات علمية للكتب الطبية والفلكية والفلسفية وغيرها.    
وفي قرطبة عاصمة الدولة الأموية بالغرب الإسلامي، نجد عبد الرحمن الثالث (300-350هـ = 913-961 م) يستقبل سفارة إمبراطور بيزنطة قسطنطين السابع (913-919م) ويتقبل منها هدايا ثمينة من أهمها:
1) نسخة من كتاب التاريخ الذي ألفه باللاتينية المعروفة لدى الأندلسيين، حبر قوطي من القرن الخامس الميلادي يدعى باولوس أوروسيوس: Paulus Orosius.
2) نسخة إغريقية أصيلة من كتاب ديوسقوريدس Dioscurides في الأعشاب الطبية. سبق أن ترجم هذا الكتاب في المشرق بقلم استيفان بن باسيل، أيام الخليفة العباسي العاشر المتوكل (847-861م)، وكانت الرتجمة رائدة في الأندلس، ولكنها كانت ناقصة. وكانت للكتاب أيضا ترجمتان أخريان إحداهما لحنين بن إسحاق، ولكنهما لم يروجا في الأندلس، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن وجود النسخة الإغريقية الأصيلة بين يدي الخليفة عبد الرحمن الثالث أغراه بترجمة الكتاب من جديد. إذا نراه يطلب من قسطنطين السابع أن يزوده بمن يتقن اللغتين الإغريقية واللاتينية بقصد الاستفادة من خبرته، والاستعانة به في الترجمة، فزوده بالراهب نيقولاس الذي وصل إلى قرطبة في غضون سنة 340هـ (951م).
حينئذ ألف الخليفة لجنة الترجمة التي كان من أعضائها:
أبو محمد عبد الله الشجار أي النباتي، والسيد بسباسي، وأبو عثمان الجزار (الملقب باليابسة)، والطبيب محمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم، وأبو عبد الله الصقلي، الذي كان يتحدث اليونانية، بالإضافة إلى الراهب البيزنطي نيقولاس، واليهودي الأندلسي حسداي بن شبروط... وهكذا نجد أن اللجنة قد تم تأليفها بغض النظر عن جنس أعضائها أو ملتهم، ذلك أن البحث العلمي من جهة، وروح الديانة الإسلامية السمحة من جهة ثانية، لا يقران التحيز الديني أو التمييز العنصري.
وللقيام بالمهمة على خير وجه، ولإتمام تعريب الكتاب بكيفية مرضية، رأت اللجنة أن تبحث عن مقابل الاسم الإغريقي في اللغة العربية الفصحى، أو في اللهجة العامية الأندلسية، وأن تسقط من اعتباراتها النباتات التي لا تنمو بالأندلس، وأن تترجم فقط تلك التي تنمو بها، مع إضافة النباتات الخاصة التي تنمو في التربة الأندلسية ولا يوجد لها مثيل في بلاد اليونان.
ولتحقيق هذا الهدف، كان لابد من طواف أعضاء اللجنة بأنحاء الأندلس في رحلات استكشافية تجول في السهل والجبل،وفي الساحل والداخل، بغية جمع النباتات، وإبداء الملاحظات، وعقد الموازنات، وعمل كل ما من شأنه أن يسهم بقسط في خدمة ميادين علم النبات والصيدلة والطب. وليس هذا فحسب، بل ظل كتاب ديوسقوريدس قطب رحى البحث العلمي في الأندلس ردحا من الزمن، حيث درسه ونقحه وألف في موضوعه علماء أندلسيون عديدون، مثل أبي داوود سليمان ابن حسان المعروف بابن جلجل، ومثل الوزير أبي المطرف عبد الرحمن بن وافد اللخمي، وأبي جعفر أحمد بن محمد بن السيد الغافقي، وهو غير الطبيب محمد بن قسوم بن أسلم الغافقي مؤلف كتاب (المرشد في الكحل) أي طب العيون.
وإذا انتقلنا عبر المكان من قرطبة إلى طليطلة،وعبر الزمان من أواسط القرن الرابع الهجري (أواسط العاشر الميلادي) إلى أواخر القرن الخامس الهجري (أواخر الحادي عشر الميلادي) وجدنا أنفسنا أمام مركز إشعاعي مهم انتشرت منه الثقافة العربية إلى باقي نواحي إسبانيا، وسائر أنحاء أوربا الغربية، وبالخصوص عهد أسقف طليطلة رايموندو (1126-1152م) الذي يرجع إليه الفضل في إدخال النصوص العربية في دوائر الدراسة الغربية، وفي رعاية جماعة من المترجمين الطليطليين. ففي هذا العهد تم نقل المؤلفات العربية إلى اللاتينية في مختلف العلوم من طب وفلك ورياضيات وكيمياء وطبيعة وتاريخ طبيعي، وفي السياسة والمنطق والفلسفة وما وراء الطبيعة. وفيه ترجمت كذلك تلك الشروح والمختصرات الفلسفية التي وضعها علماء عرب من أمثال الكندي، والفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد، والبطروجي (ت. 1185م).
وممن برز من هؤلاء المترجمين الإسباني دومينيكوس كونديسالفي (دومينكو كونثاليث)، واليهودي المنتصر يوحنا ابن داوود، كان الاثنان يشتركان غالبا في الترجمة، فكان يوحنا يقوم بترجمة  النص العربي إلى الإسبانية الدارجة، وكان زميله كونديسالفي يقوم بنقلها إلى اللاتينية لغة العلم والأدب آنذاك.
ونواصل المكوث – بعض الوقت – في بلاد الأندلس، هذا البلد الخصيب المعطاء، فنشهد ما يثير العجب والإعجاب معا، نشاهد ثالوثا سحريا دهشا يؤلفه:
أ) ملك المغرب والأندلس، الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي كان مهتما بالفلسفة والطب، جمّاعا للكتب، مقرّبا للعلماء، وأهل النظر منهم خاصة.
ب) طبيبه الخاص، أبو بكر محمد بن طفيل، تلميذ فيلسوف الأندلس ابن ماجة، والمؤلف في الطبيعيات والإلهيات، والفلسفة، إذ هو مؤلف الرسالة الفلسفية الشهيرة (حي بن يقظان).
ج) أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الحفيد) صديق ابن طفيل، وشارح أرسطو، وصاحب مذهب (الرُّشدية) في الفلسفة.
لكن، كيف تم إجماع هذا الثالوث، وإجماعه على خدمة الفلسفة والإنتاج الفلسفي؟ ذلك سنتعرف عليه من خلال كلام ابن رشد وهو يصف لنا لقاءه الأول مع الخليفة الموحدي:
"لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب، وجدته هو وأبو بكر بن الطفيل ليس معهما غيرهما، فأخذ أبو بكر يثني علي، ويذكر بيتي وسلفي، ويضم – بفضله – على ذلك أشياء لا يبلغها قدري. فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي، أن قال لي: ما رأيهم – يعني الفلاسفة – في السماء؟ أقديمة هي أم حديثة؟ فأدركني الحياء والخوف، وأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة، ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل، ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء، فالتفت إلى ابن طفيل، وجعل يتكلم في المسألة التي سألني عنها، ويذكر ما قاله أرسطو، طاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة، ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد منالمشتغلين بهذا الشأن، المتفرغين له... ولم يزل يبسطني حتى تكلمت، فعرف ما عندي من ذلك".
هذا ما قاله الفيلسوف ابن رشد الذي يطلق عليه الأوربيون اسم شارح أرسطو. أما الحافز له على الشرح فيقول عنه: "استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي: سمعت اليوم أمير المؤمنين يشتكي من قلق عبارة أرسطو طاليس أو عبارة المترجمين عنه، ويذكر غموض أغراضه ويقول: لو وقع لهذه الكتب من يلخصها، ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا، لقرب مأخذها على الناس... فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل، وإني لأرجو أن تفي به، لما أعلمه من جودة ذهنك، وصفاء قريحتك، وقوة نزوعك إلى الصناعة، وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبرة سني، واشتغالي بالخدمة، وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي من ذلك".
واستجاب أبو الوليد ابن رشد للفكرة ورحب بها قائلا: "فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أريسطو طاليس" ولا يعزب عن البال، أن ابن رشد لم يكتف بتلخيص كتب أرسطو بل علق عليها، وأوضح أغراضها، وأضاف إليها الشيء الكثير، مما يعتبر أصلا من أصول العلم الحديث في أوربا.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن الحديث عن الأندلس الإبيرية، يقودنا إلى الحديث عن الأندلس الإبيرو-أمريكية، خصوصا أن الاحتفالات بما يسمى هيسبانو أمريكانيسمو Hispanoamericanisma على الأبواب. لذا أرى لزاما أن أشير إلى الأندلس الجديدة التي خلفت الأندلس القديمة، وحلت محلها في إثراء الفكر العربي والغربي على السواء، وأعني بالأندلس الجديدة أمريكا التي صارت – فيما بعد – ملاذا ومهجرا لأدباء فلاسفة عرب، لجئوا إليها من الشرق، منذ أواخر القرن 19 م إما فرارا من العسف والاضطهاد، وإما سعيا وراء الحرية وكسب الرزق الحلال.
استطاع هؤلاء الأدباء الفلاسفة – على الرغم من نقص التكوين الثقافي لدى بعضهم في مواطنهم الأصيلة – أن يستكملوا ذلك التكوين في عالمهم الجديد، وأن يتفوقوا فيه كثيرا، وأن ينتجوا للأدب العربي والأدب الإسباني-الأمريكي روائعهم الخالدة. وليس هذا فحسب، بل استطاعوا أن يؤدوا لمجتمعاتهم التي يعيشون فيها خدماتهم الاجتماعية والحضارية على نطاق واسع.
لقد حاضروا بالعربية وباللغات المحلية من إنجليزية وإسبانية وبرتغالية، في النوادي والجمعيات والجامعات وقد نشروا أبحاثهم ومقالاتهم وقصائدهم بتلك اللغات في جرائدهم ومجلاتهم هم، وفي الجرائد المحلية السيارة والمجلات الواسعة الانتشار.
وقد أصدروا كتبا عربية – أدبية وفلسفية – وترجموها إلى اللغات الأجنبية المختلفة، مما رفع شأنهم هم، وعرف العالم الغربي بلغتهم وأدبهم وعلمهم وحضارتهم الشرقية.
ومن الجمعيات الأدبية – العلمية التي أسسوها، فجمعت شملهم، وكان لها الفضل الأكبر في خدمة الجوالي العربية بمختلف أنحاء أمريكا بأقسامها الثلاثة، وفي خدمة وطنهم عن بعد، ثلاث جمعيات هامة:
1) العصبة الأندلسية: تأسست في سان باولو بالبرازيل سنة 1935 م. وكان هذا الاسم يطلق على الجمعية وعلى المجلة التي كانت تصدر عنها.     
2) الرابطة الأدبية: وتأسست سنة 1949 م في عاصمة الأرجنتين بوينوس أيريس.
3) الرابطة الإقليمية: وهي أقدم وأعرق، إذ تأسست في نيويورك بالولايات المتحدة سنة 1920م.
لقد قدمت هذه الجمعيات الثلاث – كما سبق أن ألمحنا – خدمات جلى للأدب والثقافة. وللتدليل على ذلك، ولأخذ فكرة عما كان يرمي إله هؤلاء الأدباء من جدية وتجديد، نشير إلى المبادئ التي كان اتفق عليها مؤسسو الرابطة القلمية، فقد قرروا ما يلي:
"أن ليس كل ما سطر بمداد على القرطاس أدبا... ولا كل من حرر مقالا، أو نظم قصيدة موزونة بالأديب... فالأدب الذي نعتبره، هو الأدب الذي يستمد غذاءه من تربة الحياة ونورها وهوائها، والأديب الذي نكرمهن هو الأديب الذي خُصًّ برقة الحس، ودقة الفكر، وبعد النظر في تموجات الحياة وتقلباتها، وبمقدرة البيان عما تحدثه الحياة في نفسه من التأثير".
ولا يخـامرنا أدنى شك في أن أدباء الرابطة القلمية – وكذلك أدباء الرابطة الأدبية، والعصبية الأندلسية - كلهم حافظوا – وبكل دقة متناهية – على تلك المبادئ الأدبية والسامية وأنتجوا – بمقتضاها – أدبهم الرفيع، الذي ترجم الكثير من روائعه، فبهر القارئين والدارسين معا.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here