islamaumaroc

لمحات حول أوضاع الأشخاص المسنين في المجتمع الإسلامي

  علال البوزيدي

العدد 281 ربيع 1-ربيع2- جمادى1 1411/ أكتوبر-نونبر-دجنبر 1990


1) كلمة استهلالية :
تتميز أوضاع الأشخاص المسنين في المجتمع الإسلامي بخصوصيات لها علاقة وطيدة بالواقع الذي يطبع حياة المجتمع ويحدد العلاقات الإنسانية العامة بين أفراده، وذلك في ضوء الشريعة الإسلامية الخالدة، التي نصت في مجال الرعاية الاجتماعية لفئة الأشخاص المسنين على ما يضمن لهم حياة الكرامة والأمن والاطمئنان. وتنقسم هذه الرعاية إلى شطرين اثنين هما :
أ- رعاية عائلية ورعاية اجتماعية، وهذه الرعاية تعتبر في حد ذاتها كفالة منبثقة عن نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام وقد جاءت عدة شروح وتفاسير لهذه المسألة في كتب ومؤلفات، استمدت مادتها الأساسية من الكتاب والسنة، ويمكن الإشارة إلى بعض الآيات التي جاءت بهذا الخصوص،فالكفالة والرعاية العائلية، تتجسد فيما أوجبه الله من النفقة،والمعاملة بالحسنى لفائدةالآباء والأمهات بحجة القرآن الكريم في سورة العنكبوت :
<< ووصينا الإنسان بوالديه حسنا >>.
<< وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا >>. سورة الإسراء. وبهذه الأخلاق القرآنية نصت المذاهب الفقهية أن هذا الرعاية والكفالة يمتد واجبها لتشمل النفقة على الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات.
ب- وهناك الشطر الثاني، ويتعلق بكفالة ورعاية المسنين اجتماعيا، بحيث نصت الشريعة الإسلامية على ضمان الرعاية الاجتماعية للمسنين في إطار نظام الزكاة، وبفضل التضامن العائلي والاجتماعي، لم تكن إشكالية الشيخوخة بالخطورة والأزمة التي توجد عليها في بعض المجتمعات المادية بما فيها المتقدمة صناعيا وتكنولوجيا، وبفضل المرونة التي يتميز بها السلوك العائلي والاجتماعي في المجتمع الإسلامي، وقع التخفيض من حدة مشكلة الشيخوخة، حيث تعززت مكانة المسنين في مجال الرعاية الاجتماعية، بما تقدمه مؤسسات الأوقاف والشؤون الإسلامية من خدمات، ذلك أن الوقف يقوم بدر مهم لفائدة الشيوخ والمسنين والعجزة، إلى جانب الحفاظ على استمرارية الرسالة المحمدية، وسلامة العقيدة الإسلامية وترسيخها في القلوب، وتتبيثها في النفوس، ودعمها للجهود الهادفة إلى رعاية المسنين، إيمانا بأن الرعاية الاجتماعية لعالم الشيخوخة، ضرورة حتمية وواجب إنساني، فقد اتفقت الآراء على إعطاء مزيد من العناية لمن بلغوا مرحلة السن الثالث مع السهر على راحتهم، وتطبيق كل التوصيات والقرارات الهادفة إلى ضمان حقوقهم، مع تشجيع خلق الجمعيات التي تعنى بالمسنين، وتظافر الجهود على أساس التنسيق بين المنظمات التي تهتم بقضايا الشيخوخة، على أن يشمل هذا التنسيق كل مجالات التعاون بين المنظمات والجمعيات الغير الحكومية العاملة في هذا الميدان، والقطاعات الحكومية المكلفة بالعمل الاجتماعي، وإدماج برامج ومشاريع العمل التي تخص فئة المسنين ضمن المخططات التنموية.

2) دور الأسرة في رعاية الأشخاص المسنين :
<< وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا >>. صدق الله العظيم.
يتضح من خلال الواقع الاجتماعي، أن وضعية المسن داخل الأسرة، تثير بعض التساؤلات، وأحيانا تثير الإشفاق على أحد الطرفين، أو على الطرفين معا، ذلك أن بعض الأسر لا تتوفر على إمكانيات تساعدها على القيام بواجب الرعاية المطلوبة لمن وصلوا السن الثالث أو العكس، هناك إمكانيات، ولكن هناك إهمال، وهناك عدم الشعور بالواجب، خصوصا في حلة تفكك الأسرة، أو عدم انسجام أفرادها، بل ونجد بأن هذا التقصير راجع حتى إلى مدونة الأحوال الشخصية، التي تجعل واجب النفقة على الأبوين دون أن تلزم بالإنفاق على غيرهما، علما بأن العلاقة العائلية تمتد بطبيعة الحال إلى الإخوة والأعمام والعمات والأخوال والخالات والأقارب، وتتنوع أوضاع المسنين وواقع حياتهم وظروف عيشهم، بحيث هناك من كانوا يمارسون الصناعة والتجارة والحرف الحرة، وهناك من كانوا يمارسون أعمالا في قطاعات عمومية أو شبه عمومية، حيث يشملهم نظام المعاش، فيحالون على التقاعد عندما يبلغون من العمر 60 سنة وقد يختلف تحديد سن التقاعد من بلد إلى آخر.
وعلى أي حال فهؤلاء المحالون على التقاعد لا يعانون من مشكل الشيخوخة بالقدر الذي يعاني منها الذين لا معاش لهم، لذلك فالمساعدة التي تمنحها صناديق التقاعد لها دورها في التخفيف من أزمة الشيخوخة، سواء المسن رب أسرة أو يعيش داخل أسرة. في الحالتين تكون وضعيته أقل تأزما من وضعية الذي أصبح شيخا ولا معاش له، فيجد نفسه عالة على نفسه وعلى أسرته، لكونه لا يتلقى أية مساعدة مبرمجة تمكنه من مواجهة متطلبات ما تبقى من حياته، علما بأن في المرحلة المتأخرة من عمر الإنسان تزداد حاجياته إلى التغذية المتوازنة، وإلى العلاج، وبالتالي إلى الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية المتكاملة، وأين هو من ذلك في أسرة تعاني ظروفا قاسية من حيث الوضع الاجتماعي والاقتصادي والبيئوي، ومن شأن الأوضاع المتردية والظروف القاسية أن تؤثر في نفسية المسن، وتجعله يعاني من التوتر، والقلق، وارتفاع الضغط الدموي، ومما يزيد في الطين بلة، أن طرفا من فئة المسنين يصبح على هامش الحياة، فلا تقاعد، ولا تأمين صحي، ولا موارد منتظمة، ولا دخل قار مهما كان حجمه. لذلك فإن مرحلة الشيخوخة على هذا الشكل، تعتبر قاسية جدا، وهناك صور ونماذج في بعض المجتمعات تؤكد ذلك، وتقتضي إعادة التفكير بكيفية جدية في أوضاع وأحوال الشيخوخة التي تعيش في القرى النائية والأرياف وأحياء الصفيح والأكواخ والأحياء الشعبية بالمدن الكبرى. وشمولية الرعاية الاجتماعية والصحية لهذه الفئة ضرورة ملحة،إذ كل فرد لابد وأنه ساهم بقليل أو كثير في تكوين أسرة، وبناء مجتمع، وتقديم خدمة من الخدمات ذات النفع العام.

 3) الأشخاص المسنون والعمل الاجتماعي :
للعمل الاجتماعي أهمية كبيرة بالنسبة لقضايا الأشخاص المسنين، لذلك فكلما تعددت مرافق ومؤسسات العمل الاجتماعي لفائدة هذه الفئة، كلما وقع التخفيف من حدة مشاكل الشيخوخة، وسهل القيام بالواجب نحوها. غير أن توسيع نطاق هذا العمل، يقتضي مساهمة الجميع بما في ذلك التنظيمات والجمعيات، التي تكونت في نشأتها من أفراد كانوا أطفالا وشباب، ومرت السنون والأعوام فأصبحوا شيوخا في حاجة إلى مساعدتهم وتكريمهم. ولا يحقق العمل الاجتماعي النتائج المتوخاة منه، ما لم يصاحبه الوعي الاجتماعي الذي يجعل الجميع يحس بقيمة هذه المرحلة في حياة البشر، خاصة وأنه لا يوجد أحد يكره الحياة، فالإنسان يريد أن يبقى ملتصقا بأرضه كان فلاحا، وبحرفته وبصناعته، وبممارسته لسلوكه الاجتماعي، ومسؤولياته العائلية والأبوية. وهذه حالة نفسية ينبغي إيلاؤها كل اعتبار، وذلك بعدم تهميش المسنين، بل ينبغي الاستفادة من تجاربهم، والاستماع إلى أقوالهم، حتى لا تطغى على حياتهم حالة التخريف التي يصاب بها أولئك الطاعنون في السن، بسبب ضعف الذاكرة، بحيث نجد أن تصرفات بعض الشيوخ المسنين غير معقلنة، بل هي عشوائية تنم عن الخلط وعدم التركيز في الكلام والنسيان وغر ذلك، مما يدخل في حالة التخريف، ومع ذلك ينبغي تصحيح ما يصدر عن المسنين، لإشعارهم بأنهم لا يزالون يحيون الحياة بصورة طبيعية حتى لا يدب إليهم اليأس، وهذه المعاملة ضرورية للشيخوخة، سواء من طرف الأسرة، أو المؤطرين لمأوى العجزة التي يتطلب أن تكون في مستوى رغبات هؤلاء المسنين، توفر أسباب الراحة والتسلية في إطار الرعاية الصحية، علما بأن حالة التخريف التي أشير إليها آنفا، قد تصيب البعض من المسنين وليس الكل. وقد أكدت بعض الدراسات والأبحاث الميدانية، أنها تصيب بكيفية خاصة المسنين الأميين الذين ليسوا على مستوى من المعرفة والوعي، بينما هناك أشخاص بلغوا سن الشيخوخة، وظلوا يتمتعون إلى آخر لحظة من حياتهم بالعقل السليم، والفكر المبدع، والأمثلة كثيرة في أجدادنا السابقين الذين كانوا يواجهون سكرات الموت وهم يؤلفون روائع الكتب في العلم والأدب والفقه والطب. كما نجد بعض الأشخاص المسنين يدركون بوعي، ما تقتضيه منهم مرحلة السن الثالث من التزام جانب الراحة، والعمل المنظم، والسلوك المتوازن، فيعبرون عن ذلك من خلال بعض مواقفهم وتصريحاتهم، يعلون مغادرتهم لمجالات الأعمال الفنية والإبداعية أثناء حفلات تكريمهم أمام الجمهور، الذي يكون قد تابع عطاءاتهم لأن هناك بعض المسنين، لا يرضون بوضعهم الجديد، ولا يقنعون من الحياة بما مضى، وتتكون عندهم عقدة الغيرة التي تتغير أحيانا إلى الحقد عمن هم في مرحلة الشباب أو الكهولة، متجاهلين بأنهم مروا من تلك المرحلة فيما قبل، وهذه الحالة تلاحظ بكيفية محسوسة عند بعض العجائز من النساء.

 4) إشكالية الأشخاص المسنين كما يراها الأدباء :
تحدث الأدب والأدباء عن مرحلة الشيخوخة، فأجادت القرائح، وأبدعت في وصف هذه المرحلة شعرا ونثرا وقصة. ولعل ذلك البيت الشعري المشهور في الأدب العربي، والذي طالما تردد على الألسنة يقول ما معناه : ليت الشباب يعود يوما، لأخبره بما صنع المشيب، ففي هذه القولة الشعرية أحسن تعليق.
ومن المقالات الرائعة في الإبداع الأدبي، ما جادت به قريحة الأديب العربي الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي في مجموعته الأدبية النظرات تحت عنوان : الشعرة البيضاء.
مررت صباح يوم أمام المرآة، فلمحت في رأسي شعرة بيضاء تلمع في تلك اللمة السوداء لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء، رأيت الشعرة البيضاء في مفرقي، فارتعت لمرآها، كأنما خيل إلي أنها سيف جره القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل، أو يأس قاتل عرض دون أمل إلى أن قال : فأنت رسول الموت الذي مازلت اطلبه منذ عرفته، فلا أجد له سبيلا، ولا أعرف له رسولا.
ما الذي يحمله لك في صدره من الحقد رجل لم ينعم بشبابه، فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة فيجزه لمرارة الموت؟
واسترسل المنفلوطي في وصفه للجو الذي تتميز به الشيخوخة، إلى أن ختم مقالته في الموضوع بقوله:
أيتها الشعرة البيضاء : مرحبا بك اليوم، ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا القضاء المختبئ وراءك، أو الكامن في أطوائك، ومرحبا بتلك الغرفة التي أخلو فيها بربي، وآنس بنفسي، من حيث لا أسمع، حتى ذوي المدافع،ولا أرى حتى غبار الوقائع.
أهلا لوافدة للشيب واحدة، وإن تراءت بشكل غير موعود.
ولم يكن هذا الأديب وحده، هو الذي اهتم بهذه المرحلة، بل هناك الكثير من الأدباء والعلماء تحدثوا كثيرا وبإسهاب عن الشيخوخة وظروفها المختلفة، ولم يخف أحد من هؤلاء حالته ذاتيا ووجدانيا، غير أن الفرق هو كما سبق أن قلت في كل ما قيل، تباري وتناقض والغث والسمين. هناك ما يعبر عن سذاجة وتخريف، كإفراز من إفرازات الشيخوخة، وهناك كذلك ما يعبر عن النضج وعصارة تجارب الحياة المليئة بالاجتهاد والإبداع والعطاء الأدبي والفني والعلمي، وتبقى الشيخوخة واحدة، ولكن ظروف المسنين تختلف.
ولكن خلاصة القول، أن مرحلة الشيخوخة هي بدون منازع جسر لابد من عبوره في حياة كل إنسان مارس دوره في الحياة بكيفية طبيعية.

5) كلمة لابد منها وتكون مسك الختام :
إذا تأملنا بعمق مرحلة الشيخوخة، نجد بأن الإحساس بحقيقة الحياة وتفاعلات البشرية على البسيطة، إنما تدرك الإدراك الحقيقي في الشيخوخة، حيث يراجع فيها الإنسان صفحات ماضيه، ويتأمل من خلال هذا الماضي مواقفه الخاصة والعامة، ويكتشف في نفسه مواطن الخطأ والصواب من خلال مسلسل ذكريات له أو عليه. ولذلك تعتبر مرحلة الشيخوخة عصارة ذكريات وتجار بالحياة.
وخير الكلام قول الله عز وجل : << وتلك الأيام نداولها بين الناس >> صدق الله العظيم.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here